إسلام ويب

تفسير سورة غافر [60-65]للشيخ : المنتصر الكتاني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد حثنا الله تعالى على دعائه ووعدنا بالاستجابة، ثم توعد الذين يستكبرون عن دعائه وعبادته بدخول النار وبئس المصير، ثم عدّد الله تعالى نعمه على عباده، فهو الذي جعل الليل سكناً، وجعل النهار مبصراً، فالليل لباس والنهار معاش، وهو أيضاً الذي جعل الأرض لنا قراراً، وصورنا فأحسن صورنا، ورزقنا من الطيبات، فإذا كان الأمر كذلك فهو المستحق للعبادة وحده سبحانه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم...)

    قال الله تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر:60].

    يقول الله لعبده ونبيه: قل يا محمد للجن والإنس ومن أرسلت إليه: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60]، (ادعوني) أي: اعبدوني بندائي في الدعاء يا الله، واطلبوني في كل ما تريدون.

    والله جل جلاله انفرد بأنه الذي يحب أن يدعى ويطلب منه، فحتى ملح طعامك إذا لم تجده فادع الله، وحتى شسع نعلك إذا انقطع فادع الله، والناس عادة يملون من كثرة السؤال، لكن الله جل جلاله يحب العبد السائل الداعي، يحبه عندما يدعو ويضرع قائلاً: يا رب! لا باب إلا بابك، ولا رب لي إلا أنت، ولا معطي ولا مانع إلا أنت، ولا هادي إلا أنت، فإذا طردتني فأي باب أطرق؟ ومن أدعو وأطلب؟ وكما في الحديث القدسي: (عليكم الدعاء وعلي الإجابة)، أوجب الله ذلك على نفسه بعد أن أوجب الدعاء علينا، وفي حديث نبوي آخر: (الدعاء هو العبادة)، وهو في صحيح ابن حبان ، وصحيح الحاكم ، وفي السنن الأربع لـأبي داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجة ، وهو في الكثير من أمهات السنة المطهرة.

    وكذلك في الحديث الآخر الذي في الصحاح والسنن: (من لم يدع الله يغضب عليه)، فالدعاء هو جزء من أجزاء العبادة، وشعبة من شعبها؛ لأن معنى قول الداعي: أعطني يا الله، أي: أنك أكدت واعتقدت على أنه لا قادر على العطاء والمنع إلا هو.

    فمجرد هذا الاعتقاد في نفسك عبادة، فإذا أنت نصبت به وأعلنته تكون عالماً بخالقك وبعقيدتك، ولذلك أيضاً في الصحيح وفي السنن: (من لم يسأل الله يغضب عليه)، ولا يدخل هذا المدخل -أي: نزل سؤال الله- إلا مخذول، يدعوك الله للدعاء ليستجيب لك دعاءك، ومع ذلك تتأخر عنه وهو القادر على كل شيء.

    ومما يدل على أن الدعاء عبادة قوله تعالى هنا: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي [غافر:60]، أي: عن دعائي وسؤالي ورجائي.

    لذلك قال الله في أول الآية: ادْعُونِي وفي آخرها: عبادتي وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي [غافر:60] أي: يتعاظمون عن ربهم، عن عبادته، وعن اتباع أنبيائه، فهؤلاء يشركون بالله؛ لأنهم لا يعبدون الله، وقد جعلوا له شركاء عبدوهم معه، أوثاناً وأصناماً وأوهاماً ما أنزل الله بها من سلطان، المتكبرون المتعاظمون عن دعوات الرسل، جزاؤهم ما قال الله في آخر الآية: سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر:60]، أي: أذلاء صاغرين، فسيدخلون جهنم بشركهم وكفرهم وبعدهم عن الله، ولتعاظمهم عن أمر الله وطاعة رسله.

    إذاً: فمن تكبروا عن دعاء ربهم يهددهم الله ويتوعدهم وينذرهم بأنهم سيدخلون جهنم أذلاء صاغرين، أحبوا أم كرهوا.

    ولذلك الدعاء له مقام كبير في الإسلام، فالدعاء نفسه عبادة من عبادات الله، ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام كانت له أذكار ودعوات صباحية ومسائية ونهارية، وعند النوم وعند الصحو، وعند الخروج من الدار وعند الدخول إليها، وعند السفر وفي الحضر، ودخول المساجد والخروج منها، وفي جميع الأحوال، وقد اعتنى بذلك العلماء من سلفنا الصالح، فكتبوا من الأوراد والأذكار التي التزمها النبي عليه الصلاة والسلام، والتي علمها أتباعه المؤمنين، أوسع وأكثر هذه المراجع الأذكار للنووي ، وقد شرح في عدة مجلدات، وأقربها للمعنى أذكار ابن القيم ، وأذكار الشوكاني ، وأذكار السيوطي ، وهذه الكتب على اتصالها بالموضوع تتحدث عن صحتها وعن ضعفها، وعن أسباب ورودها في الكثير من الأحيان.

    فينبغي للمؤمن أن يلتزم بذلك؛ ليكون في حصن حصين؛ لأن الذكر والدعاء من الله يتحصن به الإنسان من شر ذوي الشر من الجن والإنس.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه...)

    ثم قال تعالى: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ [غافر:61].

    فالله جل جلاله هو الذي أكرم خلقه وعباده بأن جعل لهم الليل للهدوء والراحة والاستقرار من تعب النهار، من خدمة الزوجة والولد والمجتمع، والعمل بما يكرم به وجهه عن الحاجة إلى الناس، فلا يكاد يأتي المساء إلا وقد وجد جهداً وتعباً وإعياء، فجعل الله الليل كله للخلق كلهم سكناً للراحة، فقال سبحانه: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ [غافر:61] أي: لنسكن فيه ونستريح، ولتسكن أعضاؤنا وتستريح نفوسنا، وليهدأ عقلنا من كثرة التفكير والدوران، ومعلوم أن الإحساس الذي تحس به النفس فيه مشقة وتعب، وأما عند النوم فلا تحس بشيء.

    فينام الإنسان وهو كليل متعب مجهد، فإذا نام من غير تعب ومن غير رؤى مزعجة ومن غير فكر ومن غير سهر وضياع وقت فإنه يصبح الصباح وهو على غاية ما يكون من راحة بدنية واستقرار نفسي، وإن شغله مرض أو أو شاغل أياً كان فإنه يصبح ذلك اليوم مريضاً أو كالمريض.

    فالحاصل: أن الله جعل الليل للسكون والراحة، ومن هنا كره صلى الله عليه وسلم العمل والسهر بعد العشاء، وكره النوم قبله.

    وللنوم مبكراً فوائد منها: أن يصحو الإنسان قبل الأذان بساعة أو أكثر، فيتهجد لله ركعات، وتعد من أخلص الركعات، وأنواع العبادات للإنسان في ذلك الوقت أخبرنا عنها نبينا عليه الصلاة والسلام، فعند أن ينزل ربنا إلى سماء الدنيا فإنه يقول: (هل من داعي فاستجيب له؟ هل من شاكٍ فاستجيب له؟ هل من جائع فأشبعه؟ هل من عار فأكسوه؟ هل من مظلوم فأنصره؟)، إلى آخر ما ورد، والحديث صحيح متواتر، ولـابن تيمية فيه كتاب مفيد في مخارجه ومعانيه، ومفيد في تقصي ما ورد فيه من ألفاظ ومعاني.

    وقوله تعالى: جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا [غافر:61] أي: مضيئاً، وأضاء النهار لنرى أعمالنا وأشغالنا ونتفرغ لها، فلا نوم في النهار ولا صحو في الليل، إلا ما كان من القيلولة التي لا تتجاوز دقائق امتثالاً لحديث: (قيلوا فإن الشياطين لا تقيل).

    والله هو الذي جعل النهار مبصراً مضيئاً منيراً للعمل، وجعل الليل للراحة، وجعله مظلماً ليستريح الإنسان وينام، وعم بذلك الخلق.

    وأما النهار فجعله الله مضيئاً منيراً لعمل الناس، ولخدمة العيال والقيام عليهم، وهو في حد ذاته عبادة، حتى لا تحوجهم الحاجة إلى السؤال، وطلب ما في أيدي الناس من أوساخ، ومما لا يليق بأن يكون ذلك لإنسان قادر على العمل ولم يعمل، وفي قصة سعد بن أبي وقاص لما مرض في مكة وظن أنه سيموت ولم تكن له إلا بنت واحدة، فأراد أن يخرج عن أكثر ماله، فمنعه النبي عليه الصلاة والسلام وقال: (إن كان ولا بد فالثلث والثلث كثير)، ومع ذلك أخبره بأنه لن يموت من هذا المرض، ولم يمت، بل عاش إلى أن أصبح له أولاد وبنات.

    فعندما قال له النبي عليه الصلاة والسلام: (إنك إن تترك أولادك أغنياء خير من أن تتركهم عالة يتكففون الناس)، كان يتصور هذه الكلمة وهو لا أولاد له إلا بنتاً واحدة لعلها ستتزوج وينفق عليها زوجها، ولكن هذه كانت بشرى له من رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه لن يموت في هذا المرض، ولن يموت حتى يكون له أولاد، فيترك لهم إرثاً خلفاً يستغنون به عما في أيدي الناس.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الله لذو فضل على الناس...)

    قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ [غافر:61].

    أي: إن الله جل جلاله ذو فضل على الناس بأن خلقهم ورزقهم وأراحهم، ونظم أوقاتهم: الليل للراحة والنهار للعمل، وهداهم واصطفاهم، وذاك من فضل الله.

    وقوله تعالى: وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ [غافر:61].

    أي: هم مع غير العالمين، ومع المشركين المرتدين، مع المنحرفين الضالين، ولكن الخير دائماً قليل كالملح في الطعام، وإنما وظيفة الرسل وخلفائهم من العلماء أن يبلغوا دين الله كتاباً وسنة، وما عدا ذلك فلا يكلفون به، ولكن على الحاكم أن يجبرهم على الحق بحد السيف، وذلك بإقامة الحدود، وبنشر الأمان والعدل، ومن حدثته نفسه بالإخلال الأمني وبالفساد في الأرض فإنه يفعل به ما أمر الله به ورسوله، فمن قتل وقطع وصلب، فجلد فنفيهم من الأرض، كل على حسب جريمته وذنبه ومصيبته.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ذلكم الله ربكم خالق كل شيء...)

    ثم قال تعالى: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [غافر:62].

    قوله: (ذلكم) الإشارة بـ(ذا)، و(كم) إذا أضيف لاسم الإشارة يكون المضاف إليه حسب المخاطبين، ففي المفرد يكون مفرداً، وفي الأنثى أنثى، وإن مثنى فمثنى، وإن كان لجماعة الذكور فمذكراً، أو للإناث فمؤنثاً.

    فهنا يقول الله تعالى: ذَلِكُمُ اللَّهُ [غافر:62] أي يقول الله لخلقه وعباده ذكور وإناث: ذلكم الذي قدر البعثة وقدر الحياة الثانية، وخلق الجنة والنار، وعرض الخلق عليه يوم القيامة إما إلى جنة وإما إلى نار، وذاك الذي جعل الليل سكناً والنهار معاشاً: هو الله الذي خلق الإنسان من عدم، ثم أماته ثم أحياه بعد ذلك.

    ثم مضى الله في الآية من هذه السورة الشريفة المكرمة، وكل فاعل ذلك هو الله الذي لا إله إلا هو، فلا ثاني له ولا شريك لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله.

    وقوله تعالى: فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [الأنعام:95] أي: أنى تصرفون عن الحق وهو بين واضح، تراه عينك وتدركه بصيرتك وتسمعه أذنك؟ ومع ذلك ذكركم الله ونبهكم، وأرسل لكم رسلاً مبشرين ومنذرين؛ ليعينكم على عبادته وطاعته، ومع كل هذا فكيف تركتم ذلك وأشركتم بالله؟ وكيف تركتم الاستدلال بدليل العقل والوعي والفهم؟ وأنى صرفتم عن التوحيد للشرك، وعن الحق للباطل؟

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون)

    ثم قال تعالى: كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [غافر:63].

    أي: كذلك يؤفك من الأمم السابقة الكفار الذين تمردوا على أنبيائهم، وكذلك حصل لهم أن صرفوا عن الحق، وكفروا بآيات الله وبقدرته، وبكتبه وبمعجزات أنبيائهم، وكذلك صرفوا عن الحق إجمالاً وأوقفوا عنه.

    كما عمت الآية الحاضرين، أي: التي نزلت الآية بسببهم من عرب الجزيرة ونحوهم، وكذلك عمت كل من خرج من الناس عرباً وعجماً عن الحق، وكفر بآيات الله، وبكتبه ورسله، وبالعقل والدليل والبرهان، الذين صرفوا عن الحق وابتعدوا عنه، وأغرقوا في الضلالة والشرك والوثنية.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الله الذي جعل لكم الأرض قراراً...)

    ثم قال تعالى: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [غافر:64].

    عاد الله جل جلاله فأظهر لنا وبين لنا ولفت أنظارنا ونبه عقولنا إلى أشياء صنعها رحمة بنا ومن أجلنا، فقد نكون غفلنا عنها أو لم نفكر فيها؛ لنعود إلى ربنا، ليعود الكافر للإيمان، والغافل من المؤمنين لتزول غفلته، ويعود ليقينه وقوة إيمانه.

    وقوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا [غافر:64] أي: الله جل جلاله هو الذي خلق لنا الأرض وجعلها قراراً، أي: في قرار وموضع اطمئنان وإقامة، ولو جعلها جبالاً لا يصعد إليها، أو بحاراً كلها، أو أرضاً صحراء لا نبت فيها ولا رعي، ولا ما يعود بالحياة على الإنسان والدابة، فكيف نعيش؟!

    وإنما خلق الله بعض ذلك، ومع ذلك فقد خلق الله من يعيشون في ذلك على غاية ما يكونون من الضنك والآلام والأوجاع، ولسنوات مضت فقد كانت هذه البلاد المقدسة صحاري أو قريباً منها، وكان البدوي أو الأعرابي الساكن في الصحراء يبحث عن التمرة والتمرتين الأيام فلا يجدها، ويبحث عن شربة ماء ليملئ فيها قلته ويبلل فيها حلقه فلا يجدها، فيضطر للبحث عن ذلك الأيام ذوات العدد، وقد يكون راجلاً أو على جمل، وقد يكون على دابة ضعيفة، ثم قد يجد وقد لا يجد، فيهلك عطشاً وجوعاً.

    والكثيرون ممن يسكنون جبالاً هي عشرات الآلاف ارتفاعاً إلى السماء كجبال الهملايا مثلاً، وهي مشهورة، أو جبال أطلس في المغرب، أو كشيء من جبال الدنيا العالية علواً كبيراً جداً، فإنهم لا يستطيعون المقام فيها بسهولة، ولا يكادون يستطيعون النفَس أو أخذ هواء يريح عصبهم وحياتهم، فهؤلاء يعيشون في غاية من الضنك، بحثاً عن شربة ماء، وعن لقمة من الطعام، ولكن هذا نوع من هذه الأرض وليس القاعدة، وإنما القاعدة: أن الله جعل الأرض قراراً يستطيع الإنسان فيها القيام والقعود، ويستطيع فيها التمدد والبناء، أي: بناء المدن والقرى والمتاجر، وشق الشوارع الرابطة بين المدن، فمن فعل وخلق ذلك؟ هو الله جل جلاله.

    اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً [غافر:64] فجعل السماء قبة تستر ما في الأرض مما فوقنا من خلقه سبحانه، ولو بقينا بدونها فكم نائم تحت الثلج؟ وكم نائم تحت الصواعق وتحت الزعازع والرياح الهوجاء؟ فكيف يكون نومه؟ وكيف ستكون راحته؟ ولكن الله تعالى جعل لنا هذه السماء كمظلة القبة على من تحتها، ويستريح من تحتها من الهوام والحشرات ونحوها من الخلق في الأرض.

    وما معنى السماء؟ الناس كلهم تحت السماء، ولكن هذه السماء قد يزول عنها هذا المعنى، فتأتيك بعض الأيام لظروف ما تكون فيها الزعازع والعواصف التي تمنع الطائرات أن تهبط أو أن تطير لمدة ساعات، ولو بقي ذلك باستمرار فلا طائرة تطير، ولا مسافر يسافر، وحتى السيارات تغلبها هذه العواصف، فقد تطير بها وقد تصدمها مع بعضها، وقد تضربها في جبل أو نحوه، ولكن الله جل جلاله تكرم علينا وتمنن لنذكره ولنعبده، ولنشكره على آلائه، فقال لنا سبحانه: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً [غافر:64] أي: جعل هذا البناء سقفاً محفوظاً كما سماه النبي عليه الصلاة والسلام، وكما ورد أولاً في القرآن الكريم، وهو كالقبة خلقه الله على هذه الطريقة حفاظاً علينا ما دمنا أحياء.

    إحسان الله تصوير الإنسان

    وقوله تعالى: وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ [غافر:64].

    فهذه الصور الجميلة للإنسان هي أجمل من صور كل المخلوقات، ولو خلقنا الله على أشكال القردة فماذا كنا نستطيع أن نعمل؟

    ولم يستشر ربنا سبحانه في خلقنا أحداً، ولكن خلقنا فأحسن خلقتنا، فضلاً منه وكرماً، وكل الدواب تأكل بفيها وأما نحن فخلق لنا يداً نغسلها وننظفها ثم نأكل الطعام، ونرفع بها اللقمة التي نستطيع مضغها، ثم نستطيع بها أن ننظف أجسامنا، ونغتسل ونزيل الوساخة والعرق بها.

    وأما الدواب فبماذا تتطهر؟ إنها بألسنتها تسمح أدبارها وأقدامها، وتلد القطة أو الكلب أو غيرهما من الحيوانات وتنظف وليدها من دمه ووساخته بلسانها.

    وأما نحن فالله خلقنا وجمل صورنا، وركبنا في أحسن تركيب، وجعلنا على أحسن حال دون جميع خلقه، فمن يشبهنا؟ ونحن عندما نشبه المحبوب نقول: غزال، والغزال حيوان له قرون، وله أربع أرجل يمشي عليها، ولكن الأصل العكس، أي: أن نمدح الغزال بأنه على خلق المرأة، ومن الناس من إذا أراد أن يمدح إنساناً أو امرأة يقول: قمر، وما القمر بجوار الإنسان؟

    ونحن إن وصفنا الإنسان بأنه فيه جمال التراب أو الجبال لكان هذا ذماً؛ لأنه قلد المتأخرون المتقدمين في المدح والذم، فقالوا: غزال، مدحاً للمرأة، وتمدحوا أيضاً فقالوا: فلانة كبقر الوحش، وما معنى هذا الكلام؟ معناه: أن البقر لها أعين كبيرة، وهذه البقرة قليلة في الجزيرة، وتوجد في بعض دول الخليج، فتشبه المرأة بها لأجل سعة العيون، فشبهوا المرأة التي خلقها الله في أحسن تقويم وصورة بالبقر، وهل هناك مذمة أو شتيمة أكثر من أن نقول لإنسان: أنت كالبقرة، أو كالحيوان، ولكن هكذا طلبوا أن يقولوا، وأجمل شيء أن يقال ما قاله ربنا: وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ [غافر:64]، فأحْسن صورنا في أيدينا وفي عيوننا وفي أفواهنا، وأحسن صورنا بالجمال الذي هو أجمل من كل جميل في الأرض.

    وقد يقال عن بعض الناس: هذا أبيض، أو أسمر، أو أكثر شعراً، لكن جميعنا خلقنا الله وصورنا فأحسن صورنا، ولو خلق الله جل جلاله لنا عيوناً في جباهنا، وخلقنا بيد واحدة -وهو قادر على كل شيء- فكيف الحال حينئذٍ؟ وطالما هددنا الله وأنذرنا في القرآن في آيات كثيرة بأنه قادر على أن يخلق خيراً منا وينهينا، فمن ذلك قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ [المائدة:54].

    وهذا المعنى بنى عليه أنه قادر على أن يخلقنا خلقاً آخر على غير الخلق التي نحن عليها، ولذلك كان الأولون يمسخون، فيصبح إنساناً ثم يصير خنزيراً أو قرداً أو كلباً، ولكن الله كرم نبينا وأمته، فقد ألغى المسخ، فلا يمسخ الإنسان من صورة آدمية إلى صورة حيوانية، ولكن مسخ العقول قد أخبرنا النبي عليه الصلاة والسلام بأن من الخلق من صورته صورة بني آدم ولسانه من ألسنتهم، وعقله كعقول القردة والخنازير، وهذا نراه كثيراً، فيبيت معك رجل ذا طول وعرض وجمال وهيئة، إذا أخذ في الكلام ترى أن القرد أشرف منه، من عقله من رأيه، كما نرى الآن في كثير من الخطب التي تلقي التعلق باليهود، والتذلل لهم، وشتم للموحدين المؤمنين، وسب لعباد الله الصالحين، فماذا ترى في هذا؟

    القرد أشرف منه وكذا الخنزير، وهذا كثير في الأرض.

    نعمة الرزق الطيب للعباد

    وقوله تعالى: وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ [غافر:64].

    نرى الكثير من الدواب تعيش على النجاسات والجيف، وعلى ما لا يستطيع الإنسان أن يأكله أو يمسه، فقد يموت جوعاً ولا يمسه، ولكن نحن خلق الله لنا الطيبات، خلق لنا أنواع الطيور والدواب والمواشي: من الماعز والغنم والبقر والجمال، ومن غيرها من ذوات الأربع.

    وأباح لنا من الطيور جميعها إلا تلك المفترسة، وخلق لنا الفواكه والحبوب والخضروات، وهي طيبة طاهرة، وعلمنا كيف ننضجها ونطبخها، وندخل عليها بهارات زيادة في لذتها وطيبها، وخلق لنا هذا الحب، وألهمنا إلى طيبه، وإلى طحنه وغربلته، وإلى خبزه إن كان خبزاً أو حلوى، ونحو ذلك.

    فهذه الطيبات التي يتبارى المخلوقون الأحياء عليها من الذي طيبها؟ ومن الذي خلقها؟

    كان الحجاج بن يوسف لا يأكل طعاماً وحده على ظلمه وجوره، بل خرج للبادية يوماً لعمل من أعماله ووجد نفسه وحده، والحرس يحرسونه من بعيد، ولما جاء وقت الغداء أراد أن يأكلوا معه، فاعتاد ألا يأكل وحده، فأطلق عسكره وجنده فجاءوا ببدوي جلس على المائدة، وأمره بغسل يده، وقال له: من أنا؟ قال: ومن أنت؟ خلق من هذا الخلق، قال: كل، ثم قال له: هل هذا الطعام طيب؟ قال: طيبته العافية، والعافية ليست منك ولا من عملك ولكنها من الله.

    قال: ما رأيك بأميركم الحجاج ؟ قال: ظالم غشوم، قال: ما رأيك في عبد الملك بن مروان -وكان هو الخليفة- قال: أظلم منه وأغشم منه، أراح الله البلاد والعباد منهما، قال: أتدري من أنا؟ قال: لا قال: أنا الحجاج ، قال الأعرابي: أتدري من أنا؟ قال: لا، قال: أنا إنسان مصاب بالجنون مرة في اليوم، وهذا أوان الجنون، فضحك الحجاج وأكرمه وأهاداه وترك سبيله.

    فالطعام طيب، ولكن الحقيقة أن الذي طيبه هي العافية، فعندما نكون في عافية فيوضع لنا طعام غير طيب ولا لذيذ فإننا نأكله في لذة وطيب، ولا حاجة أن يوضع لنا من الأطعمة ما نشتهيها عادة، وهي من ألذ ما تكون، وعند المرضى تقول: ما هذا الطعام؟ من الذي أنضجه؟ ما الذي صنعتم فيه؟ لا شيء فيه، ولكن صحة الآكل كانت متعبة، فلم يستطيع إنزاله، ولذلك المريض لا يجد شهوة، وإذا وجدها فمعناه أنه عوفي.

    وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ [غافر:64] هي طيبات في نفسها، وطيبها جل جلاله بالعافية، ومن الذي أكرمنا بها مدة حياتنا؟ ثم من الذي أكرمنا بالطعام الطيب الذي هو ليس نجس ولا جيفة ولا مما تستكرهه النفوس؟ هو الله جل جلاله، ولذا قال تعالى: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ [غافر:64].

    أي: الذي صنع كل هذا، فجعل الأرض مستقراً ومقاماً، وجعل السماء قبة محفوظة وبناء، وصورنا فأحسن صورنا، ورزقنا من الطيبات مع العافية على أكلها، فاعل ذلك كله هو الخالق المدبر الرازق جل جلاله.

    وقوله تعالى: فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [غافر:64].

    أي: تنزه وتعاظم وتقدس جل جلاله، فالذي صنع ذلك ليس ربكم فقط، ولكنه رب العالمين: عوالم السموات والأرض والملائكة والجن والأنس، عوالم من غاب ومن حضر، وهو رب الكل وخالقه، لا كما يزعم اليهود -عليهم لعائن الله- عندما يتكلمون عن ربهم فإنهم يقولون: رب بني إسرائيل، رب إسرائيل، وكأن ربهم إسرائيلي من الإسرائيليين وليس هو الرب المعبود رب السموات والأرض!!

    وأما الرب الذي يؤمن به المؤمنون فهو ربنا ورب حبيبنا وعدونا، ورب العوالم كلها منذ كانت، فهو خالقها ومدبرها جل جلاله، فتبارك الله وتنزه وتعاظم وتقدس رب العالمين، وليس ربنا فقط، وإنما كانت النسبة إلينا تشريف منه لنا سبحانه، فقال: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ [غافر:64] أي: المطعم الرازق لكم، الذي هداكم للإيمان ولاتباع محمد خاتم الأنبياء عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (هو الحي لا إله إلا هو...)

    ثم قال تعالى: هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [غافر:65].

    أي: هو الحي لا حي مع حياته، فهو الحي الدائم الحياة، وهو واجب الوجود جل جلاله، وأما حياتنا فحياة مستعارة طارئة لم تكن يوماً وكانت، وهي في حال كونها لا يزول عنها المدد الإلهي، ثم تعود إلى الفناء كما كانت، فحياتنا من إحياء الله وخلقه، وهو الحي المطلق، ولذلك الحي إذا دخلت عليها الألف واللام فتعني: الحي الدائم، أي: الحي القدير الأزلي بلا بداية، الدائم الباقي بلا نهاية، الحي أبداً وسرمداً، لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ [البقرة:255]، أما أصنام وشركاء أولئك فإن كانوا ملائكة فإلى الموت، وإن كانوا جناً أو بشراً فكذلك، وإن كانوا أوثاناً وأحجاراً فلا تضر ولا تنفع.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3038992895

    عدد مرات الحفظ

    729427783