إسلام ويب

غبار الغفلةللشيخ : إبراهيم بو بشيت

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الغفلة هي داء الأمم العضال، بل ما هلكت أمة إلا عندما أصيبت بالغفلة، وهي متابعة النفس على ما تشتهيه، وقد تسبب للإنسان موت القلب، أو قد تصاحبه حتى يفاجئه الموت، فلا يصحو من غفلته إلا وقد انتهى عمره، وأغلق باب التوبة.

    1.   

    حقيقة الغفلة

    الحمد لله، خلقنا لنعبده ونوحده ونشكره، فله الحمد على ما أعطى وأسدى، وأشهد بأنه الله ...

    الـرب الجليل الأكبرُ     الخالق البارئ المصورُ

    باري البرايا منشئ الخلائقِ     مبدعهم بلا مثالٍ سابقِ

    الأول المبدي بلا ابتداءِ     والآخر الباقي بلا انتهاءِ

    الأحد الفرد القدير الأزلِ     الصمد البر المهيمن العلي

    وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المبشر بموعود الرب، بعثه للإيمان منادياً، وإلى دار السلام داعياً، وللخليقة هادياً، ولكتابه تالياً، وفي مرضاته ساعياً، وبالمعروف آمراً، وعن المنكر ناهياً، ولطرق الغفلة زاجراً، صلى الله عليه، وعلى آله وأصحابه الأخيار، ما أضاء برق ولاح، وما اتصل ليلٌ بصباح، وما غرد حمامٌ وناح، وما نادى المنادي: حي على الفلاح.

    أما بعد:

    أحبتي في الله!

    أهلاً وسهلاً والسلام عـليكمُ     وتحية منا تُزَفُّ إليكمُ

    أحبابنا ما أجمل الدنيا بكمْ     لا تقبح الدنيا وفيها أنتمُ

    نعم والله، نعم أيها الأخيار، تحية الخلد والسلام، تحية البركة والسعادة والنقاء، أسأل الله أن يجمعني وإياكم في مستقر رحمته ، ودار كرامته، مع النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً [النساء:69].

    في مستهل هذا اللقاء الذي جعلته بعنوان (غبار الغفلة) أوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى.

    أيها الإخوة!

    عليكـم بتقوى الله لا تتركونها     فإن التقى أقوى وأولى وأعدلُ

    لباسُ التقى خير الملابس كلها     وأبهى لباساً في الوجود وأجملُ

    فما أحسن التقوى وأهدى سبيلها     بها ينفعُ الإنسانَ ما كان يعملُ

    في عشية هذه الليلة، أنقلكم في هذه المحاضرة بين القرآن والسنة، والجنة والنار.. أنقلكم فيها بين أهل الغفلة والتيقظ، بين المنغمسين في ملاذهم، والراكنين إلى دنياهم، وبين المستأنسين بطاعة ربهم، والشوق إلى لقائه في جنات النعيم، أمزجها لكم -إخوتي- بالوعظ والتنبيه، والنصح والتوجيه، أخللها بعبقات الشعر الجميل، وسير الصالحين المليئة بالغنيمة، سائلاً الله تعالى أن يفتح عليَّ وعليكم، وأن ينور قلبي وقلوبكم، اللهم آمين.

    أيها الأحبة في الله: الغفلة داء الأمم العضال، بل إن الأمة ما هَلَكَت إلا لما أصيبت بالغفلة، فما هو تعريفها؟

    قال صاحب نضرة النعيم : قيل: الغفلة: متابعة النفس على ما تشتهيه.

    ويقسم العلماءُ الغفلة إلى قسمين:

    غفلة محمودة.

    وغفلة مذمومة.

    فالممدوحة هي: الغفلة عن المعاصي، وعن القبائح، والمنكرات، والغفلة عن الملاهي، وعن كل ما لا يرضي الله تعالى، فالغافل عنها خِصالُه محمودة، وحياته طيبة وهنيئة.

    وهناك غفلة مذمومة -وأشار لذلك العز بن عبد السلام رحمه الله تعالى- وهي: الغفلة عن الله، وعن طاعة الله، والركون إلى الدنيا، ومتابعتها، والحب لزخارفها، وعشق ما فيها -والعياذ بالله-.

    وهذه الغفلة هي محور حديثي معكم في هذه الدقائق الغالية في طاعة الله تعالى.

    1.   

    أسباب الغفلة

    فلعلك تسأل -أخا الإسلام-: ما هي أسباب الغفلة؟

    فمن أسباب الغفلة:

    - طولُ الأمل.

    - كراهةُ الموت.

    - الركونُ إلى الدنيا.

    - عدمُ استشعار الأجر والثواب.

    - عدمُ محاسبة النفس، وأصرِها على الحق أصراًَ.

    - عدمُ الشوق إلى الجنة.

    - عدمُ الهروب من النار.

    - التمني الزائف.

    - اتباعُ الهوى؛ هلاكٌ وعناء.

    - عدمُ الخوف من الله؛ هلاكُ الأمم.

    - التسويفُ؛ جندٌ من جنود إبليس.

    - خُلطةُ البطَّالين والمارقين.

    - دناءةُ الهمة؛ طريق الانحطاط.

    - التعلُّقُ بالمباحات في الملابس، والمآكل، والمناكح.

    - حبُّ النقص والفشل؛ نقصٌ وفشل.

    - عدمُ وجود القدوة الصالحة.

    - ضعفُ الإيمان بالله تعالى؛ وهو من أعظمها.

    - عدمُ العيش مع القرآن.

    - ضعفُ العقل والإدراك.

    - كذلك ضعفُ الغَيرة على النفس بما يصلحها، وعن الأهل بما يصلحهم.

    - تقديمُ طاعة المخلوقين على طاعة رب العالمين.

    - عدمُ التناصح بين المسلمين.

    فهذه الأسبابٌ العامة، هي من أسباب وقوعنا جميعاً -أيها الإخوة- في الغفلة وطرقتها، ولو تلفتنا معكم إلى كثيرٍ من الأمور التي نحتاج إلى الحديث عن الغفلة فيها لرأيناها كثيرة:

    - فهناك من يغفل عن الجنة.

    - وهناك من يغفل عن النار.

    - وهناك من يغفل عن الصبر.

    - وهناك من يغفل عن الصلاة، والفجر خصوصاً.

    - هناك -والعياذ بالله- من يغفل عن الموت؛ أن الموت يأتيه ولو في غَضَّة طرف، ولو في غمضة عين.

    - وهناك غفلات، وغفلات، وغفلات.

    ولكن أجعل حديثي معكم في هذه الليلة عن ركائز بسيطة في نقاطٍ مهمة نقع كثيراً في الغفلة عنها:

    1.   

    الغفلة عن الجنة .. وحال المشتاقين إليها

    الغفلة عن الجنة :-

    عجباً لمن غفل عن جنة النعيم، ولم تشتَق لها نفسه، في حين أن الجنة تسابق لها المتسابقون، وشمر لها المشمرون!

    الجنة هي دار الأبرار، والمقربين الأخيار، إنها الجنة!

    فاعمل لدار غداً رضوان خازنها     والجار أحمد والرحمن بانيها

    قصورها ذهب والمسك طينتها     والزعفران حشيشٌ نابت فيها

    نعم. الجنة هي دار السعادة، دار النعيم التي أخبر عنها أرحم الراحمين، فقال: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ [محمد:15].

    الجنة دار الكرامة والسعادة، ومكان الطمأنينة والراحة.

    فهيا تعال معي -أخا الإسلام- لنرى حال المشتاقين إلى الجنة الذين أَنِسَت نفوسهم بحب ربهم حتى قال قائلهم:

    أروحُ وقد ختمتُ على فؤادي     بحبكَ أن يحل به سواكا

    فلو أني استطعتُ غضضتُ طرفي     فلم أنظر به حتى أراكا

    أحبك لا ببعضي بل بكلي     وإن لم يبقِ حبك لي حَراكا

    فهل تستيقظ أخا الإسلام، وتزيل غبار الغفلة، وتبادر لما أعد لك ربك سبحانه وتعالى، وتبادر في الدخول إلى دار الأبرار، ومجاورة الرحمن في دار السلام؟! فهذا بلا نصب ولا تعب ولا عناء، تأمل حال المبادرين إلى دار البقاء، ومجاورة رب الأرض والسماء.

    مسارعة عمير بن الحمام

    فهاهو عمير بن الحمام :-

    يوم بدر يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول للصحابة: (قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض، فيقول عمير بن الحمام الأنصاري -وكان جالساً مع زوجته-: جنة عرضها السماوات والأرض؟! جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! جنة عرضها السماوات والأرض؟! قال: نعم يا عمير، قال: بخٍ بخٍ يا رسول الله! قال: وما يحملك على قول بخٍ بخٍ يا عمير؟ قال: لا والله يا رسول الله! إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال صلى الله عليه وسلم: فإنك من أهلها، فأخرج تمراتٍ من قرنه فجعل يأكل منهن ثم يقول: لئن حييت حتى آكل هذه التمرات إنها لحياةٌ طويلة)، فيرمي ما كان في يديه من تلك التمرات، ثم يذهب ويقاتل مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى مات شهيداً في سبيل الله.

    شوق عمرو بن الجموح إلى الجنة

    وهذا أحد المشتاقين إلى الجنة الذين أزالوا غبار الغفلة عن أنفسهم وعن حياتهم، إنه سيد بني سلمة عمرو بن الجموح :-

    وما تعرفون عن عمرو ؟!

    إنه رجلٌ أعرج، لقد أنزل الله في كتابه العذر للأعرج، فقال الله: وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ [النور:61] ولكنه أعرج، هو يضحي من أجل الله، وفي سبيل الله، ومن أجل إعزاز هذا الدين.

    في يوم أحد قال صلى الله عليه وسلم: (قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين، فقام عمرو بن الجموح ، وهو رجل أعرج -وهو ممن عذرهم الله؛ ولكنه أراد إزالة غبار الغفلة عنه، بادر إلى جنة النعيم- فقال: يا رسول الله! والله لأقحزنَّ بعرجتي هذه في الجنة -أي: لأطأن بعرجتي هذه في الجنة- فقال: يا عمرو! إنك رجل أعرج، وقد عذرك الله، قال: لا والله يا رسول الله! لأذهبنَّ وأقاتلنَّ في سبيل الله، ولأقحزنَّ بعرجتي هذه في الجنة)، انظروا أيها الإخوة! ربما الواحد منا يتخلف عن صلاة الجماعة من أجل النوم ساعة، ومن أجل أشغال البيت ساعة، ومن أجل الدنيا ساعة، وهذا لم يتوانَ -وهو رجلٌ أعرج قد عذره ربه سبحانه وتعالى- عن الجهاد الذي هو أعظم ذروة سنام الإسلام.

    الله أكبر! إنه الشوق إلى الجنة والبدار إليها، إنهم أهل النعيم من تاقت نفوسهم إلى جنة ربهم، أولئك النفر الذين استشعروا أن الجنة غالية، أنها هي دار النعيم، حتى قال قائلهم:

    يا سلعة الرحمن لستِ رخيصةً     بل أنت غالية على الكسلانِ

    نعم والله، غالية على النوَّام، وعلى مضيِّعي الأوقات، غالية على أولئك الناس الذين أعرضوا عن القرآن، وأعرضوا عن الله، وأعرضوا عن دين الله، ولكن!

    يا سلعة الرحمن ليس ينالها     في الألف إلا واحدٌ لا اثنانِ

    يقول الله وهو يخبرنا بكل الإخبارات عن هؤلاء النفر الذين يموتون في سبيل الله، ولا يرجون إلا الجنة، ولا يرجون إلا ثواب الله، قال الله عنهم: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [آل عمران:169-170].

    تسابق سعد بن خيثمة بن الحارث ووالده على الجهاد

    هذا سعد بن خيثمة بن الحارث رضي الله عنه وأرضاه:

    يعطينا صورة رائعة في قضية من أهم قضايا الإسلام: إنه الحوار والمسابقة بين الابن وأبيه، إنه مسابقة؛ ولكنها ليست على المباريات، وليست على ما لا يرضي الله، وليست على شرب الدخان، ولا على شرب الخمر، ولا على تعاطي المخدرات، إنها مسابقة من نوعٍ فريد، ومن نوعٍ عجيب، وغريب، استمعوا إليها:

    في يوم بدر استهم خيثمة بن الحارث وابنه سعد ؛ ولكن خرج سهم سعد ولم يخرج سهم والده، فجاء الأب الذي يريد الجهاد، يريد الروح الوثابة، فقال: [يا بني! آثرني اليوم بمكانك. ولكن جاء الابن الذي ينافس والده على طاعة الله، نعم تلك الطاعة العظيمة فقال: لا والله يا أبتِ، لو كان غير الجنة فعلتُ -انظروا التنافس- وما زال خيثمة يتطلع للجهاد، فيطلب ولده؛ ولكن الولد يقول لوالده: والله يا أبتِ لو كان غير الجنة فعلتُ] فيذهب ويقاتل في بدر حتى مات شهيداً في سبيل الله، وما زال أبوه يتطلع إلى الجنة ويشتاق إليها حتى خرج سهمه في غزوة أحد، فمات شهيداً في سبيل الله تعالى: ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ [آل عمران:34].

    في حين يوجد مِن أبناء المسلمين مَن يتنافس الوالد مع ولده على كأس الخمر -والعياذ بالله-، وآخر يتنافس على الخنا، وآخر يتنافس على المحرمات، نسأل الله أن يجيرنا وإياكم من كل سوء.

    ولكن نقول: يا غافلاً عن الجنة! تأمل حال المتسابقين إليها، إن من أصيب بالغبار لا يبصر الحق والخير، فكيف بالجنة؟!

    إن من الناس من انطمس حسه فلم تتُقْ نفسُه إلى ربه سبحانه وتعالى، فهنيئاً لمن تأمل حال أولئك النفر الذين سابقوا إلى جنات النعيم.

    باعوا الذي يفنى من الخزف الخفيف     بدائمٍ من خالص العقيانِ

    رُفعت لهم في السير آلام السعا     دة والهدى يا ذلة الحيرانِ

    فتسابق الأقوام وابتدروا لها     كتسابق الفرسان يوم رهانِ

    وأخو الهويين في الـديار مخلَّفٌ     مع شكله يا خيبة الكسلانِ

    إنها الجنة دار الهناء والسعادة، دار الراحة والطمأنينة، لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلا تَأْثِيماً * إِلَّا قِيلاً سَلاماً سَلاماً [الواقعة:25-26].

    عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ينادي منادٍ: يا أهل الجنة! إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبداً) الله أكبر! إنه نداء للذين يخافون من الموت، ونداء للذين يخافون من الأمراض، نداء للذين يصبغون الشيب، ويحلقون اللحى، ويعبثون بما خلق الله تعالى؛ لكي نقول لهم جميعاً: لا تعبثوا بخلق الله، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد قال: (إن لكم في الجنة أن تصحوا) وهل هذا إلا إخبارٌ من الصادق الأمين نبينا صلى الله عليه وسلم الذي قال: (لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً، وأن تحيوا فلا تموتوا أبداً، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبداً، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبداً، فذلك قول الله عز وجل: وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الأعراف:43]) رواه مسلم.

    فرحة حرام بن ملحان بالشهادة

    وهذا نموذج آخر من طلاب الجنة، دار الأبرار والراغبين بما عند الرحمن، إنه حرام بن ملحان :-

    استشعر يا من إذا كُلِم جسمك أو عضوٌ من أعضاء جسمك، أو انجرحت، أو ثُقِب جلدك ماذا تقول في تلك اللحظات؟!

    يقول أنس بن مالك رضي الله عنه: [لما طُعِن حرام بن ملحان قال: فزتُ ورب الكعبة، فزتُ ورب الكعبة] ينثر الدم على رأسه ويبعده من رأسه ويقول: فزتُ ورب الكعبة؟! ما هذه الروح الوثابة! ونحن ربما لا نستطيع أن نُبْعِد اللحاف عن أجسامنا لكي نستيقظ لصلاة الفجر، فكيف بالدم إذا أصيب به جسمك في سبيل الله تعالى!

    إذاً هذا نموذجٌ رائع في ذلك، ولنستمع إلى هذا الحديث العظيم، هذا الحديث المبارك الذي رواه لنا أبو هريرة وهو عند البخاري ومسلم وابن ماجة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قال الله عز وجل: أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر).

    الله أكبر! يا من تشتاق إلى الدنيا، فتريد أن تزخرف بيتك، وتزين سيارتك، وتتجملين أيتها المرأة، وتبحثين عن المحرمات، وتفعلين النمص، وحلق الحواجب، وقص المحرمات، تبحثين عن (الكوافيرات) اللاتي يخلعن ما أمر الله عز وجل بإبقائه، استمعوا جميعاً إلى مصداق كلام الله تعالى في الحديث القدسي عندما قال: (ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)، ومصداق ذلك في قول الله تعالى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:17].

    موقف حبيب النجار من قومه وقد بشر بالجنة

    حال شيخ قد كبر سنه مع الموت

    إن المبادر إلى دار الأبرار بأعماله الصالحة، وأنفاسه الطاهرة لَيَشْتاق لها، وتشتاق إليه.

    ذكر صاحب كتاب قصص السعداء والأشقياء وقال: حدثني شابٌ عن جده أنه كان حافظاً لكتاب الله تعالى، ويعلمه الناس، حتى كبر ذلك الكبير - العجوز- ورَقَّ عظمه، وفَقَدَ الذاكرة، ونسي كل شيء، إلا شيئاً واحداً، لم ينسَ القرآن، لم ينسَ كتاب الله تعالى، ظل على هذه الحالة عشرين سنة، وفي كل يومٍ من الأيام -هذا هو حاله- لا يستيقظ إلا على القرآن، ولا يردد إلا كلام الرحمن، وفي ذات يوم من الأيام، وفي ليلة من ليالي السحر، وإذا به ينادي فيقول: يا عبد الله! يا عبد الله! يا عبد الله! ينادي ولده، فجاء عبد الله إلى والده وهو فرح؛ لأن أباه لم يتذكر إلا اسمه، بينما بقية إخوانه قد نسيهم، فلما جاء قال: يا أبت! مُرْ، ماذا تريد؟

    قال: يا بني! هل ترى هذين الرجلين، في تلك الزاوية -وهو يشير إلى إحدى زوايا الغرفة- اللذين يرتدي كلٌّ منهما عمامة بيضاء!

    قال: يا أبتِ! لا أرى شيئاً، لا أرى شيئاً، إنا لله وإنا إليه راجعون، لا تزال يا أبي على خَرَفِك.

    قال: يا بُنَي! أما ترى هذين الرجلَين الذي يرتدي كلٌّ منهما عمامة بيضاء.

    قال: لا يا والدي، لا أرى شيئاً!

    فالتفت الأب، فقال لولده: إن هذا يا ولدي مصداقُ قول الله تعالى: فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ق:22]، ثم رفع سبابته إلى السماء وقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ومات على تلك الحالة. اللهم اقبله، اللهم اقبله، يا رب العالمين! واختم لنا وإياه بالصالحات والطيبات من الأعمال المباركات.

    قال صلى الله عليه وسلم في حديث البراء بن عازب (الطويل) كما في صحيح الجامع : (إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة بِيْض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر).

    حال امرأة قوامة لليل

    يقول أحد الأطباء حفظه الله: اتُّصل عليَّ فأتيت إلى العيادة؛ لأرى تلك المرأة التي في حالة خطيرة جداً، فلما دخلت عندها وإذا بالمرأة في حالة غيبوبة، دَلَّكْتُ قلبها؛ لأنها أصيبت بحالة إغماءٍ شديدة، فاستيقَظَتْ، فقلت لها: قولي لا إله إلا الله! فقالت: لا إله إلا الله -شهدت بالوحدانية لله- وأن محمداً رسول الله، فأغمي عليها مرة أخرى، يقول: فدَلَّكْتُ قلبها، فاستيقظت، فقلت لها: قولي لا إله إلا الله، فقالت: لا إله إلا الله، ثم أغميت بعد ذلك،ثم قال لها مرة أخرى والجهاز قد توقف؛ نبضات القلب قد توقفت أيضاً يقول: وإذا بي أرى تلك المرأة وهي تنظر إلى شيءٍ في الغرفة، تنظر إلى زاوية من زواياها، ثم تقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأنظر إلى جهاز القلب وأراه متوقفاً، تكلَّم لسانُها، وقلبها قد توقف، يقول: تعجبت من هذه الحالة العجيبة والغريبة! القلب متوقف والمرأة تشهد أن لا إله إلا الله، يقول: أأبَشِّر زوجها أم ماذا أقول له؟!

    خرجتُ من العيادة فقلت للزوج: عَظَّم الله أجرك في زوجتك.

    قال: يا دكتور! على ماذا تعظم أجري في هذه المرأة؟! لقد تزوجتها منذ خمس وثلاثين سنة، ما تَرَكَتْ قيام الليل ليلة واحدة، إلا من عذرٍ شرعي.

    ونساؤنا -يحلفن بالله- ما تركن زواجاً إلا حضرنَه، ولا منكراً إلا ذهبن إليه، أين نحن الرجال إذا كان هذا هو حال هذه المرأة؟! وربما الواحد منا تمر والليلة تلو الليلة ولم يستيقظ لصلاة الفجر؛ فضلاً عن قيام الليل!

    حال شاب في ريعان شبابه وهو في سكرات الموت

    وانظروا إلى هذه القصة أيضاً التي ذكرها الدكتور خالد الجبير في شريط أمراض القلوب -أذكرها لكم لأهميتها وفائدتها- يقول: جاء شابٌ في ريعان شبابه وزهرة أنوار حياته، لعله يقول: أصيب بضربة رصاصة بالخطأ فجاء به والداه إلى المستشفى، ولما أدخلاه إلى مكان الإسعاف تهافتت عليه اللجنة الطبية وهو في لحظات النزع الأخير، فقال الطبيب المشرف على اللجنة التي عنده: عندما وقفوا على رأس ذلكم الشاب، قال ذلكم الشاب بنبرة بسيطة سهلة ميسورة يا دكتور! لا تتعب نفسك، إني لأجد ريح الجنة الآن. فهذا شابٌ عمره ثماني عشرة سنة يقول هذا الكلام!

    يقول الطبيب: فاستغربتُ من قوله ومن فعله وعمله.

    قال: ولكن أدخل عليَّ والديَّ، أريد أن أرهما قبل أن أنتقل من الدنيا.

    يقول: فأدخلنا عليه والديه.

    فلما رآهما وقبلهما قال: لا تخافا عليَّ ولا تحزنا إني لأجد ريح الجنة الآن، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله.

    ومات على تلك الحال، اللهم اقبله، يا رب العالمين! واجعلنا وإياه من المرحومين.

    إنها تأملات استمعوا إليها أيها الشباب، هذا يموت على ما أطاع الله به.

    يقول الطبيب: فلما سألتُ والديه أخبراني بقصة هذا الشاب، قلت: أخبراني عن ولدكما؟!

    فماذا يا تُرى قالوا؟

    قالوا: إن ولدنا هذا متفوق في دراسته في الصف الثاني الثانوي، وهو شابٌ ولله الحمد يحافظ على الصلوات الخمس في المسجد، خصوصاً صلاة الفجر، ولم يعقنا يوماً من الأيام.

    انظروا أيها الشباب واستمعوا إلى هذه الأحداث.

    1.   

    وصف الجنة

    إنها الجنة، فالمشتاق إلى الجنة يعمل الأعمال الصالحة الطيبة الطاهرة، فما أجملها من لحظاتٍ حين يقال لنا جميعاً: (يا أهل الجنة خلودٌ فلا موت)، وحين يقال: يا أهل الجنة: ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ [ق:34]، ولحظة البشارة عندما يقال لنا: بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا [الحديد:12].

    إنها الجنة التي خلقها الله، وجعلها مقراً لأحبابه، وملأها من رحمته وكرامته ورضوانه، ووصف نعيمَها بالفوز العظيم، ومُلْكَها بالمُلْك الكبير، وأودعها الخير بحذافيره، وطهَّرها من كل عيبٍ وآفة ونقص.

    فإن سألت عن أرضها وتربتها؛ فهي المسلك والزعفران.

    وإن سألت عن سقفها؛ فهو عرش الرحمن.

    وإن سألت عن ملاطها؛ فهو المسك الأذفر.

    وإن سألت عن حصبائها؛ فهو اللؤلؤ والجوهر.

    وإن سألت عن بنائها؛ فلبنة من فضة، ولبنة من ذهب.

    وإن سألت عن أشجارها؛ فما فيها من شجرة إلا وساقها من ذهب أو فضة، لا من الحطب والخشب.

    وإن سألت عن ثمارها؛ فأمثال القلال، ألين من الزبد وأحلى من العسل.

    وإن سألت عن ورق الجنة،؛ فأحسن ما يكون من رقائق الحلل.

    وإن سألت عن أنهارها؛ فأنهار: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً [محمد:15].

    فيا غافلاً عن الجنة وما أعد الله لأهلها: تنبه رعاك الله، فلعلك تشتاق إلى دار البقاء، دار الأبرار، جعلني الله وإياكم ممن قال الله تعالى فيهم: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد:23-24].

    1.   

    الغفلة عن النار

    ومن الغفلة: الغفلة عن النار، وعدم الهروب منها :-

    النار دار البوار، والهلاك، والحر، والعار.. دار الشقاء، والبؤس، أعدها الله للعصاة والمذنبين فقال عنها ربنا تعالى محذراً ومتوعداً: إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالاً وَجَحِيماً * وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ وَعَذَاباً أَلِيماً [المزمل:12-13].

    فعن عتبة بن غزوان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الصخرة العظيمة لتلقى من شفير جهنم فتهوي فيها سبعين عاماً ما تفضي إلى قرارها) رواه أحمد والترمذي وصححه الألباني.

    فيا غافلاً عن نفسه، المغرور بما هو فيه من شواغل هذه الدنيا المشرفة على الانقضاء والزوال، دع التفكير فيما أنت مرتحلٌ عنه، واصرف الفكر إلى موردك، فإنك قد أُخْبِرْتَ بأن النار موردٌ للجميع، إذ قيل لك: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَـتْماً مَقْضِيّاً * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً [مريم:71-72].

    فيا عجباً! كيف أَنِسَ بالدنيا مفارقُها؟! وأمن النارَ واردُها؟! كيف يَغْفل من لا يُغْفل عنه؟! كيف يفرح بالدنيا مَن يومُه يهدم شهره! وشهره يهدم سنته! وسنته تهدم عمره؟! كيف يلهو من يقوده عمره إلى أجله! وحياته إلى موته؟! يا غافلاً: الدنيا في إدبار وأهلها منها في استكثار، الزارع فيها غير التقى لا يحصد إلا الندم، فهل أنت مدركٌ ذلك؟! هل أنت أيها المسلم ممن طَلَب لقاء الله في دار السعادة والنقاء، أم أنت -حفظك الله وسلمك من كل مكروه- ممن كره لقاء الله وعمل لدار الشقاء، واستمع إلى هذا الجزاء: إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [يونس:7-8].لقد كان سلف الأمة وأخيارها من قوة تيقظهم يبكون إذا رأوا نار الدنيا لخوفهم من نار الآخرة.

    قال العلاء بن محمد : دخلتُ على عطاء السلمي وقد غشي عليه، فقلت لامرأته: ما شأن عطاء؟ فقالت: سجَّرت جارتنا التنور، فنظر إليه فخر مغشياً عليه، وقال: إذا ذكرتُ أهل النار وما ينزل بهم من عذاب الله وعقابه تمثلت لي نفسي بينهم، فكيف لنفسٍ تُغَلُّ يدُها إلى عنقها فتُسحب إلى النار، ألا تصيح فتبكي؟!

    إن الغفلة إخوتاه هي التي زينت لنا المعصية، وهوَّنت النار أمام نواظرنا، جعلت شهوات الدنيا أعظم من الشوق إلى جنات النعيم؛ تلك الجنان التي تجري من تحتها الأنهار.

    قال أحد السلف: لا نوم أثقل من الغفلة، ولا رق أملك من الشهوة، ولولا ثقل الغفلة لم تظفر بك الشهوة.

    تأمل -يا غافلاً- إذا جيء بجهنم يوم القيامة إلى الموقف تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمامٍ سبعون ألف ملكٍ يجرونها، قال الله تعالى: وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْأِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى [الفجر:23] يريد أن يتذكر صلاةً؛ فلا يتذكرها من هول المطلع، يريد أن يتذكر صلة الرحم؛ فلا يتذكرها، يريد أن يتذكر الذكر وقراءة القرآن؛ فلا يتذكرها من هول المطلع يوم القيامة: يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي [الفجر:24]! يا ليتني أطعتُ الله والرسول! يا ليتني صليت مع المصلين! وتصدقت مع المتصدقين! وبذلت مع المحسنين! يا ليتني عملت للجنة وهربت من النار؛ ولكن تلك الساعة يقال لأولئك النفر الغافلين في الدنيا: فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ [الفجر:25-26]، وحينها يقع التساؤل والعرض، وجزاء العمل يوم القيامة: وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ [الأحقاف:34]، إنها نار جهنم التي قال الله عن أهلها: لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ [فاطر:36].

    إلى متى وغبار الغفلة يخيم على كثيرٍ من البيوت التي جعلت (الدشوش) على منازلها، وعلى أعالي بيوتها، تخلف الأبناء عن الصلوات، وقطعوا الأرحام، وعقوا الآباء والأمهات؛ ولكن أين من يتحرك؟! أين من يبذل؟! أين من يفعل الصالحات والطيبات؟! أحوال ومآسٍ حزينة.

    ولكن -أيها الإخوة- من منا يريد أن يقال عنه يوم القيامة: لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ق:22]؟!

    إن عذاب النار يُنسِي الغافلَ لذة الدنيا، فلا ينفعه مالٌ لم يسخره لله، ولا منصبٌ لم ينفع به عباد الله، ولا جاهٌ جعله يترفع على خلق الله، ولا قوة لم ينصر بها دين الله، ولا جمال لم يسخره لله، إنما اغتر وتكبر ومشى بخيلاء أمام الناس.

    لنستمع إلى هذا الحديث العظيم، هذا الحديث المبارك الذي ينبغي لنا أن نغرسه في قلوبنا: عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يؤتى بأنعم الناس يوم القيامة من أهل النار فيصبغ في النار صبغة ثم يقال له: يا بن آدم! هل رأيت خيراً قط؟ هل مر بك نعيمٌ قط؟ فيقول: لا والله، يا رب! ...)، لقد نسي بيته الفاره، وسيارته العظيمة، لقد نسي منصبه الذي لم ينفعه بشيء؛ لكونه لم يسخره لله، ونسي كل نعيم، لقد نسي كل صحة، لقد نسي كل الرحلات والسفرات والذهاب للخيلاء.. سافرت للدولة الفلانية.. أقضي الإجازات في هذه البلدة.. أنا أجلس هنا؟! فيفتخر ويتعالى ويتكبر ويتغطرس؛ لكونه يعصي الله.

    ولكن انظروا أيها الصابرون، واسمعوا أيها المحتسبون: (... يؤتى بأشد الناس بؤساً في الدنيا -ولكنه من أهل الجنة- فيصبغ صبغة في الجنة فيقال له: يا بن آدم! هل رأيت بؤساً قط؟ هل مر بك شدة قط؟ فيقول: لا والله، يا رب! ما مر بي بؤسٌ قط، ولا رأيت شدة قط) رواه مسلم وابن ماجة.

    لقد نسي الفقر كله.. نسي بيته المتواضع البسيط.. نسي ثيابه التي كان يزدريه بها الناس.. نسي تلك الوظيفة التي كان يحتقره بها الناس.. هذا لا يعطيه بنته، وهذا لا يسكنه عنده، وهذا لا يجالسه، ولكنه عند الله عظيم؛ ولكن في الجنة تلك النعم المباركة، وفي النار العذاب والنار.

    وسيق المجرمون وهم عراةٌ     إلى ذات السلاسل والنكالِ

    فنادوا: ويلنا ويلاً طويلاً     وعجوا في سلاسلها الطوالِ

    وحل المتقون بدار صدق     وعيشٍ ناعمٍ تحت الظلالِ

    لهم ما يشتهون وما تمنوا     من الأفراح فيها والكمالِ

    ولقد فاز أهل التقى بالخوف والهروب من النار، وصدق الله إذ قال: فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى * لا يَصْلاهَا إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى * وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى [الليل:14-18].

    الله أكبر! عند تلك اللحظات المباركة، عندما يفوز المتصدقون والفائزون والمزكون، ولكن ما أجمله من هناء! أسأل الله أن يجعلني وإياكم من أهل الجنة، وأن يجنبني الله وإياكم النار.

    فما أجمل الذكرى قبل أن لا تنفع الذكرى، حين: يتَذَكَّرُ الْأِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى [الفجر:23] يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي [الفجر:24] فأنى له الذكرى؟! فقد فات أوانها، وذهب زمانها.

    فالله .. الله! الهروب .. الهروب! من النار أيها الإخوة! الهروب .. الهروب! من النار، انجوا بأنفسكم، وبأولادكم، وبزوجاتكم، وببيوتكم من النار.

    ولعلك تتساءل أيها الأخ المبارك: كيف أصيب كثير منا في هذا الزمان بنار الدنيا قبل نار الآخرة، كم أصابت الأمراض النفسية، والأزمات الصدرية، والضيق، والنكد كثيراً من الناس؟! بل ربما كثيرٌ من النساء والشباب -خصوصاً- يدَّعون الضيق والنكد فهذا مات في حالة انتحار، وهذا قد قَتَل نفسَه، وهذا وهذا وهذا.. مآسٍ ترونها في كل مكانٍ وتسمعونها.

    1.   

    الغفلة عن الصبر

    ومن الغفلة: الغفلة عن الصبر:-

    جعل الله الصبر جواداً لا يكبو، وصارماً لا ينبو، وجنداً لا يُهْزَم، وحصناً لا يُهْدَم ولا يُثْلَم، فهو والنصر أخوان شقيقان، وهو أنصر لصاحبه من الرجال بلا عدة ولا عدد، ومحله من الظفر محل الرأس من الجسد، فهنيئاً للصابرين أن الله تعالى جعل الفوز بالجنة والنجاة من النار لا يحظى به أحد غيرهم، قال الله تعالى: إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ [المؤمنون:111].

    قال صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح: (وما أُعْطِي أحدٌ عطاءً خيراً وأوسع من الصبر).

    فيا عجبي والله كيف هجمت الغفلة بغبارها على هذا الإنسان حتى جعلته جازعاً! وللأقدار رافضاً! وللطاعة معرضاً! وإلى ما لا يُرْضي الله مبادراً؟!

    فيا سبحان الله! تأمل غبار الغفلة كيف دخل على كثير من الناس حتى في أمور الصبر خصوصاً.

    وتأملوا أقسام الصبر من وراء ذلك، فمن الصبر أيها الإخوة:

    - صبرٌ على طاعة الله.

    - وصبرٌ على أقدار الله.

    - وصبرٌ عن معاصي الله.

    الصبر على طاعة الله

    يا من فقد الصبر على طاعة الله، واستبدلها بطاعة هواه وشيطانه، يا من كنت على استقامة وإيمان، واستبدلتها بالانتكاس والتيهان: أما علمت أن وجودك على الاستقامة داحضٌ للشيطان ومرضٍ للرحمن؟!

    إن الاستقامة طريقٌ تتنزل الملائكة الكرام على أهله، وتصبرهم بعدم الخوف والحزن، وتبشرهم بالجنة دار الأبرار، وتثبتهم على الطاعة والإيمان، وتثبت لهم الولاية عند الرحمن.

    هذه رسالة من حبيبٍ إلى أحد أحبابه أرسلها إليه بعدما كان هذا الصديق على طاعة الله تعالى واستقامة، وبدأ يتبدل ويتقلب بسبب إصابته بغبار الغفلة، إذ يقول هذا لأخيه:

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    أخي! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    أخي! لماذا جعلت غبار الغفلة يُخيم على حاجبيك؟! فصلاةَ الفجر هجرتَها، وبعضَ الصلوات تركتَها، احتججتَ بالنوم والتعب ساعة، ولم نَرَكَ تأخرتَ عن العمل، ومجالسِ أحبابك، ومطالبِ هواك، ولعبك للرياضة بالنوم ساعة، هجرت مجالس العلم، وصحبة الصالحين، وعمل الكثير من أعمال الخير؛ حتى أصبحت وكأنها لم تكن في حياتك، اللحية ليست بالتي أعرفها، وثوبك مثلها، فأخذتها بالتقصير وربما أزلتها، وثوبك بالإسبال وربما خلعته، فيا سبحان الله! هل غيرتك الوظيفة، أم الزوجة، أم السيارة، أم الصحبة؟! بالله عليك أخبرني!

    أخي! هل نسيتَ تلك الأيام التي كنتَ تأخذ بيدي فنذهب من محاضرة إلى محاضرة، ومن درسٍ إلى درسٍ كأننا نحل نتنقل بين الزهور؟! أين تلك الأيام التي كنا نقضيها في الصيام؟! وأين اتصالك عليَّ في ساعات السحر لكي نتعاون على قيام الليل؟! أين تلك الهمة في إنكار المنكرات؟! هل نسيت ذلك اليوم الذي أتيتني فيه وأنت مغضبٌ بسبب رؤيتك لمنكرٍ حتى ذهبنا لكي ننكره؟! أين رحلات الحج والعمرة التي كانت من ألذ الساعات في حياتنا؟! لماذا نسيتها، ونسيتني معها؟! فأصبحت إذا رأيتني كأنك قد رأيت شبحاً بعدما كنت تتألم لألمي، وتتوجع لوجعي، هل نسيت تلك الدقائق التي كنت تخبرني عن أمنياتك الطيبة، فساعة تريد أن تكون عالماً، وساعة قاضياً، وساعة طياراً، وساعة طبيباً، والآن أصبحت رهين الشوارع، ووظيفة وضيعة.

    أخي! هل من عودة ورجوع، وإنابة وخضوع؟! أم القلب قسا وعلامة ذلك أنك أعلنت بالمنكرات؟! فالغناء وأشرطته تعج بها سيارتك، حتى بدأتُ أسمعها بعدما كان القرآن يعمرها، حتى بيتك ما سلم من المنكرات، فالدش قد اعتلا فوق بيتك فعمَّره بالمحرمات، بعدما كان بيتك معمَّراً بذكر الله تعالى.

    أخي! هل من عودة وإنابة إلى الله، ورجوعٍ وخشوعٍ إليه؟!

    أخي! أختم لك هذه الرسالة بهذه الكلمات من كتاب الله تعالى التي قد حفظتَها في حلقات القرآن ولعلك نسيتَها الآن: حم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ [غافر:1-3].

    وكأني بالطاعة والهداية والاستقامة، تهديك هذه الكلمات فتقول لك: يا من أعرضت عن الله، فتناديك الطاعة فتقول لك:

    أناسٌ أعرضوا عنا     بلا جرمٍ ولا معنى

    أساءوا ظنهم فينا     فهلا أحسنوا الظنَّا

    فإن عادوا لنا عدنا     وإن خانوا فما خنَّا

    وإن كانوا قد استغنوا     فإنا عنهم أغنى

    أيها الحبيب المحب! تأمل صبر النبي صلى الله عليه وسلم، وصحابته الكرام، ومن تبعهم بإحسان، تأمل سِيَر الصالحين ترى فيها الخير العظيم.

    الصبر عن معصية الله

    ومن الصبر: صبر عن معاصي الله: فإن اقتراف الخطايا يورث:

    حرمان العلم.

    وحرمان الرزق، (فإن العبد ليُحْرَم الرزق بالذنب يصيبه).

    وإن العبد إذا عصى أصيب بوحشة في قلبه بينه وبين الله، وهذا أمرٌ لا يحس به إلا من في قلبه حياة.

    ...............     ما لجرحٍ بميت إيلامُ

    وكذلك يصاب العبد العاصي بوحشة تحصل بينه وبين الناس، ولا سيما أهل الخير منهم.

    يصاب العاصي بعسر أموره.

    وظلمةٍ يحس بها كظلمة الليل البهيم إذا ادلهم.

    قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: [إن للحسنة ضياءً في الوجه، ونوراً في القلب، وسعةً في الرزق، وقوةً في البدن، ومحبةً في قلوب الخلق، وإن للسيئة سواداً في الوجه، وظلمةً في القلب، ووهناً في البدن، ونقصاً في الرزق، وبغضاً في قلوب الخلق].

    كذلك يصاب العاصي بحرمان الطاعة وفقدان بركة العمر.

    فإلى متى -أيها الحبيب- لا تزيل غبار المعصية عنك بالتوبة والإنابة، والرجوع إلى الله، والعودة إليه؟! فإنه يكشف الضر والبلاء، ويزيل الغم والعناء، قم لله راكعاً وساجداً، ومتضرعاً ونادماً، وارفع يديك، واطلب العفو من قدير، واعلم بأنه:

    قد روى الثقات عن خير الملا     بأنه عز وجل وعلا

    في ثلث الليل الأخير ينزلُ     يقول هل من تائب فيُقْبَلُ؟

    هل من مسيءٍ طالبٍ للمغفرة     يجد كريماً قائلاً للمعذرة

    يمن بالخيرات والفضائل     ويستر العيب ويعطي السائل

    أيها الحبيب: اعلم بأن الله غني عني وعنك، لا تضره معصيتنا، ولا تنفعه طاعتنا، ولكن لنستمع إلى حديث أبي ذر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: عن جبريل عليه السلام، عن الله تبارك وتعالى أنه قال: (يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا، يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي، كلكم جائعٌ إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي: كلكم عارٍ إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم، يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجلٍ منكم لم ينقص ذلك من ملكي شيئاً، يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجلٍ منكم لم يزد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي: لو أن أولكم، وآخركم، وإنسكم، وجنكم كانوا في صعيدٍ واحدٍ فسألوني، فأعطيت كل واحدٍ منهم ما سأل لم ينقص ذلك من ملكي شيئاً إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها عليكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه) رواه مسلم.

    فيا من عدى ثم اعتدى ثم اقترفْ     ثم انتهى ثم ارعوى ثم اعترفْ

    أبشر بقول الله في آياتهِ     إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف

    تأمل حديث نبيك صلى الله عليه وسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: (إن الله تعالى يبسط يده بالليل؛ ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار؛ ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها) رواه مسلم.

    قال علي رضي الله عنه: [عجباً لمن يهلك ومعه النجاة! قيل له: وما هي النجاة؟ قال: التوبة، والاستغفار].

    قال مجاهد رحمه الله: [من لم يتب إذا أمسى وإذا أصبح فهو من الظالمين].

    إذاً: ما أجمل الصبر في ترك المعاصي، لا بد أن نصبِّر أبصارنا وأنظارنا، وأسماعنا، وقلوبنا، وجميع جوارحنا عن المعصية، وسوف نجد الخير بإذن الله تعالى.

    الصبر على أقدار الله

    ومن الصبر: صبرٌ على أقدار الله تعالى المؤلمة: فإنها من شيم المؤمنين، قال عمر -رضي الله عنه-: [أفضل العيش أدركناه بالصبر، ولو أن الصبر كان من الرجال لكان كريماً].

    وكم ينزل بالمؤمن من البلاء ليزيل الله به عنه غبار الغفلة! فهل يكون حال العبد منا في حال نزول البلاء عليه كقول الله تعالى عندما أخبر عن أيوب عليه السلام: إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ [ص:44]؟! أم حال الواحد منا -والعياذ بالله- أن يكون متسخطاً، كما قال الله: وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ [الفجر:16]؟!يقول لي أحد كبار السن: مللنا من هذا الزكام والحساسية، الظاهر أننا سنقطع أنوفنا! -والعياذ بالله-.

    وأقول لآخر: كيف حالك؟

    فيقول: والله طيب؛ لكن والله زهقنا من هذا المرض.

    انظروا أيها الإخوة كيف أصبنا بهذا الغبار من الغفلة حتى أنكرنا نعم الله التي أنعم الله بها علينا، الله كريم، أعطانا النعم، وقال لنا: اشتروا أنفسكم، أعطانا فضائل ومكارم، وقال لنا: أنفقوا، أعطانا نعماً وفضائل، وقال لنا: أقيموا الصلاة؛ لكي يرى الله عز وجل كيف صبرنا وطاعتنا.

    فيا من ابتلاك مولاك إياك والتسخط فالفرج قريب: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً [الشرح:5-6].

    صبراً جميلاً ما أقرب الفرجا     من راقب الله في الأمور نجا

    ومن صدق الله لم ينله أذىً     ومن رجاه يكون حيث رجا

    جاءني رجلٌ من جماعة المسجد -جزاه الله خيراً- يوماً من الأيام فقال لي بعد صلاة الفجر: أستودعك الله.

    قلت له: ماذا تريد؟

    قال: ذاهبٌ إلى الرياض لأعمل عملية القلب.

    قلت: وما الذي قد حصل لك؟

    قال: رجع لي الألم الذي قد كلمتك عنه قبل فترة -أخبرني عن ألمٍ أصيب به في عضلات القلب-.

    فقلت له: أكثر من قراءة القرآن، وادعُ الله كثيراً.

    فبدأ يقرأ القرآن، ويجلس في المسجد كثيراً ولله الحمد، فمرت عليه فترة طويلة خلالها كان في كل أسبوع أو فترة يصاب بنبضات القلب السريعة، وتؤثر عليه وعلى صحته حتى يلزم بالجلوس في المستشفى، فاستمر ستة أشهر، لم تأته نبضات القلب، فجاءني، قلت: هل حالتك الآن طيبة؟ لماذا لا تذهب؟

    قال: سوف أذهب وأرى ماذا يفعلون معي؛ لأن موعدي قد حان .. هذا بعد موعد الستة أشهر. فذهب إلى الرياض، وعمل العملية؛ وهذه العملية للعصب قَلَّ أن تنجح عند إنسان، وجاء بعد العملية خلال أيامٍ بسيطة، ولم يترك فرضاً في المسجد، وصحته مستقرة وهو يقول: أنا مرتاح الآن ولم أحس بآلام العملية أصلاً.

    الله أكبر! الصبر لما يخيم على الواحد منا، ويكون صابراً ومحتسباً، ويرجو الثواب من الله تعالى سوف يجد الخير، أليس الله يقول: وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [البقرة:155-157].

    إذا اشتملت على اليأس القلوبُ     وضاق لما به الصدرُ الرحيبُ

    وأوقعت المكاره واطمأنت     وأرست في أماكنها الخطوبُ

    ولم ترَ لانكشاف الضر وجهاً     ولا أغنى بحيلته الأريبُ

    أتاك على قنوطٍ منك غوثٌ     يمن به اللطيف المستجيبُ

    وكل الحادثات إذا تناهت     فموصول بها الفرج القريبُ

    لماذا الذهاب إلى السحرة والمشعوذين والعرافين؟! لماذا الذهاب إلى البطالين -والعياذ بالله-؟! أين الصبر أيها المسلمون؟! أين الصبر والاحتساب؟! كثيرٌ من الناس إذا أَلَمَّ به وجع قال: أنا مسحور.. أنا مطبوب.. أنا معان.. أنا وأنا.. حتى يذهب يبيع دينه قبل أن يذهب يعطي ماله -والعياذ بالله-، وقد أخبرنا صلى الله عليه وسلم أن الذي يذهب إلى الساحر ويصدقه فيما يقول (فقد كفر بما أنزل على محمد)، وجاء في حديثٍ آخر: (لا تقبل له صلاة أربعين يوماً).

    إذاً: اعلم أيها المسلم واعلمي أيتها المسلمة أن الصبر من شيم المؤمنين، واعلموا جميعاً أنه لن يغلب عسر يسرين.

    ولرب نازلة يضيق بها الفتى     ذرعاً وعند الله منها المخرجُ

    ضاقت فلما استحكمت حلقاتها     فُرِجَت وكنت أظنها لا تفرجُ

    ***

    إذا ضاق بك الأمر     ففكر في أَلَمْ نَشْرَحْ

    فعُسرٌ بعد يسرين     إذا تلقاهما تفرح

    قال التنوخي : إن البرقي قال: رأيت امرأة بالبادية وقد جاء البرد فذهب بزرعها كله، فجاء الناس يعزونها فرفعت طرفها إلى السماء وقالت: اللهم أنت المؤمَّل لأحسن الخلف، وبيدك التعويض عما تلف، فافعل بنا ما أنت أهله، فإن أرزاقك عظيمة، فإن رزقتنا فلك الفضل والإنعام، وآمالنا مصروفة إليك.

    قال: فلم أبرح حتى جاء رجلٌ من الأجلاء فحُدِّث بما كان قد وقع للمرأة فأعطاها خمسمائة دينار.

    ذكره التنوخي في: الفرج بعد الشدة.

    وأختم بالموت؛ لأنه هو آخر المطاف.

    1.   

    الغفلة عن الموت ونسيان الآخرة

    ومن الغفلة: الغفلة عن الموت ونسيان الآخرة :-

    إن الغفلة عن هاذم اللذات ومفرق الجماعات هو الذي جعل الأماني تهجم على الناس، والتسويف يخيم عليهم.

    فيا من بنيت الآمال، وقصرت في الصالح من الأعمال: تنبه للموت، فإن نسيانه ضلالٌ مبين.

    كم صديقٍ لك مات في ريعان شبابه! وكم شيعتَ إلى الدار الآخرة من أحبابك! تذكر يا غافلاً عن ساعة الاحتضار وخروج الروح، والأولاد حولك يبكون، والنساء تنوح، يناديك ولدك فيقول لك: أبتِ أبتِ! إني بعدك مسكين، وتصرخ الزوجة وتقول: يا زوجي! إلى أين الرحيل؟! وهل من رجعة أو غيابك عني طويل؟! فتغرورق عيناك بالدموع، ويلجم منك اللسان، تحاول النطق فيتعذر عليك الكلام، وتطلب النجاة؛ ولكن: وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق:19] ولقد كانت همم القوم مستيقظة في حال هجوم الموت عليها.

    هذا ثابت البناني رحمه الله تعالى، عن محمد بن ثابت البناني قال: [ذهبت ألقن أبي وهو في الموت فقلت له: يا أبت قل: لا إله إلا الله، فقال: يا بني! خَلِّ عني، فإني في وردي السادس أو السابع أقرأ كلام الله تعالى].

    فعجباً لك يا بن آدم! تعرف الله وتعصيه! وتعرف الموت وتنساه! تعرف الموت وتتكبر وتغتر! تعرف الموت وتعرض عن الله! تعرف الموت وأنت عاقٌ لوالديك! تعرف الموت وأنت قاطعٌ لأرحامك، وواصلٌ لأصدقائك!

    فعجباً لمن لا يستعد لهاذم اللذات!

    إياك أيها المسلم أن تجعل القرآن بضاعتك، فالإخلاص في طاعة الله خلاصٌ من النار، خلاصٌ من سكرات الموت الشديدة، بل الثبات الحقيقي في طاعة الله تعالى.

    استمعوا إلى هذا الحادثة، هذا خيثمة بن عبد الرحمن، أحد التابعين، كما نقل ابن الجوزي رحمه الله في كتابه الثبات عند الممات : قال محمد بن خالد الضبي: لم نكن ندري كيف كان يقرأ خيثمة القرآن حتى مرض فجاءته امرأته، فجلست تبكي عند رأسه، فقال لها: ما يبكيك؟ الموت لا بد منه، فقاله: الرجال بعدك عليَّ حرام، فقال: ما كل هذا أردتُ منكِ، إنما كنت أخاف رجلاً واحداً وهو أخي محمد، أخاف إذا مت أن تتزوجيه، وهو رجلٌ فاسق، يتناول الشراب المحرم -يشرب الخمر- فكرهت أن يشرب في بيتي الخمر بعدما كان يُقْرأ فيه القرآن، كل ثلاث ليال.

    قال سهل بن عبد الله:

    - استجلب حلاوة الزهد بقصر الأمل.

    - واقطع أسباب الطمع بصحة اليأس.

    - وتعرض لرقة القلب بمجالسة أهل الذكر.

    - واستفتح باب الحزن بطول الفكر.

    - وتزين لله بالصدق في كل الأحوال.

    - وإياك والتسويف؛ فإنه يغرق الهلكى.

    - وإياك والغفلة؛ فإن فيها سواد القلب.

    - واستجلب زيادة النعم بعظيم الشكر.

    عن عبد الجبار بن عبد العزيز عن أبي حازم قال: [حدثني أبي قال: بعث سليمان بن عبد الملك إلى أبي حازم فجاءه، فقال: يا أبا حازم! ما لنا نكره الموت؟! قال: لأنكم أخربتم آخرتكم وعمرتم دنياكم، فأنتم تكرهون أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب، قال: صدقت، فكيف القدوم على الله تعالى؟! قال: أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله، وأما المسيء فكالآبق يقدم على مولاه، فبكى سليمان وقال: يا ليت شعري! ما لنا عند الله يا أبا حازم؟ قال: اعرض نفسك على كتاب الله عز وجل، فإنك تعلم مالك عند الله، قال: يا أبا حازم، وأنى أصيب ذلك؟! -أي: أعطني جواباً مختصراً فالقرآن طويل- قال: عند قول الله: وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ [الانفطار:14]، فقال سليمان: إذاً يا أبا حازم فأين رحمة الله؟! قال: قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف:56]].

    إن الإيمان ليزداد عند أهل الثبات والطاعة عند نزول السكرات؛ ولكن أهل المعاصي والسيئات ترتجف قلوبهم.

    أيها الإخوة: إن الأيام لتنقضي وتذهب الأيام تذوي يوماً يوماً، والعمر ينقضي شيئاً فشيئاً، الحياة تسير بنا لا تقف لحظة، فهذا الطفل قد نما، وذاك الشاب قد انحنى، وذاك الشيخ قد واراه التراب، فمهلاً .. مهلاً! بني الإنسان! الحياة ليست خالدة، إنها ظل زائل، وعارية مسترجعة، أيامها تفنى، وزهرتها تيبس، وسعادتها تذهب، ويبقى منها عمل الإنسان خيره وشره، يعود الإنسان ليحاسبه الله على عمله خيره وشره.

    أيها المسلم! أيتها المسلمة! الحياة فرصة للتوبة، وإزالة غبار الغفلة الذي أعمى العيون والعقول عن الاعتبار والانتهاء، استمعوا لقول الله تعالى: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً * وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً [النساء:17-18].

    فيا أيتها النفس المعرضة عن الله: عودي وتوبي إلى الله:

    يا نفس توبي فإن الموت قد حانا     واعصي الهوى فالهوى ما زال فتانا

    في كل يومٍ لنا ميتٌ نشيعه     نحيي بمصرعه آثار موتانا

    يا نفس ما لي وللأموال أجمعها     خلفي وأخرج من دنياي عريانا

    الموت لا يعرف عظيماً لعظمته، ولا رئيساً لمنصبه، ولا شاباً لزهرة حياته، بل لم يترك أحداً.

    إذاً: فلماذا الغفلة عن الموت؟! لماذا الغفلة عن الموت، ونحن نرى الأموات أمامنا في الطرقات والشوارع؟! فهلاَّ استيقظ كل واحدٍ منا قبل هجوم الموت وسكرته؟! حينها يطمس على أهل الغفلة غفلتهم، فلا يستطيعون الفكاك فيخبر الله تعالى عنهم فيقول: لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ق:22].

    يقول السعدي رحمه الله: هذا خطاب من الله تعالى للعبد؛ فإنه في الدنيا في غفلة عما خلق له؛ ولكنه يوم القيامة ينتبه ويزول عنه وسنه، ولكنه في وقتٍ لا يمكنه أن يتدارك الفارق، ولا يستدرك الفائت، فهذا وعد من الله حق، وصدق لا كذب فيه، ولا محيص عنه.

    أخي المسلم: فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ * يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ * وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ * سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ * لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ * هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [إبراهيم:47-52]. إن تذكر الموت موقظ للقلب القاسي، واللسان الجامد، فجديرٌ بمن الموت مصرعه والتراب مضجعه، والدود أنيسه، ومنكرٌ ونكير جليسه، والقبر مقره، وبطن الأرض مستقره، والقيامة موعده، والجنة والنار مورده، ألا يكون له فكرٌ إلا في ذلك، ولا استعداد إلا له.

    أيها الأحبة: لماذا قل ذكر الموت عندنا، بل صار الذاهب يذهب والمسافر يسافر ولا يستشعر أنه في لحظة قد ينتقل من هذه الدنيا؟!

    عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (أتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عاشر عشرةٍ فقال رجل من الأنصار: من أكيس الناس يا رسول الله، وأكرم الناس؟ فقال: أكثرهم للموت ذكراً، وأشدهم استعداداً له، أولئك هم الأكياس ذهبوا بشرف الدنيا وكرامة الآخرة) رواه ابن ماجة وحسنه الألباني.

    فيا عجباً لك يا غافلاً عن الموت! إلى متى هذه الغفلة؟!

    أصبحت يا غافلاً في النقص منغمساً     وأنت دهرك في اللذات منغمسُ

    لا يرحم الموت ذا جهلٍ لغرته     ولا الذي كان منه العلم يُقْتَبسُ

    كم أخرس الموت في قبرٍ وقفتُ بهِ     عن الجواب لساناً ما به خَرَسُ

    قد كان قصرك معمورٌ له شرفُ     وقبرك اليوم في الأجداث مندرسُ

    فهل يظن ظانٌ منا أنه سوف يحجزه عن الموت حاجز، وينفعه عن الموت فراق، لا والله، ثم لا والله، قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الجمعة:8].

    قال الحسن : [فضح الموت الدنيا، فلم يترك لذي لبٍ فرحاً، وما ألزم عبدٌ قلبه ذكر الموت إلا صغُرت في عينه الدنيا، وهان عليه كل ما فيها، إنها لحظات يلتف فيها الساق بالساق، ويَبِيْن الفراق، فيفرح أهل الطاعة بالثواب، ويخيب أهل الخيبة والفساق بالخسارة والندامة، حينها يستيقظ أهل الغفلة فما ينفع حينها ولات حين مناص].

    فإلى متى ننام نوم الغافلين! ونستيقظ استيقاظ اللاهين!

    فوا عجبي لمن يتعب نفسه للراحة في الدنيا الفانية، ولا يبذل الجهد لراحة الآخرة!

    والله إننا نعيش مآسٍ، فكثيرٌ منا يطلب راحة ويذهب إلى الأعمال الشاقة، بل يذهب ويسافر ويترك أولاده أسبوعاً وأسبوعين ويزيد على ذلك من أجل الدنيا وطلب الدنيا؛ ولكن لا نجلس في المسجد خمس دقائق، أو عشر دقائق، أين مِنَّا مَن يجلس بعد صلاة الفجر في المسجد يذكر الله تعالى؟! أين مِنَّا مَن يجلس بعض الساعات لكي يرجو أن يختم الله له الخاتمة الصالحة؟!

    يقول الفاروق : [الراحة للرجال غفلة].

    سأل سائلٌ ابن الجوزي : أيجوز أن أفتح لنفسي في مباح الملاهي؟

    فقال له: عند نفسك من الغفلة ما يكفيها.

    يقول ابن القيم: لا بد من سِنَة الغفلة ورقاد الغفلة؛ ولكن كن خفيف النوم، وانتبه من رقدة الغفلة، فالعمر قليل، واطرح (سوف) و(حتى) فهما داء دخيل.

    إن الغافل يعيش في هذه الحياة طالباً لملاذ الدنيا، وما فيها من الأشياء؛ ولكن ما أجمل أن نعيش حياة الآخرة!

    فأقول: يا متكاسلاً عن الصلاة! يا من تعيش الضياع والتيهان! يا من أعرضت عن الله! وابتعدت عنه! يا من استأنست بالدنيا! والتهيت بها! هل من عودة وإنابة؟! هل من رجوعٍ واستكانة؟! هلاَّ نزيل غبار الغفلة عنا أيها الإخوة، ونبدأ من هذه اللحظات؟!

    يا من تسمع حديثي! يا من تسمع ندائي! استمع إلى هذه النداءات الإبراهيمية من الخليل إبراهيم عليه السلام حين نادى أباه لكي يوقظه من غبار الغفلة؛ ولكنه لم يستيقظ والعياذ بالله! قال له: يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً [مريم:44-45].

    وهذه آسية تنادي زوجها لتنقله من جوار الشيطان إلى جوار الرحمن، ومن غبار الغفلة إلى حال أهل الإيمان، تناديه وتناديه لعله أن يحس، فلا مجيب، فتنادي ربها: رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ [التحريم:11] فيا سبحان الله! طلبَت الجار قبل الدار!

    فيا امرأة تكاسلت عن نصيحة زوجها! ويا امرأة تكاسلت عن طاعة الله! أيتها المرأة:

    عليك بالدعوة إلى الله، فالنساء بحاجةٍ إلى الدعوة، فاستغلي مجالس النساء.

    - استغلي الأوقات.

    - إياك وسماعة الهاتف، لا تهدري فيها الأوقات.

    - استغلي جلوسك في أسرك، واللهِ إن أسراً أعرفها كانت هدايتها بسبب بناتها، لما صلح حالهن جلسنَ يدعينَ إلى الله، فأيقظنَ أسرهن من الغفلة، ومن غبارها، ومن دمارها -والعياذ بالله من ذلك-.

    1.   

    الغفلة في تقليد الكفار والتشبه بهم

    ومن الغفلة: الغفلة في تقليد الكفار في حركاتهم، وأشكالهم، وأعمالهم، وأفعالهم، وفي كل صغيرة وكبيرة :-

    بل ينبغي لنا هجر البطَّالين، والمارقين، أولئك النفر الذين يزينون المنكرات، كالخمور، والمخدرات، والمعسل، والتدخين، وأنواع المجالس التي لا يُذْكَر الله عز وجل فيها.

    رسالة إلى صاحب الدش: اتقِ الله، اتق الله، أزِل غبار الغفلة عنك، وأخرج هذا الصنمَ الشيطاني الذي بدأ يُعْبَد في جزيرة العرب الآن، إنه الدش؛ الصنم الأسود، الذي بدأت الفتيات تقدسنه، وكذلك الصغار، والكبار، وكبار السن، حتى وصل الحال إلى -والعياذ بالله- التأخر عن الصلوات، وما لا يرضي رب الأرض والسماوات.

    أيها الإخوة!

    إن الملاهي ألقت بيننا إحنا     وأورثتنا أفانين العداواتِ

    وهل أصيب شباب اليوم وانحرفوا     إلا بتقليد أصحاب الضلالاتِ

    من كل أهوج لا دين ولا أدبٌ     ولا حياءٌ ومعدوم المروءاتِ

    يرى التمدن في تطويل شـاربهِ     وحلق لحيته مثل الخواجاتِ

    يقلد الكفـر في تطويل أظفره     أقْبِحْ به من سفيهٍ ساقطٍ عاتي

    اللهم جنبا المعاصي، اللهم جنبنا المعاصي، اللهم جنبنا المعاصي صغيرها وكبيرها.

    اللهم احفظنا في بيوتنا، وفي أسرنا.

    اللهم إنا نسألك أن تجعلنا ممن طال عمره، وحسن عمله، ولا تجعلنا ممن طال عمره، وساء عمله.

    اللهم إنا نعوذ بك من الفتن، ما ظهر منها وما بطن، ومن الإثم والبغي بغير الحق، إنك على كل شيء قدير.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3007959643

    عدد مرات الحفظ

    720470913