إسلام ويب

تفسير سورة فاطر [31-37]للشيخ : المنتصر الكتاني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الله عز وجل أنعم على هذه الأمة بأن خصها بأكمل رسالاته وهي رسالة الإسلام، وبعث إليها خاتم رسله صلى الله عليه وسلم، وأنزل عليها أفضل كتبه القرآن وجعله مهيمناً على كل الكتب السابقة وناسخاً لما فيها مما يخالفه، كما تعهد الله عز وجل بحفظه من أن تطاله يد التحريف والتبديل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقاً لما بين يديه ...)

    قال الله جل جلاله: وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ [فاطر:31].

    يقول جل وعلا مخاطباً نبينا: (والذي أوحينا إليك من الكتاب)، والخطاب له خطاب لكل المسلمين، (من الكتاب) (من): بيانية تفسيرية، والمعنى: ما أوحيناه إليك هو الكتاب، و(الكتاب) إذا أطلق فهو القرآن الكريم لا سواه.

    وعند النحاة إذا أطلق (الكتاب) فهو كتاب سيبويه في علم النحو فهو مرجعهم.

    وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ [فاطر:31]، ما أوحيناه إليك يا محمد من هذا القرآن الكريم هو الحق لا سواه، وكل ما سواه متغير باطل محرف مبدل، فما أنزل الله من قبل من كتب سماوية من زبور وتوراة وإنجيل، وإن كانت هي في الأصل حقاً، ولكنها بدلت وغيرت، وانتقلت من كتب توحيد إلى كتب وثنية، وطعن في أنبياء الله المعصومين المطهرين.

    فأصحاب التوراة عبدوا العجل والعزير وذكروا ذلك في توراتهم، وأصحاب الإنجيل عبدوا عيسى ومريم ، وذكروا ذلك في إنجيلهم، وكلهم قد قال: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [المائدة:18].

    كذبوا وافتروا وحرفوا وبدلوا فالحق بين الكتب السماوية انفرد به الكتاب وانحصر في القرآن الكريم، فهو الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وهو الذي تعهد الله بحفظه إلى يوم القيامة، مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ [فاطر:31]، أي: حال كونه جاء مصدقاً لما سبقه من الكتب السابقة، وقد دعت إلى توحيد الله وعبادته، وإلى طاعة الأنبياء، وأخبرت أنهم رسل الله المكرمون المعصومون عن الخطايا والذنوب، ومن أجل ذلك كان لزاماً على المؤمن أن يؤمن برسوله محمد صلى الله عليه وسلم، ويؤمن بمن سبقه من الأنبياء الأربعة والعشرين كما ذكرهم القرآن، ونؤمن بسوى ذلك مجملاً غير معين، فنحن نؤمن بعيسى عبداً ورسولاً، ونؤمن بموسى عبداً ورسولاً كذلك، فقد جاء القرآن يصدق ويؤيد ما أنزل من الكتب قبله، وما أرسل من رسول قبل الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم، فالله يقول لنبيه: إن هذا القرآن المنزل عليك هو الحق من بين الكتب فلم يغير ولم يبدل، ولن يغير ولن يبدل، وقد جاء مصدقاً لما سبقه من الكتب، فما لم يكن في القرآن ووجد في الكتب الأخرى فهو باطل مفترى مزور، وما صدقه القرآن فهو الحق المبين الذي لا مين فيه ولا ريب، فالقرآن جاء مصدقاً ومهيمناً ومؤيداً لما دعت إليه الرسل من قبله من دعوة للتوحيد، ولعبادة الله الواحد.

    (مصدقاً) بالكتب السابقة وأنها كتب الله حقاً مالم تبدل ومالم تغير.

    إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ [فاطر:31].

    فالله جل جلاله خبير بعباده، يعلم ما فعلوا وما صنعوا، ويعلم ما أضمروا وما أصروا وما أعلنوا، يعلم الصادق منهم من الكاذب، ويعلم المخلص من المنافق، فمن آمن بالله علم الله إيمانه، ومن نافق علم الله نفاقه، وذاك تهديد من الله لكل كافر ولكل آثم.

    (بصير) أي: بعباده، يبصر ما عملوه، وينظر ما عملوه، فيحاسبهم عليه يوم القيامة، ويقضي من يصير إلى جنة ومن يصير إلى نار.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ...)

    قال تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ [فاطر:32].

    تكلم الله جل جلاله في هذه الآية على فئات المسلمين، وأنهم ثلاث فئات فقال: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا [فاطر:32].

    (أورثنا): أعطينا، أي: جعلناهم الورثة المالكين، وجعلناهم أهل الحق بين الناس أجمعين، واصطفاهم لعبادته، وللإيمان به، واصطفاهم من الكبيرات ومن الشرك، ومن الظلم ومن النفاق، والكتاب هو القرآن الكريم.

    ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا [فاطر:32].

    أورث الله الكتاب من اصطفاه واختاره من عباده من بين خلقه .. من بين الناس أجمعين، فكان هؤلاء المصطفين هم المؤمنون وهم أهل ذكر الله، وهم فئات ثلاثة فئة ظالمة لنفسها، وفئة مقتصدة في الظلم والآثام، وفئة سابقة بالخيرات بإذن الله ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ [فاطر:32].

    ولأن هؤلاء الفئات الثلاث بظالميهم وبمقتصديهم وبسابقيهم بالخيرات من الفئات المؤمنة فقد تفضل الله عليهم بفضل كبير: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا [فاطر:33].

    فكلهم من أهل الجنة، وكلهم يدخلون الجنة، وفي الخبر أن عمر رضي الله عنه خطب على المنبر النبوي يوم الجمعة فقال: إن العباد عباد الله المصطفين، منهم سابق بالخيرات، ومنهم مقتصد في الذنوب، ومنهم ظالم لنفسه، فالسابق سابق، والمقتصد ناج، والظالم مغفور له، وهذا الذي قاله عمر ورواه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أن الظالم لنفسه في هذه الآية هو من المؤمنين المسلمين.

    وروي ذلك كذلك عن أمير المؤمنين عثمان وعن عبد الله بن عباس وعن أبي الدرداء وعن جمهور من التابعين كذلك والأئمة، فالعامة من العلماء إلا قلة ذكروا أن الظالمين في هذه الآية هم فئة من فئات المسلمين مآلها الجنة بعد ذلك.

    وقد روي أنه عليه الصلاة والسلام تلا هذه الآية ثم قال: (الظالم لنفسه، والمقتصد، والسابق بالخيرات، كلهم في الجنة).

    فالسابق بالخيرات يدخل الجنة بلا حساب، والمقتصد يدخل الجنة بعد حساب يسير، والظالم لنفسه يحاسب حساباً يكون فيه من الغم والهم، ثم بعد ذلك يدخل الجنة.

    وجاء في الأثر: (أن رجلاً رحل إلى دمشق فدخل المسجد فوجد أبا الدرداء فجلس حذاءه فقال: اللهم آنس وحشتي، وهيئ لي جليساً صالحاً، وإذا بـأبي الدرداء يلتفت إليه سائلاً: من أنت؟ ومن أين جئت؟ قال: من المدينة، قال: ما الذي جاء بك؟ قال: سمعتك تروي حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: لم تأت لتجارة ولا جاءت بك حاجة؟ قال: لا، قال: لم يأت بك إلا الدعوة والسعي في العلم؟ قال: نعم. قال: أبشر فقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع).

    والحديث الذي سأله عنه هو هذا: (تلا رسول الله عليه الصلاة والسلام: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ [فاطر:32] قال: كلهم مسلمون، وكلهم إلى الجنة، السابق سابق، والمقتصد ناج، والظالم بعد حساب وبعد هم وحزن يدخل الجنة ويقول الجميع: وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ [فاطر:34]).

    والظالم هنا: المرتكب للكبائر الموحد لله المؤمن برسول الله، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحاح: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي).

    والمقتصد: من عمل عملاً صالحاً وآخر سيئاً، عسى الله أن يغفر له، و(عسى) في القرآن للتحقيق، فمعناه: وأن المقتصد الخالط بين عمله الصالح والسيئ مغفور له بإذن الله، فهو الذي يقوم بالفرائض وقد يخل في السنن، يترك الكبائر وقد يرتكب الصغائر، فهو قد اقتصد في فعل السيئات وارتكابها، أي: لم يسرف على نفسه بارتكاب الكبائر، ومن لم يرتكب الكبائر يغفر الله له الصغائر بتركه الكبائر.

    وهذا هو الذي قاله عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وأبو الدرداء وابن عباس، وروته كذلك أم المؤمنين والصديقة بنت الصديق عائشة رضي الله عنها، فقد جاء عنها: أن رجلاً سألها وهو أبو عثمان النهدي فقال: يا أم المؤمنين! ما معنى قوله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ.. [فاطر:32] إلى آخر الآية؟

    فقالت: يا بني! السابق بالخيرات: هم أصحاب رسول الله الأولون الذين ذهبوا أماماً وسبقوا إلى الآخرة ولم يبدلوا بعده ولم يغيروا.

    والمقتصد: من جاء بعدهم فعمل عملهم ثم خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً.

    أما الظالم لنفسه: فمثلي ومثلك. وإنما جعلت نفسها من الظالمين لنفسها من تواضعها وهضهما لنفسها رضي الله عنها، وإلا فمرتبتها بين أمهات المؤمنين ومكانها بين الأصحاب في الذروة العلياء صحبة وعلماً وإخلاصاً وعبادة وطاعة، وأما ما حدث في موقعة الجمل فهي إنما صنعت شيئاً لم تكن تقصده، بل خرجت للإصلاح وإذا بهذا الإصلاح يتحول إلى معركة وحرب دامية، فكانت تستغفر الله من ذلك مدى حياتها، ومن أجل ذلك هضمت نفسها، ولم تجعل نفسها مع السابقين بالخيرات، ولا مع المقتصدين.

    وهكذا هذه الآية تدع المؤمن ليرجو رحمة ربه، ويرجو مغفرة ذنبه، ويرجو من الله أن يكون مهما ارتكب من الذنوب وعاد إلى التوبة والإنابة وندم عما أسلفه أن يغفر له، وأن يتشفع له رسول الله صلى الله عليه وسلم في من يشفع لهم من أهل الكبائر.

    أما السابقون: فهم ثلث الأمة المحمدية، وهم الفئة الثالثة، ونعتوا في الآية بأنهم الذين سبقوا بالخيرات، وجعلوا في الذكر أخيراً، وهم في الرتبة والدرجة الأولون السابقون، وهذا كقوله تعالى: وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [التوبة:100].

    كانوا هم السابقين للإيمان، والسابقين للطاعة، والسابقين لعبادة الله والقيام بما أمر، وترك ما نهى عنه، وهؤلاء هم من المهاجرين والأنصار ومن تبعهم من المؤمنين ومن الأتباع إلى يوم القيامة، وهم من قال عنهم رسول الله عليه الصلاة والسلام: (ما أنا عليه وأصحابي).

    فمن كان كذلك كان من السابقين، ومن اقتصد فخلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً فهو كذلك من الناجين بفضل الله بعد حساب يسير، وأما الظالم لنفسه المرتكب للكبائر الذي مات على التوحيد فقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أن الله يوم القيامة يأتيه خلق من خلقه، وعبيد من عبيده تثقل ذنوبهم ومساوئهم الميزان، وترفع كفة الحسنات فيؤمر بهم إلى النار، فيقول الملائكة: يا ربنا إنهم أتوا إليك وهم يقولون: لا إله إلا الله وحده، لم يشركوا بك قط منذ عاشوا وإلى أن أتوك، فيقول الله: إذاً: أنا أغفر لهم).

    وورد: (أن رجلاً كثرت ذنوبه حتى ملأت سجلاته وليس له حسنات فيؤمر به إلى النار، فعندما يذهب به الملائكة وإذا ببطاقة مكتوب فيها لا إله إلا الله، فوضعت في كفة والسجلات في كفة، فطاشت السجلات وأمر به إلى الجنة).

    وكما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: هنيئاً لأهل لا إله إلا الله حال حياتهم، هنيئاً لأهل لا إله إلا الله حال مجيئهم عند ربهم، وعرضهم عليه، فهم على كل حال مغفور لهم مهما طال عذابهم وحسابهم؛ ولأجل ذلك قال الله عنهم: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا [فاطر:32].

    وقد اختار الله الأمة المحمدية التي هي بين الأمم السابقة كما قال عليه الصلاة والسلام: (كالشعرة البيضاء في الثور الأسود) لكثرة الأمم السابقة ولقلة الأمة المحمدية ومع ذلك هم أكثر أهلها، فهم أكثر أبناء آدم وحواء دخولاً للجنة.

    وكون الله اصطفاهم سواء منهم الظالم وغير الظالم .. المذنب وغير المذنب ما داموا جميعاً يقولون: لا إله إلا الله محمد رسول الله فهم بخير، حتى إن عذب منهم من عذب، ودخل النار من دخل لن يخلدوا في النار وسيخرجون بعد ذلك مهما طال الزمان أو قصر، وقد يغفر الله لهم فلا يدخلونها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (جنات عدن يدخلونها ...)

    قال تعالى: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ [فاطر:33].

    يدخلون الجنة من كل أصنافهم الثلاثة، ثم يُحَلَّوْنَ فِيهَا [فاطر:33]، فيلبسون من أنواع الحرير ما كان حراماً عليهم في دار الدنيا، ويلبسون من أنواع الذهب ومن أنواع اللؤلؤ والجواهر والياقوت ما لو أن ياقوتة منها برزت في دار الدنيا لكانت أكثر ضياءً من الشمس، بل أكثر ضياء من البرق، تكاد تخطف أبصار الناس عند إضاءتها ورؤية نورها.

    والتحلية: لباس الحلي في الجنة، (من أساور من ذهب) الأساور: جمع سوار.

    وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ [فاطر:33].

    ولذلك ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من لبس الحرير من رجال أمتي في الدنيا لا يلبسه في الآخرة).

    وقد قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في تفسير الحرير: من لبس الحرير في الدنيا مصراً على لبسه لم يتب إلى أن مات لم يدخل الجنة.

    قال عبد الله بن الزبير وهو قول أبي سعيد الخدري : يدخلون الجنة ولكن لا يلبسون حريرها؛ لأن الجنة هي مأوى كل موحد مات على الإيمان بالله، والإيمان برسول الله فلم يكن لبسه للحرير في الدنيا مانعاً له من دخول الجنة ولكنه مانع من لبس الحرير في الجنة.

    وقد يكون ذلك وعيداً من الله وتهديداً من رسول الله صلى الله عليه وسلم ليترك الرجال هذا التأنث والتشبه بالنساء، فقد قصر الله الحرير والذهب لباساً على النساء دون الرجال.

    وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ [فاطر:33].

    قال تعالى: (وقالوا) أي: هؤلاء الثلاثة الأصناف: الظالم لنفسه، والمقتصد، والسابق بالخيرات عند دخول الجنة: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ [فاطر:34].

    وإنما قالت هذه الفئات الثلاث ذلك لأنهم دخلوا الجنة بعد هموم وأحزان، في الدنيا حال حياتهم، وفي العرض حال الحساب، وفي الموت، فهم بذلك يستريحون من هموم الدنيا وأحزانها؛ من هم المعيشة أو المرض، أو السعي، أو السن، ومن هموم الأولاد والنساء، وكذلك هموم يوم القيامة من هموم الحساب بالنسبة لمن سيحاسب، حيث يحاسب الظالم لنفسه حساباً عسيراً ويحاسب المقتصد حساباً يسيراً.

    أما الذي سبق بالخيرات فلا حساب عليه، ولكن لن يكون ذلك إلا بعد العرض على الله، وبعد القيام من القبور، أما حين تنتفض رءوسهم وهم يقفون بين يدي الله فهم لا يعلمون هل هم إلى جنة أو إلى نار، وهل قبل الله أعمالهم في الحياة الدنيا، أم لم يقبلها، فهم عندما يدخلون الجنة يجدون الراحة والطمأنينة فيذكرون الله ويحمدونه، وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ [فاطر:34].

    والحزن والهم والغم بمعنى واحد، فالمعنى: أزال الهموم والغموم وجعلنا على غاية ما نكون من الاطمئنان ومن اليقين والسعادة، ومن نضارة النعمة والسعادة والرحمة.

    إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ [فاطر:34].

    إن خالقنا وربنا المتفضل علينا غفور للزلات والخطيئات، عفو عن المخالفات، (شكور) وشكره لعباده المؤمنين أن يغفر ذنوبهم، وأن يكفر سيئاتهم، وأن يدخلهم الجنان مغفورة ذنوبهم، مرحومين من أي عذاب وأي بلاء وأي سوء.

    (وقالوا): أي: كل هذه الفئات الثلاث: وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ [فاطر:34-35].

    حمدوا الله وشكروه واستغفروه، وحمدته كل حواسهم وخلايا أبدانهم على أن أحلهم دار المقامة، أي: دار الإقامة الدائمة التي لا موت فيها ولا رحيل ولا انتقال، وأحلنا الدار التي لا حزن فيها ولا هم ولا غم، بل أحلنا الدار التي فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، بلا غم ولا هم ولا تكليف من عبادة أو غيرها.

    وهذه النعم الحالة علينا ما هي إلا مِنْ فَضْلِهِ [فاطر:35] لا بعمل قدمناه، فهو الذي هيأنا للعمل الصالح، وألهمنا إياه، فالله إذا أراد أن يظهر فضله عليك خلق ونسب إليه، فهو الذي وفقنا لعبادته، ووفقنا لطاعته، وأدامنا على ذلك، ولذلك يشكره المؤمنون وقد دخلوا الجنان وذنوبهم مغفورة، لا حزن ولا هم ولا غم، يدخلون القصور مع الحور العين في كل ما اشتهته أنفسهم.

    قوله: لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ [فاطر:35].

    النصب: الشقاء والتعب والمشقة، واللغوب: الجزع والإعياء البسيط.

    أما النصب: فهو التعب والمشقة الشديدة، فلا تعب في دار الجنة فهي دار النعيم المقيم الدائم، فليس فيها لا نصب، ولا تعب مشق متعب، ولا لغوب، ولا إعياء حتى ولو كان بسيطاً، فقد جعل الله الجنة دار النعيم الدائم والأفراح الدائمة لا نصب فيها ولا لغوب، ولا هم ولا أحزان، فهذه مراتب المؤمنين من المقتصدين في ذنوبهم والظالمين لأنفسهم والسابقين بالخيرات، ومآل الكل بعد كل هذا دخول الجنان، بلا غم ولا أحزان، ولا نصب ولا لغوب.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ...)

    ثم عقب الله بعد ذلك بذكر حال الكافرين الذين ماتوا على الشرك بالله، والكفر بالأنبياء، فقال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ [فاطر:36].

    قوله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا [فاطر:36]، أي: كفروا بالله رباً، وبمحمد نبياً وخاتماً للرسل، وبالقرآن إماماً، وماتوا على ذلك لهم نار جهنم.

    كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ [النساء:56].

    قوله: لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا [فاطر:36]، أي: لا يسبق في قضاء الله عليهم يوم القيامة موت؛ لأن الموت يموت هو أيضاً في الآخرة، فأهل النعيم خالدون لا موت، وأهل الجحيم خالدون لا موت، والقضاء يكون بالموت كما قال تعالى عن موسى: فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ [القصص:15].

    وكما قال في قصة سليمان: فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ [سبأ:14].

    فلا يكون الموت قضاءً من الله عليهم عقوبة لهم، بل تكون الحياة مع التقلب بالعذاب دائماً سرمداً؛ لأن في الموت راحة لهم، ولذا يطلبون الموت ويفرحون به، ولكن هيهات لا موت، بل يجدد لهم العذاب وتجدد جلودهم وأجسامهم، فكلما احترقت وانتهت أعيد خلقها خلقاً جديداً ليبقى العذاب دائماً مستمراً جزاءً وفاقاً؛ لكفرهم بالله الخالق وبنعمه الظاهرة والباطنة.

    كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ [فاطر:36]، أي: كذلك الجزاء نجزي الكافرين، وقول الله لذلك وهو يقص علينا قصص الكافرين السابقين ليكون موعظة وذكرى للمؤمنين، وتحذيراً للناس أن يتبعوا حال حياتهم الكافرين في كفرهم فيعاقبون عقابهم، ويجازون جزاءهم، وليس الجزاء خاصاً بالكافرين الأولين؛ ولكنه عام للأولين والحاضرين واللاحقين من المعاصرين في عصرنا ومن الآتين بعدنا إلى آخر إنسان في هذه الدنيا.

    فمن مات كافراً له نار جهنم لن يموت ولن يخفف عنه من عذابها، وكل من مات موحداً له النعيم الدائم في الجنان خالداً فيها حتى يقول بعد دخولها: وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ [فاطر:34-35].

    وأما الكافرون فليسوا كذلك، فهم في جهنم خالدون لا يموتون، ولا يخفف عنهم عذابها، قال تعالى: وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا [فاطر:37] يدخلون النار حال كونهم يصطرخون، أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ [فاطر:37]، فيقول الله لهم موبخاً ومقرعاً: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ [فاطر:37].

    اصطرخ: افتعل؛ من الصراخ والصياح، أي: يرفعون أصواتهم، وشأن المعذب شأن الذي لا يملك جزأً من جسده ولا خلية من ذاته إلا وتعذب أشد أنواع العذاب، فيصرخ: رَبَّنَا أَخْرِجْنَا [فاطر:37] يقولون: يا ربنا، ولم يكونوا يعترفون بذلك في دار الدنيا، بل ما قالوا يوماً: ربنا اغفر لنا ذنوبنا وخطايانا يوم الدين، ولكنهم أخذوا يقولون ذلك بعد أن رأوا ما أنكروه في حال الدنيا من البعث والحياة بعد الموت، والعذاب الذي هددوا به من قبل أنبيائهم في الدنيا، وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا [فاطر:37] أي: يقولون في صراخهم، فالدعاء بيان صراخهم وإجابة لسؤال: بماذا يصيحون وبماذا يصرخون؟ يصطرخون يقولون: ربنا أخرجنا، أي: من النار ومن العذاب.

    رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ [فاطر:37] أخرجنا من النار، وأعدنا إلى دار الدنيا نعمل أعمالاً صالحة غير الأعمال الطالحة التي فعلناها في حياتنا الأولى، وهيهات هيهات! لن ترجع عقارب الساعة إلى الوراء، فالدنيا فنيت ولن تعود، سواء كان وقتها يوماً، أو كان زمنها ساعة، وإذا بها ذهبت فمن سعد ففيها كانت السعادة، ومن شقي فمنها مقام الشقاوة.

    أما الآخرة فهي دائمة، ولا عودة منها قط إلى دنيا؛ لأنها حينها قد أصبحت عهناً منفوشاً لا جبال ولا أراضي، ولا سماوات، الكل قد فني وأصبح ذراً بين الذر، وهباءً بين الهباء، رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ [فاطر:37] فتجيبهم ملائكة الله عن أمر الله أو يجيبهم الله بنفسه فيقول الله لهم: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ [فاطر:37].

    ألم نحيكم في الدنيا، ونعمركم عمراً يمكنكم أن تتفكروا فيها لو شئتم، لقد طال هذا العمر بما يكفي أن يتذكر فيه الإنسان فهو سنوات، فما بالكم لم تتذكروا وقد جاءكم النذير ينذركم ويتهددكم ويتوعدكم. وقد قال قوم في هذا العمر: هو سن البلوغ من الإنسان، وقال قوم وهم كثر: هي أربعون سنة، من بلغ في سنه أربعين سنة ولم يقل يوماً ربي الله، ولم يعد إلى الله مع هذه العشرات من السنين وبقي على حاله يوشك أن يبقى كذلك إلى الموت، وكما قال عليه الصلاة والسلام: (من شب على شيء شاب عليه).

    الإيمان والثبات على الدينية يكون في الشبوبية على الغالب، وقد يكون أحياناً في الكبر إذا سبقت عناية الله بالإنسان، ولكن جرت العادة على أن من نشأ على الكفر عاش على الكفر، ومن نشأ على الفسوق عاش على الفسوق، وأكد هذا رسول الله عليه الصلاة والسلام بقوله: (من شب على شيء شاب عليه).

    وقال أقوام: التعمير المراد بالآية هو: دون سنة، ورووا في ذلك أحاديث لم يصححها الحفاظ تصحيحاً كاملاً، وأن يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (من عاش ستين سنة فقد أعذر الله إليه) أي: فقد جعل الله له العذر الكامل فيما إذا قصر خلال هذه الستين فيتوب ويئوب ويرجع إلى الله قبل الموت، واستشهدوا على ذلك بالحديث الثابت الصحيح الذي يقول فيه عليه الصلاة والسلام: (أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين وقليل منهم من يتجاوز ذلك).

    وهذا نشاهده ونراه، ولم تكن الأمم السابقة تعيش هذا، بل كانت تعيش المئات، وقد قص الله علينا في كتابه بأن نوحاً لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً وهو نبي، وقد عاش قبل ذلك قالوا: أربعين سنة، وقالوا: مائتين وقالوا: ثلاثمائة.

    وفي التوراة والإنجيل عن أنبياء بني إسرائيل ومن سبقوهم ممن عاش ثلاثمائة سنة وأربعمائة سنة ما يؤكد ذلك، أما حياة نوح فهي كما ذكرها الله في كتابه، وأنه عاش ألف سنة إلا خمسين عاماً، ولكن الشأن من الأمة الآخرة -أمة آخر الأنبياء- إذ لا أمة بعد أمة محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم فقد قال: (أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين وقليل من يتجاوز ذلك).

    وفي لفظ آخر: (معترك المنايا بين أمتي ما بين الستين والسبعين)، معترك أي: الموت يتعارك عندما يبلغ الإنسان بين الستين والسبعين فيحاول الموت أن يأخذ روح الإنسان وهو في هذه السن في الغالب، وإلا فالكثير من يموت قبل ذلك.

    أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ [فاطر:37]، عمراً يكفي لأن يتذكر الإنسان فيه يوماً الرسالة التي أرسل الله بها نبي عصره، والكتاب المنزل على نبي عصره، والبشارة على لسان نبي عصره، والنذارة على لسان نبي عصره، وفي عصرنا منذ بدء الرسالة المحمدية -أي: منذ ألف وأربعمائة عام- وإلى آخر لحظة من الدنيا، فليس بعد محمد نبي آخر، فرسالته لمن في عصره، ولمن يأتي بعده إلى يوم القيامة.

    قوله: وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ [فاطر:37] قالوا: النذير: النبي، فهو النذير المنذر، وقالوا: القرآن، وهنا كذلك يتكلم الله عن الأعمار: وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ [فاطر:37] فجمهور المفسرين قالوا: النذير: الشيب.

    وفي الآثار قالت شعرة وقد ابيضت لجارتها: استعدي للموت فقد جاءك النذير.

    وقالوا: النذير الحمى فهي الطريق إلى الموت، وليس دائماً، وقالوا: النذير موت الأحباب والأقارب، ومن ذلك موت الأقران والزملاء، فيرى الإنسان أخاه قد مات، وزميله في الدراسة وفي العمل وفي الجوار قد مات، وهو يقول: يأتي الدور علي غداً أو بعد غد، فعلى كل حال: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر:30].

    فالموت حق، كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران:185] ولكن النذير في الأعمار: أن يكون الرجل شاباً فينتقل إلى الشيخوخة ثم إلى ضعف البنية وإلى بياض الشعر ذلك نذير، ونحن لا نموت فجأة دفعة واحدة في الغالب، ولكن يموت الإنسان يوماً بعد يوم، ففي خلايا جسم كل إنسان ملايين الخلايا، والخلايا هذه تموت خلية بعد خلية، والعصب يضعف، والشرايين تضعف، شريان بعد شريان وهو موت بطيء، ولذلك من كان قوياً كأن يكون رياضياً في الشبوبية يحمل الأرطال ويحمل القنطار إذا شاب لن يستطيع حمل ما كان يحمله وهو ابن خمس سنوات، ومن كان إذا سابق سباقاً لنظرائه وقد يسبق بعض الدواب والحيوانات فإذا شاب فإنه حتى المشي العادي لا يستطيعه إذا لم يتكئ على آخر أو يعتمد على عكاز، وهكذا دواليك، فكما جئنا ضعافاً سنعود ضعافاً ونعود كما جئنا، جئنا من تراب وسنرجع إلى تراب، إلى أن يعيدنا الله جل جلاله إلى الآخرة، ونرجوه جل جلاله أن يجعلنا من أهل الجنة ومن أصحاب النعيم الدائم، وتبقى الدنيا برزخاً، وكما قال الحسن البصري: خلقنا للأبد وإنما هي نقلة من دار إلى دار كما ينتقل الحي من حي إلى حي، ومن دار إلى دار، ومن حالة إلى حالة كذلك الآخرة ليست إلا نقلة.

    ولذلك الأرواح تبقى معلقة إلى أن تعود لأجسامها التي يعيدها الله كما بدأها، قال تعالى: مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى [طه:55]، فهذا التراب الذي نطؤه هو أمنا وهو أبونا، ومنه كنا، ولذلك يقول شاعرنا الحكيم الفيلسوف:

    خفف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد

    يا هذا الذي تذهب تائهاً بنفسك ترفع رجلاً وتضع أخرى وكأنك تريد أن تطير أما تعلم أين أنت؟ إنك تدوس رمم آبائك وأجدادك، وتوشك أن تصبح رمة مثلهم يطؤك ولدك وسبطك وقومك والناس الآتون بعدك، افعل خيراً تجد خيراً، ومن يتألى على الله يعذبه.

    وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ [فاطر:37] النذير هنا: ما ينذر بقرب الموت ودنو اللحظة الأخيرة من ضعف وشيخوخة وشيب وموت الأقارب وموت الزملاء والأقران، وهكذا يأتي جيل ويتبعه جيل، وكما أخبر نبينا عليه الصلاة والسلام في آخر أيامه أنه بعد مائة سنة لن يكون على وجه الأرض ممن هو عليها الآن أحد.

    أخبر النبي عليه الصلاة والسلام قبل موته بقليل من الساعة التي يتكلم فيها: أن كل من على الأرض بعد مائة عام لن يبقى أحد منهم، وكان آخرهم أبا الطفيل عامر بن واثلة ، وهذا الذي قاله جار باستمرار، ففي كل مائة عام يذهب من كان فيها ويأتي آخرون، وإلا فأين أجيال آبائنا وأجدادنا منذ بداية القرن ونحن في آخره؟ جاءوا من الغيب وذهبوا للغيب، جاءوا من التراب وعادوا للتراب، أليس في هذا نذير؟ أليس في هذا ذكر؟ أليس في هذا ما يعظ ذا اللب العاقل المؤمن الذي يفكر في العاقبة والمستقبل، ومن لم يفكر في العواقب ليس له الدهر بصاحب.

    قال تعالى: فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ [فاطر:37]، الخطاب لا يزال للكافرين الذين دخلوا النار فلا ماتوا وقضي عليهم ولا خفف عنهم من عذابها، وإنما اصطرخوا وصاحوا ونادوا: يا ربنا! أعدنا للدنيا لنعمل غير ما كنا نعمل، وكذبوا! فلو عادوا لعادوا لما كانوا عليه من كفر، وخلاف ومعصية، وبعد ذلك هددهم الله وقرعهم بأنكم عمرتم أجيالاً، وعشتم عشرات السنين فلم تتذكروا يوماً هذا الذي تقولونه، جاءتكم النذر من الأنبياء والكتب، والشيب وموت الأقارب وضعف البدن، وكل ما يشير إلى أن الموت قريب، وعلى أن الساعة الخاصة قد دنت، فلم يعظكم من ذلك شيء، ولذلك أعاد الله فقال لهم: فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ [فاطر:37]، أي: تمتعوا بهذا العذاب الذي أنكرتموه يوماً وأنتم في الدار الدنيا، تذوقوه كما كنتم تتذوقون اللذائذ والمنكرات والفواحش هل تجدون فرقاً بين ذا وذاك، استهزاء بهم وسخرية، (فما للظالمين من نصير) فلن يكون للظالم وقت ذاك نصير من ولد ولا قريب ولا جاه، ولا سلطان ولا مال ولا أعوان، كل هذا قد تركه خلفه فكما خرج إلى الدنيا وحيداً عاد إلى الله وحيداً، ليس عنده إلا رحمة الله إن عمل لها وكان مؤمناً يستحق الرحمة، أو عاش موحداً فاستحق الرحمة والرضا والجنان.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3027504845

    عدد مرات الحفظ

    725701204