إسلام ويب

تفسير سورة السجدة [4-6]للشيخ : المنتصر الكتاني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يخبرنا الله سبحانه وتعالى في سورة السجدة أنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام من أيام الله، وقد خلقها في هذه المدة لحكمة أرادها سبحانه، وإلا فهو إذا أراد شيئاً فإنما يقول له: (كن) فيكون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما...)

    قال تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ [السجدة:4] .

    يخبرنا الله جل جلاله في هذه الآية من سورة السجدة المباركة المكرمة كيف خلق الخلق، فقال: (الله) أي: وحده، (الله الذي خلق السموات) أي: الأولى والثانية إلى السابعة وما بينهما، (والأرض) الأولى والثانية إلى السابعة وما بينها، وما بين السموات والأرض من أنجم وكواكب وأقمار وشموس، مما لا يحصي عدده إلا الله.

    وبيننا وبين السماء خمسمائة عام، وهي أطباق، ولها أبواب، فعندما أسري بنبينا عليه الصلاة والسلام كان جبريل يطرق كل باب في كل سماء، فيقال: من؟ فيقول: جبريل، فيقال: ومن معك؟ فيقول: محمد، فيقال: هل أذن له؟ فيقول: نعم. فيفتح الباب، والوصول إلى السماء لا يقوله عاقل ولم يدعه أحد، وما وصل الناس اليوم إلا إلى بعض الأفلاك التي هي مصابيح في سماء الدنيا، وإن كان كل ما علا فهو سماء في لغة العرب.

    المراد بالستة الأيام

    يقول تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ [السجدة:4] خلق ذلك في ستة أيام ولم يعنه أحد، ولم يستشر أحداً، ولم يكن معه في ذلك شريك ولا وزير ولا مساعد، تعالى الله عن كل ذلك، وكان كل ذلك هيناً عليه، لا يحتاج لأكثر من (كن) فكان، وكونه خلق ذلك في ستة أيام لإرادته، وليس ذلك لكثرة العمل أو كثرة الخلق، فلا يحتاج الله إلى ذلك، ولا يحتاج لأكثر من (كن) فيكون بإرادة الله جل جلاله.

    يقول تعالى: (في ستة أيام) قال ابن عباس : اليوم عند ربك كألف سنة مما تعدون، وسيأتي في الآية التالية: وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [الحج:47] أي: خلقها في ستة آلاف عام بعدد أعوام الأرض، فهي ستة أيام من أيام الله التي عنده، أما يوم الأرض في حسابنا فهو أربع وعشرون ساعة مشتمل على ليل ونهار، والشهر مشتمل على تسعة وعشرين أو ثلاثين يوماً، والسنة مشتملة على اثني عشر شهراً، ولكن اليوم عند ربك ليس كذلك، والكل خلقه والكل أمره والكل بإرادته، فاليوم عند ربك كألف سنة مما تعدون، أي: خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة آلاف سنة من سنوات الأرض التي نعد بها، هكذا قال ابن عباس ، واستدل بقوله تعالى: وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [الحج:47] والدليل ظاهر واضح.

    معنى قوله تعالى: (ثم استوى على العرش...)

    قال تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [السجدة:4] قالوا: (ثم) ليست للترتيب، ولكن معناها الواو، أي: واستوى على العرش أما الاستواء فلا نقول فيه إلا ما قاله سلفنا الصالح وأئمتنا رضوان الله عليهم؛ إذ القرآن نزل بلغة العرب، واللغة العربية وسعت كل شيء في الكلام، ولكن الحقائق الأزلية الإلهية تعجز عن جمعها جميع لغات الأرض.

    سئل الإمام مالك رضي الله عنه فقيل له: يا أبا عبد الله ! الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] ما معنى استوى؟ فأطرق ملياً ثم رفع رأسه فقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عن هذا بدعة، يا شرطي خذ بهذا إلى خارج المسجد؛ لأنه اعتبر سؤاله بدعة، فالصحابة ما كانوا يسألون مثل هذه الأسئلة؛ لأن الجواب عنها لا يمكن أن تجمعه كلمة ولا لغة، فكلمة (استوى) كيفيتها؟ الله أعلم بها، ولذلك قال له: الاستواء كما في لغة العرب معلوم، والكيف مجهول، فمن اعتقد تكييفه كفر، ولذلك قال: والكيف مجهول، فكيفية ذلك لا يعلمها إلا الله، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11] ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:4]، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فلا يشبه الله أحد من خلقه.

    ولذلك يقول علماؤنا: تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في ذات الله. فالعقول لا تقبل ذلك ولا يمكن أن تتصوره، فإن حاولت أشركت وضلت وكفرت، وقد حاول النصارى أن يفعلوا ذلك، فتصوروا إلههم إنساناً صلبوه وتغلبوا عليه، فضاعت عقولهم وانحرف دينهم.

    وعلماء الكلام المتأخرون يؤولون، فيقولون: الاستواء الاستيلاء، وهذا تحريف للكلام عن مواضعه؛ لأن (استوى) لغة ليس بمعنى (استولى)، ثم إن معنى استولى أنه كان بينه وبين غيره نزاع فتغلب فانتصر فاستولى، ولا يقول بهذا مسلم، فقول السلف في هذا أحكم وأسلم وأقرب إلى ما يريده الله جل جلاله، ولم نكلف بسوى ذلك، ومن هنا قال مالك : السؤال عن هذا بدعة، وأمر شرطياً في المسجد بأن يخرج ذلك السائل من المسجد حتى لا يؤذي الناس بضلالاته وجهالاته.

    معنى قوله تعالى: (ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع...)

    قال تعالى: مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ [السجدة:4] أي: ما لكم أيها الناس وأيها الخلق مهما طلبتم وسعيتم وراء الشريك والكفر بالله ولي من دون الله، فلا ناصر لكم ولا راحم لكم من دونه، فليس لكم من دون الله من يتولاكم، ولا من ينصركم، ولا من يأخذ بأيديكم، ولا من يغفر ذنوبكم، فلا نصير إلا الله، ولا ولي إلا الله، فأسلموا تسلموا.

    فقوله تعالى: مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ [السجدة:4] .

    أي: ليس لهم ولي ولا ناصر غير الله، ولن يشفع فيهم أحد بغير إذن الله، بأن يأذن لخلقه ملائكة أو رسلاً أو صالحين بالشفاعة، فيشفع الملائكة، ويشفع النبي، ويشفع الأب، ويشفع الولد، ويشفع الصالح، ويشفع الشيخ والتلميذ، ولكن بعد إذن الله، وبعد إرادة الله، وبعد أن يأذن الله لمن شاء أن يشفع أو يتكلم، وإلا فلا شفيع بغير إذنه.

    قال تعالى: (أفلا تتذكرون) هذا استفهام تقريري.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يدبر الأمر من السماء إلى الأرض...)

    قال تعالى: يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [السجدة:5] .

    قوله تعالى: (يدبر الأمر من السماء إلى الأرض)، أي: يأمر ملائكته، فملك الموت للموت، وملك الرياح للرياح، وملك الأجنة للأجنة، وملك الأنهر للأنهر، وقد جعل الله لكل عمل جنوداً قائمين به وجعل عليهم جندياً كبيراً مسئولاً، كما كلف بعض البشر بدعوة الناس إليه ودفع الشرك والأوثان، والإيمان بالله وباليوم الآخر، فالله يدبر أمر السماء وأمر الأرض خلقاً ورزقاً، وحياة ومماتاً، من السماء إلى الأرض.

    معنى قوله تعالى: (ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة...)

    وقوله تعالى: ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ [السجدة:5] أي: ثم بعد تدبير الأمر في السموات والأرض تعرج الملائكة إليه جل جلاله إلى سدرة المنتهى.

    قال تعالى: ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [السجدة:5]، فالصعود إلى السماء خمسمائة عام، والهبوط منها خمسمائة عام، وهذا بالنسبة إلى البشر، أما بالنسبة للملائكة فهذه الألف سنة تكون كيوم من أيامنا، فيقطعون ألف عام في يوم.

    فالملائكة تصعد إليه جل جلاله لتبلغه عملها وما كلفت به، ومن المعلوم أن لكل إنسان ملكين عن اليمين وعن الشمال، يحصي من عن اليمين الحسنات ويحصي من عن اليسار السيئات، وقد قال نبينا عليه الصلاة والسلام في هذا المعنى: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار...)، فهؤلاء يذهبون إلى ربهم بما كتبوا خلال ذلك اليوم في ليله ونهاره ثم يأتي غيرهم، ولذلك قال تعالى: إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء:78]، فقرآن الفجر تشهده الملائكة، فالملائكة عندما يصعدون إلى ربهم في يوم كان مقداره ألف سنة من أيامنا يذهبون من عندنا ونحن نتلو القرآن، ويأتي الفوج الثاني عند الفجر ونحن نقرأ القرآن، فيشهدون لنا عند ربهم، فيقولون: أتينا فلان ابن فلان وهو يقرأ القرآن، وتركناه وهو يقرأ القرآن، فهي شهادة ما أزكاها من شهادة وما أعلاها من شهادة! فهو يقرأ القرآن بين طرفي النهار، فتلك شهادة يفوز بها من شهد له بها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ذلك عالم الغيب والشهادة...)

    قال تعالى: ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [السجدة:6].

    أي: أن خالق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، الذي يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما نعد في أيامنا، والذي يدبر الأمر من السماء إلى الأرض (عالم الغيب والشهادة)، أي: هو عالم الغيب والشهادة، والإشارة إليه جل جلاله بأنه هو عالم الغيب يعلم ما غاب عن الخلق، ويعلم الشهادة، ولا فرق عنده بين الشهادة والغيب، يعلم كل ذلك علماً يقينياً، علم الخالق الرازق المدبر، في الوقت الذي لا يعلم ذلك سواه.

    معنى قوله تعالى: (العزيز الرحيم)

    قال تعالى: الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [السجدة:6] العزيز الذي لا يذل ولا يغلب، القاهر في كل شيء جل جلاله، الرحيم بمن لا يحاول أن يغالبه أو يشرك به أو يعاند رسله، أو يخرج عن طاعته، رحيم به يدخله الجنة، ويغفر ذنبه، ويرضى عنه.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3046356073

    عدد مرات الحفظ

    736010077