إسلام ويب

تفسير سورة السجدة [17-20]للشيخ : المنتصر الكتاني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بعد أن أخبرنا الله سبحانه وتعالى بصفات الذين يؤمنون بآيات الله، أخبرنا بما أعد لهم من قرة أعين، وأنه أخفاه سبحانه عن كل نفس، حتى يلاقوا جزاء إيمانهم يوم القيامة، وهذا الحال لا يساوي حال الكافر لمن له أدنى بصيرة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم...)

    قال الله جل جلاله عن عباده الصالحين: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:17].

    ذكر الله جل جلاله الذين إذا ذكروا بآيات ربهم خروا سجداً، ثم سبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون، كما أنهم يتهجدون ليلاً، فيتركون مضاجعهم وراحتهم ونساءهم، ويدعون ربهم خوفاً وطمعاً، ومما رزقهم ربهم ينفقون.

    فهؤلاء المؤمنون القانتون المتهجدون ليلاً والناس نيام يقول الله عنهم: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة:17].

    فالضمير يرجع إلى أولئك الموقنين المؤمنين العابدين القانتين الصالحين المستجيبين لله ولرسوله، فهؤلاء لا تعلم نفس.

    مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة:17] والنكرة تدل على العموم.

    فأخفى الله لهم ما تقر به عيونهم، وتسر به نفوسهم، وتفرح له أرواحهم، فيجدون في الجنة سعادة لا شقاء بعدها أبدا.

    والقرة أصلها من البرد والاطمئنان، والعين إذا بردت دل ذلك على أنها في سرور وأنها في راحة، فإذا حزنت تجدها في حر وتجدها في اكتئاب، فأصبحت هذه الكلمة في لغة العرب تعني السرور، وتعني الطمأنينة، وتعني الفرح بما يريد الإنسان وتطمئن له نفسه.

    قال تعالى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة:17].

    أي أن الله أخفى لهم ذلك، ولم يظهره ليفاجئهم برحمته وبرضاه، كما أخفوا هم قيامهم ليلاً والناس نيام، فلم ير عبادتهم أحد، فأخفوا هذه العبادة عن الناس، فأخفى الله جل جلاله ما أعد لهم من خير وأعد لهم من رحمة وأعد لهم من نعيم دائم جزاء أعمالهم وطاعتهم.

    قال تعالى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:17].

    أي: جوزوا بذلك وكوفئوا به لعملهم وعبادتهم وطاعتهم.

    فالله تعالى يحض المؤمنين على أن يعملوا عملهم، ويجتهدوا اجتهادهم، ويتهجدوا تهجدهم، ويحمدوا ربهم حمدهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً...)

    قال تعالى: أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ [السجدة:18].

    وهذا استفهام تقريري، وقد علم الله تعالى أن المؤمن ليس كالكافر بحال من الأحوال، ولذا قال تعالى: لا يَسْتَوُونَ [السجدة:18].

    فليس هذا وهذا سواء؛ إذ المؤمنون جوزوا بقرة عين، وجوزوا بالجزاء الأوفى رحمة وسعادة ورضا، وأما الكافرون فليسوا كذلك، فهم قد عوقبوا باللعنة والغضب والطرد عن رحمة الله.

    قال تعالى: أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا [السجدة:18].

    الفسوق: الخروج عن طاعة الله، ويعنى به هنا الكافر، وليس المؤمن كالكافر عند رحمة الله ورضا الله، ولكل عمله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى...)

    قال تعالى: أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:19].

    أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا [السجدة:19].

    كان الكلام السابق مجملاً، وهو أن الكافر والفاسق ليسا سواء، ثم فصل تعالى فقال: أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا [السجدة:19].

    فالذين آمنوا بالله، وبرسل الله وبكتب الله، وبأن الجنة حق، وبأن النار حق، ثم عملوا الصالحات بعد ذلك، فأقاموا الصلوات، وآتوا الزكاة، وحجوا بيت الله الحرام، وصاموا شهر رمضان، وتركوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وقاموا بالوجبات قدر جهدهم وطاقتهم واستطاعتهم.

    هؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات المأوى، وليست جنة واحدة، بل هي جنان وبساتين ورياض، جعلها الله لهؤلاء مأوى، أي: متبوءاً ومسكناً وموطناً ومقاماً ونزلاً، أذاقهم وملكهم هذه المنازل مأوى ومقاماً دائماً أبداً سرمداً، يتلذذون بما أنعم الله به عليهم، وأعظم اللذات رؤية الله جل جلاله، ورضا الله عنهم.

    قال تعالى: نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:19].

    أي: ذلك المأوى في تلك الجنات التي جعلها الله لهم حال كونها نزلاً وضيافة، هو بسبب أعمالهم.

    فهذه الباء يقال لها في لغة العرب: باء السببية، أي: كانت هذه الجنات مأوى لهم ومنازل، بسبب عبادة ربهم وقيامهم بأعمالهم واستجابتهم لدينهم ولما أمرهم به الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأما الذين فسقوا فمأواهم النار...)

    ثم ذكر تعالى الفريق الآخر فقال: وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ [السجدة:20].

    فالله تعالى يجمع في كتابه بين ذكر الجنة والنار، والعمل الصالح والسيئ؛ ليكون المؤمن بين رغبة ورهبة، وخوف ورجاء، فتارة يعبد الله خوفاً من ناره وغضبه، وتارة يعبده طمعاً في جنته ورضاه ورحمته.

    قال تعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ [السجدة:20].

    قوله تعالى: (الذين فسقوا) أي: خرجوا عن أمر ربهم، فهؤلاء الفاسقون الخارجون عن أمر ربهم مأواهم ومنزلهم ومقامهم النار، فكما جعل الله لأهل النعيم والطاعة الجنة مأوى ونزلاً؛ جعل للفاسقين الكافرين النار مأوى ومنزلا.

    معنى قوله تعالى: (كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها...)

    قال تعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا [السجدة:20].

    أي أن هؤلاء المعذبين من الكافرين الفاسقين يفرون من مكان إلى مكان، ظناً منهم أن النار لا تصلهم، وأن لهيبها لا يحرقهم، فهم لذلك يحرصون على أن يفروا عنها، فقال الله عنهم: كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا [السجدة:20]، بأن تلفحهم النار، أو ملائكة العذاب، حيث تضرب وجوههم وأدبارهم، وتسوقهم إلى السعير وإلى النار المؤلمة الموجعة جزاء كفرهم وخروجهم عن أمر الله.

    قال تعالى: أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ [السجدة:20].

    أي: ذوقوا العذاب كما يذوق الإنسان الشيء بلسانه، فذوقوا بأبدانكم، وذوقوه بخلايا أجسامكم عذاب النار المؤلمة الموجعة التي كنتم تكذبون بها في الدنيا.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3046356073

    عدد مرات الحفظ

    736010240