إسلام ويب

غربة الإسلامللشيخ : عبد الله الجلالي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد جاء الإسلام والناس في غربة شديدة، فثبت الصحابة رضوان الله عليهم أمام تلك الغربة وأهلها، وتمسكوا بدين الله عز وجل رغم ما لاقوه من شدائد وآلام، حتى تغلبوا على تلك الغربة، وقضوا عليها في مدة وجيزة، وأقاموا دولة الإسلام، ولكن أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم أن الغربة سوف تعود، وهاهي قد عادت بكل مظاهرها، فلزاماً على المسلم الحق أن يقف أمام هذه الغربة، وأن يثبت في وجهها، وذلك بالثبات على دين الإسلام كما ثبت عليه الصحابة رضوان الله عليهم.

    1.   

    الغربة الأولى

    الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض، وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، والشكر لله الذي يجمع القلوب ويوحد بينها، لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال:63] وأصلي وأسلم على البشير النذير، الذي أرسله الله رحمة للعالمين، وحجة على الناس أجمعين، فبلغ رسالة ربه، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، صلى الله عليه وعلى آله ومن دعا بدعوته وعمل بسنته ونصح لأمته إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    أحبتي في الله! أشكر الله تعالى ثم أشكر لكم هذا الحضور المبارك، سائلاً الله عز وجل أن يجعلني عند حسن ظنكم بي، وأنا دون ما تظنون بكثير، ولكني أسأل الله تعالى أن يوفقنا للحكمة وفصل الخطاب.

    عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء) وفي رواية: (الذين يصلحون إذا فسد الناس) وفي رواية: (الذين يصلحون ما أفسد الناس).

    إننا نستطيع أن نتكلم عن هذا الحديث من خلال عدة عناصر:

    أولاً: الغربة الأولى.

    ثانياً: كيف اجتاز سلفنا الصالح تلك الغربة فقامت دولة الإسلام السامقة.

    ثالثاً: كيف نام المسلمون فعادت الغربة مرة أخرى.

    رابعاً: غربتنا اليوم وأهم مظاهرها.

    خامساً: كيف نستطيع أن نجتاز الغربة التي نعيشها اليوم.

    من خلال هذه العناصر نستطيع أن نتحدث قليلاً عن هذا الموضوع المهم، لا سيما في هذه الظروف العصيبة من تاريخ أمتنا الإسلامية، علماً أننا لا نتناسى ولم نتناس هذه الصحوة المباركة، التي أرى اليوم أهم مظاهرها في الشباب الملتزم بدينه، وأسأل الله أن يثبت الأقدام.

    أخي في الله! الغربة الأولى لا تحتاج إلى مزيد حديث، فلقد حدثنا التاريخ عنها حديثاً طويلاً، وكيف كان المستضعفون من المسلمين في صدر الإسلام الأول يلاقون من العناء، لا سيما بعد أن جهر الرسول عليه الصلاة والسلام بدعوته، وأنزل الله عز وجل عليه قوله: فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ [الحجر:94] فصعد الصفاء وقال: (يا بني فلان، ويا بني فلان) حتى اجتمع القوم حوله فقال: (إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد)!

    فبدأ الصراع بين الحق والباطل، علماً أن الصراع بين الحق والباطل قديم قدم الحياة الدنيا، وسيبقى حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

    يقول الله تعالى لأبينا آدم وإبليس مخبراً عن قدم الصراع بين الحق والباطل: اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ [طه:123] ثم إن إبليس طلب من الله أن يؤخره ويمهله إلى يوم يبعثون، فأعطاه الله عز وجل المهلة إلى يوم الوقت المعلوم.

    كل هذه الفترة الطويلة ميدان للصراع بين الحق والباطل، ولا يمكن للحق أن يهادن الباطل ولا يمكن للباطل أن يهادن الحق، سنة الله في هذه الحياة، ولكن لله جنود السماوات والأرض.

    ومن هنا بدأ الصراع في حياة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بين الحق والباطل، حتى لقي الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته من الأذى في سبيل الدعوة مالا يخفى على أحد من المسلمين، كما سطره لنا تاريخ الإسلام، وكما أشارت إليه السنة النبوية، بل كما أشار الله عز وجل إليه في القرآن.

    صور الله عز وجل لنا تلك المرحلة -وهي مرحلة سوف تتكرر عبر التاريخ- صورها الله عز وجل بقوله: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ [البقرة:214]، ثم يقول الله عز وجل: أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة:214].

    تصوروا مقدار المحنة التي مرت بالأمة (حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله).

    فقوله: (وَزُلْزِلُوا) أي: كأن الأرض تضطرب بالمسلمين من شدة ما يلاقونه من عدوهم.

    ثم أيضاً تزيد هذه الشدة إلى أن يتساءل الرسل ويتساءل أتباع الرسل: (مَتَى نَصْرُ اللَّهِ)؟ وتصور حينما يقول الرسول: متى نصر الله؟ استبطاء للنصر لا يأساً منه.

    وتصور حينما يقول المؤمنون الذين يأخذون الوحي طرياً من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم: متى نصر الله؟ فهذا يدل على أن الأمة قد وصلت إلى مستوى لا يطاق وإلى شدة لا تتحمل، ثم يجيب الله عز وجل بقوله: (أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ).

    ثم يصور لنا خباب بن الأرت رضي الله عنه مستوى المحنة التي وصل إليها المسلمون في الصدر الأول بقوله: (شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد رداءه في ظل الكعبة، فقلنا: يا رسول الله! ألا تدعو لنا؟ ألا تستنصر لنا؟ فقعد الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: لقد كان يؤتى بالرجل ممن كان قبلكم، فيحفر له في الأرض، فيوضع المنشار على مفرق رأسه فيفلق فلقتين، ويمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه، ما يصرفه ذلك عن دين الله، ووالله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون).

    هذه هي المحن التي تعترض سبيل المؤمنين دائماً وأبداً، فالله تعالى يقول للمؤمنين: وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ [الفرقان:20] وهذا الاستفهام استفهام توبيخي وإنكاري بحيث يجب أن نصبر؛ لأن الله عز وجل قد امتحن المؤمنين بأعدائهم دائماً وأبداً، ولولا ذلك لما كانت الجنة للمؤمنين؛ لأن الجنة سلعة الله وهي غالية، ومن خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل، والجنة لا تدرك إلا بمثل هذه الخطا الحثيثة، فليس طريق الجنة مفروشاً بالورود والرياحين ولكنه محفوف بالمكاره والأمور العظام.

    1.   

    كيفية اجتياز السلف للغربة وإقامة الدولة الإسلامية القوية

    لقد أدرك سلفنا الصالح كيف يتجاوزون مرحلة الغربة، وكانوا يتطلعون إلى الجهاد في سبيل الله، والله تعالى يقول لهم: كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ [النساء:77] حتى إذا أذن الله عز وجل لهم بالجهاد في سبيل الله قامت دولة الإسلام في أقرب وأسرع وقت عرفه التاريخ، فكان سلفنا الصالح يتسابقون إلى الجنة أكثر من تسابق الناس في أيامنا الحاضرة إلى الحياة الدنيا ومتاعها.

    كان أحدهم يقول ومعه تمرات: (والله إنها لحياة طويلة إن عشت حتى آكل هذه التمرات وكان شابان من شباب المسلمين يتسابقان في وسط المعركة كل منهما يبحث ويقول: أين أبو جهل ؟ لا عشت إن عاش؛ لأني علمت أنه يؤذي رسول الله) ثم ينقضان عليه كالصقرين يتسابقان إلى قطع رأسه.

    أدرك المسلمون كيف يجتازون تلك المرحلة، وإذا أردت دليلاً على ذلك فسل: أين قبور أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين بلغ عددهم في حجة الوداع ما يزيد على مائة ألف؟! إنها متناثرة في أرض الله الواسعة تحت الشمس، انطلقوا يبشرون هذا العالم بدين الله عز وجل، ولم تمض إلا مدة وجيزة حتى رفرف علم الإسلام على أكثر المعمورة، حينما علم المسلمون الأوائل كيف يتجاوزون هذه المرحلة، رفرف علم الإسلام على أكثر المعمورة، حتى كان أحد خلفاء الدولة الإسلامية في بغداد -وهو هارون الرشيد- يرفع رأسه إلى السماء ويقول: أيتها السحابة أمطري حيث شئت، فسيأتيني خراجك ولو بعد حين.

    ويذهب قتيبة بن مسلم إلى جهة المشرق ويفتح البلاد، ويستقر في بلاد ما رواء النهر ثم يجلس ذات يوم مع أصحابه ويقول: يا قوم! أي بلاد أمامي؟ فيقولون: يرحمك الله أيها القائد، إنها بلاد الصين. فيقول: والله لا أرجع إلى بلادي حتى أطأ بقدمي هاتين أرض الصين، وأضع وسام المسلمين على الصينيين، وأفرض عليهم الجزية.

    ثم تصل الأخبار إلى ملك الصين، ويخاف من هذا الجيش اللجب الذي أقبل يحمل أرواحه بأكفه، فأرسل إلى قتيبة يقول: هذه تربة من أرضنا بصحاف من ذهب يطؤها قتيبة وهو في مكانه، وهؤلاء أولادي الأربعة يضع عليهم الوسام، وهذه الجزية وستصل إليه كل عام في بلاده.

    من منطلق القوة والعزة التي هي لله عز وجل ولرسوله وللمؤمنين.

    أما عقبة بن نافع فقد سار في بلاد المغرب وفتح شمال أفريقيا ووصل إلى تونس الحالية، وعزم وصمم على أن يبني مدينة القيروان، حتى إذا أقبل عليها وصمم على بنائها أتى إليه أهل البلد وقالوا: يرحمك الله أيها القائد، هذه أرض مخيفة ومسبعة، كل الفاتحين يرجعون دونها، ابحث عن مكان آخر. فيقول: والله لا بد من أن أبني مدينة هنا لتكون معقلاً للمسلمين مهما كلف الثمن ومهما عز المطلب. ثم يقف على جانب الغابة ويقول: أيتها الوحوش! نحن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم جئنا هنا لنشر الإسلام. ومن يستطيع أن يخاطب الوحوش؟! وكيف تفهم الوحوش كلام عقبة بن نافع ؟ يقول شاهد عيان -كرامة من الله عز وجل لهذا القائد المخلص-: والله لقد رأينا الوحوش تحمل أولادها من الغابة وتتركها لـعقبة بن نافع . ثم يسير عقبة بن نافع رضي الله عنه إلى بلاد المغرب ويغرز قوائم فرسه في المحيط الأطلسي ويقول: والله لو أعلم أن وراء هذا الماء بشراً لخضته إليهم على فرسي هذا.

    هكذا قامت دولة الإسلام بالجهاد، وهكذا استطاع المسلمون بمعونة الله عز وجل أن يجعلوا تاريخهم مضيئاً مشرقاً في صفحات هذه الحياة، ثم يدور الفلك دورته ويعيد التاريخ سيرته، وينام المسلمون على اللهو والمتاع كما هو الحال اليوم، ولا يستيقظون إلا على الأشلاء والجماجم والدمار، تضيع بلاد الأندلس وتضيع الحضارات، وتضيع الأمم، وتصبح وصمة عار في تاريخ البشرية كلها، ويتقلص المسلمون في مواقع محدودة من بلادهم، وتتمزق هذه البلاد حتى تصبح ما يقرب من مائة دولة.

    بعد ذلك تعود هذه الغربة العنيفة التي لا تساويها غربة أبداً في تاريخ البشرية، ولذلك فقد عادت الغربة التي حدثنا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم بجميع حذافيرها، وأصبحت هناك مظاهر نستطيع أن نقول من خلالها: إن هذه الغربة سوف تكون بداية النهاية إن لم ينتبه المسلمون لهذه الغربة.

    1.   

    غربتنا اليوم وأهم مظاهرها

    يمكن أن نصف أهم مظاهر الغربة في أمور:

    توسيد الأمر إلى غير أهله

    إن توسيد الأمر إلى غير أهله في هذه الغربة الجديدة ما كان ليوسد لولا أن الله عز وجل له في كل يوم شأن ويصرف الأمور لحكمة، وقد أخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم أن الأمر إذا وسد إلى غير أهله فإن ذلك يعتبر بداية النهاية، ويعتبر علامة من علامات الساعة، ويعتبر ضياعاً لأمور المسلمين، وحقاً نقول: إن أكثر أمور المسلمين الآن موضوعة في غير أهلها.

    وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة) يقول شراح الحديث: يشير إلى أن أمر المسلمين يصبح كالوسادة يعتمد عليها الإنسان ويتلذذ بأمور المسلمين، بدلاً من أن يجعلها عبئاً ومسئولية. كما قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه في مستهل خلافته: ( ألا إني لست بخيركم، ولكني أثقلكم حملاً ) ولكن هذا الحمل الذي أشار إليه أبو بكر الصديق رضي الله عنه أصبح الآن كالوسادة، فإن كثيراً من ولاة أمر المسلمين اليوم يتمتعون بهذا الأمر، ويعتبرونه منطلقاً لشهواتهم وإشباع رغباتهم، ولو كان الأمر بيد أهله في بلاد المسلمين لما حدث ما حدث من الأحداث المؤلمة التي تعتبر في الحقيقة أثراً أسود وصفحة سوداء في تاريخ الأمة الإسلامية.

    ومن هنا نستطيع أن نقول: لا يمكن أن تعود الأمور إلى نصابها حتى يكون الأمر في كل بلاد المسلمين بيد أهله الشرعيين الذين يحكمون بما أنزل الله عز وجل، والذين يقودون سفينة الحياة إلى ما يرضي الله سبحانه وتعالى.

    تنحي علماء المسلمين عن القيادة

    يعتبر هذا مظهراً من مظاهر الغربة التي أصيبت بها الأمة الإسلامية في أيامنا الحاضرة، والعلماء دائماً وأبداً في كل عصر وفي كل بلد هم الذين يجب أن يقودوا العالم، ويجب أن يتحملوا المسئولية كلها ليقولوا للمخطئ: أخطأت. لكن حينما يتخلى العلماء -وهذا هو ما يحدث في جل العالم الإسلامي- حينما يحدث التخلي من علماء المسلمين إما أن يتقلد الأمر غير أهله وهذا أمر خطير، ولذلك نشاهد هذا في جل الأحيان، وإما أن يكون الحمل الثقيل على من دون هؤلاء العلماء من طلبة العلم فيكونوا عبئاً ثقيلاً، وحينئذ يؤدي بهم هذا إلى أذى يوجه إليهم من كل جانب، وإلى نقد وإلى سجون وإلى معتقلات؛ لأن هؤلاء العلماء الذين تخلوا وهم أهل لهذه المسئولية وهم الواجهة بين أي دولة وبين أي حكومة وبين شعبها حينما يتخلون عن هذه المسئولية يصعب الأمر ويثقل الحمل.

    المطالبة بحقوق المرأة التي ليست لها

    إن من المظاهر التي يمتاز بها عصرنا وتمتاز بها غربتنا ظهور المرأة ومطالبتها بحقوق ليست لها، أو وجود أشخاص يندسون في المجتمع يطالبون بأن تعطى المرأة حقوقاً ليست لها، وهؤلاء المندسون يتهمون المجتمع الإسلامي بالتخلف، بل يتهمون الله عز وجل بالظلم، ويتهمون نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بالظلم، ويتهمون كتاب الله عز وجل الذي أنزله تبياناً لكل شيء بأنه لم يعط المرأة حقها.

    ولذلك فإننا نشاهد ونسمع ونقرأ وصكت آذاننا كلمات منذ سنين طويلة تقول: حرية المرأة. وتقول: النصف الثاني من المجتمع معطل، فالمجتمع لا يتنفس إلا برئة واحدة. وتتحدث عن التخلف والرجعية، إلى غير ذلك من الأمور التي جعلتنا نسأم حديث هؤلاء وننفر منه.

    والسبب في ذلك أن أعداء الإسلام يقرءون تاريخ البشرية أكثر مما نقرأ، فيقرءون أن المرأة حينما تنحرف ينحرف المجتمع كله من ورائها، وأنهم حينما يدفعونها إلى الوراء ويتظاهرون بأنهم يدفعونها إلى الأمام لتطالب بحقوقها وحريتها أو لتلقي الخمار أو لتفعل شيئاً من ذلك إنما يفسدون المرأة، وحينئذ تكون في متناول أيديهم ويصطادونها في الماء العكر، ويعلمون أن أي أمة من الأمم لا تسقط من عين الله إلا حين تنحرف فيها المرأة، أو حين تخرج المرأة متبرجة، وإذا أردت الدليل على ذلك فاقرأ ما فعله بنو إسرائيل في عهد موسى عليه الصلاة والسلام، واقرأ ما يكتبه أعداء الإسلام: لا أحد أقدر على جر المجتمع إلى الدمار من المرأة، فعليك بالمرأة، اتخذوا من المرأة وسيلة لإفساد المجتمعات. يقول أحدهم: إن كأساً وغانية يستطيعان أن يفعلا بالمسلمين أكثر مما يفعله ألف مدفع. وغير ذلك من الأمور التي كانوا يعرفون أنها سوف تسبب هذه المشاكل للأمة الإسلامية.

    ونحن أيضاً نسينا أن فتنة النساء أعظم فتنة، وأن رسولنا صلى الله عليه وسلم يقول: (ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء)، وأن الرسول عليه الصلاة والسلام جعلها في كفة والدنيا بكل زينتها ومتاعها في كفة أخرى فقال: (فاتقوا الدنيا واتقوا النساء) علماً أن النساء يدخلن في الكفة الثانية؛ لأنهن جزء من الحياة الدنيا.

    هذه الأمور كلها دفعت بأعداء الإسلام -سواءٌ أكانوا من الداخل أم من الخارج- إلى أن يستخدموا المرأة وسيلة لتدمير المجتمعات، وأكبر ظني -بل أنا لا أشك- بأن هؤلاء هم أعداء الدولة، ولربما لا تدرك الدولة أن هؤلاء هم أعداؤها إلا حينما يقع ما نحاذره، نسأل الله أن يقينا ويقي الدولة شره، إن هذه الأمور يسعى هؤلاء إلى تحقيقها، نسأل الله أن يبطل مساعيهم حتى لا ينجحوا في مهمتهم.

    أيها الأخ الكريم! المرأة أكرمها الإسلام، ولا يمكن أن يكون هناك نظام من أنظمة الحياة أو دستور من دساتيرها يعطي المرأة حقاً أكثر مما يعطيه كتاب الله عز وجل، فالمرأة كانت في يوم من الأيام متاعاً يورث، وكانت لا ترث إلى أن أنزل الله عز وجل في ميراثها قوله: لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا [النساء:7] والمرأة كانت إذا مات زوجها يتسابق أولاده من غيرها عليها فأيهم ألقى عليها رداءه أولاً فهو أحق بها يتصرف بها كيف يشاء، ولو أراد أن ينكحها فله ذلك، أو أراد أن يبيعها فهي سلعة له رخيصة، حتى أنزل الله عز وجل قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا [النساء:19].

    لقد احترم القرآن المرأة ووضع لها من الحقوق ما لا يمكن أن تحصل عليها من أي جهة أخرى، وهذا القرآن كما قال الله عز وجل عنه: تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل:89] وقال: الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود:1] وهؤلاء يعرفون أن المرأة لم تكن تدرك في جاهليتها جزءاً مما أدركته في إسلامها، لكنهم يريدون أن تنحرف المرأة لينحرف المجتمع، ولتتدهور الأمور، ولتكون النهاية هي البوار والدمار، ولذلك فإننا نقول لهؤلاء الذين يدعون إلى حقوق المرأة وإلى تحريرها وإلى أمور لا تخفى نقول لهم: اخسئوا؛ فإن الله عز وجل هو الذي أكرم المرأة واحترمها، وأعطاها حقوقها كاملة، لكنكم حينما تطالبون بحرية المرأة وبحقوقها إنما تريدون أن تجعلوها لقمة سائغة لكم؛ لأنكم أشربتم وأشربت نفوسكم حب الفاحشة، وتريدون من هذه المرأة المسلمة أن تسقط كما سقطت المرأة في كثير من البلدان إلا ما شاء الله.

    ومن حيث يعود أعداؤنا وينادون بحفظ المرأة وصيانتها ينطلق هؤلاء فيبدءون من حيث ينتهي عدوهم، وهذه تعتبر فتنة وبلية ومصيبة لا بد من أن ننتبه لها، وتعتبر أهم مظاهر الانحطاط في هذا العصر، وتعتبر أيضاً أهم مظاهر الغربة التي نعيشها اليوم.

    ولا تستطيع المرأة أن تقود المجتمع أو يكون لها كيان؛ لأن الله عز وجل يقول: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ [النساء:34]، فيجب أن تكون القيادة بيد الرجال، ولكن ذلك لا يعني أن تهان المرأة بل يجب أن تكرم.

    محاولة تغيير هوية الإسلام

    نجد في هذه الغربة ونلاحظ أن أعداء الإسلام يحاولون كل المحاولات وبشتى الوسائل أن يغيروا الهوية الإسلامية، سواء في الشكل والصورة أو في الأنظمة أو في أي أمر من الأمور، حتى لقد رأيناهم يسمون الأمور التي يتحاشى المسلم أن يفعلها بغير أسمائها حتى يلطفوها، فهم الذين سموا لنا الخمر مشروبات روحية، وهم الذين سموا لنا اللهو واللعب والفسوق فناً، وهم الذين سموا لنا النفاق مجاملة، والكذب دبلوماسية، وغير هذا من الأمور والألقاب التي أحدثوها من أجل أن يقضوا على الهوية الإسلامية حتى في ألفاظها، ولذلك فإنهم يحسنون هذه الأمور بهذه الألفاظ وهذه الأسماء التي يختارونها في هذا العصر، وهي تعتبر من مظاهر غربة الأمة الإسلامية في تاريخها الحاضر.

    وجود أناس يفتون بغير علم

    حين يبرز على الساحة الإسلامية أناس يدعون أنهم مصلحون وأنهم علماء فمثل هؤلاء يقول الله عنهم: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ [البقرة:11-12] هؤلاء الذين ما تركوا باباً من أبواب المحرمات إلا وفكروا فيه وبحثوا فيه بغير علم وروية، ولكن بجهل وحقد على الإسلام، حتى لقد سمعنا منهم من يكتب عن الربا ويقول: الربا نظام اقتصادي لا تستغني عنه الحياة، والربا مباح سوى الأضعاف المضاعفة. وأكبر ظني أن هذا -بل لا أشك- لو استطاع أن يتخلص من تحريم الربا بالأضعاف المضاعفة لتخلص منه.

    ولقد عجبنا كثيراً حينما يظهر ويبرز مثل هؤلاء الذين يريدون أن يخرجوا على إجماع المسلمين، ويريدون أن يكونوا من الذين قال الله عز وجل فيهم: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [النساء:115] فهم لا يتكلمون عن الربا وحده، ولكن هناك من يطرق باب الربا ليحله للناس، وهناك من يطرق باب حرية المرأة وحقوقها ليقول للناس: إن المرأة مضطهدة ومظلومة. وهناك وهناك، ولذلك فإنهم هم الذين يتسلمون أكثر أمور الحياة في أيامنا الحاضرة، حينما تخلى العلماء والمصلحون عن هذه الحياة.

    تحول السجون إلى معتقلات للمؤمنين

    لم يعرف الناس السجون إلا وسائل إصلاح للفاسدين والمفسدين، الذين إذا انتشروا في المجتمع أفسدوا في المجتمع، ثم إذا بهذه السجون تتحول إلى معتقلات في جل العالم الإسلامي للمؤمنين، ولو قمت بإحصائية عن الذين يدخلون السجون اليوم لوجدت أكثرهم من الصالحين والمصلحين في جل بلاد الله عز وجل الواسعة، وكأن هذا التاريخ يعيد نفسه حينما لبث يوسف في السجن بضع سنين، وحينما قال فرعون لموسى: لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ [الشعراء:29] وهذا مما يدل على انحراف في استعمال السجن.

    وهؤلاء الذين تفتح لهم السجون في أيامنا الحاضرة أكثرهم المؤمنون الذين يقولون للناس: اتقوا الله تعالى.

    ومن يفعل شيئاً من ذلك فإنه سوف يسقط من عين الله، ولربما دعوة مظلوم في جوف الليل الآخر في سجن من هذه السجون تطيح بأمة وتسقط دولة؛ لأن الله تعالى يرفع دعوة المظلوم فوق الغمام، ثم يقول: لأنصرنك ولو بعد حين. وحينئذ لا تعجب حين ترى أمور الأمة الإسلامية تنهار يوماً بعد يوم بسبب سوء استعمال هذه السجون وتحويلها إلى معتقلات.

    السخرية والطعن في الدين

    إن السخرية والطعن في الدين ليس جديداً، بل هو موجود في كل عصر، وذلك حين تنحرف الأمة عن منهج الله عز وجل، فنقرأ عن تاريخ المشركين الأولين في الغربة الأولى قول الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ [المطففين:29-31] فيقول الله عز وجل فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ [المطففين:34].

    وفي الحياة الآخرة إذا أدخل الله عز وجل هؤلاء الساخرين من دين الله نار جهنم قال لهم: إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ * إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ [المؤمنون:109-111].

    هذه قضية تمر في كل فترة تضعف فيها الأمة الإسلامية، يسخر أعداء المسلمين من الإسلام، مثل أن يقول أحدهم: انظر إلى لحيته! انظر إلى ثوبه القصير! إلى غير ذلك، كما يسخرون من الحجاب ومن المرأة المحجبة.

    وهذه السخرية خطيرة جداً، بل هي ردة عن الإسلام، بل إن فاعلها عند الله عز وجل من أئمة الكفر وليس من الكافرين فحسب، فالذي يسخر من اللحية أو الحجاب مرتد عن الإسلام؛ لأنه حينما يسخر من رجل مسلم بسمات الإسلام الموجودة في شكله أو في ثوبه أو في أي أمر من أموره إنما يسخر من الإسلام، والله تعالى قال: وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ [التوبة:12] وفي قراءة: ( إنهم لا إيمان لهم لعلهم ينتهون) جردهم الله عز وجل من الإيمان، وجعلهم من أئمة الكفر، وأمرنا بأن نقاتل هؤلاء الذين يسخرون من الإسلام ويضحكون منه، ولكن الله عز وجل يسخر منهم أيضاً.

    جعل المنكر معروفاً والمعروف منكراً

    إن جعل المنكر معروفاً والمعروف منكراً قد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن ذلك سوف يوجد في فترة من الفترات وفي عصر من العصور، وذلك في المرحلة الأخيرة من حياة الأمة الإسلامية، أي أن النهاية قد قربت حينما يعود المعروف منكراً والمنكر معروفاً.

    ولو أردنا أن نستعرض حياة الأمة الإسلامية في أيامنا الحاضرة لرأينا ذلك، كان المفترض أن يتحرك المصلحون ليصلحوا فساد الفاسدين، فإذا بنا نرى كثيراً من المصلحين ينامون إما خوفاً على الحياة، وإما طعماً في المال، وإما لهدف من الأهداف الأخرى، ثم إذا بأعداء الإسلام يستأسدون، فبدل أن يتحرك المصلحون للإصلاح تحرك المفسدون للإفساد، وهذه سنة الله عز وجل في الحياة لا بد من أن تنشغل هذه الحياة بأي أمر من الأمور، فإما أن تنشغل بالإصلاح وإما أن تنشغل بالإفساد، وهؤلاء المفسدون كالفئران، فالفئران لا تتحرك إلا حينما يسكن لها الجو وحين لا تسمع صوتاً، حينئذ تتحرك وتفسد وتقرض في المتاع وتهلك الحرث والنسل.

    والخفاش أيضاً لا يتحرك ولا يطير من وكره إلا حينما يخيم الظلام، وحينئذ يعود المعروف منكراً والمنكر معروفاً، ولذلك لو نظرنا الآن إلى النقد الذي يوجه من الناس إلى الناس لوجدنا أن الفسقة أكثر ما يوجهون اللوم والعتاب إلى الصالحين، أكثر من أن يوجه الصالحون العتاب واللوم إلى أولئك الفسقة والعصاة، بل إن السخرية من دين الله عز وجل والضحك على أذقان المسلمين والتحرك المشين في كل نواحي الحياة أصبح الآن بيد هؤلاء إلا ما شاء الله، ولذلك عاد المعروف منكراً الآن والمنكر معروفاً.

    ولربما تنشأ ناشئة في هذه الفترة فلا تعرف المنكر ولا المعروف بسبب مشاهدتها للمنكر حين يغزو المعروف ويظهر المعروف بصورة الضعيف الذي لا يصمد أمام المنكر ولا يدحره.

    فساد وسائل الإعلام

    إن فساد وسائل الإعلام من أخطر الأشياء على الأمة؛ لأن الإعلام بتقنيته الحديثة وصل إلى قعر بيوت المسلمين، وأصبح البيت بكامله بنسائه وأطفاله يشاهد أفلاماً أتت من بلاد لا تؤمن بالله ولا باليوم الآخر، وهذه الأفلام تفتقد الرقابة التي تخشى الله عز وجل في كثير من الأحيان، فتصل هذه الأفلام إلى قعر بيوت المسلمين فتنشأ ناشئة من أبناء المسلمين تشاهد الرقص والغناء في مستهل حياتها وفي أيام نعومة أظفارها، ولربما تصاب بالازدواجية في فهمها حينما ترى هذه الناشئة القرآن يتلى بجوار أغنية، أو حديث الرسول صلى الله عليه وسلم بجوار مسرحية مختلطة أو ما أشبه ذلك، فتنشأ هذه الناشئة لا تفرق بين الحلال والحرام، ولا تعرف الخير من الشر؛ لأن هذه الازدواجية قد انطبعت في أذهانها منذ طفولتها ومنذ أيامها الأولى.

    فإعلام المسلمين عندما يصنع في بلاد الكافرين يؤثر في حياة كثير من الأمم، ولعل أكثر ما يحدث من الفتن التي تشمئز لها القلوب المؤمنة والتي تحاول أن تخرج المرأة من إطارها لعل ذلك جاء من وسائل الإعلام، بل لا شك أنه جاء من وسائل الإعلام، فشوهت الحقائق، حيث جعل الإعلام تعدد الزوجات جريمة في المجتمع، والإتيان بفتاة أجنبية من الخارج أجمل من الزوجة لتقوم بالخدمة داخل البيت يعتبر هذا تطوراً وتقدماً، وكذلك الإتيان بسائق يخلو بالأهل من زوجة وأخت وابنة ويذهب بهن إلى المدرسة وإلى السوق يعتبر هذا من التطور والرقي والتقدم إلى غير ذلك، إضافة إلى ما تبثه وسائل الإعلام من اختلاط بين الجنسين تثبت للناس أن الاختلاط ليس بشيء مشين وإنما هو رقي وتقدم، وأن الذين يدعون إلى عزل المرأة عن الرجال إنما هم أعداء للمرأة، وأن المرأة باستطاعتها أن تنتج أكثر مما ينتجه الرجال، إلى غير ذلك من الأمور التي وصلت إلى قعر بيوت المسلمين.

    فمن كان يتصور أن بيوت المسلمين -بل أقول: وجل بيوت العلماء والصالحين إلا ما شاء الله- انتشرت فيها هذه الأفلام، ووصلت إلى قعرها هذه المسلسلات؟ من كان يتوقع هذا في يوم من الأيام؟! لقد مضت فترة ليست بالبعيدة كنت تقف عند بيت رجل من هؤلاء الصالحين أو العلماء لا تسمع إلا دوياً كدوي النحل من تلاوة كتاب الله والبكاء من خشية الله عز وجل، ثم إذ بهذه البيوت تتحول إلى هذا المستوى، حتى في الثلث الأخير من الليل لا تسمع إلا اللهو واللعب والرقص والموسيقى، فهذا من أعجب الأمور التي ما كان للعقل أن يتصورها لولا أن أصبحت خبراً وأمراً لا شك فيه.

    حتى على متن الهواء في الطائرة على بعد آلاف الأمتار عن الأرض تنشر هذه الأفلام، وفيها الجنس وفيها الحرام، وفيها أمور تقشعر منها نفوس المؤمنين، وكان المشركون قبلنا إذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين، فهل المشركون الذين يعبدون الأصنام من دون الله وهم على سطح الماء يخافون من الله عز وجل أكثر ممن يخاف هؤلاء الموحدون وهم على متن الهواء بين السماء والأرض؟! إن دل ذلك على شيء فإنما يدل على أن كثيراً من القلوب قد أشرب بمعصية الله عز وجل، وأن هذه الأمة يخطط لها تخطيطاً رهيباً، وأنها قد فقدت -أو كادت أن تفقد- خشية الله عز وجل حتى على متن الهواء بين السماء والأرض.

    إن وسائل الأعلام خطيرة، وإن أكثر الفساد الذي حل في المجتمعات الإسلامية بصفة خاصة والمجتمعات الإنسانية بصفة عامة من وسائل الإعلام، وإني أحذر من هذه الوسائل التي لم تدع بيت شعر ولا مدر إلا دخلته، فاحذرها وحاربها بكل ما أوتيت من قوة.

    فساد الاقتصاد

    إن من مظاهر هذه الغربة فساد الاقتصاد الذي أصبح الآن يسمى اقتصاداً ولكن الله عز وجل يسمي هذا النوع المنحرف رباً، واعتبر الله عز وجل الربا من أكبر المحرمات، وجعله حرباً لله ورسوله، قال تعالى: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا [البقرة:279] أي: تتركوا الربا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة:279].

    ثم أيضاً يتهدد ويتوعد الله عز وجل من يداوم على أكل الربا بالخلود في نار جهنم، مع أن الخلود في نار جهنم من خصائص الكافرين والمشركين، يقول عز وجل: وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:275].

    ومن هنا نقول: إلى متى تتعامل الأمة الإسلامية بالربا؟ وإلى متى ونحن لا نرى الأمة الإسلامية تقلع عن هذا الجرم العظيم وعن هذه الحرب لله ورسوله؟ أليس الله عز وجل الحكيم الخبير الذي شرع أنظمة الحياة ووضع أموراً للتعامل بهذا المال كأي شيء آخر؟ فلماذا لا يستغني المسلمون بما أباح الله عز وجل عما حرم الله؟

    أقول: يجب على الأمة الإسلامية أن تنظر في اقتصادها، وأن لا تتعامل بما حرم الله، وعلى المسلم أن يقاطع البنوك التي أعلنت حرباً لله عز وجل وحرباً لرسوله، أن يقاطعها مقاطعة تامة، وأن ينمي أمواله فيما أباح الله عز وجل، وإلا فإن الربا من لم يأكله أصابه من غباره أو دخانه، والرسول صلى الله عليه وسلم: لعن في الربا آكله وموكله، وكاتبه وشاهديه، وقال: (هم في الإثم سواء).

    لا بد من أن تقيم الأمة الإسلامية نظام اقتصادها على ما أباح الله عز وجل، لا بد من أن يشكل في كل بلد إسلامي بصفة عامة وفي بلد الحرمين الشريفين بصفة خاصة لجنة شرعية تخاف الله عز وجل وعندها وعي واطلاع على الأنظمة الاقتصادية التي أباحها الله عز وجل، لتقيم نظامها الاقتصادي على وفق شرع الله وما أباح الله، قبل أن تصهر هذه الأجسام التي أكلت الربا بالنار؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (أي جسم نبت من سحت فالنار أولى به).

    فالربا أمره خطير ويتساهل فيه كثير من الناس، وأنظمة العالم اليوم تكاد تجمع على أنها لا تستطيع أن تقيم نظام اقتصادها إلا على هذا الربا، ولكننا على ثقة من أن الله عز وجل الذي حرم الربا وسد أمامنا هذه الطريقة المنحرفة أنه فتح لنا آلاف الأبواب لننمي أموالنا فيما أباح الله عز وجل.

    التبرج

    نقصد بالتبرج هذه الخلاعة المشينة التي بلي بها عالمنا اليوم، فإننا نرى تبرجاً فظيعاً لم يمر مثله حتى في الجاهلية الأولى، يقول الله عز وجل: وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى [الأحزاب:33]، هذا التبرج الذي أخذت كل بلد منه بنصيب، وبمقدار ما يكون لهذه الدولة ولهذه الأمة من نصيب من المحافظة يكون نصيبها أقل بالنسبة للتبرج، حتى وصل الأمر إلى عراء كامل في بعض بلاد الله عز وجل، لا سيما في البلاد غير الإسلامية، وهذا التبرج من أكبر وسائل الوقوع في الفاحشة، والوقوع في الفاحشة يسقط الإنسان من عين الله عز وجل، ولذلك لا تعجب حينما ذكر الله عز وجل الزنا في سورة النور ثم ذكر وسائل الوقاية إلى أن قال: وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ [النور:31] إلى آخر الآية، وهذا التبرج أدى إلى فساد عريض، وأدى إلى فتنة عمياء انتشرت في العالم الإسلامي، وهذا التبرج خلاف ما كان معروفاً في الجاهلية الثانية؛ لأن الجاهلية الثالثة التي نعيشها اليوم أبعد بكثير عن الإسلام في هذا الأمر من الجاهلية الثانية.

    تصور أنه حينما كانت الجاهلية الأولى خرجت فيها المرأة عارية تطوف حول البيت، وانتشر الفساد في الأرض، ثم جاءت الجاهلية الثانية التي كانت قبيل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم فبالغت في صيانة المرأة خوفاً عليها من الفساد، حتى وأدوا الفتاة وهي حية، قال الله عز وجل: وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ [التكوير:8].

    لكن في أيامنا الحاضرة تبرجت المرأة خلاف ما كان في تلك الجاهلية، وأبرزت زينتها، وطالبت بحقوقها، وأيضاً هي لا تقف عند حد، فكلما أعطيت من الحرية المزعومة طالبت بما هو أكثر من ذلك، ولذلك فإن التبرج الذي شاهدته نساؤنا في وسائل الإعلام أصبح موضة من موضات هذا العصر، فإن لم يكن موجوداً فلا بد من أن تكون هي المطالبة به.

    محاربة الإسلام بأبنائه ومن ينتسبون إليه

    الأمر الأخير من مظاهر هذه الغربة -وهو أعجبها وأقساها وأعنفها- أن يحارب الإسلام بأبناء الإسلام، ومن كان يصدق بذلك؟! ما كنا -والله- نصدق، حتى لقد كنا نسمع مقالات تقال من أعدائنا مفادها أن شجرة الإسلام شجرة سامقة عميقة في الأرض، لا تستطيعون أن تقطعوها إلا بغصن من أغصانها، وما كنا نعلم ماذا يقصدون بهذه المقالة، حتى رأينا من أبناء الإسلام من تربى على أعين هؤلاء الأعداء ليكون هو الغصن الذي يحاول أعداء الإسلام أن تقطع به هذه الشجرة.

    إن أعداء الإسلام الذين يتربصون بنا الدوائر، والذين كانوا يغزون بلاد المسلمين من الشرق والغرب يريدون أن يطيحوا بالأمة الإسلامية وأن يزيلوا هويتها من هذا الوجود، إنهم قد ربوا أفراخاً لهم في بلادهم، وغسلوا أدمغتهم في بلاد الشرق والغرب، وملئوا قلوبهم حقداً على الأمة الإسلامية، فجاءوا وهم يحملون هذا الحقد الدفين، وصار همهم أن يهدموا هذا الإسلام بأيديهم وأيدي الكافرين، وإن هذا من أعجب الأمور، يقول الشاعر:

    وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على النفس من وقع الحسام المهند

    وحينما كان الإسلام يُحارَبُ بـأبي جهل وأبي لهب في أيامه الأولى كان الأمر واضحاً، ولكن حينما أصبح الإسلام في أيامنا الحاضرة يحارب بأحمد ومحمد وعبد الله وعبد الرحمن وسيف الدين وسعد الدين وعماد الدين أصبح الأمر مصيبة كبرى، وصدق الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، فلقد حدثنا عنه حذيفة بن اليمان رضي الله عنه في حديث طويل معجزة للرسول صلى الله عليه وسلم يحكي واقعنا اليوم، يقول حذيفة : (كان الناس يسألون الرسول صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني. قال: فقلت: يا رسول الله! كنا في جاهلية وشر فجاء الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم. قال حذيفة : فقلت: يا رسول الله! وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم وفيه دخن. قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يستنون بغير سنتني، ويهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر. قال: فقلت: يا رسول الله! وهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم قذفوه فيها. قال: قلت: يا رسول الله! صفهم لنا؟ قال: قوم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا) قوله: (من جلدتنا) أي: من أبناء المسلمين، ويحملون في جيوبهم الهوية الإسلامية، ولربما يكونون من أبناء الصالحين والعلماء، ومن لهم مجد عريق في حماية هذا الدين، ثم إذا بهؤلاء الأبناء معولاً هداماً في شجرة الإسلام السامقة.

    قوله: (ويتكلمون بألسنتنا) أي: باللغة العربية الفصحى. فلم يأتوا من الشرق ولا من الغرب، ولكن نشئوا في بيوت المسلمين، فهذا هو سوء التربية، وهذا هو الواقع الذي نعيشه.

    وأيم الله إن الإسلام في أيامنا وفي بلادنا هذه بصفة خاصة يحارب بأبناء المسلمين أكثر من أن يحارب بالكافرين؛ لأن أعداء الإسلام وثقوا بهؤلاء الذين سوف يقومون بهذه المهمة، ولذلك سلموهم الأمر وأصبحوا يراقبونهم من بُعْدٍ.

    ومن خلال ذلك لا تعجب وأنت ترى من ينتسب للإسلام يطعن في الإسلام من الأمام ومن الخلف، ولكن هذا هو الوعد الذي أخبر الله عز وجل عنه، والذي ينتظر من زمن بعيد، قال عز وجل: وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا [الأحزاب:22]، فإذا كانت هناك غيرة على دين الله، وإذا كان هناك غضب لله عز وجل فإن هذا اليوم هو يومه، فالعالم الإسلامي جله يحارب فيه الإسلام من أبناء جلدتنا ومن يتكلمون بألسنتنا، وإذا لم يغضب المسلمون لدين الله عز وجل ولله عز وجل فويل يومئذ للفضيلة من الرذيلة.

    1.   

    طرق ووسائل التخلص من الغربة

    نتحدث عن العنصر الأخير من عناصر هذا الحديث، وهو: كيف الخروج من هذا المأزق؟! وكيف نستطيع أن نجتاز هذه المرحلة العصيبة من مراحل هذه الغربة التي لم يمر في تاريخ البشرية مثلها منذ أن خلق الله عز وجل الأرض ومن عليها؟

    ليس هناك سبيل إلا الجهاد، وليس هناك سبيل إلا أن نتوجه إلى أولي الأمر، لا سيما في بلاد الحرمين التي تعتبر جزيرة آمنة مطمئنة، يأوي إليها المستضعفون من كل بلاد العالم، فما يكاد أحد يؤذى في بلده إلا ويأوي إلى هذا البلد الذي جعله الله عز وجل مأمناً ومهوىً لأفئدة المسلمين أجمعين، وجعل لنا فيه حرماً آمناً، ويتخطف الناس من حولنا، وأرغد لنا في العيش، وأنعم علينا نعمه تترى، يقول الشاعر:

    أرى خلل الرماد وميض جمر ويوشك أن يكون لها ضرام

    وإن النار بالعودين تذكى وإن الحرب أولها كلام

    فإن لم يطفها عقلاء قومي يكون وقودهـا جثث وهام

    فعلينا أن نتقدم إلى المسئولين في بلادنا بطلبات واقتراحات ورجاء، ونقول لهم بلسان الحال وبلسان المقال: يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَنْ يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا [غافر:29].

    فهناك فساد عريض انتشر في هذه الأرض، سافر -يا أخي- إلى أي سفارة من سفاراتنا في الخارج، والله لقد رأيت إحدى سفاراتنا يؤكل فيها بأوانٍ من الفضة التي يقول عنها الرسول صلى الله عليه وسلم: (الذي يأكل في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم) ولدي دليل على ذلك، وعليها شعار الدولة، وقد رأيت في سفاراتنا سكرتيرات من أجمل البنات، وكذلك الخطوط السعودية في كل مكان من الأرض يديرها فتيات، لتأتي المصائب والبلاء، وآخر حدث افتتاح في مدينة عنيزة لمستشفى جديد، وهذا المستشفى يديره صليبيون نصارى، مدير المستشفى صليبي نصراني، ومدير الإدارة صليبي نصراني، ورئيس التنفيذ صليبية نصرانية، حتى المحاسب صليبي نصراني، إلى هذا الحد وصل بنا الأمر! وأظن أن سبب حصول مثل هذا هو أننا لا نناصح ولاة الأمر.

    وأكبر ظني أنهم لا يدرون عن كثير من هذه الأمور، ولو قمنا لله مثنى وفرادى وزاحمنا ولاة الأمر الذين يقولون: إنهم قد فتحوا أبوابهم لكل من يريد أن يدلهم على خير. لو فعلنا ذلك فلا أظن أنهم سوف يردون طلباً، لا سيما وأننا في أيام محنة وفتنة لا يخلصنا منها إلا أن نعود إلى ربنا سبحانه وتعالى.

    وأقسم بالله على أن المضيفات في الخطوط السعودية لا يساوي لباسهن أي لباس في أي دولة من دول العالم في قصر الثياب وفي التبرج، وهذه مصيبة وهذا بلاء، فلنناصح المسئولين عن الخطوط السعودية لعلهم يتقون الله عز وجل.

    وهناك أمور كثيرة لا بد من أن نقوم لها غاضبين لله عز وجل، ولكن بعقل وحكمة، وأقصد بالحكمة وضع الأمور في مواضعها، لا بد من أن نقول للمحسن: أحسنت. ولا بد من أن نقول للمسيء: أسأت. ولا بد من أن نناصح المسئولين؛ لأن هذا واجب، والنصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم واجبة، أما إذا سكتنا عن النصيحة فويل يومئذ للفضيلة من الرذيلة، وكذلك إذا لم يقبل ولاة الأمر نصيحتنا فويل لهم؛ لأن الله عز وجل يقول: وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ [البقرة:206]، أما أن نخاف البشر وأن نجابي في دين الله فحينئذ لا تبقى بقية من ديننا، فما هو موقفنا بين يدي الله عز وجل الذي يقول: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ [الحج:41]؟

    أخي الكريم! الأيام التي نعيشها عصيبة، وما نزل عذاب إلا بذنب، ولن يرفع إلا بتوبة، فهل سنجدد التوبة مع الله عز وجل؟ فالعدو يحيط بنا من كل جانب، من حدود العراق إلى البحر الأحمر إلى الجنوب الغربي إلى الشرق، في كل مكان عدونا يحيط بنا، الذين أكلوا خيراتنا وأموالنا هم الآن الذين يحملون الحقد، فإلى أي طريق نفر؟! أين المفر؟! قال تعالى: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ [الذاريات:50].

    وأقول: أيها المسلمون! أصلحوا أوضاعكم، وناصحوا المسئولين وراسلوهم، وقولوا لهم: اتقوا الله فإننا نعيش في أمن ورخاء وسلام ويتخطف الناس من حولنا، ووالله الذي لا إله غيره إن لم نقم لله مثنى وفرادى دعاة ومصلحين فإن العذاب أقرب إلى أي واحد منا من شراك نعله.

    1.   

    الأسئلة

    فساد الأنظمة الاقتصادية والسياسية الأسباب والعلاج

    السؤال: ما الرد على من يقول: إن سبب فساد بعض الأنظمة الموجودة كالنظام الاقتصادي والسياسي، وسبب وجود الغربة هو تخلف العلماء وعدم المشاركة في القرارات الشرعية التي تساير ما أتت به هذه الحضارة الحديثة، ويضرب مثالاً لذلك بوجود الأنظمة الاقتصادية الحالية، والسبب هو عدم وضع البديل الإسلامي المناسب، ومن أقواله أيضاً: إن تدريس الفقه الإسلامي ومناهجه يعتبر خاطئاً، بسبب بقاء التدريس على كتب القدماء؟

    الجواب: هذا الكلام فيه نقد للقدماء، وهذا خطأ بين؛ لأن القدماء خدموا الإسلام، وهم في قرن خير من قرننا، وإن كان في قرننا خير والحمد لله، لكني أوافق الأخ السائل على بعض ما يقول، فالعلماء قصروا في هذا الجانب، ولم يقدموا الحلول الشرعية لدولة ما من الدول التي فسد اقتصادها أو قام على الربا وما حرم الله، وأكبر ظني أن كثيراً من هؤلاء العلماء في عزلة عن الأنظمة الحديثة، ولكن هناك أمر آخر لا نغفل عنه، وهو أن هؤلاء العلماء أكثرهم ما أُخذ رأيه في هذه الأمور، وهذه أنظمة اقتصادية جاءتنا من الخارج، وقيل لنا: إن نظام الحياة لا يقوم إلا عليها. ولو كانت جائرة ولو كانت ربا ولو كانت حرباً لله ورسوله، وإن كان طائفة من العلماء أرادوا أن يغيروا، لكنهم لم يغيروا إلا شيئاً يسيراً، ونحن هنا نستطيع أن نقترح على الدولة -وهي لا شك أمثل دولة نعتمد عليها بعد الله سبحانه وتعالى- أنها إذا كانت تريد أن تحارب هذا الربا العظيم الذي هو حرب لله ورسوله فباستطاعتها -لا سيما في هذا العصر الذي -والحمد لله- كثر فيه علماء الاقتصاد الإسلامي الواعون- أن تشكل لجنة ونخبة من صالحي العلماء المدركين للأوضاع الاقتصادية وأنظمة الحياة الحديثة وأن تكلفهم بهذه المهمة، وقد سبق أن كتبنا لبعض المسئولين واقترحنا عليهم أشخاصاً معروفين، ولهم وزن وثقل في المجتمع، وأعتقد أن مثل هؤلاء لو وكل إليهم الأمر لأغنوا هذه البلاد عن الأنظمة الاقتصادية المنحرفة المحرمة التي تحارب الله عز وجل ورسوله.

    وأملنا في الله عز وجل ثم في الدولة كبير، لا سيما أنها دائماً وأبداً -إن شاء الله- سوف تبحث عن الحلول التي تخلص فيها هذا البلد مما حرم الله سبحانه وتعالى، فالعلماء مسئولون عما انتشر من الربا، سواء أكانت هذه المسئولية بإيجاد الحلول للدولة، أو بمطالبة الدولة أو أي دولة في بلاد العالم الإسلامي أن تزيل الربا، ولكنهم لم يعطوا الأمر حقه حتى يستطيعوا أن ينطلقوا منطلقاً قوياً، ولكن لنا أمل في الله عز وجل أن تشكل الحكومة في هذه الظروف لجنة من العلماء المدركين المخلصين الذين يهتمون بهذه الأمور ليقوموا بهذا العمل، أما الأصل فإن العلماء أكثر ما يغزى الإسلام من قبلهم حينما يتهاونون في الأمر، ولذلك ما حلت أنظمة البشر وقوانين الرجال في بلاد من بلاد الله إلا بسبب ضعف القضاة أو تساهلهم في أمر من أمور القضاء، فتكثر القوانين الوضعية حينما يفسد نظام الحياة، وحينما يعجز القضاة الشرعيون عن حلها، فحينئذ يظهر الفساد في السياسة وفي الاقتصاد وفي كل الأنظمة، والله المستعان.

    اقتراح بدعوة الجاليات غير المسلمة إلى الإسلام

    السؤال: لقد عرف عن فضيلة الشيخ عبد الله أنه يرحل إلى الخارج للدعوة إلى الله، لكن ألا يعد وجود الجاليات الكبيرة داخل المملكة من الفرص الكبيرة التي يمكن من خلالها أن ننظم حلقات للدعوة، حيث ندعو هؤلاء إلى الإسلام إذ هم موجودون في داخل المملكة؟ وهل هناك جهود في هذا الأمر؟

    الجواب: الصحيح أن هذه فرصة فاتتنا من سنين طويلة، فبدل أن نغزوهم في بلادهم من منطلق قوتهم لا نستطيع أن نؤثر إلا على المسلمين منهم، ولكن وجودهم في بلادنا هذه ومنذ سنوات طويلة غفل عنه كثير من المصلحين، فما رأينا واحداً من هؤلاء -إلا في النادر في السنوات الماضية- دخل في الإسلام، وإننا كثيراً ما نرى من أبناء المسلمين من يرتد عن الإسلام على أيدي هؤلاء، سواء أعلن ردته أو لم يعلن ردته، ولكن -والحمد لله- في هذه الأيام الأخيرة افتتحت في كل مدن المملكة -بل وفي بعض القرى- مكاتب للجاليات من غير المسلمين، لتعليمهم أمور الدين الإسلامي، ودعوتهم إلى الله عز وجل، ونشر المطبوعات، ورئاسة البحوث وعلى رأسها سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله وجزاه الله خيراً قدمت جهداً في هذا الأمر، فطبعت بجميع لغات العالم مطبوعات، وأعطت تراخيص لمكاتب في كل مدن المملكة وبعض قراها لتقوم بهذه المهمة باسم مكاتب لتوعية الجاليات، ولكن نرجو المزيد من ذلك، ونرجو أن لا يدخل في بلادنا كافر إلا ويخرج منها وهو مسلم، وهذا ليس بغريب؛ لأن هذه أرض طاهرة، وكذلك لا يجوز أن نجمع فيها أكثر من دين، فيجب أن نقلل فيها من عدد اليهود والنصارى والوثنيين، والله المستعان على ما يحدث، لكن إذا وجدوا يجب أن ندعوهم إلى الإسلام لعلهم يرجعون إلى أهلهم مؤمنين.

    علاج الحيرة الموجودة عند شباب الصحوة

    السؤال: نحن شباب الصحوة أحياناً نصاب بشيء من الحيرة هل نكون مع بعض الدعاة الذين يسمون معتدلين عند بعض الناس، أم نكون مع بعض الدعاة المجاهدين المخلصين، فما هي حقيقة هذا الأمر؟ وكيف تزول هذه الحيرة عند كثير من الشباب؟!

    الجواب: الإنسان إذا أراد أن ينضم إلى مجموعة ما فلينضم إلى جماعة المسلمين، هذا هو ما أوصى به الرسول صلى الله عليه وسلم حذيفة، قال حذيفة : (فقلت: يا رسول الله! فماذا تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: الزم جماعة المسلمين) ولذلك فإننا نقول: على المسلم أن يلزم جماعة المسلمين، وأن يختار أفضل فئة تدعو إلى الله عز وجل وتدافع عن هذا الدين، ولعل هذه الظروف التي نعيشها الآن جعلت هذا النوع من هؤلاء الدعاة في نظر طائفة من الناس متشددين أو متطرفين كما يسمونهم، والحقيقة أن هذا هو الإسلام الذي نعرفه في شرع الله عز وجل من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لكن وجوده في هذه الفترة التي منيت بالانحراف جعل هؤلاء كأنهم متطرفون أو متشددون.

    والحقيقة أن الإنسان إذا أراد أن يبحث فليبحث عن أفضل فرقة، أن يبحث عن الفرقة التي تغضب لله عز وجل إذا رأت محارم الله عز وجل تنتهك، لكن لا تفقد الحكمة، والحكمة لها معنيان: الحكمة وضع الأمور في مواضعها، والحكمة بمعنى اللين، وأقصد بالحكمة وضع الأمور في مواضعها؛ لأن الأمة الإسلامية لا بد من أن تكون لها قوة تحمي هذا الدين، وليس غريباً أن ينزل الله عز وجل الحديد كما أنزل الكتب السماوية فقال: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ [الحديد:25]، فوضع الحديد بجوار الكتب السماوية، وهذا يدل على أن المسلمين لا بد من أن تكون لهم قوة، ولا نعني -أيضاً- بذلك أن نكون أناساً ثوريين وأن نحطم ونكسر ونقتل لا، لا نفعل شيئاً من ذلك، وإنما علينا أن نغضب لله عز وجل بحيث تكون قوتنا كقوة الحديد والنار حينما تنتهك محارم الله عز وجل، يقول حسان :

    لا خير في حق إذا لم تحمه حلق الحديد وألسن النيران

    فالقوة هي المطلوبة، لكن يجب أن تكون هذه القوة باعتدال وبتوازن وبانضباط، حتى لا تجر مشاكل على الأمة الإسلامية، وحتى لا تفسد عليها أمنها.

    حقيقة الجهاد في أريتريا وواجب المسلمين نحوهم

    السؤال: لقد علمنا أنك اعتنيت كثيراً بمشكلة المسلمين في أريتريا والجهاد في أريتريا، ونود أن تعطينا فكرة عن الجهاد الإسلامي في أريتريا حتى تتضح الأمور في أذهانهم؟

    الجواب: هذا حديث يطول، لكن ألخصه في كلمات:

    أريتريا منذ ثلاثين عاماً وهي مبتلاة بألد أعداء الله عز وجل، ولعل أحدنا يظن أني أعني الحبشة وليس كذلك، فالحبشة عدو حاقد نصراني شيوعي ملحد، لكن ابتليت أريتريا بما هو أشد من ذلك من أبناء جلدتها، من الذين تقدموا ليحرروا البلاد فإذا بهم يزيدون الطين بلة، وخلال السنوات الثلاثين التي مضت والأمور تتردى في أريتريا، حتى وصل الأمر إلى خبر نشرته صحيفة (المسلمون) منذ سنتين تقول فيه: إنه تؤخذ الفتيات من البيوت قهراً ويقتل الآباء الذين يعارضون، ويوضعن في مواطن تفريخ -أي: في معسكرات- لينزوا عليهن من لا أقول: البر والفاجر؛ لأن الكل فاجر، بل المسلم والنصراني، ويلدن أولاداً، ويعتبرون هؤلاء الأولاد صغار الثورة، ويرجون من وراء ذلك أن تحول أريتريا إلى بلد إلحادية.

    هذا الأمر دفع كثيراً من علماء المسلمين الأريتريين الذين درسوا في الجامعات الإسلامية هنا وهناك وفي كل مكان إلى أن اجتمعوا وتعاهدوا على الجهاد في سبيل الله، وجمعوا منظمات متفرقة في منظمة واحدة اسمها: (حركة الجهاد في سبيل الله) ويديرها واحد وخمسون من علماء أريتريا في مجلس شورى، وهؤلاء الآن يكادون أن ينجحوا في مهمتهم لو قيض الله عز وجل لهم مالاً، وبقي دوركم أنتم -أيها الإخوة المسلمون- يا من تملكون المال، فلماذا لا تتقدمون لهؤلاء بالمال لعل الله سبحانه وتعالى أن يفتح على أيديهم أريتريا؟ وهي ليست بأقل خطراً من أفغانستان علينا، بل إن أريتريا لا تبعد عنا إلا عشرات الأميال فقط، وهي تشكل خطراً لا سيما في هذه الجبهات التي تكافح فيها الاحتلال الأثيوبي.

    وعلى كلٍ فالجهاد في سبيل الله قائم هناك، ولكنه يفقد المال، بل يفقد لقمة العيش الضرورية، بل إن الأريتريين الذين يزيدون على مليون مسلم يعيشون الآن داخل السودان يموت عدد منهم جوعاً في هذه الأيام أكثر من أي مجاعة مرت عليهم في تاريخهم، حتى المجاعة التي سمعنا أخبارها منذ سنوات هم الآن يعيشون مجاعة أشد من تلك لأسباب كثيرة، ولعل من أهم أسبابها أحداث الخليج، وغلاء الأسعار هناك، حتى أصبح المسلمون يموتون جوعاً، فهم بحاجة إلى طعام إضافة إلى أنهم بحاجة إلى سلاح يقاتلون به عدوهم.

    وعلى كل فإني أدعو المسلمين إلى المساهمة لمساعدة إخوانهم الأريتريين، فهم أحوج ما يكونون إلى المال، لعل الله أن يفتح على أيديهم، ولعلنا نتقي شر تلك المنطقة وما يسمى بالقرن الأفريقي الذي يهدد أمن المنطقة كلها.

    واجب المسلمين تجاه المجاهدين في أفغانستان وغيرها

    السؤال: مع الأحداث الأخيرة صرفت أذهان كثير من المسلمين -مع الأسف الشديد- عن الجهاد في فلسطين، وعن الجهاد الأفغاني الكبير الذي ما يزال يحاول أن يقتلع الإلحاد من بلاد الأفغان، فنود لو يذكر الناس قليلاً بواقع الجهاد الأفغاني؟

    الجواب: حينما نتحدث عن الجهاد في بلد لا نتحدث عنه لأنه الوحيد في الساحة، لا، فالجهاد في أفغانستان لا ننساه ولن ننساه أبداً، والجهاد في فلسطين لا يمكن أن يغيب عن عقولنا، وأيضاً لا ننسى إخواناً لنا في جنوب الفلبين يجاهدون في سبيل الله، كل هؤلاء لا نغفل عنهم ولا ننساهم.

    أما الجهاد في أفغانستان فإننا نسمع أخباره -والحمد لله- وهو مرفوع الرأس، حتى لقد كان من الأخبار التي وردتنا أن عدو الله الحاكم في أفغانستان ظلماً وعدواناً يراسل القادة الذين يحيطون بكابل ويقول لهم: أنتم إخواني وأنا أخوكم أصلي وأطبق شعائر الإسلام، فارحمونا فقد أزعجتمونا ودعونا. فماذا رد الأخ القائد جزاه الله خيراً عليه؟ هل رد عليه يقول: نقتسم البلاد نحن وأنت؟! لا. وإنما كتب في أسفل خطابه -كما يقول شاهد عيان-:

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    من فلان إلى عدو الله قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ * وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ [الأنفال:39] التوقيع: فلان.

    وهذا يدل -والحمد لله- على أنه صادر من منطلق قوة، لكن المال هو الذي يسير هذا الجهاد، والحمد لله على أن أكثر من سير الجهاد في أفغانستان هم شباب المملكة العربية السعودية، وهم أكثر الناس شهداء من غير الأفغان في تلك المناطق والحمد لله، وإننا نرجو المزيد من ذلك، وهذا يدل على وعي شباب المملكة العربية السعودية.

    إذاً لا بد من المال؛ لأن المال هو الذي يقوم بالجهاد، لا سيما أن أيام الشتاء إذا أقبلت فالثلوج ترتفع في تلك الجبال إلى أمتار من شدة البرودة، وربما تبلغ درجة البرودة إلى عشر أو عشرين درجة تحت الصفر في بعض الأحيان، فمن يستطيع مواجهة ذلك؟! إنهم القوم الذين عاهدوا الله على الجهاد، وهم أيضاً بحاجة إلى شيء من مالنا يتقون به البرد والعدو، والله المستعان.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3029156690

    عدد مرات الحفظ

    725982506