إسلام ويب

الولاء والبراءللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تعرض الشيخ لقضية الولاء والبراء، مبيناً لصور الولاء والبراء. وذكر صوراً من ولاء وبراء الأنبياء مما ورد في القرآن الكريم، كما ذكر أنواع الموالاة المحرمة في الشريعة الإسلامية.

    1.   

    الرابط الذي يجمع أهل الإيمان هو تقوى الله

    إن الحمد لله نحمده ونستغفره ونستهديه ونتوب إليه, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:71].

    أيها الإخوة الكرام: أيها الشباب المؤمن! لا يعرف تاريخ الدين الصحيح في هذه الدنيا إلا نوعاً واحداً فقط من الاجتماع, وهو الاجتماع على طاعة الله عز وجل, فمنذ أول نبي بعثه الله عز وجل إلى أهل هذه الأرض -وهو آدم عليه الصلاة والسلام, فقد كان نبياً مكلماً، مروراً بنوح عليه الصلاة والسلام، وانتهاءً بمحمد صلى الله عليهم جميعاً وسلم, كان الرابط الوحيد الذي يجمع أهل الإيمان هو الاجتماع على تقوى الله وطاعته.

    وبهذا الرابط كانت تتحطم كل الروابط الأخرى, فرابطة الأرض والرقعة الجغرافية تذوب وتنتهي، فيجتمع الرجل من المشرق مع الرجل من المغرب على أمر هذا الدين, وأيضاً رابطة العرق والنسب تضمحل وتذوب، فيجتمع العربي مع الفارسي والرومي والحبشي في نسيج واحد متلاحم، وهم يرفعون راية واحدة, وتضمحل وتذوب جميع الفوارق: فوارق الجنس، واللون، والطبقة، وكل الفوارق التي عرفتها البشرية.

    وفي مقابل ذلك تنتهي كل الأشياء التي تعارف الناس عليها إذا انتفت رابطة الدين, فمثلاً قد يحارب الأخ أخاه، وقد يحارب الأب ابنه, وقد يحارب القريب قريبه, وقد يتخلى الزوج عن زوجه، إذا انحلت هذه العقدة، وهذه الرابطة -رابطة الإيمان-.

    الولاء والبراء عند الأنبياء

    وتاريخ النبوات وأتباع الأنبياء حافل بالأمرين, فلو تأملت في القرآن الكريم تجد قصة نوح وابنه، قال تعالى: رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ [هود:45-46] وفي قراءة (إنه عَمِل غيرَ صالح) إذاً الجواب: إن ولدك الذي خرج من صلبك قطعاً ولا شك ولا ريب -فليس المقصود نفي أبوته له- إنه ليس من أهلك، لماذا؟

    إنه عمل غير صالح, لأن عمله عمل غير صالح, فلما زالت رابطة الدين وانحلت ذهبت معها كل الروابط والعلاقات الأخرى.

    وكذلك نوح عليه السلام مع زوجته، قال الله عز وجل: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ [التحريم:10], بالرغم من أن نوحاً عليه السلام كان يقول: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [نوح:28] بل نستطيع أن نفهم من هذا النص، من دعاء نوح عليه السلام, أن والد نوح وأمه كانا مسلمين, ولو لم يكونا كذلك لعاتبه الله على الدعاء لهما بالمغفرة، كما عاتب إبراهيم عليه الصلاة والسلام، كما سوف يأتي.

    وإبراهيم عليه السلام كانت فيه أسوة حسنة للذين آمنوا، قال تعالى: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [الممتحنة:4] فتبرءوا من قومهم، مع أنهم في وطن واحد ومن أصل واحد، والنسب واحد، والرقعة الجغرافية واحدة، وقد يكون نظام الحكم الذي يظلهم في ذلك الوقت واحداً، ومع ذلك كما قال تعالى: إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [الممتحنة:4] وقالوها بلهجة واضحة ليس فيها غموض ولا لف ولا دوران: كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [الممتحنة:4].

    ليس في الإسلام وحدة وطنية

    إذاً: مسألة المصلحة الوطنية، والوحدة الوطنية ليس لها وجود في الإسلام, والوحدة وحدة على الدين والعبادة فقط, ولهذا يقول إبراهيم ومن معه لقومهم: كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [الممتحنة:4] والغريب في قوم يقرءون هذا القرآن، وأنـزلت عليهم هذه الآيات وهذه الحجج، ثم تجد أنهم يستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير.

    فنسمع ولا أقول من عامة الناس، فقد جرت العادة -دائماً أو غالباً- أن العامة قد تضيع كثير من المفاهيم عندهم، وقد تلتبس كثير من الأمور، خاصة إذا قلّ العلم والعلماء، وشغلوا بأمور جانبيه عن القضايا الأصلية التي ينبغي أن يقرروها.

    لكن من المؤسف كل الأسف إذا فسد الملح، كما كان يقول عبد الله بن المبارك:

    يا معشر القراء يا ملح البلد      ما يصلح الملح إذا الملح فسد

    أي: الطعام يصلحه الملح، لكن إذا فسد الملح نفسه فماذا يصلح الملح؟!! لا شيء يصلحه.

    فالمصيبة إذا كان بعض الدعاة -أحياناً- أو أقول بلهجة أصح: المنتسبين إلى الدعوة، قد يضيع عندهم هذا المفهوم، فتجد من بينهم من ينادي بما يسميه بالوحدة الوطنية، التي تجمع الشيوعي إلى جوار المسلم، إلى جوار القومي، إلى جوار النصراني، إلى جوار اليهودي، والراية التي تظللهم هي الوحدة الوطنية كما يقولون.

    فيرددون: جمع ولمّ شمل الوطن الواحد. ودعك الآن من الحكام الذين يرفعون هذه الراية؛ لأن الحاكم الذي يرفع هذه الراية هو أصلاً يريد أن تستتب الأمور له، وتجتمع الأمة عليه, ولا يهم بعد ذلك إذا كان يحكم، يهودياً أو نصرانياً أو مسلماً أو غير ذلك! بل يهمه أن يدوم له السلطان، لكن الأمر المؤسف أن يقع الداعية في هذا الأمر, فنسمع من بعض المنتسبين إلى الدعوة الإسلامية، مناداة بالوحدة الوطنية، على أنهم يسمعون صباح مساء قول الله عز وجل: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [الممتحنة:4].

    إن من أطرف وأعجب ما قرأت: أن أحد الكتاب يتحدث عن الوحدة الوطنية، ويحاول أن يلتمس لها مبرراً أو مسوغاً في الإسلام, فبماذا استدل؟!

    استدل بقصة موسى وهارون: قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي [طه:93-94] وهذا موسى يخاطب هارون عليه السلام, قال هارون كما قال الله تعالى: قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي [طه:94] فيقول: هذا دليل على مراعاة الوحدة الوطنية! ولا أدري كيف غاب عنه وعن وعيه أن يستدل بمعنى فهمه فهماً غير صحيح في كلام هارون, وينسى أن يستدل بكلام واضح صحيح، لا يختلف على معناه من كلام موسى عليه السلام.

    المهم أن هذا موقف إبراهيم عليه السلام من قومه, بل إن والد إبراهيم آزر كان الموقف معه واضحاً: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الأنعام:74] والله تعالى عاتب إبراهيم على دعائه لوالده, فإبراهيم دعا لأبيه قال: رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ [إبراهيم:41] فعاتبه الله عز وجل على هذا الدعاء، قال تعالى: وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ [التوبة:114] وفي صحيح البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {يلقى إبراهيم أباه يوم القيامة، وعليه قترة وغبرة تغشى وجهه, فيقول له: يا أبتي ألم آمرك فعصيتني؟

    يقول: يا ولدي! اليوم لا أعصيك, فيأتي إبراهيم ربه عز وجل يشفع لوالده, ويقول: يارب! إنك وعدتني ألاَّ تخزيني -بناءً على أن الله تعالى أجاب دعاءه يوم قال: وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ [الشعراء:87-88]- وأي خزي أخزى من قذف أبي في النار, فيقول الله عز وجل له: يا إبراهيم! إني حرمت الجنة على الكافرين، ولكن انظر، فينظر إلى أعلى فينفخ الله عز وجل والده حيواناً قبيح الخلقة، سيء الشكل متلطخاً، فإذا نظر إليه إبراهيم عليه الصلاة والسلام بعد مسخ صورته قذره واستبشعه وطابت نفسه. فيؤخذ بقوائمه فيلقى في نار جنهم}.

    قضية الدين والإيمان ليس فيها أوساط حلول

    فقضية الإيمان لا يوجد فيها أوساط حلول وليس فيها مجاملات، وليس فيها التقاء في وسط الطريق، فليست المسألة مسألة سلعة بينك وبين شخص آخر, تسومها بمبلغ من المال، وهو يطلب مبلغاً آخر، ثم تتفقان على مبلغ وسط بينكما.

    إن قضية الدين والإيمان ليس فيها أوساط حلول, إنما هي قضية واضحة لا تجوز المداهنة ولا المداراة أو المماراة فيها.

    وحين تنتقل إلى سيد المرسلين وخاتمهم، نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، تجد العجب العجاب، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم، بغض النظر عن مواقفه الشخصية -وهي كثيرة- في براءته من أقاربه إذ كانوا غير مؤمنين, كما قال عليه الصلاة والسلام كما في صحيح البخاري قال: {إن آل بني فلان -يصف قوماً من أقربائه من قريش- ليسوا بأوليائي وإنما وليي الله وصالح المؤمنين} فيتبرأ عليه الصلاة والسلام من أقرب الناس إليه لأنهم غير مؤمنين, وفي مقابل ذلك كان صلى الله عليه وسلم يدني ويقرب من كان مؤمناً، مهما كان نسبه أو بلده أو لونه, فكان في خاصة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بلال، وصهيب، وعمار وأشباههم وأمثالهم من المؤمنين الصادقين.

    ولكن الأمر الذي ينبغي التوقف عنده هو قضية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم تمكَّن من أمر لم يذكر عن كثير من الأنبياء، وهو أن الله مكّنه من إقامة دولة قوية تحكم بالإسلام في المدينة المنورة, وقوام هذه الدولة كان من المهاجرين والأنصار, فالمهاجرون من قريش من مكة، والأنصار من المدينة.

    وكانوا يخشون أن تثور العداوات والحروب فيما بينهم, والأنصار أنفسهم -في المدينة- كانوا منقسمين على أنفسهم قبل الإسلام, ودارت معارك ضارية لعل من أشهرها يوم بعاث، وهو يوم تاريخي مشهور بين الأوس والخزرج، وقد سالت فيه الدماء، وتطايرت فيه الرءوس، ولمعت فيه السيوف, وكانت ذكرياته مرة، حتى إن اليهود كانوا إذا أرادوا أن يثيروا الأحقاد بين المسلمين، أمروا أن ينشد ببعض أناشيد وأشعار يوم بعاث، فيثور الأنصار -الأوس والخزرج- إلى سلاحهم من شدة الغليان والغضب.

    الولاء عند العرب

    والعربي بطبيعته عنده ولاء للنسب وللقبيلة, ولعلكم جميعاً تحفظون أبيات الشاعر المعروف الذي يقول:

    أمرتهم أمري بمنعرج اللوى      فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغدِ
    فلما عصوني كنت منهم وقد أرى غوايتهم وأنني غير مهتدِوهل أنا إلا من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشدِ

    فهل عرفتم من هو هذا الشاعر؟!

    إنه دريد بن الصمة.

    فكانت هذه هي فلسفة العربي أياً كانت, حيث كان يذوب في القبيلة وينصهر فيها, يدافع عن مصالحها، ويتبنى قضاياها حقاً كانت أم باطلاً!!

    لا يسألون أخاهم حين يندبهم     في النائبات على ما قال برهاناً

    فهذا الشاعر يمدح قبيلة؛ بأنهم إذا سمعوا واحداً من قبيلتهم يستغيث بهم، ويطلب منهم النجدة، لا يسألونه برهاناً على ما يقول, بل يهبون لسلاحهم وينصرونه بحق أو بباطل!

    ومن أمثالهم في الجاهلية، كانوا يقولون: انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً, وكانوا يطلقونه بالمعنى الجاهلي بمعنى: انصر أخاك على حق أو باطل.

    فلما جاء الإسلام قال الرسول صلى الله عليه وسلم، كما في صحيح البخاري من حديث أنس قال: {انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً, قال: يا رسول الله! هذا أنصره إذا كان مظلوماً، لكن إذا كان ظالماً كيف أنصره؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: تحجزه وتمنعه عن الظلم فإن ذلك نصره}.

    فهذا العربي الذي كانت هذه فلسفته في الحياة، لما جاء الإسلام انصهروا كلهم في مجتمع المدينة المنورة حتى آخى الرسول صلى الله عليه وسلم بينهم, فجعل كل واحد من المهاجرين ينـزل عند واحد من الأنصار, حتى إنه ما نـزل رجل من المهاجرين على رجل من الأنصار إلا بقرعة, من شدة المشاحة فيما بينهم حيث كان عدد المهاجرين أقل فكل واحد من الأنصار يقول: هذا يكون عندي!

    من صور الولاء الحقيقي في الإسلام

    ولعل من أرقى وأعظم صور الولاء الحقيقي للإسلام وأهل الإسلام: القصة التي رواها البخاري، قصة سعد بن الربيع رضي الله عنه, وقد آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين عبد الرحمن بن عوف، فقال له سعد بن الربيع: [[خذ نصف مالي لك، وكان عنده زوجتين فقال: اختر إحدى زوجتي -أجملهما- وانظر إليها، فإذا أعجبتك أطلقها، فإذا اعتددت فتزوجها -إلى هذا الحد-! فقال له عبد الرحمن بن عوف: بارك الله لك في أهلك ومالك، ولكن دلوني على سوق المدينة]].

    فكانوا رجالاً عمليين، وأصحاب قدرة في مجال التجارة, فدلُّوه على السوق, فبعد أيام تزوج رضي الله عنه من حر ماله.

    فكان ذلك المجتمع نموذجاً للولاء الحقيقي لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم.

    وما لي إلا آل أحمد شيعة      وما لي إلا مذهب الحق مذهبُ
    بأي كتاب أم بأية سنة ترى حبهم عاراً عليّ وتحسبُ

    وفي مقابل ذلك تجد الصورة الأخرى أيضاً موجودة في مجتمع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه, فمثلاً لا أريد أن أستشهد بالقصة المشهورة: قصة أبي عبيدة عامر بن الجراح أنه قتل والده في معركة بدر, لأن هذه القصة ليست صحيحة, كما ذكر ذلك النووي وغيره من أهل العلم، أنه ليس لها إسناد يثبت, لكن لسنا بحاجة إلى قصة ليست صحيحة, فعندنا العشرات من القصص والأخبار المؤكدة التي كان المسلم يتبرأ فيها من أقرب الناس إليه, فزوجته -مثلاً- إذا أصرت على الكفر طلقها, وكان يغادر بلده ويترك أمه وأباه, مثلما فعل سعد بن أبي وقاص، ومصعب بن عمير وp=1000033>عمر بن الخطاب

    ، وأبو بكر وغيرهم، وما هم إلا مجرد نماذج تؤكد المعنى العام.

    كم أبٍ حارب في الله ابنه      وأخ حارب في الله أخاه!!

    قال بعضهم لأبيه: بعدما أسلم يا أبتي! والله إني كنت أراك في المعركة فأصد عنك، لا أريد أن أواجهك بشيء تكرهه, قال أبوه: أما أنا فوالله لو رأيتك لعلوتك بالسيف! ولا يمكن أن أعرض عنك أو أن أصد عنك.

    إذاً: الولاء والبراء جانبان متلازمان, أو كما يقال: وجهان لعملة واحدة, وهما ظاهران في قضية التوحيد, فشهادة التوحيد -شهادة أن لا إله إلا الله- كما يقول العلماء: نفي وإثبات, ففيها الشق الأول نفي، والشق الثاني إثبات, فهي نفي للألوهية عن كل أحد، وإثباتها لله عز وجل, فهي نفي عن كل أحد غير الله.

    وكذلك العقيدة ولاء وبراء، براءة من كل أحد إلا الذين يوافقون الإنسان على نفس الطريق، ويقفون معه على ذات الأرض التي يقف عليها، ويلتزمون بالعقيدة والمنهج الذي يلتزم به.

    فلا بد من الأمرين معاً، ولا يتصور في الإسلام شخص يحمل مشاعر إسلامية، ويؤدي النسك والعبادات، ثم بعد ذلك يكون ولاؤه لغير المؤمنين! فهذا لا يتصور بحال من الأحوال، ولذلك يقول الله عز وجل كما في الحديث القدسي الذي رواه البخاري {من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب} أي أعلنته بأني محارب له.

    1.   

    التطبيقات العملية للولاء والبراء

    التطبيقات العملية المعاصرة لهذا الموضوع الخطير كثيرة، والحديث النظري عن الموضوع أيضاً يطول, ولا أريد أن أسترسل في ذكر الأحاديث والقصص والآيات في موضوع الولاء والبراء، لأنها معروفة للجميع, ولا أعتقد أننا بحاجة إلى إعادة هذه الأشياء التي أرجو أنها مستقرة في نفوس الجميع، فإن القرآن الكريم لم يعن بشيء بعد تقرير التوحيد عنايته بإثبات قضية الولاء بين المؤمنين, كما في سورة آل عمران، وسورة المائدة، وسورة التوبة، وسورة هود وغيرها من الآيات, وكذلك في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ [الممتحنة:1] ووصف الله عز وجل من يخالف ذلك أنه من الضالين الظالمين المنحرفين عن سواء السبيل.

    والتطبيقات العملية المعاصرة لهذا الموضوع كثيرة، ولعلي أشير إلى شيء منها.

    فمن أهم القضايا التي يجب الوقوف عندها هي قضية الولاء السياسي والفكري للكفار الذي أصبح يخيم على واقع المسلمين، ويتمثل هذا الولاء في أمور كثيرة لعل من أبرزها:

    تحكيم القوانين الوضعية

    أولاً: قضية الحكم بالقوانين الغربية, وتحكيم غير شريعة الله عز وجل هو بحد ذاته ردة وكفر أصلاً, كما قال الله عز وجل: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44] وقال: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة:45] وقال: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [المائدة:47], فهو بذاته كفر، لكن -أيضاً- كونه يؤخذ من الغرب أو الشرق، من أمريكا، أو فرنسا، أو بريطانيا، أو من غيرهم من أمم الكفر, ويستوردون منهم الأنظمة التي تسير شئون الحياة، وتهيمن على أمور المجتمع، في اقتصاده واجتماعه وسياسته وأخلاقياته وأدبه وفنه وإعلامه... إلى غير ذلك, فإنه يضاف إلى كونه حكماً بغير ما أنـزل الله أنه يكون ولاء لأعداء الله عز وجل، وهذا من أكثر صور الولاء وضوحاً وصراحة.

    فكون الإنسان يعرض عن شريعة الله عز وجل الواضحة البينة، ويلتمس منهجاً في أنظمة الشرق والغرب، هذه ردةٌ -لا شك فيها- عن الإسلام.

    بل أقول: ردة بإجماع العلماء، كما ذكر ذلك الحافظ ابن كثير في كتاب البداية والنهاية, حين تكلم عن الياسق الذي هو نظام جنكيز خان, قال: من حكم بغير ما أنـزل الله من الشرائع المنسوخة المنـزلة على الأنبياء والمرسلين فهو كافر فكيف من حكم بغير ذلك مما وضعه الناس؟!

    فهذا كافر بلا شك في كفره بإجماع المسلمين.

    فهذه صورة صارخة من صور الولاء, ولا أعتقد أننا نحتاج أن نتلمس هذه القضية، فإن المسلمين -الآن- أصحبوا يحكمون في أكثر مجالات الحياة وجوانبها بغير شريعة الله عز وجل, بل بأنظمة ما أنـزل الله بها من سلطان: بأنظمة الشرق والغرب، والأنظمة الديوثية، التي تبيح هتك الأعراض ونهب الأموال, وتلغي أحكام الله عز وجل وتستدرك على الله تعالى في عباده, وهذه لا شك أنها نوع تأليه لهؤلاء، كما قال تعالى: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهِ [الشورى:21] وقال تعالى: مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً [الكهف:26].

    فالله عز وجل لم يشرك أحداً في حكمه, ولم يجعل لأحد أن يعبد من دونه, وفي قراءة ثابتة: وَلا تُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً [الكهف:26] فهو نهي للمسلم أن يشرك في الحكم أحداً مع الله عز وجل، أو أن يعبد في الحكم أحداً من دون الله تعالى.

    ولا أجد داعياً لأن نسمي هذا توحيد الحاكمية, كما أطلقه عليه بعض المفسرين المعاصرين، كالأستاذ سيد قطب رحمه الله, وتبعه على ذلك جماعة كبيرة من الكتاب والمفكرين, حيث سموا هذا اللون من الألوهية توحيد الحاكمية.

    والواقع أنه جزء من توحيد الألوهية، الذي يتضمن إفراد الله تعالى بالعبادة, لأن من أطاع غير الله في تحليل حرام أو تحريم حلال، أو وضع شريعة، فقد اتخذه إلهاً من دون الله عز وجل، كما قال تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [التوبة:31].

    وجود الأحزاب العلمانية

    أيضاً من صور الولاء السياسي للكفار: أن تجد من بين المسلمين أنظمة أو أحزاباً أو تجمعات أو أفراداً يسعون في مصلحة العدو الكافر, ويسهرون على تحقيق مطامحه ومطامعه, ويكونون وكلاء بالنيابة عنهم في كل أمر من أمور الحياة، فهم أكثر إخلاصاً له من أبنائه وأبناء بلده, فهم يستميتون في الدفاع عن مصالحه، وتحقيق مآربه وأهدافه! لماذا؟!

    لأنهم قد ربطوا مصيرهم به، وأدركوا أنه لا بقاء ولا قيام لهم إلا حينما يكون راضياً عنهم ومقراً لما هم عليه، ولهذا أخلصوا بالولاء له على حساب الأمم الإسلامية, فأصبح كثير من هؤلاء يسعون في المجتمع المسلم بالفساد ويسومون المسلمين سوء العذاب, ويقومون بالكثير من الأعمال والتصرفات والخطط والإجراءات، ويرفعون كثيراً من الشعارات، التي لا تستفيد الأمة منها شيئاً قط إلا التمزق والتفكك والخلاف والضياع، وهم لم يقصدوا أصلاً أن يحققوا مصلحة للأمة، إنما قصدوا أن يثبتوا ويعربوا عن ولائهم الصريح القوي لهذا الكافر الذي ربطوا أنفسهم به.

    ومع الأسف الشديد أن تنطلي هذه الأمور على كثير من المسلمين, وتلتبس عليهم الحقائق, فيصبح التمييز بين الحق والباطل في هذا الأمر ضعيفاً عند كثير من الناس, حتى من المصلين! ومن رواد المساجد ودعك من غيرهم، فتضطرب عندهم هذه الأمور وتلتبس حتى لا يميز أحدهم بين حق وباطل!

    الولاء الفكري للأعداء

    من صور الولاء أيضاً: الولاء الفكري للكافر, والولاء الفكري يأخذ صوراً شتى:

    الصورة الأولى: عدم وصف غير المسلمين بالكفار:

    لعل من مظاهر هذا الولاء الفكري أننا أصبحنا نسمع نغمة غريبة وخطيرة في نفس الوقت، تنادي: يا إخواننا! لا داعي لِمثل هذه العبارات القاسية!! كيف تصفون الغرب بالكافر! وتصفون الأمريكي بالكافر! أو الفرنسي بالكافر! أو اليهودي بالكافر! أو النصراني بالكافر! فتجدهم يقولون: هذا لا يصح! وهذا لفظ غير حضاري.

    وهذا الكلام لا يقوله دهماء الناس, بل إنني -في الواقع- قرأت في كتب ومقالات لناس يسمون بمفكرين إسلاميين -إن صح التعبير-! وأذكر كاتباً كتب كتاباً كاملاً عن هذه القضية، ويدافع فيه عن اليهود والنصارى، بل كُتبٌ في الواقع, ومنها كتاب اسمه: تجديد المجتمع العربي وهو ليس صريحاً في هذا الكلام، لكن من قرأه يحس بهذه النغمة، وهناك ناس أكثر صراحة ممن ينتسبون إلى العلم، نادوا بهذا الأمر يوماً من الأيام.

    وفوق هذا وذاك كتبت عدد من المجلات، أذكر منها مجلة العربي، فقد تبنت هذا الموضوع بشكل قوي، وكتب فيها عدد من الكُتَّاب، أذكر منهم فهمي هويدي وغيره, فتجدهم يتحدثون عن -ما يسمونه- المسلمين والآخرين, ويقولون: أديسون هوالذي اخترع أريت الكهرباء التي في بيتك، فكيف نقول أنه كافر؟!

    وأيضاً الميكرفون الذي نتكلم فيه -الآن- من صنعهم فكيف تحكم بأنهم كفار؟!

    وهذا غريب جداً! وكيف اضطربت المفاهيم إلى هذا الحد؟!

    فهذه القضية قضية دين، وهذه من القضايا التي يسميها أهل العلم: من المعلوم من الدين بالضرورة, وهي قضايا أجمعت الأمة عليها، وبدهيات ومُسَلَّمات، والشك فيها يعني الشك في الإيمان.

    بمعنى أن كل إنسان يشك في كفر اليهود أو كفر النصارى أو في كفر المشركين؛ أنه يشك في قضايا بدهية مسلمة، ولا أتصور إنساناً مسلماً يقع منه هذا الأمر؛ لأن القضية واضحة ومحسومة في القرآن الكريم وليست هي مسألة للاجتهاد, فالمخالفة في قضايا جزئية وفي مسائل فرعية تُتحمل, لكن المخالفة في قضية جوهرية أصلية في صلب الدين لا يتصور هذا في أي حال من الأحوال!.

    وقضية الإسلام والكفر قضية واضحة جداً، ولماذا أنت تدعو إلى الإسلام ما دام أنك ترى أن اليهودية حق والنصرانية حق، والمشركون على حق، إذاً اترك الأمة على ما هي عليه, ولا داعي لأن تقوم بدعوة إلى الإسلام!

    وكأن بعضهم يقول: إن الحق نسبي، وهذا هو مؤدى كلام صاحب كتاب: تجديد المجتمع العربي، وصاحبه هو زكي نجيب محمود, فمفهوم الكلام أن القضايا هذه نسبية، فالإسلام حق بالنسبة لك واليهودية حق بالنسبة لأصحابها، والنصرانية حق بالنسبة لأصحابها.

    إذاً: إذا كان الإسلام -وهو حق- حَكَمَ على الديانات السابقة بأنها ديانات منسوخة، وأن هذا الدين بعث مهيمناً على الديانات السابقة وناسخاً لها, وأن الأنبياء لا يسعهم -لو وُجدوا- إلا اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم, وأن الله تعالى لا يقبل من الناس إلا هذا الإسلام الذي بعث به نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم, فإن إقرارك بأن الإسلام حق يعود على كلامك بالإبطال من الأصل, لأن الإسلام الذي تعترف به أنه حق وتؤمن به، يقول لك: إن تلك الديانات باطلة، فإما أن تقر بأن كلام المسلمين هنا حق, فترجع عن قولك, وإما أن تكفر بالإسلام والعياذ بالله، وبناءً على ذلك لك أن تقول ما شئت: {إذا لم تستح فاصنع ما شئت}.

    فهذا نوع من الولاء الفكري للغرب الذي جعلنا أسرى له، حتى تخجل من إطلاق لفظ الكفر عليهم, فقد نسميه الغرب المستعمر، أو الغرب الصليبي، أما كلمة كافر فإنها أصبحت ثقيلة على نفوس الكثيرين, ويستحون من إطلاقها.

    والله تعالى قد أطلقها في كتابه على طوائف من الناس, بل لو حسبت كم مرة ورد لفظ الكفر والكافرين والكفار لوجدت مئات المواضع, وكذلك الرسول صلى الله عليه وسلم والأمة كلها، فما معنى أن نستحي اليوم من استخدام هذا المصطلح الشرعي، الذي ذكره الله تعالى في كتابه، وذكره الرسول عليه الصلاة والسلام؟!

    الصورة الثانية: تبني الأفكار الغربية في بلاد المسلمين:

    ومن الولاء الفكري للغرب أننا نجد من يتبنى الأفكار الغربية في بلاد المسلمين, ويتبنى نظريات الغرب أياً كانت في أي مجال, كالنظريات الاقتصادية، فإنك تجد الدراسات الاقتصادية في العالم الإسلامي كله بلا استثناء؛ دراسات مبنية على الدراسات الغربية, فلا يوجد -في حدود علمي- دراسات اقتصادية علمية صحيحة تدرس للناس في أي جامعة من الجامعات, وهناك أقسام تسمى بأقسام الاقتصاد الإسلامي، لكن حتى هذه الأقسام -أحياناً- تجد نفسها مضطرة إلى أن تدرس الاقتصاد الغربي؛ لأنه لا يوجد أحياناً المادة الكافية!

    ولكن المهم أن هناك من يتبنى هذا الاتجاه، ويتحمس في ربط اقتصاد المسلمين بالاقتصاد الغربي, بحيث أصبح مستقراً في أذهان المسلمين أنه لا يُتصور اقتصاد إلا بالربا, وإذا ألغيت البنوك الربوية فإنه لا يكون هناك اقتصاد! فالكثير من الناس لا يتصور وجود اقتصاد إلا قائماً على أساس البنوك الربوية, وهذا -مع الأسف- من ضغط الواقع على المسلمين وشدة تأثيره عليهم.

    تعريجٌ على مفاهيم العلمانية

    وتجد الأحزاب العلمانية، التي تنادي بفصل الدين -لا أقول عن الدولة، أو السياسة فحسب, بل تنادي بفصل الدين- عن الحياة, فتجدهم يقولون: إن الدين ليس له علاقة بالفن, ولا علاقة له بالإعلام, ولا علاقة له بقضايا المرأة, ولا علاقة له بالاقتصاد, ولا علاقة له بالسياسة, الدين فقط علاقة بين العبد وربه!

    وهذا مفهوم كنسي نصراني معروف، وهو أن المسلم يصلي في المسجد -لا مانع- أو في الزاوية أو في المعبد أو في الكنيسة، وكل إنسان بحسبه, لكن يبقى الدين فيما سوى ذلك موضوعاً على الرف, ولا يستفتى في أي شأن من شئون الحياة!

    ومن الطريف أني أذكر تصريحاً لبعض رموز العلمانية في إحدى الدول الإسلامية، كان يقول: "إن الدين أشرف وأعظم وأنظف وأنقى من أن نقحمه في السياسة".

    إذاً: هو حرص على بقاء الدين، لكيلا يصبح الدين ملوثاً بألاعيب السياسة وأحاديثها ومكرها, فأحب أن يكون الدين بعيداً حتى يبقى نظيفاً, فلا تصيبه الأوساخ السياسية الماكرة الخبيثة! فيقول: الدين أنقى وأنظف وأعظم وأطهر من أن نقحمه في السياسة فنلوثه بذلك, فيبقى الدين للجميع!

    ولعل الكثير سمع مقولة: (الدين لله والوطن للجميع) ومعنى ذلك أن القضية قضية وحدة على أساس الوطن. والدين مُبْعدٌ، ولا علاقة له بهذه القضايا السياسية, أو القضايا الاجتماعية, وهذه أيضاً نظرة كنسية واضحة.

    والأحزاب العلمانية، والحكومات العلمانية في العالم الإسلامي ظاهرة ولا تحتاج إلى بيان, وقلت في بعض المناسبات: إننا نحصي عدداً من البلاد الإسلامية سقطت في أيدي الكفار الصرحاء، مثلاً: أفغانستان سقطت في أيدي الشيوعيين, وكذلك الأندلس من قبل, وهناك فلسطين سقطت في أيدي اليهود, وهناك بعض الدول الإفريقية سقطت في يد النصارى, وقد تكون أربع أو خمس دول إسلامية سقط في أيدي الكفار الصرحاء المعلنين.

    لكن هل نستطيع أن نحصي كم من دولة إسلامية سقطت في أيدي المنافقين، المستسمين بالعلمانيين؟!

    لا نحصي، ويكفي أن تعرف أن أكبر دولة إسلامية من حيث عدد السكان، تُحكم بما يسمى بالبانتيلا، الذي ينادي بوحدة الأديان، وأن المسلم لا يسمح له أصلاً في جمعية، أو مؤسسة أو جامعة أو غير ذلك إلا بشرط أن يقر بهذا النظام، الذي يعترف بوجود اليهود، ووجود النصارى, ووجود البوذيين، والباطنيين، وجميع الطوائف، وأن هؤلاء إخوة في وحدة وطنية منسجمة، لا يكدّر صفوها مكدّر, وهذا شرط لكل إنسان يعمل.

    وتجد أن أجهزة الإعلام قد يعطون المسلمين -الذين يشكلون أحياناً مائة وأربعين أو مائة وثلاثين مليوناً، نصف ساعة في ليلة الجمعة, ويعطون النصارى نصف ساعة في ليلة الأحد, ويعطون الباطنيين نصف ساعة في يوم الثلاثاء وهكذا..!

    ثم تكون العطلة في يوم الأحد، فهذه الجماهير المهدرة.. لماذا؟!

    إنه لا يمكن تفسير ذلك إلا بالولاء للمستعمر، الذي خرج بجنوده وأسلحته، وأبقى من يكون أكثر إخلاصاً له من أبناء البلاد الأصليين, وهذا يذكرني بقول أحد المستشرقين حيث كان يقول: إن شجرة الإسلام لا تجتث إلا بغصن من غصونها.

    والنظريات الغربية التي غزت المسلمين اليوم، سواء في واقعهم العملي أو في جامعاتهم أو في عقولهم وأدمغتهم كثير، ولو ذهبنا نستطرد في الحديث عنها لاحتجنا إلى وقت طويل ولم نصنع شيئاً.

    1.   

    حكم مساكنة الكفار ومعايشتهم

    ومن صور الولاء الموجود في بلاد المسلمين وفي واقعهم: قضية مساكنة الكفار ومعايشتهم.

    وهذه قضية تعانونها في هذه البلاد، خاصة منكم المقيمين إقامة دائمة, والأصل أن المسلم يسعى لأن يقيم مجتمعاً مسلماً, لأنك إذا وجدت داخل مجتمع، فمن المعروف أنك تدعم هذا المجتمع بوجودك شئت أم أبيت, فالسلعة التي تشتريها من البقالة هي دعم لهذا المجتمع, والدولار الذي تدفعه هو دعم لهذا المجتمع, والغرفة التي تسكنها هي دعم لهذا المجتمع, والسيارة التي تستخدمها هي دعم لهذا المجتمع, والعمل الذي تقوم به هو دعم لهذا المجتمع، لماذا؟

    لأن المجتمع عبارة عن مجموعة أفراد، فلو تَخَلَّوا عن المجتمع لذهب المجتمع.

    إذاً: وجودك أصلاً في مجتمع ما، هو عبارة عن دعم وتقوية وتعزيز لوجود هذا المجتمع، سواء في الجوانب الاقتصادية أو السياسية أو الاجتماعية أو غيرها.

    المجتمع المسلم مجتمع متميز

    لقد نادى الإسلام بإيجاد مجتمع متميز, وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم المؤمنين بالهجرة, وفي القرآن الكريم تجد أن الله عز وجل في أكثر من موضع ذكر ثلاثة أمور، مركب بعضها على بعض: الإيمان، ثم الهجرة، ثم الجهاد، وذلك في أكثر من موضع: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا [الأنفال:72] فبعدما يوجد الإيمان يلزم أن يدعوك ويحدوك هذا الإيمان إلى أن تهاجر إلى حيث يقام مجتمع مسلم، وهذا المجتمع يحمل على عاتقه مسألة الجهاد: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [الأنفال:72] فهي أمور مركبة بعضها على بعض.

    حتى قال الرسول صلى الله عليه وسلم: {أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين -بريء من كل مسلم يدخل في الإسلام ثم يظل مع المشركين ولا يهاجر -قالوا: ولم يا رسول الله؟ قال: لا ترائى ناراهما}.

    يعني: أبعد عن المجرم حتى أنك لا ترى ناره لو أوقدها, وهو لا يرى نارك لو أوقدتها من شدة بعدك عنه. فهذه قضية مهمة جداً.

    وكذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو داود وغيره عن سمرة بن جندب، يقول صلى الله عليه وسلم: {من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله}.

    وكلمة جامع تحتمل معنين:

    المعنى الأول: أنه اجتمع معه في مكان، وعايشه، وعاشره، وساكنه، فإنه مثله.

    المعنى الثاني: هو الزواج, والمعنى المعروف للجماع هو الزواج من المشركة، وأنه لا يجوز، ويستثنى من ذلك الزواج بالكتابية، كما هو معروف، مع أنه أمر غير محمود العواقب, وله سلبيات خطيرة بعيدة المدى.

    والمهم أن بقاء المسلم بين أظهر المشركين خطر كبير, وليس صحيحاً أنك تتمتع بالحرية في هذه البلاد, هناك حرية نسبية بلا شك ولا مجادلة في الحقائق، ولا نغالط أنفسنا, لكن ينبغي أن نفتح أعيننا أيضاً على قضية الدين, فكثير من الأحيان عندما تجلس إلى الإخوة الذين يدرسون في بلاد غير إسلامية مثلاً، تجد أنه يضطر إلى أمور معينة، كصعوبة مراعاة أوقات الصلوات، وأنه لا يستطيع أن يصليها في أوقاتها, وتجده يشتكي لك من قضايا التأمين وأنه مضطر إلى ذلك، وتجده يشتكي من قضايا الاختلاء بالنساء، ومن قضايا مصافحة النساء، ومن قضايا النظر إلى النساء، وألوف القضايا التي يشتكي منها.

    وهذه القضايا هل تدل على أن هناك حريات؟

    في الواقع لا, وهذه تدل على أن المسلم لا يستمتع بالحرية الحقيقية, لأن المسلم حريته الحقيقية هو المكان الذي يعبد الله فيه, ليست الحرية فقط أن تتكلم.

    يا أخي! أصحاب الكهف ماذا قالوا؟! كما قال الله تعالى: وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ [الكهف:16] والكهف أضيق مكان في الدنيا، ومع ذلك قالوا: فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ [الكهف:16].

    سبحان الله! ينشر معناه شيء واسع وكبير, وهو كهف ضيق لا يكاد يتسع إلا لهم، لكن يشعرون فيه برحمة الله عز وجل؛ لأنهم يتمكنون فيه من عبادة الله تعالى.

    ومع ذلك فإن هذه الحرية التي تمنح للمسلمين نحن نعلم يقيناً أنها حرية ما دام الإسلام لم يتحول في هذه البلاد إلى خطر يهدد المصالح اليهودية والنصرانية, وإلا سيحرك الجميع كلهم ضد الإسلام, ولعلكم الآن بدأتم تحسون بشيء من المكر اليهودي في هذه البلاد ضد العرب المسلمين, وضد المسلمين بشكل عام.

    وفي فرنسا أيضاً أصبح هناك أحزاب، ترتفع أسهمها يوماً بعد يوم, وهذه الأحزاب أهم ما تنادي به هو التخلص من الأجنبي, ومعروف من هو الأجنبي! ولقد رأيت صور زعيم هذا الحزب تملأ الشوارع، وأخبرني الشباب الصالحون هناك أن مؤيدي هذا الحزب يزدادون يوماً بعد يوم, وقضية الفتيات المغربيات معروفة ولا أحتاج إلى الوقوف عندها.

    إذاً: هي حريات نسبية، وهي حريات مؤقتة, ويوم أن يصبح الإسلام قوة تُخاف، ويحسب لها حساب في البلاد غير الإسلامية, لن يترددوا أبداً في مقاومة أي وجود إسلامي حقيقي بكل ضراوة, وهذه قضية أود أن أقف عليها ولكن يؤسفني أن الوقت لا يتسع لها, مع أنه سبق لي أن تكلمت عنها تفصيلاً في محاضرة بعنوان: حي على الجهاد.

    وهي أنَّ عِدَاء الكافر للمسلم عِدَاء ليس فيه حيلة، ولا تتصور أن هذا العِدَاء سوف ينتهي يوماً من الأيام, ولا تتصور أن هذا الكافر سوف يتخلى عن دينه، أو يتخلى عن عداوته لك, فإن عدواته لك مغروسة ولا بد.

    ولهذا أتعجب أشد العجب من بعض الأطروحات الفقهية، التي يطرحها بعض فضلاء الصحوة الإسلامية والتي تتعلق بهذا الجانب، فتجده ينـزل آيات وأحاديث في الحث على الجهاد.

    إنّ هذا ضعف وهزيمة, وقد قرأت كتباً كثيرة، وقرأت أطروحات فقهية عديدة في هذا المجال! فتجد أنها تطرح قضية الجهاد بضعف, والواقع أننا يجب أن نأصل القضية.

    عداوة الكفار للمسلمين ثابتة أم مؤقتة؟

    وهناك سؤال، وأظن أنه يحسم الموضوع: هل عداوة الكفار للإسلام عداوة أصيلة مستحتمة ثابتة, أم هي عداوة قابلة لأن تزول وتنتهي؟!!

    فإذا كنا نقول: إن عدواتهم يمكن أن تنتهي فلا يوجد مانع من أن نناقش القضية هل الجهاد هجومي أم دفاعي؟!.

    أما إذا أيقنا -وهذا طبيعي- ولا أعتقد أن أحداً يجادل في ذلك، وكيف نجادل في الحقائق؟

    وكيف نغالط أنفسنا؟!

    وكيف نغمض أعيننا عن الواقع المشهود والتاريخ المعروف، والأمور تتكشف يوماً بعد يوم عن عداوة هؤلاء الكفار للإسلام وللمسلمين؟!

    إنَّ الكافر -جنس الكافر- حتى إذا لم يدن بدين فإن عداوته للإسلام قائمة, مع أنهم يتفاوتون، فالوثني في اليابان ليست عداوته كعداوة اليهودي أو النصراني وهذا صحيح! لكن يبقى أنهم كلهم أعداء, وقد يتحالفون -كما هو الواقع- ضد الخطر الإسلامي.

    وأعود إلى القضية الأصلية؛ قضية البقاء بين أظهر المشركين فأرى أنه لا يجوز لمسلم أن يقيم بين المشركين إلا لضرورة, كمثل ذهاب شخص للعلاج، أو أمر لا بد منه, أو إذا كان إنساناً مهاجراً مطروداً من بلده ولم يجد بلداً يؤويه إلا هذه البلاد؛ لما فيها من بعض الحرية, أو حاجة مثل دراسة أو مصلحة معينة، كدراسة يحتاج إليها المسلمون ولا توجد في بلاد الإسلام, ومصلحة معينة للدعوة إلى الله عز وجل، كمعرفة أحوالهم وأخبارهم، واستكشاف أمورهم وخططهم, فالمهم أنه جاء لمصلحة معينة.

    وأذكر أنني كنت في مجلس مع بعض الإخوة المقيمين, فبدءوا يتكلمون عن قضية أنهم مضطرون للبقاء! فقلت: المضطر للبقاء هذا أمر آخر, لكن نحن نتحدث عمن يبقى باختياره ومن دون مصلحة, فقام أحدهم وقد تحمس للموضوع فقال: يا إخواني! لماذا نغالط أنفسنا, قولوا لي -بالله عليكم- من منكم الذي خرج من السجن وهرب إلى هنا؟!

    وهل أحد منكم هارب من السجن إلى هذه البلاد؟!

    فضحكوا كلهم، فليس هناك أحد..!!

    وأحياناً قد يوجد أفراد وقد يوجد أعداد، وقد يوجد أحياناً شعوب, مثل بعض الشعوب التي تعيش هجرة جماعية، وهذا لا نجادل فيه، وهو أمر واقع, لكن يبقى أن هناك حالات كثيرة، فقد يأتي الإنسان إلى هذه البلاد التي فيها فرص الاستثمار الاقتصادي، وكونه يأتي للتجارة ويعود فهذا أمر آخر, لكن أن يأتي ويقيم هنا لمجرد التجارة فإن هذا لا يصلح، أو يأتي ليقيم لأن البلاد تعجبه -طبيعة البلاد أو أي أمر من الأمور- فهذا لا يجوز, لكن حتى الذي يقيم لضرورة تجد آثاراً وبصمات واضحة من هذا المجتمع عليه, فكيف بالذي يقيم باختياره! فهو أصلاً مهزوم، لأنه لم يأت إلى هذه البلاد إلا عاشقاً لها, ومعجباً بأهلها, ومستميتاً مولعاً بحبها مغرماً بها!! ومن عادة الإنسان أن يحب وطنه، وهذه فطرة عند الإنسان.

    والشعراء يتغنون بحب أوطانهم:

    وحبب أوطان الشباب إليهم      مآرب قضاها الشباب هنالكا

    إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم      عهود الصبا فيها فحنوا لذلكا

    فحب الإنسان إلى بلده الذي هو فيه فطرة, خاصة إذا كان البلد فيه خير وبقايا وآثار من الإسلام.

    فهذه القضية ينبغي أن توضع في الاعتبار، وفي إطارها الطبيعي, وقد قلت: لا يجوز إلا لحالات معينة، كمصلحة ظاهرة، أو حاجة لا بد منها، أو ضرورة لا بد منها, ففي مثل هذا الحال لا حرج إن شاء الله.

    1.   

    التشبه بالمشركين

    من صور الولاء: التشبه بالمشركين.

    والله عز وجل قد حذر فقال: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ [الحديد:16] الكاف في (كالذين) للتشبيه: وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [الحديد:16] فالتشبه بالمشركين أياً كانوا لا يجوز في أي أمر من الأمور, إلا اقتباس العلم، والتقدم الصناعي، وأخذ التقنية عنهم، والمعلومات المفيدة، فهذا لا يدخل في التشبه, وإذا دخل في التشبه فهو جائز بأدلة خاصة، كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخذ حفر الخندق عن فارس, وكما أنه صلى الله عليه وسلم استفاد من بعض الملاحظات الموجودة في مجتمع فارس والروم, كما قال صلى الله عليه وسلم، في الحديث المتفق عليه: {لقد هممت أن أنهى عن الغيل -وهو وطء المرأة وهي ترضع- ثم رأيت أن فارس والروم يصنعون ذلك فلا يضرهم} فاستفاد النبي صلى الله عليه وسلم من تجربة موجودة عند فارس والروم.

    فهذه قضية لا حرج فيها، ولا غبار عليها, بل بالعكس أن الحكمة ضالة المؤمن، يبحث عنها في أي مكان ويأخذها, ونحن أولى بهذا منهم، ومع هذا فهذه بضاعتنا ردت إلينا, وهذا تراثنا، وهذا تاريخ الأمة وحضارتها، الغرب وطورها حتى وصلت إلى ما وصلت إليه, فنحن أحق بها وأهلها.

    لكن التشبه بالغرب في كل شيء، كالهدي الظاهر، في اللباس, وفي الزي, وفي تسريحة الشعر, وفي طريقة الحديث, وفي طريقة الحياة, وفي طريقة إحياء المناسبات, وفي كل الأمور الخاصة بهم.

    والتشبه ضابطه: هو تقليد الآخرين فيما هو من خصائصهم بمعنى أن هناك أموراً مشاعة في الشعوب، لا تخص شعباً ولا أمة دون أخرى، بل هي مشتركة عند الجميع، هذه لا يدخل فيها التشبه, لكن التشبه يطلق على الأمور التي هي خصائص شعب من الشعوب، بمعنى أنك إذا رأيت الأمر تقول: هذه العادة يفعلها الكفار أو اليهود أو النصارى! فيكون خاصية تميزهم عن غيرهم، فالتشبه بهم في هذه الخصائص التي تميزهم عن غيرهم لا يجوز، وهو نوع من الولاء لهم، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر، الذي رواه أبو داود وأحمد، وغيرهما، وسنده جيد: {بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم}.

    فالمسلم مستقل، وقد يكون العمل في الأصل مباحاً، لكن لما صار من خصائص المشركين أصبح حراماً؛ لأن الذي يقلده في هذا الأمر يعيش هزيمة داخلية وهزيمة قلبية وهزيمة فكرية, وبالتالي أصبح يقلد هؤلاء ويأخذ ما عندهم, والأصل أن المسلم قدوة، يأخذ عنه الآخرون، فكيف يرضى الأستاذ المعلم أن يصبح مقلداً تابعاً ذليلاً لغيره؟!

    1.   

    الأسئلة

    تحالفات الإسلاميين في المجالس النيابية

    السؤال: يا شيخ: إني أحبك في الله، وضح لنا جزاك الله خيراً: تحالفات الإسلاميين في المجالس النيابية, ما هي تطبيقات الولاء والبراء في هذا الأمر؟

    الواقع أيها الإخوة مع أنني أبادلكم هذا الشعور بالمحبة، وأسأل الله عز وجل أن يجعل محبتنا فيه، وألا يكون الحب مجرد عاطفة وجدانية ترق بها قلوبنا، وإن كان هذا من سعادة الدنيا أيضاً، إلا أننا ينبغي أن نترجم هذه المحبة بين المؤمنين إلى نوع من الولاء والذي تحدثت عنه؛ الولاء للإسلام وأهل الإسلام والأخوة في الله عز وجل، بكثرة الاجتماعات، والتواصل والتزاور والتناصح والتناصر في كل مجال من المجالات، بحيث يحقق قوله صلى الله عليه وسلم: {مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى}.

    تذوب حشاشات العواصم حسرة     إذا دميت في كف بغداد إصبع

    ولو بردى أنت لخطب أصابها     لسالت بـوادي النيل للنيل أدمع

    وقال شاعر آخر:

    ولست أبغي سوى الإسلام لي وطناً     الشام فيه ووادي النيل سيان

    وحيثما ذكر اسم الله في بلد     عددت أرجاءه من لب أوطاني

    بـالشام أهلي وبغداد الهوى وأنا     بـالرقمتين وبـالفسطاط جيراني

    ولي بـطيبة أوطان مجنحة      تسمو بروحي فوق العالم الفاني

    وليس طرطوس مهما لج لي دمها     أدنى إلى القلب من فاسٍ وتطوان

    دنيا بناها لنا الهادي فأحكمها     أعظم بأحمد من هادٍ ومن باني

    يحب أن نتناصر في الإسلام -أيها الإخوة- بوضوح، إذا اضطهد يهودي في أي مكان من الدنيا ضج اليهود في كل مكان ولا يظهر في أجهزة الإعلام أن اليهود تحركوا، بل يظهر أن الأمم وأن الشعوب تحركت، فاليهود من شدة مكرهم وتخطيطهم استطاعوا أن يتغلغلوا وأن يتخلخلوا تلك الشعوب، فيحركوها لصالح القضايا التي يريدون، فإذا ضويق يهودي في الشرق أو في الغرب تحرك اليهود له وأجلبوا، ولذلك لما حصل في روسيا ما حصل، لما كانت القضية تخص النصارى ضجت الأمم الغربية النصرانية وتحركت ونددت، لكن لما ضرب المسلمون لم يتحرك لهم أحد، ولم يرتفع لهم رأس، ولم ينصرهم أحد بكلمة، فيجب أن نتناصر فيما بيننا بقدر ما نستطيع.

    فنتناصر بالكلمة؛ لأن الذي يلقي خطبة في المؤتمر أو في أي مناسبة أو مسجد أو مناسبة معينة، تجمع أناساً صالحين، يلقي خطبة يعبر فيها عن شعوره تجاه أمرٍ من الأمور هذا نوع من المناصرة، والذي يكتب في جريدة مهما كانت هذه الجريدة هذا نوع من المناصرة، والذي يرسل رسالة هذا نوع من المناصرة.

    يا أخي تأييدك لأخيك بكلمة هذا نوع من المناصرة، كونك تقول لأخيك: أصبت، هذه مناصرة له، وإذا أخطأ تقول: أخطأت، هذه مناصرة له.

    يجب أن نحول مشاعر الحب من مجرد مشاعر عاطفية تلتهب في قلوبنا إلى واقع عملي نتعبد الله تعالى من خلاله.

    أما السؤال في الواقع أنه يوجد قضايا ومستجدات كثيرة، أتمنى أن يوجد مجمع علمي شرعي حر نـزيه، يدرس هذه القضايا، ويخرج برأي واحد.

    أما الجواب على السؤال: فإن دخول الصالحين في المجالس النيابية يحتاج إلى أن يدرس, وأنا لا أعترض عليه, وليس لي رأي معارض الآن، لكن أقول: يجب أن يُدرس: فهل هو يوافق قضية الولاء والبراء أم لا يوافقها؟

    لأن هذا الكلام مطروح الآن، ففي تلك المجالس قَسَمٌ على خدمة أنظمة غير شرعية, فبعضهم يجد في هذا حرجاً, وفي الواقع وجهة نظري الشخصية الخاصة أنني أقول: قد يكون الدخول في تلك المجالس -أحياناً- فيه تحقيق لبعض المصالح، ودفع بعض المفاسد, ولا يلزم أن يدخل ويشارك فيه كل المؤمنين والصالحين، لكن لا يمنع أن يدعى من يكون فيه خير، أو من يكون أقرب إلى تحقيق الخير ودفع الشر، ممن يكون مرشحاً لبعض المواقع من قبل الصالحين.

    والتحالفات يجري فيها نفس الكلام، فأحياناً قد يتحالفون مع أنظمة ومع أحزاب قد تكون كافرة، كالأحزاب البعثية، والأحزاب الشيوعية -وقد حصل هذا- والأحزاب الناصرية, فهذه مصيبة كبرى ففي الواقع إننا بهذا نلبس الحق بالباطل, والآن نحن في مرحلة دعوة، ولسنا في مرحلة دولة, ويهمنا جداً أن يعرف الناس بالضبط ماذا نريد, وماذا نأمل؟!

    هل نريد أن يقول الناس عن الدعاة: إنهم طلاب حكم؟!

    وأنهم يريدون المنصب والكرسي بأي ثمن؟

    ويتذرعون إليه بكل وسيلة؟

    لا نريد هذا.

    بل نريد أن يعلم الناس أننا دعاة إلى دين الله عز وجل, ودين الله عز وجل كامل شامل, فليس هو ديناً في المسجد فقط، بل هو دين الحياة كلها, لكن كوننا نسلك -أحياناً- طرقاً ملتوية، ونتحالف مع أناس نحن خصوم لهم ونحاربهم, ونحن ما أتينا إلى هذه المواقع إلا لمواجهتهم, ففي نظري أنَّ هذا غير صحيح، وأنه يوجد التباساً في نفوس كثير من الناس, حتى لا يصبح لديهم تمييز، وهذه قضية مهمة جداً.

    وأذكر قصة طريفة: أحد الملوك أجبر الناس على أكل لحم الخنـزير, ومن لم يأكل لحم الخنـزير فسيقتله, فأتي بعالم مسلم من أجل أن يأكل لحم الخنـزير, لكن الطباخ الذي يطبخ رثى لحال هذا العالم ورق له وأشفق عليه، فطبخ له جدياً وقدمه له، وقال له سراً: هذا جدي -لحم مباح- كل منه ولا تتردد، فلما أُتي به أمام الناس، وقدم له اللحم أبى أن يأكله, فرفع السيف فأبى أن يأكله! قال له الطباخ: كيف؟!

    قال: لا آكل، لأنه ولو كنت أعلم أنه حلال، إلا أن الناس سيتصورون أني آكل لحم الخنـزير!!

    إن الذين يحملون راية الدعوة كالشامة وسط الناس, وهم دعاة تلتف الناس من حولهم، وتنظر إليهم، وتحسب تحركاتهم وتصرفاتهم، فيجب أن نضع في الاعتبار جيداً ألا نحطم العلاقة بيننا وبين الأمة بسبب من الأسباب.

    وإن خسرت كرسياً أو مقعداً في البرلمان أو غيره، فهذا يذهب ويأتي, لكن لا تخسر الأمة، واحذر أن تخسر الأمة!

    حكم الاستعانة بالقوات الأجنبية وتأييد صدام

    السؤال: الاستعانة بالقوات الأجنبية في الخليج, كذلك في الذين أيدوا صدام حسين, هل لكم التوضيح بين الفرق بين الولاء والاستعانة؟

    الجواب: الفرق بين الولاء والاستعانة:

    أولاً: هناك من أهل العلم من لا يرى جواز الاستعانة مطلقاً, احتجاجاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم، للذي قال له: {آتي وأقاتل معك, قال: أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قال: لا, قال: ارجع فلن أستعين بمشرك}, لكن هذا رأيٌ لبعض العلماء، وليس إجماعاً.

    والاستعانة تتلخص في استخدام الكافر في مجال محدود، وغرض محدود, وبصورة تضمن ألا يكون لهذا الكافر تأثير في القرار.

    مثلاً: كون الكفار -كما ذكر بعض الفقهاء- يكونون خدماً في الجيش، أو مساعدين، أو حتى في سلاح معين, مثل بعض الأسلحة التي ليست من الأهمية بمكان, فيكون لهم وجود فيها فقط, أي: وجود ثانوي، ووجود مساند أو مساعد، وليس وجوداً أصلياً جوهرياً أساسياً وقد تكون الاستعانة في غير الحرب فتكون الاستعانة في أي أمر من الأمور, فتستخدمهم -مثلاً- في تصنيع أمر من الأمور, وفي إصلاح قضية أو بناء أو عمارة وفي أي أمر من الأمور الدنيوية العادية المحدودة المؤقتة، فأنت تستخدمه فيها ثم تنتهي مهمته عند هذا الحد.

    فهذه الاستعانة لا شيء فيها, لكن الاستعانة في مجال الحرب، قال فيها الرسول صلى الله عليه وسلم: {ارجع فلن أستعين بمشرك } ولهذا ذهب بعض الفقهاء إلى تحريم ذلك مطلقاً.

    والذين أباحوه أجازوه بشروط, وهي شروط قوية جداً:

    منها: ألا تكون القيادة بأيديهم, وألا يكون القرار لهم, وهذا ظاهر.

    ومنها أيضاً: أن يكونوا مأمونين، ولا يخاف من خيانتهم أو غدرهم، وهذا قد يوجد بالنسبة لبعض الكفار مثل عبد الله بن أريقط الذي استأجره النبي صلى الله عليه وسلم ليدله على الطريق من مكة إلى المدينة, فقد استأجره عليه الصلاة والسلام, لأنه أن عبد الله بن أريقط لا يمكن أن يخبر المشركين بهذا الخبر, لأنه رجل أمين، فهو تحكمه أخلاقيات معينة، وقد يكون بينه وبين أبي بكر أو غيره علاقة ومودة في الجاهلية، ولذلك اطمأن إلى أنه سيحفظ له هذا السر فكونك تستأجر مشركين، سواء جواسيس أو مخبرين أو...إلخ لا بأس في ذلك, إذا كنت واثقاً منهم, حتى لو لم تثق منهم وتوفرت بقية الشروط، وكان دوره ضعيفاً حتى إذا اكتشفت خيانته لا تهتم به، لا يؤثر شيئاً, أو لا تعتمد عليه أصلاً، فتستخدمه وتستفيد منه ولا تعتمد عليه.

    ومن الشروط التي ذكروها: أن يسعى المسلم للاستغناء عنهم بما يستطيع بمعنى أنه إذا وجدت ضرورة للاستعانة فافعل، لكن بشرط أنك تسعى جاهداً إلى أن تزيل هذه الحاجة والاستغناء عن هذا الكافر, وأوصل بعض العلماء وبعض الأصوليين الذين كتبوا في هذا الموضوع شروط الاستعانة بالكافر إلى سبعة شروط -وهؤلاء هم الذين أباحوها- تضمن أن تكون الاستعانة لصالح الإسلام والمسلمين.

    أما قضية حاكم العراق فلا شك أن من ضعف الولاء أن يصفق له بعض المنكوبين والمحسوبين على الدعوة الإسلامية, وهذه في الواقع غيبوبة، وغفلة عن الواقع وعن التاريخ, إذ كيف يُنسى تاريخ معين، ونتصور أن الأمور تنتهي بهذه البساطة, فإذا كانت المسألة مسألة كلام فهذا يعني أننا سنضيع فعلاً مرات ومرات، أي أن كل من أحسن لنا الكلام وأحسن لنا القول صدقناه!

    فمن خطط الكافر -أحياناً- أن يعلن الإسلام ليجر الناس إليه, فإن بعض الذين غزوا بلاد المسلمين من المستعمرين أعلنوا الإسلام، وإن نابليون لما جاء إلى مصر, ذكر الجبرتي أو غيره أنه أعلن الإسلام, وكان يكتب رسائل من عبد الله نابليون إلى من يراه من المسلمين!!

    أفكلما رفع لنا إنسان شعاراً ركبنا خلفه؟!

    فقضية ولاء القلوب وقضية التأييد، هذه مواقف شرعية ينبغي أن تكون مبنية على وعي وإدراك، وعلى منطلقات أساسية, فأنت مسلم عملة عجيبة نادرة مهمة، لا تضيع بهذه الطريقة! يوم هنا ويوم هناك! أو تتنقل من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار!

    ومن الطرائف -ولعلي أشير إلى هذا في الندوة القادمة- أني التقيت يوماً من الأيام بداعية من أكبر الدعاة, وكان وقتها معجباً بحاكم العراق، وجلست معه جلسة طويلة امتدت ساعات, أحاول إقناعه بأن الرجل علماني وبعثي محارب للإسلام وللمسلمين, وتاريخه يشهد بذلك, والكلام ينبغي ألا يخدعنا، ونحن لا نغلق باب التوبة, لكن الذين كانت جرائمهم تدمير الأمة لا تكون توبته إلا بالإصلاح والبيان، إصلاح ما أفسدوه وأن يبينوا ذلك ويعلنوه, أما كون الواحد يبكي، يقول: لما ذكرت له مأساة حماس دمعت عيناه, فهذه دموع التماسيح يا أخي!!

    المهم لما جلسنا جلسة طويلة، حتى أنه صار شيء من القناعة في هذا الموضوع, كأنه اقتنع بذلك, وبعد حصول الأحداث الأخيرة, سمعت هذا الداعية يتكلم عن النصارى بمثل الكلام الذي كان يتكلم فيه، أو قريباً من الكلام الذي كان يتكلم فيه عن حاكم العراق, وإن هؤلاء ليس لهم هدف في الإسلام, ولا يريدون الإسلام، ولا يعنيهم الإسلام، ولا يهمهم ارتفع الصليب أو ارتفع الهلال، كما يقول!! إنما يهمهم مصالحهم!! فما هذا الكلام؟!

    كيف نصدقك والقرآن الكريم ناطق بين أظهرنا؟!

    قال سبحانه وتعالى: وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً [النساء:89] وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [المائدة:51] وقال: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ [القلم:9] وقال: وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [البقرة:120] وقال: وَقَالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا [البقرة:135], وهناك آيات كثيرة، فكيف نتجاهل هذه النصوص القرآنية! وهذا المعلم البارز الواضح، ونأتي لمجرد أفكار وخواطر وظنون وتصورات؟!

    يا أخي! الكافر ليس بالضرورة أن يكون متديناً بدين ومتحمساً له حتى يكون عدواً لك أيها المسلم!

    أيها المسلمون! يجب أن نتصور أن كل الأمم والشعوب ليس بالضرورة أن كل فرد يحمل نفس الحماس!

    وخذ المسلمين على سبيل المثال: هل تتصور أنه لن يقوم للإسلام قائمة إلا إذا كانت كل الأمة التي تصل الآن إلى مليار، واعية مدركة فاهمة؟

    لا تتصور هذا! فإذا وُجِدت قيادات قوية ناضجة واعية التفت الأمة حولها, وقد يكون فيهم وفيهم..!!

    فاليهود لهم قيادات والباقون أتباع, وإذا حركت القيادات مشاعرهم تجاه قضية حرب تحركوا خلفها وكذلك النصارى لهم قيادات, والناس في الغالب مقلدون، حتى أنت يا أخي! لو فكرنا في نصف عملك -حتى لا نكون متشائمين، أو يصير عندك إحباط- لوجدناه تقليداً, كيف تفصل ثوبك؟

    وكيف تبني البيت؟

    وكيف تلبس؟

    وكيف تختار أمورك؟

    وكيف تدرس؟

    وكيف.. وكيف.؟!!

    فتجد أنك في معظم أعمالك هذه وجَدْتَ طريقاً مسلوكاً فَسَلَكْتَ مثلما سلك الآخرون ولم تبدع! فغالبية الناس يقلدون, وجد لهم رءوس خطوا لهم الطريق فمشوا خلفهم.

    فلا تتصور حين نقول: إن النصارى أعداء، وحين تأتي -مثلاً- إلى المواطن العادي في أمريكا تتحدث معه، تجد أنه لا يعادي الإسلام, تقول: هذا كلام صحيح ليس عندهم عداوة!!

    يا أخي! هذا المواطن العادي! وهذه النقطة لا تلتفت إليها، لأنه جزء من مجتمع تحركه قيادات، سواء قيادات سياسية، أو قيادات دينية, وتوجهه للجهة التي تريدها!

    وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3015315046

    عدد مرات الحفظ

    723518841