إسلام ويب

الهاربون إلى اللهللشيخ : عمر أمين الخالدي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كلنا أصحاب ذنوب وخطايا، وليس منا من هو معصوم عن الزلل والخطأ، ولكن خيرنا من يسارع بالتوبة، ويبادر إلى العودة، ويفر إلى الله. وها نحن اليوم نقف وقفات مع قوم كثرت ذنوبهم، وعظمت خطوبهم، ندموا فتابوا، وتذكروا فأنابوا. استيقظوا من الغفلة، وانتبهوا من الرقدة.

    1.   

    حال الفارين إلى الله

    الحمد لله، الحمد لله الواحد القهار، العزيز الغفار، مكوِّر الليل على النهار، تذكرةً لأولي القلوب والأبصار، وتبصرةً لذوي الألباب والاعتبار، الذي أيقظ مِن خلقه من اصطفاهم، فزهَّدهم في هذه الدار، وشغلهم بمراقبته وإدامة الأفكار، وملازمة الاتعاظ والادِّكار، ووفقهم للدأب في طاعته، والتأهُّب لدار القرار، والحذر مما يسخطه ويوجب دار البوار، والمحافظة على ذلك مع تغاير الأحوال، والأطوار.

    أحمده جل وعلا أبلغ حمدٍ وأزكاه، وأشملَه وأنماه. الحمد لله الخالق .. البارئ .. المصور .. العزيز .. الحكيم .. الملك .. القدوس .. السلام .. المؤمن .. المهيمن .. العزيز .. الجبار .. المتكبر .. رب السماوات السبع، والأرضين، ومن فيهن، ورب العرش العظيم، غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [غافر:3].

    نحمده العظيم شأنه، العزيز سلطانه، الدائم بره وإحسانه.

    له الحمد، لا يقول إلا حقاً، ولا يعد إلا صدقاً، ولا يأمر إلا رفقاً، فالهارب إليه والراجع إليه والتائب إليه يَعِزُّ ويرقى، وعاصيه يَذِلُّ ويشقى، نحمده تعالى تعبداً ورقاً، ونشكره عز وجل عملاً ونطقاً.

    له الحمد ربي وخالقي، له الحمد رفع السماء فبناها، فأغطش ليلها، وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا [النازعات:29]، وبسـط الأرض، ودحاها، أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا [النازعات:31-32]، قد ألهم كل نفسٍ فجورها وتقواها، وضلالها وهداها، وحذَّرها أن تتبع هواها، فأفلح من زكاها، وخاب من دساها، والجنة بعد ذلك مثواها أو الجحيم مأواها.

    وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فسبحانه من إله! وما أحلمه من رب! أوجدك من العدم، وخلقك من نطفةٍ فإذا أنت خصيمٌ مبين، وزيَّنك بالعقل والتفكير، وميَّزك عن سائر الحيوانات بحسن التدبير، وخلقك في أحسن تقويم، فجئت تجادل وتقاوم، وأعطاك حظاً وافراً من هباته، ومنحك شيئاً كثيراً من صفاته، فأنت قادرٌ، ومريدٌ، وسميعٌ، وبصيرٌ، ومُتَكِّلمٌ، وعالِمٌ، فأنكرتَ الجميل، وحاولت إبطال الدليل، وأظهرت من نفسك ما يدل على أنك حقيرٌ وذليل، وأمرك هين، وكيدك ضعيف.

    فكيف تعصيه -يا عبد الله!- وهو الكبير المتعال؟! وكيف تعرض عن بابه وتسأل غيره، وهو الذي أمرك بسؤاله، ووعدك بالإجابة على كل حال، وكل شيء دونه فقيرٌ إليه، وهو القائم بنفسه، الغني بما لديه، (فإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله) فإنه واسع الجود شديد المحال، فلا تتوكل إلا عليه، ولا تستعن بسواه، الزم دأبه واترك غيره، واسأل فضله، واطلب خيره، وفوض أمرك كله إليه.

    مَن ألقى إلى أبواب غيـ     ـرك فهو غِرٌّ جاهلُ

    ومن استراح بغير ذكرك أو رجا     أحداً سواك فذاك ظلٌ زائلُ

    عملٌ أريد به سواك فإنه     عملٌ وإن زعم المرائي باطلُ

    وإذا رضيتَ فكل شيءٍ هيـنٌ     وإذا حصلت فكل شيءٍ حاصلُ

    كلنا أصحاب ذنوب وخطايا، وليس منا من هو معصوم عن الزلل والخطأ، ولكن خيرنا من يسارع بالتوبة، ويبادر إلى العودة، ويفر إلى الله. تحثه الخطا، وتسرع به النفس.

    إننا اليوم مع قومٍ كثُرت ذنوبهم وعظُمَت خطوبهم، ندموا، فتابوا وأنابوا وأقلعوا، فاستيقظوا من الغفلة، وانتبهوا من الرقدة.

    إننا اليوم مع قوم علموا حقارة الدنيا فتركوها، وفروا إلى الله، وهربوا إليه، علموا مآل الذنوب، فتركوها وفروا إليه، علموا نهاية الأشقياء وتعاستهم، فخافوا وهربوا إلى الله، علموا نهاية السعداء، وما أُعِد لهم، فحزموا الحقائب وفروا إلى الله، علموا ثمرة التوبة والرجوع إلى الله والهروب إليه وما فيها من ستر الخطايا، ففروا إليه.

    إننا مع قوم عرفوا عظمة الله، فاستشعروها، وعظموا الله، وفَروا إليه، إنهم قومٌ أحبوا الله، ففَروا إليه، علموا أنه لا منجى ولا ملجأ ولا ملتجأ منه إلا إليه، فهربوا إليه.

    فلا إله إلا الله! ما أجمله من هروبٍ ذلك الهروب؛ يوم أن تهرب من الشيطان إلى الواحد الديان! ولا إله إلا الله! ما أحلاها من لحظات تلك اللحظات! وما أفضلها من أيام تلك الأيام؛ يوم أن يقرر أولئك التائبون الفرار إلى الله، واللجوء إليه! ولا إله إلا الله! ما أجمله من موقف ذلك الموقف؛ يوم يتمرد التائب عن الانقياد للشيطان! وما أجمله من يوم؛ يوم أن يرتبط الله بالواحد الديان، يوم يذوق هذا الهارب حلاوة الإيمان، يوم تذرف العينان، يوم يلهج بذكر المولى اللسان، يوم تُنَزَّه الأذنان عن سماع المعازف والألحان، وتستبدله بكلام المنان!

    إنها لحظات فكر فيها العقلاء بقلوبهم قبل عقولهم، وهم يسمعون كلام الرحمان، حاثاً لهم على المسارعة بالعودة والإنابة والانكسار، قال الله تعالى: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ [الذاريات:50] استمع إلى كلامه جل وعلا، وهو يتحدث عن أولئك الذين بارزوه بالذنوب والمعاصي، ولم يخشوا يوماً يؤخذ بالنواصي والأقدام، يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ [الرحمن:41] ،سمعها أولئك الهاربون، فأوجست في نفوسهم خيفة، فاضطربوا وهربوا إلى الله، عرفوا الله، فأحبوه، فأحبهم الله، رضوا عن ربهم فرضي الله عنهم، هانت عليهم الدنيا عندما قارنوها بالآخرة، علموا أنها ظل زائلٌ، ونعيمٌ حائلٌ، وأضغاث أحلام، فطلقوا الدنيا وتركوا الذنوب وفروا إلى حبيبهم وخالقهم وربهم.

    إن لله عباداً فُطَنا     طلقوا الدنيا وخافوا الفِتَنا

    نظروا إليها فلما علموا     أنها ليست لِحَيٍّ وطنا

    جعلوها لجة واتخـذوا     صالح الأعمال فيها سُفُنا

    إي والله، إن لله عباداً فُطَناً.

    كم بكت عيونهم في الدنيا خوفاً من الحرمان!

    وكم سالت دموعهم خوفاً من غضب الواحد الديان!

    وكم تقطعت أكبادهم شوقاً إلى الرحمان!

    هربوا إليه ولم يطلبوا في الدنيا غنيمةً أو مالاً .. هربوا إليه ولم يلتمسوا شهرةً ولا جاهاً .. هربوا إليه ولم يطلبوا جاهاً ولا منصباً ولا سلطاناً .. هربوا من دار الأكدار ونزلوا في جوار الملك الجبار، وانتفعوا بما قدموه من الفرار إليه والإقبال .. صيام النهار رفعهم وقدمهم بكاء الأسحار، اشتاقوا إلى جنةٍ تجري من تحتها الأنهار، برحمة العزيز الغفار، اعترف الهارب إلى الله بذنوبه، فقال وهو ينادي سيده وخالقه ومولاه، قال: يا رب، قال وهو يناجيه:

    يا رب:

    أنا عبدُ سوء آبِقٌ كَلٌّ على     مولاه أوزارُ الكبائر حاملُ

    يا رب:

    قد أثقلتْ ظهري الذنوبُ وسوَّدت          صحفي العيوبُ وسترُ عفوِك شاملُ

    يا رب -لا يزال يناجي ربه ومولاه- يا رب:

    ها قد أتيتُ وحسن ظني شافعي     ووسائلي ندمٌ ودمعٌ سائلُ

    فاغفر لعبدك ما مضى وارزقه     توفيقاً لما ترضى ففضلك كاملُ

    اللهم رحمتك نرجوها.

    فلله ما أحلى تضرع هذا الهارب إلى الله! ولله دره ما أحلى قوله في هذا الحال: أسألك بعزك لا إله إلا أنت!

    ما زال يناجي حبيبه وسيده ومولاه وربه، ويقول: -أسألك بعزك يا رب- وقد لجأ بين يديه واعترف بذنوبه، وأصر على الهروب إليه، وهو يقول، وقد سجد لله الواحد الديان: أسألك بعزك وذُلِّي إلا رحمتني، فهو يتضرع لله ويتملق لربه لعله يغفر له: أسألك بعزك وذُلِّي إلا رحمتني، أسألك بقوتك وضعفي وبغناك عني وفقري إليك، هذه ناصيتي الكاذبة الخاطئة بين يديك، عَبِيْدُك سواي كثير، وليس لي سيدٌ سواك، عَبِيْدُك سواي كثير، وليس لي سيدٌ سواك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال الخاضع الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، سؤال من خضعت لك رقبته، ورَغِمَ لك أنفه، وفاضت لك عينه، وذلَّ لك قلبه، واطمأنت لك نفسه إلا رحمتني.

    فما أحلى هذا الخضوع! وما أحلى هذا التذلل! وما أحلى هذا الإخبات! وما أحلى هذا الانطراح بين يديه والاستسلام! ولا يزال هذا الهارب في تضرُّعه وتملُّقه ودعائه ومناجاته منطرحاً بين يدي ربه، وإذْ بالمفاجأة، وإذْ به يسمع البشرى، نعم، البشرى لكل مذنب وكلنا ذلك الرجل، يسمع البشرى: (يا بن آدم! -الله أكبر! ما أرحمك يا أرحم الراحمين! أجاب دعاء المسكين- يا بن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرتُ لك ولا أبالي، يا بن آدم لو بلغتْ ذنوبُك عنان السماء ثم استغفرتني غفرتُ لك) إي والله قد بلغت ذنوبُنا عنان السماء يا رب! نعم أيها التائب! نعم أيها الهارب إليه! لو أتيت إليه وهربت إليه بقُراب الأرض خطايا لأتاك بقرابها مغفرة.

    نعم أيها الهارب! البشرى البشرى، اسمع -يا عبد الله!- البشرى: (يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم -اللهم اهدنا يا أرحم الراحمين!- يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي! كلكم عارٍ إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم، يا عبادي! إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم) .. وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة:186].

    يا منقذ الغرقى ويا كاشف البلوى     ويا من له عند البلاء مواهبُ

    أغثنا فإنك لَمْ تـزل     تَجود على من جاءك تائبُ

    لا إله إلا الله!

    1.   

    من قصص الفارين إلى الله

    وإليكم أيها الأحبة في الله بعض قصص الهاربين إليه، والفارين.

    فأخبار الهاربين إلى الله جميلة ورائعة، وقصصهم شيِّقةٌ وفائقة، تحكي لنا هذه القصص حياة البؤس والنعيم، والشقاوة والسعادة، والمخافة والأمن، والعذاب والحرمان، والسكينة والطمأنينة، إنها حياة الهاربين إلى الله، حياة من تاب وأناب، وعاد إلى مولاه بقلبٍ ينـزف دماً، وعينين تسكب دمعاً غزيراً، تجده في كل وقت وحين يبحث عن ساعات لقاء مولاه لعله يعوِّض ما فاته في ليالي وأيام البؤس والشقاء والحرمان، فما سرى شارق ولا لَمَع بارق إلا وعاد إلى الله صادق، وما أفل غارب ولا طرق نجمٌ ثاقب إلا وأناب لله تائب، لا إله إلا الله!

    وإليكم بعض هذه القصص:

    توبة سحرة فرعون

    هؤلاء السحرة الشهداء :-

    يتقدم السحرة من قـوم فرعون، فيخيِّرون موسى عليه السلام بقولـهم: إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ [الأعراف:115] فيقول لهم وهو العبد الواثق بالله: أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ [الأعراف:116]، وهكذا بدأ الباطل يسحر العيون، ويسترهب القلوب، ويخيل إلى الكثيرين أنه غالبٌ، فما هي إلا لحظات وإذْ بالحق راجح الوزن، ثابت القواعد، عميق الجذور، وإذْ بالباطل ذليلٌ صاغرٌ منكمشٌ بعد الزهو الذي كان يبهر العيون، وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ [الأعراف:117-119].

    وهنا بدأ الهروب إلى الله، فبدأت قلوب السحرة تنتفض، بدأ ارتعاش الوجدان، وإشراق الأرواح للحق الذي عرفوه وشاهدوه، والنور الذي أبصروه وعلى الفور نجد إيماناً يترقرق من الأغوار، ونوراً ينبعث من شعار اليقين، بداية الهروب: وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ [الأعراف:120-122].

    وبدأت رحلة العذاب، ورحلة الهروب إلى الله، وبدأ فرعون بالتهديد قال: فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى [طه:71]، وعلى الرغم من ذلك التهديد والتعذيب والتشويه والتنكيل الذي توعد به فرعون المؤمنين من السحرة، إلا أنهم آمنوا الإيمان الذي لا يمكن معه الرجوع إلى الكفر، مهما عُذِّبوا، ومهما قُتِلوا، قالوا: فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [طه:72-73].

    قال المفسرون: ولقد أراهم الله في سجودهم منازلَهم في الجنة، لا إله إلا الله! تابوا إلى الله، وهربوا إلى الله، ولم يأبهوا بتهديد فرعون، فأراهم المولى جل وعلا في سجودهم منازلَهم في الجنة، التي سيصيرون إليها، فكانوا أول النهار سحرة، وفي آخر النهار شهداء، فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران:170-171].

    إنهم الهاربون إلى الله، بذلوا الأسباب، وهان عليهم العذاب، وفي ذلك عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى [يوسف:111] وتتابع القصص المثبِّتة لغيرهم.

    قصة مؤمن آل يس

    وهذه القصة: قصة مؤمن آل يس :-

    أرسل الله إلى مدينتهم -يعبدون الأصنام- اثنين من الرسل، وعززهما بثالث، فبادروهم بالتكذيب وكان هناك رجلٌ قد عكف على عبادة الأصنام سبعين سنة، يدعوها من دون الله، لعل هذه الأصنام تكشف الضر الذي به، وكان به جذام، ولكن هذه الأصنام لم تنفعه ولم تُفِدْه، فلما أبصر الرسل دعوه إلى عبادة الله، فقال: هل من آيةٍ؟

    قالوا: نعم، ربنا على ما يشاء قدير، وهذه الأصنام لا تنفع ولا تضر.

    فآمن بالله -أي: هذا الرجل- وعزم على الهروب إلى الله مهما يكن العذاب، فدعوا ربهم -أي: الرسل- فكشف الله ما به، كأن لم يكن به بأس، فلما هَمَّ قومُه بقتل الرسل، جاءهم هذا التائب وهذا الهارب إلى الله، فوعظهم وحذَّرهم وذكَّرهم بحق الله من العبادة والتعظيم فقتلوه، نعم، قتلوه؛ ولكنهم نقلوه من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن شقاء الدنيا إلى سعادة الآخرة.

    قيل في كيفية قتله: وطئوه بأرجلهم. لا إله إلا الله!

    وقيل: رموه بالحجارة، وهو يقول: اللهم اهد قومي.

    وقيل: حفروا له حفرة وجعلوه فيها وردموا فوقه التراب.

    وقيل: أحرقوه حرقاً، وعلقوه في سور المدينة.

    وقيل: نشروه بالمنشار حتى خرج من رجليه، فما خرجت روحه إلا إلى الجنة، لا إله إلا الله! فدخلها، فذاك قوله تعالى: قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ [يس:26] أي: يا هارب، يا تائب قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ [يس:26] فلما شاهـدها قال: يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ [يس:26-27].

    نعم، من ترك شيئاً لله عوَّضه الله خيراً منه، وهل بعد هذا التعويض من النعيم؟!

    اللهم أكرمنا بالثبات على الدين.

    دع التعليل والتسويف وأقبـل     على مولاك تغنم نيلَ حظِّ

    أدِمْ بالحزم إقبالاً عليه عسـى     أن تحظى بتوفيقٍ وحفظِ

    ورَقِّ النفس بالعرفان تزكو     وتظفر بالمُنى من كل وعظِ

    قصة قاتل المائة

    هل سمعتم أيها الأحبة بقصة المجرم السفاح؟! :-

    نعم المجرم السفاح، الذي عاث بالناس قتلاً وذبحاً، اسمعوا لقصته يرويها لنا الحبيب صلى الله عليه وسلم:

    أخرج الإمامان البخاري ومسلم هذه القصة، قال صلى الله عليه وسلم: (كان فيمن كان قبلكم رجلٌ قَتَل تسعاً وتسعين نفساً، فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدُلَّ على راهب، فأتاه فقال: إنه قتل تسعاً وتسعين نفساً، فهل له من توبة؟ فقال: لا، فقتله، فكمَّل به المائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فدُلَّ على رجلٍ عالِم، فقال: إنه قتل مائة نفسٍ، فهل له من توبةٍ؟ فقال: نعم. -نعم، يا من أسرف على نفسه بالذنوب، نعم والله إن أبواب التوبة قد فُتِّحت- قال: ومن يحول بينه وبين التوبة؟! انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها أناساً يعبدون الله، فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك، فإنها أرض سوء، فانطلق حتى إذا نَصَف الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء إلى الله تائباً مقبلاً بقلبه -نعم، أيها الأحبة! جاء هارباً إلى مولاه، وسيده- وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيراً قط، فأتاهم مَلَكٌ في صورة آدمي فجعلوه بينهم حكماً، فقال: قِيْسوا ما بين الأرضَين فإلى أيَّتِهِما كان أدنى فهو لها، فقاسوا فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة) لا إله إلا الله!

    وفي رواية في الصحيح: (فكان إلى القرية الصالحة أقرب بشِبر فجُعل من أهلها).

    وفي رواية أيضاً في الصحيح: (فأوحى الله إلى هذه أن تباعدي، وإلى هذه أن تقاربي، فوجدوه أقرب بشِبرٍ فغُفر له).

    وفي رواية: (فنأى بصدره نحوها).

    نعم، يا عباد الله! نعم، غُفِرَ له.

    أيها الهاربون إلى الله، من تقرب إلى الله شبراً تقرب إليه ذراعاً، ومن تقرب إليه ذراعاً تقرب إليه باعاً، ومن أتاه يمشي أتاه هرولة، ما أعظم فضلك يا أرحم الراحمين!

    حرك الله له الأرض، لا إله إلا الله! تائب يحرك الله له الأرض، ويأمر هذه الأرض أن تباعدي، وهذه أن تقاربي من أجل تائبٍ واحد، لا إله إلا الله! سبحانه! ما أعظمه! لا إله إلا الله! مَن أقبل إليه تلقاه، إي والله، إي والله، مَن أقبل إليه تلقاه من بعيد، ومن أعرض عنه ناداه من قريب، ومن ترك لأجله أعطاه المزيد، ومن أراد رضاه قواه بما يريد، سبحانه، ما أعظمه! سبحانه، ما أحلمه! سبحانه، ما أرحمه! سبحانه، سبقت رحمته غضبه! سبحانه، سبق عفوه عقوبته، قال تعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53].

    وصدق الذي قال:

    فمن لي إذا نادى المنادي بمن عصـى؟!     إلى أين إلجائي؟! إلى أين المهربُ؟!

    وقد ظهرت تلك الفضائح كلها     وقد قُرِّب الميزان، والنار تلهبُ

    فيا طول حزني! ويا طول حسرتي!     لئن كنتُ في قعر الجحيم أُعَذَّبُ

    إي والله!

    اللهم وفقنا لصالح الأعمال، ونجنا جميعاً من الأهوال، يا أرحم الراحمين!

    قصة خبيب بن عدي

    خبيب :-

    أسمعتم عنه أيها الأحبة؟!

    خبيب بن عدي بن مالك، هاربٌ آخر فَرَّ وهرب إلى الله، وقد سُمِّي: بليع الأرض.

    إن المؤمن عندما يتمكن -أيها الإخوة! وأيها الأحبة!- الإيمان من قلبه ويسيطر على كل ذرةٍ من جسده، ويتغلغل في أعماق روحه ووجدانه لا يهمه بعد ذلك تسلط المتسلطين.

    والحادثة التي نحكيها الآن تحكي لنا قصة هارب من الذين هربوا إلى الله، فنال الشهادة، إنه شهيدٌ من أعظم الشهداء، وبطلٌ من أعظم الأبطال، سطَّر بدمه الزكي تاريخاً إسلامياً عظيماً، لم يُنْسَ مهما طال الزمن، وسيصدح ذكره في أرجاء المعمورة، حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

    إنه خبيب أيها الأحبة!

    ولقد روى قصة خبيب البخاري في صحيحه في كتاب المظالم: أسره الكفار، فلما خرجوا بـخبيب من الحرم ليقتلوه في الحلِّ، وخرج الناس ينظرون إليه قال خبيب : [دعوني أصلي ركعتين -انظروا إلى ذلك الإيمان، وتلك العزيمة على الهروب إلى الله- قال: دعوني أصلي ركعتين، فتركوه، فركع الركعتين ...]، إنه الصبر العجيب أيها الأحبة! الذي يتحلى به الهاربون إلى الله، وأقسى اللحظات، وأحلك الظروف عندما يواجه خبيب الموت بكل غصصه، وآلامه، وفجائعه فما تلكأ خبيب ولا تخاذل، ولا ابتغى من الدنيا عَرَضاً قليلاً ولا كثيراً، إنما أراد الصلاة، يا من أهمل الصلاة! إنما أراد الصلاة خبيب في أحرج المواقف، فهو يريد الصلاة التي تربطه بسيده ومولاه، وحبيبه، أراد الصلاة؛ لتكون آخر لحظاته مناجاة الرحمن الرحيم جل جلاله.

    نعم، دخل في الصلاة بادئاً إياها بقوله: الله أكبر -ما أعظم أولئك الرجال! الله أكبر! ما أعظم أولئك الهاربون!- دخل الصلاة بقوله: الله أكبر، فتنـزل على قلبه برداً وسلاماً، فيواجه الموت حينئذٍ بقلبٍ مطمئن ونفسٍ راضية بقدر الله وقضائه، فلما انتهى من الصلاة قال: [والله لولا أن تحسبوا أن ما بي جزع لزدت -أي: لزدت في الصلاة-؛ ولكن خشيت أن تقولوا: إني خائف، فلذلك استعجلت بها] فلما رفعوه على خشبة الصلب ليقتلوه قال -ماذا قال؟ اسمعوا ماذا قال أيها الأحبة!: [اللهم إني لا أجد من يبلِّغ رسولك مني السلام، فبلِّغه عني] لا إله إلا الله! وفي رواية: أن النبي قال ذلك اليوم وهو جالسٌ: (وعليك السلام يا خبيب !) هو في مكة ، والنبـي صلى الله عليه وسلم في المدينة، وبلَّغ المولى نبيَّه صلى الله عليه وسلم سلام خبيب ، فقال صلى الله عليه وسلم: (وعليك السلام يا خبيب !) لا إله إلا الله!

    ثم قتلوه بعد أن قطَّعوه وطعَّنوه وضربوه بالسيوف، وهنا أطلق عدداً من الأبيات يبيِّن موقف المسلم من الأهوال، بعد أن أرسل سلامه، فهو في أحلك المواقف يشتاق لرسول الله، أين الذين يخالفون رسول الله؟! أين الذين يدَّعون محبة رسول الله، وهم يسبلون الثياب، وهم يعصونه؟! لا إله إلا الله! أطلق عدداً من الأبيات في ذلك الموقف، فقال:

    فلستُ أبالي حين أُقْتَل مسلماً     على أي جنبٍ كان في الله مصرعي

    وذلك في ذات الإله وإن يشـأ     يبارك على أجزاء شلْوٍ مُمَزَّعِ

    لقد جَمَّع الأحزاب حولي وألَّبوا     قبائلهم واستجمعوا كل مزمع

    يشتكي إلى الله، انقطعت به جميع الأسباب إلا سبب الله، وجميع الحبال إلا حبل الله، من ينادي؟! من ينادي وأنت الموجود يا رب؟! وإلى من نلتجئ وأنت ذو الكرم والجود؟!

    لقد جَمَّع الأحزاب حولي وألَّبوا     قبائلهم واستجمعوا كل مزمع

    إلى الله أشكو غربتي ثم كربتـي     وما أرصد الأحزابُ بي عند مصرعي

    فذا العرش صبرني على ما يُراد بي     فقد بضَّعوا لحمي وقد يئس مَطْمَعي

    وقد خيروني الكفر والموتُ دونه     وقد هَمَلَت عيناي من غير مَجْزَعِ

    فوالله ما أرجو إذا متُّ مسلماً     على أي جنبٍ كان في الله مصرعي

    فلستُ بِمُبْدٍ للعدو تخشعاً     ولا جَزَعاً، إني إلى الله مرجِعي

    وهكذا نرى -إخوتي في الله- موقف المؤمن الصادق الهارب إلى الله، وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ [آل عمران:120].

    ولقد رثى شاعرُ المسلمين حسان بن ثابت خبيباً ، فقال:

    فاذهب خبيباً جزاك الله طيبـةً     وجنة الخلد عند الحور في الرفقِ

    ماذا تقولون إن قال النبي لكم     حين الملائكة الأبرار في الأفُقِ

    فيم قتلتم شهيد الله في رحّل طاغٍ     قذىً وَعَثا في البلدان والطُرُقِ

    يا عين جودي بدمعٍ فيكِ منسكبٌ     وابكِ خبيباً مع الفتيان لم يَؤب

    لا إله إلا الله!

    قصة خباب بن الأرت

    وهذا هاربٌ آخر، الهارب إلى الله خباب :-

    ذاك خبيب ، وهذا خباب .

    الهارب إلى الله خباب ، أسلم راغباً، وهاجر طائعاً، وعاش مجاهداً، وابتُلي في جسمه أشد البلاء، فرضي الله عنه وأرضاه.

    أخرج ابن سعد عن أبيه قال: [دخل خباب بن الأرت على عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأجلسه على متكئه، فقال -يقول أمير المؤمنين-: ما على الأرض أحدٌ أحق بهذا المجلس من هذا إلا رجلٌ واحد، قال له خباب : من هو يا أمير المؤمنين؟! قال: بلال ، فقال خباب : ما هو أحق مني! إن بلالاً كان في المشركين من يمنعه الله به، ولم يكن لي أحد يمنعني، فلقد رأيتني يوم أخذوني فأوقدوا لي ناراً -لا إله إلا الله! انظروا إلى قوة التأديب وانظروا الإصرار إلى الهروب إلى الله، اسمع خباباً ماذا يقول لأمير المؤمنين- يقول له: ولقد رأيتني يوم أخذوني فأوقدوا لي ناراً، ثم سلقوني فيها، ثم وضع رجلٌ رجله على صدري، فما اتقيت الأرض -أو قال: برد الأرض- إلا بظهري، ثم كشف عن ظهره فإذا هو قد بَرِص -أي: من أثر التعذيب-].

    وفي رواية عند الإمام أحمد رحمه الله قال خباب : [يا أمير المؤمنين! انظر إلى ظهري، فقال عمر: ما رأيتُك إلا اليوم! قال: أوقدوا لي ناراً فما أطفأها إلا وَدَكُ ظهري]، لا إله إلا الله! أخذوه ووضعوه على النار، فما أطفأ النار إلا ما يخرج من زيت الجلد من أثر النار التي كانت في ظهر خباب .

    نعم، أيها الأحبة.

    طالع تواريخ من في الدهر قد وجـدوا     تجد خطوباً تسلِّي عنك ما تجدُ

    تجد أكابرهم قد جرعوا غُصَصاً     من الرزايا بها قد فتِّنت كبد

    عزمٌ، ونهبٌ، وضربٌ بالسياط يلي     حبسٌ وقتلٌ وتشريدٌ لمن زَهِدوا

    وإن وُقِيْتَ بحمد الله شَرَّتَهـم     فلتحمد الله بالعقبى كمن حمدوا

    قصة بلال بن رباح

    وهذا هاربٌ ومحبٌ آخر :-

    أخرج الإمام أحمد ، وابن ماجة عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: (أول من أظهر الإسلام سبعةٌ:

    رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر ، وعمار ، وأمه سمية ، وصهيب ، وبلال ، والمقداد ، رضي الله عنهم.

    فأما رسول الله: فمنعه الله بعمِّه، وأما أبو بكر : فمنعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون، فألبسوهم أدرع الحديد، وصهروهم في الشمس، فما منهم أحدٌ إلا وقد أتاهم على ما أرادوا -يعني: من شدة التعذيب استسلم نوعاً ما لهم- إلا بلال ، فإنه هانت عليه نفسه في الله، وهان على قومه، فأخذوه فأعطوه -انظروا إلى الابتلاء، ربطوا بلالاً ، وأخذوه وأعطوه الصبيان- الولدان فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة وهو يقول: أحدٌ أحد) نعم والله إنه سبحانه واحد لا شريك له في كل شيء.

    الله أكبر كلما هتفت بهِ     مُهَجُ العباد وسبحته طويلا

    كان أمية يُخْرج بلالاً إذا حميت الشمس، فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة ، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضَع على صدره، ثم يقول له: [لا تزال هكذا -يقول لـبلال - حتى تموت، أو تكفر بمحمدٍ، وتعبد اللات والعزى، وهو يقول في ذلك البلاء: أحدٌ أحد]، فأعز الله بلالاً ، ورفع ذكره، وجازاه عن الإسلام والمسلمين خيراً، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمع قرع نعاله في الجنة.

    لم يدخل بلال بنفسه فقط، بل وبنعاله الجنة، لا إله إلا الله! فهذا الجزاء أيها الهارب!

    فلننتبه أيها الأخ الحبيب! أيها الشاب! أيها الشيخ! أيها الصغير! أيها الكبير! انتبه أيها العبد المسكين لأيام شبابك قبل فراق أحبابك، واحفظ أيام عمرك قبل حلول قبرك، واغتنم حياتك قبل أوان وفاتك، فإن العمر بالسنين يذهب، والأجل بمرور الليالي والأيام يحل.

    احذروا عباد الله! احذروا يا إخوتي في الله! أن تكونوا ممن انغمسوا في الذنوب والمعاصي، ولم يهربوا إلى الله، ويتوبوا إليه، احذروا أن تكونوا ممن غرتهم الحياة الدنيا بزخارفها الزائلة، وزينتها العاطلة، فأولئك القوم هم الذين تُنْقِص الأيامُ والليالي آجالَهم وهم لاهون، وتجري بهم الأعوام إلى مراقد قبورهم وهم نائمون، وتتخطفهم المنايا وهم لاعبون، وتناديهم العِبَر والمواعظ وهم لا يسمعون ولا يبصرون، والله أعلم بمآلهم وما إليه صائرون، وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ق:21-22].

    فالسعيد مَن هرب إلى طاعة الملك المعبود، وخاف ألا ينجو من النار بعد الورود.

    توبة زاذان الكندي

    أسمعتم أيها الأحبة، عن رجل يقال له: زاذان الكندي ، التابعيٌ الجليل، الذي كان مغنياً مشهوراً؟!

    رأى بعضَ الصحابة، وروَى عنهم، تاب على يد ابن مسعود ، فقد روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه مر ذات يومٍ في موضعٍ من نواحي الكوفة ، فإذا فتيانٌ قد اجتمعوا يشربون، وفيهم مُغَنٍّ مشهور يقال له: زاذان ، يضرب ويغني، وكان له صوتٌ حَسَن جميل، فلما سمع ذلك عبد الله بن مسعود قال: [ما أحسن هذا الصوت لو كان بقراءة القرآن! فسمع زاذان قوله، فقال: من كان هذا؟ قالوا: ابن مسعود ، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال زاذان : وأي شيءٍ قال؟ قالوا: إنه قال: ما أحسن هذا الصوت لو كان بقراءة كتاب الله! فدخلت هذه الكلمات قلب المغني، فقام وضرب العود بالأرض فكسره، ثم أسرع، فأدرك ابن مسعود وجعل المنديل في عنق نفسه وجعل يبكي بين يدي ابن مسعود ، فاعتنقه ابن مسعود ، وجعل يبكي كل واحدٌ منهما، ثم قال ابن مسعود : كيف لا أحب مَن قد أحبه الله عز وجل فتاب إلى الله من ذنوبه]، ولازَمَ ابن مسعود حتى تعلم القرآن، وأخذ حظاً من العلم حتى صار إماماً في العلم.

    أين أنتم أيها المغنون والمغنيات؟! لا إله إلا الله! استبدِلوا بالغناء ومزمار الشيطان كلام الواحد الديان.

    يا فنانون! يا مغنون! الهروب الهروب إلى الله، الحقوا بأولئك القوم. نداءٌ من هذا المكان: الحقوا بأولئك القوم، واعلموا أنه من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه، والله لن يقف معك المستمعون، ولا المؤلف، ولا الملحن، بل ستقف وحيداً، ذليلاً، أرهقتك الذنوب والمعاصي، وكبَّلَتْك الخطايا والعثرات.

    يا من أشغلوا الناس بهذا الحرام! ألا تخافوا يوم يتعلَّق بكم الذين فتنتموهم وأبعدتموهم عن ربهم؟! يا من فَتَنَ الناس، إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ [البروج:10]، ثم قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ [البروج:11].

    أبعد هذا الفوز من فوز؟!

    فحيَّ على التوبة، والتحق بركب الهاربين -أيها الفنان! وأيها المغني!- فإن باب التوبة مفتوح؛ ولكن من يَلِج؟! والمجال مفتوح؛ ولكن من يُقْبِل؟! والخير مبذول؛ ولكن من يتعرض له؟!

    فلا تتردد -أخي المغني والمغنية! والفنان والفنانة!- فإن الموت قد حان ودنا ملك الموت منكم، فكونوا على أحسن حال، وأجمل هيئة، فقافلة الهاربين إلى الله بانتظاركم، فهيا هيا أيها المغني!

    يا نفس توبي فإن الموت قد حان     واعصي الهوى، فإن الهوى ما زال فتانا

    أما ترين المنايا كيف تلقطنـا     لقطاً، فتلحق أُخرانا بأُولانا؟!

    في كل يومٍ لنا ميتٌ نشيعه          نرى بمصرعه آثار موتانا

    أبعد خمسين قد قضَّيتها لعباً؟!     قد آن أن تقْصُرِي، قد آن قد آنا

    ما بالنا نتعامى عن مصائـرنا     بغفلتنا عمن ليس ينسانا؟!

    نزداد حرصاً وهذا الدهر يزجرنا     كأن زاجرنا بالحرص أغرانا!

    أين الملوك، وأبناءُ الملوك، ومن     كانت تخر له الأذقان إذعانا؟!

    صاحت بهم حادثاتُ الدهر فانقلبوا          مستبدلين من الأوطان أوطانا

    خلَّوا مدائن كان العز مفرشها     واستفرشوا حُفَرَاً غبراً وقيعانا

    يا راكضاً في ميادين الهوى مَرِحاً     ورافلاً في ثياب الغي نشوانا

    مضى الزمان وولى العمر في لعبٍ     يكفيك ما قد مضى قد كان قد كانا

    توبة مغنٍّ

    جاءني -أيها الأحبة!- مغنٍّ مشهور على مستوى الخليج، إي والله :-

    وهذه القصة حدثت لي أنا بنفسي، ولكن أريد أن أنبه أن نعمة الهداية نعمة لا يعلمها إلا الله، ولا يحس بها إلا من ذاق حلاوة الإيمان، والإنسان عندما يبتعد عن الله يعيش في جحيم داخلي وتعاسةٍ وشقاء، حتى إن كان ظاهره الثراء والنعمة، فالنعيم الحقيقي هو نعيم القلب والهروب إلى الله، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً [طه:124].

    جاءني الإخوة بهذا الفنان، ولا أنساه، رأيتُ في وجهه الحسرة والندامة، رأيتُ في وجهه صدق التوبة، نعم، جاء وهو يريد أن يتوب، أراد أن يهرب إلى الله، أراد أن يهرب إلى علام الغيوب.

    فجلسنا، وأخذتُ أحدِّثه عن الجنة والنار، والإخوة جالسون، فأخذت أحدث الإخوة، وأركز كلامي على هذا الفنان، فأحدِّثه عن الجنة والنار، والحشر والحساب، وأتلو عليه من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي هذه الأثناء رأيت دمعةً تنزل على خده، ثم تبعتها دمعةٌ أخرى، ثم تبعتها عبرات، ثم لم يتمالك نفسه هذا الأخ فأجهش بالبكاء، نعم إنه بكاء الهارب إلى الله، وسمعتُ لهذا البكاء -والله يا إخوة- في صدره أزيزاً.

    سال الدمع الغزير على خده، وسقى أرضاً جدباء في قلبه، فأحيا بهذا الدمع موت قلبه، ما أجمل الرجوع إلى الله! إنها السعادة الحقة، إنها الطمأنينة والسكينة، آه لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من السعادة! والله لجالدونا عليها بالسيوف.

    إنها دعوة من إنسان عَرَف المجون، والغناء، والمعازف، والملاهي إلى كل من: لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ق:37].

    هذا الأخ كان يتمنى أولئك الأغنياء أن يجلسوا معه جلسة؛ ولكن تاب إلى الله، وقد حفظ هذا المغني كتاب الله، وطلب العلم، وأصبح إماماً وخطيباً، إي والله، وأنا أعرفه حق المعرفة.

    وفنانٌ آخر أيضاً -كذلك حصلت لي هذه القصة- تاب الله عليه :-

    كان ينتظرني أيها الأحبة قبل الفجر بنصف ساعة عند باب البيت، فأخرُج فإذا هو عند الباب، يريد التوبة .. يريد الهروب إلى الله .. يريد الجنة .. يريد النجاة من النار .. الشوق قد أزَّه إلى مولاه، والحنين قد قربه إلى مثواه.

    والآن هو الآخر إمام في مسجد، وداعية إلى الله، وطالب علم متمكن، نحسبه كذلك.

    إنها والله قوافل الهاربين إلى الله.

    يا غافلاً عما خُلِقت له انتبـه     جَدَّ الرحيلُ ولستَ باليقظانِ

    سار الرفاق وخلفوك مع الأُلى     قَنِعوا بذا الحظ الخسيس الفاني

    ولسوف تعلم حين ينكشف الغطا     ماذا صَنَعْتَ وكنتَ ذا إمكانِ

    وأبشركم أن ظاهرة عودة الفنانين والفنانات، والمغنين والمغنيات وتوبتهم في ازدياد ولله الحمد والمنة، وإن دل هذا على شيء، فإنما يدل على هبوط المجتمع الفني، ولله الحمد والمنة.

    1.   

    دعوة للفرار إلى الله

    إنهم الهاربون إلى الله، خافوا؛ فتذكروا فأنابوا، واشتاقوا؛ فأقبلوا .. خافوا من يومٍ تتقلب فيه القلوب والأبصار .. خافوا من يومٍ تتطاير فيه الصحائف ويقلق فيه الخائف؛ فهربوا إلى الله .. خافوا من يومٍ تزفر فيه النار، وتحيط الأوزار؛ فهربوا إلى الله .. خافوا من يومٍ يُنْصَب فيه الصراط، ويشتد فيه الحساب؛ فهربوا إلى الله .. خافوا من يومٍ تسودُّ وجوه العصاة، وتبيضُّ فيه وجوه الطائعين؛ فهربوا إلى الله .. خافوا من يومٍ يقول فيه العصاة: رَبِّ ارْجِعُونِ [المؤمنون:99] .. خافوا من يوم يقول فيه العصاة: يا ليتنا قدمنا لحياتنا .. خافوا من يوم تشهد عليهم الأعضاء والجلود بما قدموه من المعاصي والذنوب، حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ [فصلت:20-21] إي والله، قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [فصلت:21].

    فهيا بنا ننضم إلى ركب الهاربين إلى الله، ولا تمنعنا الخطايا، ولا تأسرنا الذنوب -أيها الأحبة- عن اللحاق بهؤلاء والانضمام إليهم، فإن الله يوفق العبد إذا صدق، ولجأ إليه.

    أسير الخطايا عند بابك يقـرعُ     يخاف ويرجو الفضل فالفضلُ أوسعُ

    مقرٌ بأثقال الذنوب ومكثرٌ     ويرجوك في غفرانها فهو يطمعُ

    فإنك ذو الإحسان والجود والعطا     لك المجدُ والإفضالُ والمنُّ أجمعُ

    فكم من قبيحٍ قد سترت عن الـورى!     وكم نعمٌ تترى علينا وتتبعُ!

    أجرني بفضلك يا إلهي فليس لي     سواك مفرٌ أو ملاذٌ ومفزعُ

    وهب لي شفاءً منك ربي وسيدي     فمَن ذا الذي للضر غيرك يدفعُ

    فأنت الذي تُرجى لكشف مُلِمَّةٍ     وتسمعُ مضطراً لبابك يقرعُ

    فقد أعيتِ الأسبابُ وانقطع الرجا     سوى منك يا مَن للخلائق مَفزَعُ

    إليك إلهي قد رفعتُ شكـايتي     وأنت بما ألقاه تدري وتسمعُ

    فكم مِنَحٍ أعطى! وكم مِحَنٍ كفى!     له الحمدُ والشكرانُ والمنُّ أجمعُ

    لا إله إلا الله! ولا رب سواه!

    اللهم اجعلنا ممن يلحق بالتائبين، اللهم اجعلنا ممن يلحق بالتائبين.

    وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3007967171

    عدد مرات الحفظ

    720784079