إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. علماء ودعاة
  3. محاضرات مفرغة
  4. أحمد القطان
  5. معالم في دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم

معالم في دعوة الرسول صلى الله عليه وسلمللشيخ : أحمد القطان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من معالم دعوته عليه الصلاة والسلام أنه لا يكل ولا يمل عندما يبلغ دعوة الله عز وجل، ليس في حال الرخاء فقط بل في جميع الظروف والأحوال، وقد كان عليه الصلاة والسلام لا يحقر أحداً يبلغه سواءً كان صغيراً أو كبيراً، ذكراً أو أنثى، جاهلاً أو عالماً، مالكاً أو مملوكاً؛ لأنه لا يدري ماذا يخبئ الله في قلوب أولئك الناس.

    1.   

    من معالم دعوته عليه الصلاة والسلام

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    أما بعد:

    عباد الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2-3] وإني أحبكم في الله، وأسأل الله أن يحشرني وإياكم في ظل عرشه ومستقر رحمته، وأسأله أن ينصر المجاهدين في فلسطين وأفغانستان وفي كل مكان، وأن يتقبل صيامنا وصيام المسلمين وقيامنا وقيام المسلمين إيماناً واحتساباً.

    اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، ولا تجعل من بيننا شقياً ولا محروماً، اشف مرضانا ومرضى المسلمين، وارحم موتانا وموتى المسلمين.

    عدم ملله عليه الصلاة والسلام من الدعوة

    أحبابي الكرام: من معالم دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم أنه يبلغ دعوة الله لا يكل ولا يمل في جميع الظروف والأحوال، وبينما هو يبلغ هذه الرسالة يخلص في هذا البلاغ أكبر إخلاص، ويصدق فيه أعظم صدق، ولا يحقر أحداً يبلغه، صغيراً أو كبيراً، ذكراً أو أنثى، جاهلاً أو عالماً، مالكاً أو مملوكاً؛ لأنه لا يدري ماذا يخبئ الله في قلوب أولئك الناس، فلرب صغير يكون قائداً للفتح، وفقير يفتح الله به قلوب العباد، فكان في دعوته بركة عليه الصلاة والسلام، فنراه وهو يبلغ دعوة الله لا يكل ولا يمل، ينتظر مواسم حجيج العرب حيث أنهم كانوا يحجون في الجاهلية، فيتقدم إليهم، ويمهد الطريق له الصديق أبو بكر رضي الله عنه، فيأتي إلى منازل الناس وخيامهم ويسأل، وعندما يسأل يوهم الحاضرين بأنه جاء وحده، ويتكلم بكلمات السامع لا يدري من هو المتكلم، هل هو الرسول الذي تتكلم عنه العرب في قريش أم هو رجل آخر؟ والقصد من أبي بكر أنه إذا كان من بين هؤلاء شرير يريد أن يغتال النبي صلى الله عليه وسلم تكون الضربة الأولى في أبي بكر، وهو دائماً وأبداً يفديه عند تمهيده لدعوته، وعندما كان معه في الغار، وفي نادي قريش، وحول الكعبة، وفي طريق الهجرة، وعندما تتبع الصديق تجد أن هذه قضيته، إذا كان هناك عدو يذهب هو ويبقى النبي صلى الله عليه وسلم، هو أضحية وفداء؛ لحاجة الأمة إلى من يفديه صلى الله عليه وسلم.

    فنراه يأتي إلى القبائل يقول لهم: من أنتم؟ يقولون -مثلاً-: نحن بنو شيبان، فيبدأ يتكلم في أنسابهم، فيرون أن هذا الرجل عنده علم واسع في الأنساب، أبوك فلان بن فلان من قبيلة كذا ومن فخذ كذا ومن عشيرة كذا، حدث المشهد الفلاني والمعركة الفلانية من مائة عام، فيبدأ الناس ينجذبون إليه ويقبلون عليه ويرون أن هذا قد أحاط بعلم ليس عندهم، فتبدأ القلوب تتفتح تجاه الصديق، ثم يقول: كم الرجال فيكم؟ فيقولون: ألف فارس -مثلاً-، وكم الضاربين؟ ألف سيف، والدروع؟ ألف درع، والرماة؟ ألف رامي، وكيف أنتم في الحرب؟ رجال أشداء لا نعرف الفرار.. الذي يطرح هذه الأسئلة لابد أن تكون وراءه قضية تحتاج إلى سيوف ودروع وقتال وجهاد ودماء وبذل، فإذا كان من بينهم شخص جاسوس يريد أن يغتال النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: أكيد هذا محمد! لأنه لا يطرح مثل هذه الأمور وهذه القضايا إلا هو فيقوم ويقتله فينجو الرسول صلى الله عليه وسلم.

    هذا الأمر الآن في دعوتنا لا يلتفت إليه إلا القليل، صحيح أن الآجال مكتوبة ومحسوبة إلا أننا لا نغيب عن بذل الأسباب، ففي ليلة الخندق لم يستطع الحبيب المحبوب صلى الله عليه وسلم أن ينام ثلاثة أيام؛ لضعف المواقع، وكثرة العدو، إلى أن يصاب بإرهاق شديد فصرح وقال: (من يحرسني الليلة لأنام؟) وإذا بسلاح يقعقع خلفه في الظلام، رجل يلبس سلاحاً من رأسه إلى أرجله، إذا مشى يسمعون له قعقعة وقرقعة، قال: (أنا، بأبي أنت وأمي يا رسول الله! قال: من؟ قال: سعد بن أبي وقاص ، قال: نعم، فدخل خيمته ونام حتى سمع غطيطه من عمق النوم والاطمئنان الذي هو فيه صلى الله عليه وسلم).

    فإذا اطمأن أبو بكر رضي الله عنه انتقل من موقعه إلى موقع النبي صلى الله عليه وسلم الذي قد يكون هناك خلف جبل على صخرة تحت شجرة كسائر الناس لا يفرق الناظر بينه وبين المارة والعابرين، حيث أنه لا يمتاز عليهم بتاج ولا بموكب خاص ولا بنياشين، وإنما عبد من عباد الله، فيأتيه ويقول: بأبي أنت وأمي يا رسول الله.. قم وبلغ دعوة الله، فيتقدم ويجلس حيث ينتهي به المجلس، سواء على صخرة، أو على جذع، أو على حصير، أو على تراب، فإذا رآه الناس رأوا له وجهاً ليس بوجه كذاب -هذا معلم مهم: إنك إذا جئت قوماً اعقد نصيحتهم في قلبك، وليكن أثر القرآن على نفسك وعلى سمتك، وأن مراتب الإيمان التي تربيت عليها إذا لم يكن لها أثر على جوارحك لا يكون في وجهك نور، كلماتك وعباراتك التي يسمعها لا يحس أنك صادق صدوق، إذا نظروا إليه رأوا على ملامح وجهه له سمت ليس بوجه كذاب.

    وكل الذين ردوه لم يردوه لأنه كذاب، ردوه لاعتبارات: مصلحية، سياسية، قبلية، دينية، عشائرية، حزبية، حمية جاهلية، أما أنه كذاب لا: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ [النمل:14] استيقان تام، الصادق الأمين، الأمانات عنده، لا يأمن الرجل أخاه ولا يأمن أباه ويأمن محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فيقولون له: يا أخا قريش. لاحظ العبارات والكلمات عندهم دقيقة ليست سائبة مثل زماننا هذا، زماننا هذا في المؤتمرات التي تعقد يحرص الذين يحضرون مثل هذه المؤتمرات ويمثلون شعوبهم أن الكلمات تكون كلمات عامة تفسر ألف تفسير، لها مداخل ومخارج وفيها ثغرات، وكلما تريد أن تمسك حبلاً زلق عليك، ويسمون كل هذا شطارة، دبلوماسية، ذكاء، حيلة، فلا تستطيع أن تتخذ قراراً صادقاً في مثل هذه المؤتمرات.

    خذ على سبيل المثال: يعقدون مؤتمرات ثم يقولون: من بنود هذه المؤتمرات مكافحة الإرهاب، فأول ما يتبادر إلى ذهنك مكافحة الإرهاب يعني: اختطاف الطائرات، ووضع المتفجرات، وقتل الأبرياء.. هذا هو الإرهاب، وإذا ترى بعضهم الذي نفذ هذا كافح الإرهاب فعلاً، لكن البعض الآخر أخذ من هذه الكلمة ضرب المتدينين واعتقالهم وتعذيبهم وزجهم في السجون وتشريد أهاليهم، لماذا؟

    قال: هذه البنود التي تم في القمة الاتفاق عليها مكافحة الإرهاب، هذا هو الإرهاب.

    دعوته عليه الصلاة والسلام إلى توحيد الألوهية

    النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو معلم الصدق والوضوح التام بدون لف ودوران، يا أخا قريش! إلى ما تدعو يا أخا قريش! لماذا لم يقولوا: يا رسول الله؟ لأنهم لم يؤمنوا ولم يسلموا فيقولون: يا أخا قريش! ينسبونه إلى قبيلته، لم يعترض عليهم ولا احتج وقال: إما أن تقولوا يا رسول الله وإلا فليس بيننا وبينكم لقاء ولا بيننا وبينكم دعوة.. لا. هو أصلاً مبعوث لهم، (يا أخا قريش! إلى ما تدعو؟) لاحظ المعلم الآن، معلم جديد يظهر من معالمه، قال: (أدعو إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأني رسول الله) هذا معلم خطير، إذا غاب عن الدعاة اليوم ضاع من أيديهم وضاعت كل الخطط، كمثل الذي يأتي ينظر إلى إنسان فيه سرطان لابد من استئصاله ويأخذ يوداً أحمر ويعالج التورمات التي على جسمه.. ما هي الفائدة؟ تطيب التورمات ويفتك السرطان فيه ويقضي عليه!

    لا إله إلا الله تستأصل الشرك وتزرع التوحيد، وهذه لها مقتضى ومعنى كانوا يفهمونه في ذلك الزمان، ويغيب عن كثير من المسلمين الذين يتلفظون بها في هذا الزمان، فلما سمعوا هذا الأصل الأصيل، هذه الكلمة التي هي أثقل من السماوات والأرض كما جاء عن نوح أبي البشرية الثاني يوم أن جمع أبناءه وأوصاهم بوصاياه الخالدة، كان منها: وأوصيكم بلا إله إلا الله؛ فإن لا إله إلا الله لو كانت السماوات والأرض حلقة متماسكة قوية فجاءت لا إله إلا الله لقطعتها وقصمتها، ولا يرجح مع الشهادتين في الميزان شيء، وحديث البطاقة شاهد على ذلك، فصاحب البطاقة ترجح حسناته على سيئاته، السيئات تسعون سجلاً، السجل مد البصر، فتح البطاقة وإذا فيها لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وهي أعظم الذكر وأعلى مراتب الإيمان، قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أفضل الذكر شهادة أن لا إله إلا الله، وخير الدعاء الحمد لله، والإيمان بضع وسبعون شعبة: أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من شعب الإيمان) وأوصى معاذاً عندما أرسله إلى اليمن والياً جابياً التفت يوم أن قال له: (فإذا فعلت السيئة فأتبعها الحسنة تمحها، التفت وقال: يا رسول الله، لا إله إلا الله حسنة؟ قال: هي أكبرها)، ويقول: (إن الإيمان ليخلق كما يخلق الثوب) أي: إن الإيمان يتمزق كما يتمزق الثوب ويعتق ويبلى كما يبلى الثوب، قال: (فجددوا إيمانكم بلا إله إلا الله) كلمة لها بركة، نفي وإثبات: لا إله: نفي، إلا الله: إثبات الألوهية لله.

    فطرحوا نفس السؤال مرة ثانية: (يا أخا قريش! إلى ما تدعو؟) الآن يتدرج، نزل درجة، كان يخاطبهم في قضية توحيد الألوهية، لا إله إلا الله، توحيد القيادة والقدوة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكما أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له كذلك محمد رسول الله وحده لا شريك له، أما أني آخذ من محمد ومن غيره فلا إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران:31] وحب الله عقيدة واتباع محمد صلى الله عليه وسلم عقيدة.

    انظر إلى أحوال المسلمين اليوم يقول الشهادتين ثم تراه يقول: أنا يساري أصلي، أنا شيوعي أصلي، يصلي والمنهج ليس من محمد صلى الله عليه وسلم بل من لينين وإستالين ، والعجيب أن الشيوعيين لفظوا الشيوعية، والماركسيين لفظوا الماركسية، وثارت الشعوب على طواغيتها، وشيوعيين العرب والمسلمين يتشبثون بخيوط العنكبوت، تقليد أعمى، وهذه مأساة.

    تبيينه عليه الصلاة والسلام للحلال والحرام

    قالوا (إلى ما تدعو يا أخا قريش؟ قال: إلى قوله تعالى: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ [الأنعام:151]) الآن انتقل إلى مفتاح الدخول إلى باب الإسلام وهي الشهادتين، والذي يدخل من هذا الباب ويتلفظ بهاتين الشهادتين تبدأ عليه مواد خاصة إذا كان فوضوياً يقيد في كل شأن من شئون حياته، والقيود في الحقيقة عبادة وحرية، فبين لهم ما يعبدون، وما يأكلون، وما يذبحون، نظام خاص ثابت. (إلى ما تدعو يا أخا قريش؟) تكرار هذا السؤال ينم عن ذكاء أولئك الناس أنهم يريدون استفراغ محتوى هذا الداعية حتى إنهم عندما يتخذون القرار يتخذونه عن علم، ويؤسفني أن بعض الدعاة اليوم إذا أتيت وقلت له: ماذا تقول في فلان؟ وماذا تقول في العالم الفلاني؟ قال: دعك منه، هذا ليس عنده علم، وفلان؟ قال: هذا (نص ونص) وفلان وفلان، وبدأ يصنف على كيفه ويقسم على كيفه، لماذا؟ لأنه ربما سمع خطأ في كتاب، أو خطأ في شريط، أو خطأ في لفظ، نسي أن كل بني آدم خطاء، ونسي أن الذي لا يخطئ معصوم وهو محمد صلى الله عليه وسلم والملائكة عليهم السلام، ولو أنه ذهب إلى هذا الداعية أو هذا العالم وجلس معه وحاوره وأخذ منه وسأله وناقشه وعايشه لاستطاع أن يحكم عليه بصدق ووعي وفهم وبصيرة.

    تحليه عليه الصلاة والسلام بالأخلاق الحسنة

    طرح السؤال وتكراره، يريدون أن يعرفون به ثقل وميزان هذا الرجل الذي أمامهم: (إلى ما تدعو يا أخا قريش؟ قال: أدعو إلى قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ [النحل:90]) أعطاهم توحيد الألوهية، وأعطاهم الحلال والحرام، وأعطاهم السلوك.

    إذاً، الإسلام: عقيدة، شريعة، أخلاق. تلاحظ أنه في جلسة واحدة ظهرت معالم وركائز هذا الدين، عقيدة في لا إله إلا الله محمد رسول الله، شريعة في الحلال والحرام، أخلاق: يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل:90].

    تثبيت قاعدة أن الدين لا ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه

    بعد أن سأل القوم عن كل ما يريدونه بدأ خطيبهم قائلاً: (يا أخا قريش! إن الأمر الذي جئت به تكرهه الملوك) فلا إله إلا الله كما أن من معانيها: لا معبود بحق إلا الله، كذلك الذي يتصرف في شئون العبيد والعباد هو الله؛ فهو الذي يحكمهم سبحانه.

    فالتزم توحيد الربوبية مع توحيد الألوهية فأصبح لا حاكم إلا الله، ثم إن الله يأمر بالعدل وهم لا يريدون العدل، يريدون الاستئثار بكل شيء، بالأموال، وبالأراضي، وبالشهوات، وبالمتع، وبالقوة، ومن طالب بحقه قطعوه، ومنعوه، واعتقلوه، وقتلوه، وسجنوه، فهنا جاء التقرير: (إن الأمر الذي تدعو إليه تكرهه الملوك، وإن بيننا وبين ملك الفرس عهد وميثاق، إن شئت نحميك على مياه العرب ولملك الفرس عهده وميثاقه؟) إذاً يريدون المساومة على حساب الدين، يعني: أنا أمشي معك فيما أتفق فيه، تريد أن نتفق سياسياً أوافق معك سياسياً، تريد أن توافقني عقدياً أمشي معك عقدياً، تريد أن توافقني .. نصف الولاء لك ونصف الولاء لملك الفرس، نصف الإيمان لك ونصف الإيمان لملك الفرس، أترضى؟ قال: لا. لكن كما تأدبوا له تأدب معهم قال: (ما أسأتم بالرد إذ أفصحتم بالصدق) ردكم هذا وصدقكم هذا كما عرفتموني عرفتكم: (ولكن لن ينصر هذا الدين إلا من حاطه من جميع جوانبه) فظهر الآن معلم من معالم دعوته: أن الذي يجزئ الدين ويقطعه ويظن أنه بالتقطيع ينصره، فإنه لا ينصره، وإنما ينصر هذا الدين الذي يحيطه من جميع جوانبه؛ لهذا بعض الناس يختل عنده هذا الميزان، يبحث له عن سلطان أو حاكم أو غني أو وجيه يذهب إليه ويطلب منه معونة لبناء معهد، أو لإنشاء لجنة، أو لبناء مأوى، فيعطيه -مثلاً- شيكاً بمليون، وعندما يأخذ الشيك يمدح في الرجل وكأنه صحابي أو تابعي فيقول: أنا ما رأيت مثله، ولا مثل إيمانه، ولا مثل إسلامه، ولا مثل تقواه، إنه كبير المحسنين والعالم بأمر الدنيا والدين!! وصاحب الشيك قد يكون سكيراً عربيداً، سبب الفساد في كل مكان وفي هذا اختلال الميزان؛ لأن هذا الذي تكلم رأى الدين في قضية من قضايا الإسلام وهي قضية الإنفاق فقط، عبأها ولا يدري هل هي لله أم لغير الله، فظن أن هذا هو الدين، لا. (لن ينصر هذا الدين إلا من حاطه من جميع جوانبه).

    الجانب العقائدي: جانب التوحيد والعقيدة، وأركان الإيمان، وأركان الإسلام، أركان الإسلام هي: الجانب الشعائري التعبدي، والشرائعي القانوني: لا أسن دستوراً ولا أضع قانوناً إلا وهو منبثق من كتاب الله وسنة رسوله.

    الجانب الاقتصادي: لم ينشئ مؤسسات ربوية -هذا معلم من معالم دعوة محمد صلى الله عليه وسلم- تعرضت دولته إلى أزمات اقتصادية رهيبة لم تتعرض لها الدولة عبر التاريخ لا من قبل ولا من بعد، غير معقول أن تقوم دولة كاملة على أرض يثرب اسمها المدينة المنورة الذي قام وأنشأها أول شهادة لهم من الله أنهم فقراء لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ [الحشر:8] فقراء يقيمون دولة، كيف؟!

    إذاً، هناك شيء آخر وراء الماديات، جاءت الأخوة والإيمان فحلت كل الأزمات، عبد الرحمن بن عوف يهاجر بثوبه ويترك أمواله عند قريش، ويأتيه سعد بن الربيع فيقول: [يا أخي هذا شطر مالي، ولي زوجتين انظر إلى أرغبهما إليك أطلقها فإذا انتهت عدتها تزوجتها] لكن عبد الرحمن بن عوف يرى أن عنده قدرات ومواهب ليست عند كل الناس وهو يستغني عن المال، لكن غيره لا يستغني وغيره قد يأخذ وهو معذور في الأخذ، لكن هو وهبه الله ما لم يهب غيره قال له: [بارك الله لك في مالك -سأحوز على مثله- وفي أهلك -سأحوز بإذن الله على زوجة- دلوني على السوق] إذاً عنده خبرة تجارية ولم يتسلق على حساب الدين، بعض الناس الآن ينظر الموجة اليوم لمن؟ الموجة للصحوة، فيصعد مع الصحوة -يصعد على الصحوة- وإذا به بعد فترة قد أصبح رئيس المؤسسة الإسلامية وهو خبيرها.. ومن قبل أين كنت يوم كانت الصحوة مضروبة مكروبة مخروبة مسجونة منكوبة؟ أين كنت؟ كان في ظل السلطان يتكفف على موائده ويرتع بأمان في أهله وماله وزوجته، لكن الآن لما تمكنت الصحوة والدعوة جاء وعنده شهادات ضخمة فقالوا: ضعوه، تسلق على حساب الدين، ويؤسفني أن دولاً قامت على مثل هذا، دول بذلت ملايين من القتلى في سبب تحرير شعوبها من الاستعمار، وكان هناك جهاد وشهداء وإعلاء لكلمة الله، وجاء هؤلاء الروبيضة الذين كانوا يرصدون من بعيد وقفزوا على الموجة، وأول قفزة كانت باسم الدين، لكن لما انجلى الغبار، وظهرت الشمس، اتضحت الرايات فكان منهم العلماني والقومي والبعثي والشيوعي.

    قال عبد الرحمن بن عوف : [بارك الله في مالك وأهلك دلني على السوق] فدله على السوق، فعمل في المضاربة والتجارة يقولون: لو رفعت حجراً لوجدت تحته ذهباً، هكذا تنـزل بركة الله على الصادقين المخلصين الذين يعطون أكثر مما يأخذون، ويؤدون ما عليهم من واجبات قبل أن يطالبوا ما لهم من حقوق.

    قال: (إلا من حاط هذا الدين من جميع جوانبه) الجانب التعليمي، هذا جانب من جوانب هذا الدين، مناهج يدرسها الأولاد في العالم العربي والإسلامي تخرجهم شيوعيين وعلمانيين وكفاراً، وهم مولودون على الفطرة، الطفل هذا الذي في الروضة في الابتدائي كيف يوحد الله؟ خذه واسأله: من رزقنا الطعام؟ سيقول: الله سبحانه وتعالى، واسأله: من خلق السماء؟ فسيقول: الله سبحانه، وتقول له: من خلق البحر؟ فيقول: الله سبحانه، دون أن يعلمه أحد، لكن كل يوم في الطابور كلمات موزونة مرصوصة لتعبيد مخلوق من دون الله، حتى تنتكس الفطرة لديه، ويردد شعارات وشعارات، ونجد بعض الدول عندها شعارات عجيبة، وكل كلمة لها مدلول لابد أن يفهمها الولد، أنا أعرف دولة لها تقريباً ست كلمات ويجب أن يرددها الواحد في الطابور، الجماهيرية الاشتراكية العربية... وكل كلمة لها معنى.

    القضايا التعليمية جانب من جوانب الإسلام، فتعليم البنات الرقص قضية خطيرة، هؤلاء البنات سيصبحن أمهات، والأم عندما يراها ابنها في الدواوين والشوارع والمقاهي والملاهي ترقص بالفيديو أي رجولة أو كرامة أو عزة يحسها في قلبه بعد ذلك؟! أمي رقاصة!

    إذاً لن ينصر هذا الدين إلا من حاطه من جميع جوانبه، هذا معلم خطير، الأم التي تقول لطفلها: تعال وخذ هذا وهي لا تريد أن تعطيه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن لم تعطه فقد كتبت عليك كذبة) لا جدال.

    ثم قام صلى الله عليه وسلم ولم ييئس ولم يتعب، شعاره: قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً * إِلَّا بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ [الجـن:22-23] منعته قريش عن الدخول، فذهب إلى الطائف ، وصعد الجبال، وتسلق الصخور، وكانت أقدامه تنـزف وكان الحجر يأكل من لحمه، هؤلاء إخواننا الآن في فلسطين الحجر يأكل لحومهم، ثلاث سنوات وأياديهم المتوضئة ترجم العدو، ما كلوا ولا ملوا، هذا معلم عظيم من معالم دعوة الإسلام، دين لا يعرف أصحابه الكلل ولا الملل، دائماً:

    ركضاً إلى الله بغير زاد     إلا التقى وطلب المعاد

    فكانوا القلة في الأمم والكثرة في البركة، الآن نحن الكثرة في الأمم والقلة في البركة؛ لأن هذا المعلم غاب عنا كلٌ يقول: نفسي نفسي وليذهب الجميع، الحمد لله، الثلاجة مليئة، والأولاد قد تناولوا طعام العشاء، ولديهم ملابس العيد وأم العيال اطمأنيت عليها..

    أما هو عليه الصلاة والسلام فليس كذلك، فآخر ما يفكر فيه الأهل، وأول ما يفكر فيه الدعوة: كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ [الأنفال:5] جعل البيت وراءه وذهب إلى الحق: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ [آل عمران:121] ترك الأهل وذهب إلى مواقع الجند في الخنادق، فالذي يترك البيت والأهل لإعلاء كلمة الله له مردود على بيته وأهله؛ لأن الصلاح صلاح المجتمع الذي أنت فيه، فإذا صلح المجتمع أكل الخيـر، وصلحت مدارسه ومؤسساته وأسواقه ومساجده وشوارعه، وصلحت لافتاته وإعلاناته، لهذا الهلاك قد ينـزل على الصالحين ولا ينـزل على المصلحين، والدليل حديث جبريل: (أرسل لتدمير قرية قال: فيها فلان عبد صالح، قال: فبه فابدأ، إنه لم يتمعر وجهه من جرائي) بينه وبين الذنوب هدنة، هو صالح في ذاته يصلي ويصوم ولكن لا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر.

    والمصلحون قال الله تعالى عنهم: فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ [هود:116] ينهون عن الفساد في الأرض وقد يكونون في قرية لكن النهي ممتد إلى الأرض كلها، قد يكونون في حي، قد يكونون في أسرة، قد يكونون في حلقة في المسجد، لكن النية لإقامة شريعة الله في الأرض: يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ [هود:116] واتباع وسائل الترف والإجرام هو الدمار بعينه، إذا رأيت أمة تتبع وسائل الترف؛ غنى، ورقص، ومجون، ومخدرات، وحفلات، وربا، وزنا، ولواط، فاعلم أن هذه الأمة قد انتهت، ولو كان لها أفراد يدبون على الأرض: وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ * فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ * لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ [الأنبياء:11-13] ارجعوا إلى صالة التزلج، إلى القاعات، إلى الاحتفالات، إلى المسارح، إلى الإذاعات، إلى الرقص، إلى الحدائق العامة، إلى البلاجات، إلى السواحل: لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ * وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ [الأنبياء:13-16] هل لعب الذي ضيع الناس اليوم؟ الدين لعب، والصلاة لعب، والصيام لعب، مبادئ الله وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لعب، اللعب يتقدم كل هذا، اللعب يتقدم كل ما ذكرت، وإذا أردت أن تشاهد اخرج من دائرتك الصالحة إلى الدوائر المحيطة بك وانظر، انظر إلى حي على الصلاة عند المغرب والآلاف يرزحون على المدرجات .. مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ [الأنبياء:2-3]، بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ [الأنبياء:18].

    فقام صلى الله عليه وسلم وكان من نصيب الأوس والخزرج بعد هذه اللقاء أن أرسل الله منهم رجالاً، أيضاً نفس اللقاء ونفس الأسئلة، وإذا بهم يقولون: امدد يدك نبايعك، فبايعوه، فشكل منهم نقباء وسماهم أنصاراً، وانتقلوا إلى المدينة، وكونوا الأمة، وانتشرت الدعوة من أسلوبها الهادئ إلى الجهاد والسيف، وانتصر الإسلام، وتمكن المؤمنون، وأقيمت دولة الإيمان الرابضة على مرابض يثرب - المدينة المنورة - وحكم محمد صلى الله عليه وسلم دولته فأقام الحدود، وعين الولاة، وأرسل الجند، وأمَّر الأمراء، وسنَّ السنن، وتابع الأفراد الكبار والصغار والرجال والنساء، والذي يقول: لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة، فهذا كلام باطل، فإمام السائسين محمد صلى الله عليه وسلم ما قبضه الله إلا وهو يحكم دولته بدينه الذي أنزله الله إليه، وهذا معلم قد يغيب عن بعض الناس الذين يجزئون الإسلام وهم ينطلقون في دعوتهم.

    عليكم -أيها الدعاة- بهذا الشمول الذي جاء به الإسلام: عقيدة، وعبادة، وسلوكاً، واقتصاداً، وتعليماً، ودعوة، وجهاداً، ولو تتبعت القرآن لوجدت السورة الواحدة حوت على كل هذا، والآية الواحدة قد تحوي على هذا: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة:3] عقيدة، وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ [البقرة:3]عبادة، وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [البقرة:3] أخلاق واقتصاد.

    أيها الأحباب الكرام! نسأل الله تعالى أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وأن يرزقنا فهماً في دينه هو ولي ذلك والقادر عليه.

    اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا.

    اللهم ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا يا أرحم الرحمين!

    وهذه بعض معالم دعوة النبي صلى الله عليه وسلم وهي غيض من فيض، والمجال لا يتسع، وإذا كان هناك إن شاء الله مجال آخر في دروس قادمة في مساجد أخرى نكمل هذا الموضوع بإذن الله.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3007987760

    عدد مرات الحفظ

    720902645