إسلام ويب

المستقبل لهذا الدينللشيخ : عبد الله الجلالي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • نحن مطالبون بالأخذ بالأسباب المشروعة المؤدية إلى نصرة هذا الدين العظيم، وليعلم كل مسلم أن المستقبل لهذا الدين وإن خذله الناس، فقد تكفل الله بحفظ دينه، وإظهاره على سائر الأديان، وإدخاله كل بيت مدر ووبر.

    1.   

    أهمية اعتقاد أن المستقبل والظهور لهذا الدين

    الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونثني عليه الخير كله، ونشكره ولا نكفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، الذي بعثه الله رحمة للعالمين وحجة على الناس أجمعين، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فصلى الله عليه وسلم وبارك، وعلى آله ومن دعا بدعوته وعمل بسنته ونصح لأمته إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فلماذا نتحدث عن المستقبل لهذا الدين ونحن نرى الواقع لهذا الدين؟ بل نحن نعيش فترة هذا الدين، فبالله هل في مثل هذه الفترة العصيبة من فترات التاريخ يرى أحد مثل تلك الجموع من الشباب -والحمد لله- قد امتلأت بهم المساجد ودروس العلم؟!

    إذاً هذا الواقع يغنينا عن الحديث أو عن أن نقول: إن المستقبل لهذا الدين بل نقول: الواقع أن الأمة تعيش فترة من أحسن فترات حياتها والحمد لله رب العالمين.

    والعجيب أن هذه الفترة جاءت في وقت كانت التخمينات وكانت التقارير وكانت التحريات تزعم أن هذا الدين سوف يودع الحياة بعد فترة قليلة من الزمان، ولم يبق إلا رجال معدودون بالأصابع ثم ينتهي هذا الدين من هذه الحياة، هكذا يقول أعداء الإسلام، ولربما يصدقهم ضعاف الإيمان الذين لا يقرءون القرآن، أو يقرءونه بحيث لا يتجاوز حناجرهم، لكن الحقيقة أن المستقبل لهذا الدين، والواقع أن هذا الدين هو دين الحياة، وأن الله سبحانه وتعالى أظهره على الدين كله ولو كره المشركون.

    من هذا المنطلق نريد أن نقارن بين نصوص وأدلة تثبت أن الخيرية في هذه الأمة إلى يوم القيامة ومع واقع لربما يجعل بعض الناس يخاف على مستقبل هذا الدين، فنقول:

    إن الله تعالى قد تكفل بحفظ هذا الدين إلى يوم القيامة، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك).

    لكن هذه الخيرية وعلو هذا الدين كله مربوط بجهود لابد من أن يقدمها المسلمون، وذلك لا يعني أنهم إن لم يقدموا هذه الجهود أن الدين سوف يخلو من هذه الحياة وسوف يودع هذه الحياة، لا.

    يقول الله عز وجل عن دوام الدين وحفظه: وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ [محمد:38].

    1.   

    شروط الاستخلاف والتمكين للمسلمين في الأرض

    إن الخطر يكون على المسلمين إذا تخلو عن هذا الدين، فإن لله جنود السماوات والأرض، ولذلك نستطيع أن نقول: هناك استخلاف وهناك تمكين وهناك أمن وطمأنينة في هذه الحياة على هذا الدين، لكن بشرط أن يطبق المسلمون الشروط المذكورة في قوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [النور:55].

    فهذه الآية اشتملت على ثلاثة أمور:

    الأمر الأول: أن للاستخلاف في هذه الأرض ولتمكين هذا الدين أربعة شروط.

    الأمر الثاني: إذا توافرت هذه الشروط الأربعة تحقق هذا الوعد من عند الله عز وجل.

    الأمر الثالث: أن المسلمين لو غيروا ما اشترط عليهم بخصوص التمكين في هذه الأرض سوف يغير الله تعالى حالهم، بدليل قوله: وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [النور:55].

    ونبدأ بهذه الشروط الأربعة التي ذكرها الله عز وجل شروطاً لوجود هذا التمكين وتحقق مستقبل هذا الدين لهذه الأمة، علماً أن هذا الدين ممكن له في الأرض، وذلك لقوله تعالى: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [الصف:9]، ولقول النبي عليه الصلاة والسلام (لا يبقى بيت شعر ولا مدر إلا دخله هذا الدين، بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام وأهله، وذلاً يذل الله به الكفر وأهله) لكن الأمة الإسلامية مطالبة بأن تأخذ بأسباب التمكين والأمن والطمأنينة في هذه الأرض حتى يتحقق لها هذا الوعد.

    الشرط الأول: قوله تعالى: (آمَنُوا).

    الثاني: قوله تعالى: (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ).

    الثالث: قوله تعالى: (يَعْبُدُونَنِي).

    الرابع: قوله تعالى: (لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا).

    وتجد هذه الشروط الأربعة متماسكة ومترابطة مع بعضها، بحيث لو تخلف أحدها عن الآخر لما تحقق الموعود.

    الشرط الأول: الإيمان

    الإيمان معناه: التصديق الجازم بوجود الله. وما كانت هذه الكلمة لترد لولا أن هناك من يشكك في وجود الخالق سبحانه وتعالى، علماً أن هذا التشكيك يتنافى مع الفطرة، ولذلك يقول المؤرخون:

    لم يعرف العالم خلال التاريخ الطويل فترات أنكر فيها الخالق سبحانه وتعالى إلا في فترات مظلمة محدودة تلخص في مواقع ضيقة، كما في عهد الفرس، فهم شككوا في وجود الخالق، وكذلك الفلاسفة شككوا في وجود الخالق سبحانه وتعالى.

    ويروي لنا التاريخ في عهد أبي حنيفة رحمه الله: أنَّ ناساً طلبوا من شيخ أبي حنيفة أن يثبت لهم وجود الخالق سبحانه وتعالى.

    فتقدم لهم الإمام أبو حنيفة نيابة عن شيخه، وكان يومها لم يزل شاباً لا يتجاوز الرابعة عشرة من عمره، فقال: أنا الذي أخبرهم بوجود الخالق بدليل عقلي. وحدد يوم للمناظرة وكان المكان خلف نهر دجلة في العراق، واجتمع كثير من الناس لحضور المناظرة والنقاش بين أبي حنيفة وبين هؤلاء، فتأخر أبو حنيفة قليلاً عن الموعد المحدد واجتمع الناس.

    فلما جاء أبو حنيفة متأخراً قليلاً قيل له: إنك تأخرت! قال أبو حنيفة: ما تأخرت، لكني وقفت على حافة النهر أبحث عن قارب يحملني إليكم فما وجدت إلا قارباً صغيراً يعوم في الماء بدون قائد، فأشرت إليه فجاء فحملني إليكم ثم رجع، فقالوا: انظروا إلى أبي حنيفة المجنون يقول: إن قارباً جاء إليه وحمله ورجع وليس له قائد. ثم قالوا له: يا أبا حنيفة! أأنت مجنون؟ قال: لا. فإذا كنتم تتصورون أن هذه الحياة بكل أفلاكها وعظمتها وسمائها وأرضها تدور وتتحرك بدون قيادة، ولا تتصورون أن قارباً صغيراً يستطيع أن يعبر نهر دجلة بدون قيادة فأنتم المجانين. فغلبهم بحجته رحمه الله تعالى.

    وقبل ذلك كانت مرحلة الفراعنة بما فيها من إنكار الخالق سبحانه وتعالى، كما حدث لفرعون موسى حينما قال للناس: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص:38] ويقول سبحانه: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ [النمل:14] فهي في الحقيقة مؤامرة كاذبة من أجل العلو في الأرض، وهذا هو المنهج الذي سلكته الشيوعية مدة تزيد على سبعين عاماً وهي تقول للناس: لا إله والحياة مادة. إلى أن سقطت بحمد الله وفضله، فعرف الناس أن كل هذه المبادئ تتساقط بين حين وآخر.

    إذاً الإيمان بالخالق سبحانه وتعالى فطرة فطر الله الناس عليها، كما قال الله عز وجل: فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ [الروم:30]، فهذه الفطرة نطق بها كل مخلوق من بني آدم قبل أن يخرجوا إلى هذه الحياة بشكلهم الطبيعي، يقول عز وجل: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى [الأعراف:172] ولذلك هذا العهد ينساه طائفة من الناس أو يتناسونه، وهو ما عناه الله تعالى بقوله: وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ [الأعراف:102]، فالإيمان بالخالق سبحانه وتعالى فطرة، لكن هذه الفطرة ربما تتأثر بكثير من المؤثرات، وأظن أن الفطرة في وقتنا الحاضر -والحمد لله- قد بدأت تعود إلى طبيعتها وإلى مجاريها الطبيعية، وقد تأثرت هذه الفطرة منذ زمن ليس بالبعيد، ولكن كفى الله المؤمنين القتال، فالإيمان بالله عز وجل والإيمان بملائكته ورسله واليوم الآخر وغير ذلك من الأمور التي أخبر الله عز وجل عنها كلها تعتبر نوعاً من الإيمان الذي هو شرط من شروط كون المستقبل لهذا الدين، والإيمان بوحدانية الله عز وجل والإيمان بأسمائه وصفاته كل ذلك من شروط التمكين.

    الشرط الثاني: العمل الصالح

    قال عز وجل: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [النور:55].

    قوله: (مِنْكُمْ) يُشير إلى المسلمين؛ لأن الأديان الأخرى قبل الإسلام -وإن مكن لها مدة من الزمن- كانت تنتهي بانتهاء تلك الفترة، أما هذه الأمة فقال الله تعالى عنها: (مِنْكُمْ)؛ لأنها الأمة الخالدة التي يبقى دينها ما بقيت السماوات والأرض.

    والعمل الصالح هو الذي يتوافر فيه شرطان، فلا يقبل الله عز وجل عملاً ولا يكون صالحاً إلا إذا توافر فيه هذان الشرطان، ألا وهما: الإخلاص لله عز وجل، والمتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم.

    والإخلاص معناه: أن لا يصرف نوعاً من هذه العبادة لغير الله.

    وأما المتابعة فهي السير على المنهج الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من عند الله دون زيادة ولا نقص، ودون شطط ولا ميل، هذا هو العمل الصالح، وهذان الشرطان أشار الله عز وجل إليهما بقوله في آخر سورة الكهف حينما قال الصحابة: يا رسول الله! الرجل منا يعمل العمل يبتغي به وجه الله ويحب أن يراه الناس! فأنزل الله عز وجل شروط هذا العمل الصالح: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا [الكهف:110] أي: صواباً موافقاً للمنهج الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من عند الله -وهذا هو الشرط الأول- وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف:110] وهذا هو الشرط الثاني.

    ولذلك هذان الشرطان هما معنى (لا إله إلا الله محمد رسول الله).

    فالشهادتان اللتان نكررهما دائماً في الأذان وفي الإقامة وفي الصلاة وفي كل حال من أحوالنا معناهما الإخلاص والمتابعة؛ لأن معنى (لا إله إلا الله): نفي كل ما يعبد من دون الله عز وجل، وأن تكون العبادة والدين لله عز وجل وحده، ومعنى (محمد رسول الله): أي: طاعته واتباعه وتصديقه وأن لا يعبد الله إلا بما شرع.

    إذاً لو فهم المسلمون معنى (لا إله إلا الله) في أيامنا الحاضرة كما فهمها المشركون في العصر الأول في مكة لما قالها إلا من يعتقد بها اعتقاداً كاملاً، وكم من الناس اليوم من يقول: (لا إله إلا الله) وهو مع ذلك ينحني لغير الله ويخاف غير الله، ويسجد لضريح ويطوف على أعتاب ميت، ويخشع لغير الله ويذل نفسه لغير الله عز وجل، وهذا كثير جداً في أيامنا الحاضرة.

    وإذا تناسينا الآلهة الحية التي تعبد من دون الله في أيامنا الحاضرة -وهذه أظنها كثيرة- فلن نتناسى عشرين ألف ضريح تعبد من دون الله في العالم اليوم كلها يحج لها الناس ويتقربون إليها بالقرابين ويطوفون حولها سبعة أشواط، ولربما لا تسمح الفرصة إلا بشوط واحد بسبب كثرة الزحام، وهذه الإحصائية قبل سنوات.

    هؤلاء هم المسلمون الذين يقال عنهم في الإحصائية: إنهم مليار عندهم عشرون ألف ضريح يطاف حولها ويتمسح بأعتابها، ويتمرغ في أتربتها، ويخشع ويراق لها من الدموع أكثر مما يريقه المؤمنون حول الكعبة المشرفة.

    وأكثر ما وصلت إليه الوثنية في يوم فتح الرسول صلى الله عليه وسلم مكة كانت لا تزيد على ثلاثمائة وستين وثناً وصنماً، أما الآن فعشرون ألف ضريح يُعبد من دون الله عز وجل!.

    إذاً أين (لا إله إلا الله محمد رسول الله)؟ ثم أضف إلى ذلك البشر الذين يشرعون القوانين ويأمرون وينهون، وتستجيب لهم الأمم من دون الله عز وجل، وينحني لهم البشر، ويتمسحون بأعتابهم لطلب المال أو الجاه أو المركز أو أي أمر من الأمور، أضف هذا العدد الهائل من هؤلاء البشر إلى عشرين ألف ضريح.

    إذاً نستطيع أن نقول: هناك عشرات الآلاف من الآلهة التي تعبد من دون الله في أيامنا الحاضرة والله المستعان!

    فلا تعجب حينما يتأخر الوعد، ولكن اعجب حينما يحقق الله عز وجل الموعود وكثير من المسلمين قد أخلف الوعد.

    وخلاصة القول أن العمل الصالح هو إقامة أركان الإسلام: الشهادتين، والصلوات، والزكاة، والحج، والصيام، مع القيام ببر الوالدين، وصلة الرحم، والإحسان إلى المساكين، وحقوق الجوار، وحقوق المسلمين، كل هذه واجبات لابد من أن يرعاها المسلم من أجل أن يستجلب وعد الله عز وجل، ولو نظرنا نظرة أخرى إلى العالم الإسلامي لوجدناه قد ضيع كثيراً من هذه الواجبات العظيمة التي شرعها الله عز وجل، ولذلك كثير من المسلمين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، وكثير من المسلمين عطلوا الزكاة، وكثير من المسلمين ركبوا المحرمات، وركوب المحرمات يستلزم ترك الصالحات؛ لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده، ولذلك كم في بلاد المسلمين من بنوك الربا؟! وكم في بلاد المسلمين من وسائل الترفيه التي يقولون عنها: بريئة؟! وكم في بيوت المسلمين من الأجهزة الراقصة اللاهية اللاعبة؟! إلى غير ذلك من الأمور التي نسأل الله أن يعافينا ويعافي المسلمين من شرها ويحفظنا جميعاً بحفظه.

    إذاً قوله: (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) أي: تركوا المنكرات وفعلوا الواجبات التي شرعها الله عز وجل. وهذا الشرط إذا تحقق وقوعه تحقق الوعد الذي وعد الله عز وجل به.

    الشرط الثالث: العبودية الكاملة لله عز وجل

    من شروط هذا الوعد تحقيق العبودية، فما معنى العبودية؟ العبودية معناها في قوله تعالى: ( يَعْبُدُونَنِي ) أي: يوحدونني.

    وحقيقة العبودية أن يشعر الإنسان بالرق لله عز وجل، وشعوره بالرق معناه التحرر من عبادة المخلوق؛ لأن الإنسان لابد من أن يخضع لدين، ولابد من أن تسيطر عليه عقيدة، ولابد له من رق وعبودية، فإما أن يكون ذلك لله، وإما أن يكون لشيء آخر، كما قال ربعي بن عامر رضي الله عنه حينما قدم على رستم فقال له رستم: ما الذي جاء بكم؟ قال: (إن الله عز وجل ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله عز وجل وحده). إذاً ليست هناك حرية أبداً، إما أن تكون العبودية لله وإما أن تكون لغير الله، ولذلك فقد أدرك المؤمنون أن هذه العبودية يجب أن تكون لله، وأن لا يكون منها شيء للمخلوق، فالإنسان حر طليق إلا أنه عبد لله عز وجل؛ لأنه يعلم أن الحياة والموت بيد الله وأن الرزق بيد الله وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا [هود:6]، وأن الأرض ملك لله يورثها من يشاء من عباده، وأن ما في هذه الأرض من الطيبات إنما هي للمؤمنين، يشاركهم فيها الكافرون في الحياة الدنيا ويختص بها المؤمنون في الحياة الآخرة، يقول عز وجل: قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الأعراف:32].

    إذاً هذه العبودية لله، وهذا التحرر لا يكون إلا من عبادة المخلوق، وإذا هرب الإنسان من عبادة الله عز وجل وحده فإنه لابد من أن يقع في عبادة المخلوق أياً كان هذا المخلوق.

    فليعلم أن عبادة البشر فيها الذلة والمهانة، وكذلك عبادة المال أذل وأشد مهانة، يقول عليه الصلاة والسلام: (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة) كذلك إذا هرب الإنسان من عبادة الله صار عبداً للشيطان، ويعصي الله عز وجل في قوله: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ [يس:60-61]، وكذلك إذا هرب من عبادة الله عز وجل فسيكون عبداً للشهوة أو عبداً لأي كائن من كان غير الله عز وجل، وبمقدار ما يهرب من العبودية لله يقع في الرق والعبودية للمخلوقين، وإذا هرب من العبودية لغير الله يقع في العبودية لله عز وجل وحده.

    لقد كان سلفنا الصالح يعتزون بالعبودية لله، فهذا الفضيل بن عياض رحمة الله عليه عندما كان يعيش حياة منحرفة مدة من الزمن فأنقذه الله عز وجل ليكون عبداً له بدلاً من أن يكون عبداً للشهوات تحول الفضيل بن عياض ذلك اللص الذي كان يرهب الناس في الليل إلى العابد الذي يقول:

    ومما زادني شرفـاً وتيهـاً فكـدت بأخمصي أطأ الثريـا

    دخولي تحت قولك: يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيا

    يعتبر عبوديته لله شرفاً فيقول: كدت أطأ على الثريا وهي في كبد السماء ببطني قدمي؛ حينما قلت لي: يا عبدي. لأني لو لم أكن عبداً لك لكنت عبداً للشهوة. ولقد عاش الفضيل بن عياض الحياة الآسنة الفاسدة في عبادة الشهوات حتى أنقذه الله عز وجل، وذلك عندما كان يتسلق داراً ليسرقها فسمع قارئاً يقرأ في الدار: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [الحديد:16]، فقال: والله لقد آن، والله لقد آن. فصار مع كل جزء من هذه الآية ينزل درجة من السلم ويقول: والله لقد آن، والله لقد آن.

    ونحن نقول للمفسدين في الأرض ونقول للعصاة الذين لم يهتدوا بعد: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [الحديد:16].

    ولعلك تعرف من هو بشر الحافي في التاريخ بعد أن هداه الله، كان بشر رجلاً فاسقاً من أبناء الأشراف، وورث مالاً كثيراً، وكان شاباً مترفاً يعيش ليله مع نهاره في معصية الله عز وجل، تدار كئوس الخمور في داره حتى الهجيع الأخير من الليل، كما يحدث لكثير من الناس، نسأل الله العافية والسلامة، فالراقصات والمغنيات واللهو واللعب في داره إلى الصباح، وكان في حياة أشبه ما تكون بالغيبوبة لم يفهم معنى العبودية، فأراد الله له الهداية، فمر ذات يوم بداره إبراهيم بن أدهم رحمة الله عليه الرجل الصالح، فتمزق قلب إبراهيم بن أدهم حينما سمع اللهو واللعب وكئوس الخمر تدار في بيت رجل يقول: إنه من المسلمين. فقرع إبراهيم بن أدهم باب بشر ، ففتحت له إحدى الراقصات فقال: هذا بيت من؟ قالت: بيت بشر. قال: بالله أخبريني أبشر حر أم عبد؟

    فتأمل كيف تصل الموعظة إلى قلوب الناس الأشقياء إذا أراد الله عز وجل لهم السعادة والهداية، قالت: لا، بل هو حر. قال: قولي له: إن كان حراً فليفعل ما يشاء. وانصرف الرجل.

    فلما رجعت الراقصة سألها بشر: من كان عند الباب؟ قالت: رجل صفته كذا. قال: ماذا قال؟ قالت: سأل عنك أحر أنت أم عبد؟ قال: وماذا قلت له؟ قالت: قلت له: إنك حر. قال: وماذا قال؟ قالت: قال: إن كان حراً فليفعل ما يشاء.

    بدأ بشر يفكر في معنى العبودية والحرية، فالناس لا يتصورون الرق إلا للعبد المملوك الذي يباع ويشترى، ثم قال: أين ذهب الرجل؟ قالت: من هنا. فمشى حافياً لأول مرة في حياته يركض وراء إبراهيم بن أدهم فلحقه، فقال: قف يا رجل، ماذا تقول؟ قال: أبداً يا بشر، وإنما سألت عنك أحر أنت أم عبد؟ فقالوا: إنك حر. فقلت: إن كنت حراً فافعل ما تشاء. قال: ويحك يا رجل! ماذا تقول؟ قال: لا أقول أكثر من ذلك، يا بشر! إن كنت حراً فافعل ما تشاء، وإن كنت عبداً فليست هذه صفة العبيد لله. فصار يضرب برجله الأرض ويقول: والله إني لعبد، والله إني لعبد.

    تصور أن هذه العبودية أنقذته من ذلك الرق، فرجع إلى بيته يكسر زجاجات الخمر ويسرح المغنيات ليكون بشراً الحافي الذي لا ترد كلمة بشر إلا ويتصور الناس منتهى الورع والتقى والاستقامة على دين الله.

    يروى أن الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه كان جالساً في مجلس العلم فجاءته امرأة وقالت: أيها الإمام! نحن قوم نغزل ثم يمر السلطان بأضواء لامعة في الطريق فنغزل على هذا الضوء فيزيد غزلنا، فهل يجوز لنا هذا الضوء الذي يضيء في الفضاء؟ قال: نعم يجوز. فلما انصرفت سأل الإمام أحمد : من هذه المرأة؟ فقيل له: هي أخت بشر الحافي. فقال: ردوها عليّ. فلما ردوهما قال: لا يجوز لك ذلك الضوء.

    فسألوه: لماذا؟ قال: إن هناك من يسأل عن فضول المباحات، وإن هذه المرأة من بيت ورع ودين وتقى فهي أخت بشر الحافي.

    بشر ذلك الذي كان في يوم من الأيام لاهياً لاعباً عابثاً فأصبح الرجل الذي يضرب به المثل في الورع والتقوى.

    وهذا عبد الله بن حذافة السهمي رضي الله عنه ورحمه الذي يثني عليه التاريخ ثناءً عاطراً؛ لأنه فهم معنى العبودية، وحين وقع في أسر الرومان في موقعة في زمن عمر كان الرجل الصائم العابد الراكع الساجد في جنح الليل المظلم وهو في معتقله في بلاد الروم، فذكرت بعض صفاته من عبادته وتقواه وصلاحه وعقله ورزانته لملك الروم، فقال قيصر الروم: مثل هذا لو دخل في ديني لكان مكسباً عظيماً. فدعا عبد الله بن حذافة ، فجيء به وأوقف بين يديه وقال له قيصر : يا عبد الله! لو تنصرت لشاطرتك ملكي. يريد أن يصرفه من عبودية الله إلى عبودية الملك والمركز الذي يسيل له لعاب كثير من الناس، ولربما يرتدون عن الإسلام لما هو أصغر من ذلك بكثير، فقال: والله لو كانت لي الدنيا بأسرها ما تركت شيئاً من ديني.

    إذاً العبودية للمركز والملك فشلت، فلم يتنازل عن شيء من دينه ليكون مشاطراً لقيصر الروم في ملكه؛ لأنه ملأ قلبه بالعبودية لله عز وجل، فما استطاع هذا القلب أن يستوعب مكاناً آخر غير الله عز وجل، فقال قيصر الروم: ردوه إلى معتقله ودلوني على طريق أكسب به هذا الفتى.

    فقالوا: إنه بعيد عن أهله منذ أشهر وإنه شاب قوي، ولو فتنته بالشهوة لأصبح عبداً لها. فقال: ائتوني بأجمل فتاة في بلادي. فجيء بأجمل فتاة في بلاد الروم وأغريت كل الإغراء إن هي فتنت عبد الله بن حذافة ، فدخلت الفتاة وتجردت من كل ملابسها، وصارت تتابعه بجسدها المترف، وكلما دنت منه ابتعد عنها وأغمض عينيه، وأقبل على القرآن يتلوه ويستعيذ بالله من شرها، وصارت هذه الفتاة تتابعه جهة جهة حتى يئست منه، وعرفت أنه قد امتلأ قلبه بالعبودية لله عز وجل، فقالت: أخرجوني. فقابلها شياطين الإنس عند الباب وقالوا لها: ماذا حدث؟ قالت: والله لا أدري أعلى بشر أدخلتموني أم على حجر؟.

    عبودية لله لم تترك مجالاً في هذا القلب ليتسع لشيء آخر.

    إنها الشهوة التي تفتن كثيراً من الناس ولا تعطي فرصة للتفكير ولا لاستعمال العقل، تخلص منها هذا الصحابي الجليل بسبب عبوديته ورقه لله عز وجل.

    تحير قيصر الروم في أمر هذا الشاب فقال: لابد من أن تدلوني على سبيل أفتن به هذا الرجل. فقيل له: كل الناس يخافون من الموت.

    لكن عبد الله بن حذافة لا يخاف من الموت ومن هم على شاكلته لا يخافون من الموت؛ لأنهم يعرفون أن الموت لا يأتي إلا بأجل معلوم، كما قال الله تعالى: فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [الأعراف:34].

    فالمؤمن لا يحني رأسه لغير الله خوفاً من الموت؛ لأنه يعلم أن الموت مقدر من لدن حكيم خبير.

    قال قيصر الروم: ائتوني بقدر وزيت. فجيء بقدر عظيمة فيها زيت فأشعلت تحتها النار حتى صار الزيت يغلي. ثم دعا بـعبد الله بن حذافة، وجيء بأسيرين من أسرى المسلمين. وأوقفا على حافة القدر، فأمر الملك بهما فقذفا في القدر فصارا عظاماً.

    وكان قيصر يراقب عبد الله، فإذا دمعة صغيرة تسيل من عين عبد الله ، فظن قيصر أن العبودية لله ضعفت، وأنه سوف يدخل في قلب عبد الله الخوف من الموت، قال: يا عبد الله خفت من الموت؟ فقال: والله ما بكيت حينما رأيتني بكيت خوفاً من الموت، لكني بكيت لأنه ليس لي إلا نفس واحدة تموت في سبيل الله، ولوددت أن لي بكل شعرة في جسدي نفساً تدخل هذا القدر وتموت في سبيل الله.

    إذاً عندما يمتلئ القلب بخشية الله عز وجل لا يبقى فيه مكان لغير الله عز وجل؛ لأن العبودية ما تركت فيه فراغاً لمخلوق من المخلوقين.

    الشرط الرابع: عدم الإشراك بالله

    العنصر الرابع من عناصر التمكين قوله: (لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا) فكما أن هناك عبودية فهناك توحيد بغير شرك أياً كان هذا الشرك.

    إذاً لا شرك لمخلوق حي ولا ميت، لا لضريح ولا لملك ولا لزعيم ولا لرئيس ولا لمشرع كما يقولون، ولا لصاحب قانون ولا لصاحب نظام مع الله عز وجل، ولو كانت كل وسائل الهلاك والعذاب بيد هذا المخلوق؛ لأنها لا تفعل شيئاً إلا بإرادة الله عز وجل وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ [الأنعام:112]، فهي مربوطة بإرادة الله عز وجل وبمشيئة الله عز وجل.

    إذاً الشرك بالله عز وجل أياً كان هذا الشرك لا يجوز، سواء أكان شرك الأحياء كالذين يشرعون القوانين والأنظمة ويتقبلها البشر، وينسون أن الله تعالى يقول: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا [النساء:60].

    أم كان شرك الطاعة في معصية الخالق سبحانه وتعالى، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم حينما أنزل الله عز وجل: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [التوبة:31]، فقال عدي بن حاتم : (يا رسول الله! والله ما كنا نعبدهم. قال: أليسوا يحرمون ما أحل الله ويحلون ما حرم الله فتطيعونهم؟ قال: بلى قال: فتلك إذاً عبادتهم).

    إذاً كلمة توحيد الله عز وجل تستلزم أن يقدم المسلم أوامر الله على أوامر المخلوقين، فإذا توافقت أوامر المخلوقين مع أوامر الله عز وجل فحينئذ نقبل أوامر المخلوقين ما دامت لا تتنافى مع أوامر الله عز وجل، وإذا تنافت أوامر المخلوقين مع أوامر الله عز وجل فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وهب أنه جبار عنيد يبطش ويسجن ويقتل ويريق الدماء، كل ذلك لا يكون إلا بإرادة الله عز وجل، وهنا يظهر التوحيد الصحيح، ولذلك يقول الله تعالى: (لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا) ولا تظن أنّ كلمة (شيئاً) حشو في القرآن، ليس في القرآن حشو، فكلمة (شيئاً) تعطينا معنىً جديداً في الشرك الذي فهمه الناس فهماً خاطئاً؛ لأن الناس يفهمون أن الشرك هو عبادة اللات والعزى ومناة وهبل وأساف ونائلة من الأوثان التي عرفها الناس في التاريخ القديم، لكن كلمة (شيئاً) تفيد عموم الشرك من حب وبغض ودعاء واستعانة وغير ذلك من أمر الشرك؛ لأن جانب التوحيد وجانب الشرك دقيق وحساس يتأثر بأمور يسيرة.

    يقول علماء اللغة: النكرة إذا جاءت بعد النفي تفيد العموم أي: أيُّ شيء من هذه الأشياء. ولهذا دخل النار رجل في ذباب قربه لغير الله.

    إذاً جانب التوحيد حساس ودقيق.

    ولذلك أرى في أيامنا الحاضرة أن التوحيد في بعض الأحيان يضطرب، لاسيما حينما تكون هناك أوامر تصدر من المخلوقين ويتقبلها المخلوقون دون أن يعرضوها على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    وهناك خوف وخشية من غير الله عز وجل، وتعظيم للمخلوق لا يرتبط بتعظيم الله عز وجل، إلى غير ذلك من الأمور.

    فكلمة (شيئاً) تعطينا هذا المعنى الذي لا يفهمه إلا قليل من الناس.

    إذاً المراد: أي نوع من أنواع الشرك ممنوع.

    1.   

    الجزاء الدنيوي لمن نفذ الشروط الأربعة للتمكين

    أما الجزاء فالله تعالى حصره في ثلاثة أمور كلها يحبها الناس، قال عز وجل: لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا [النور:55] هذه ثلاثة أمور كلها يحبها الناس، دع عنك جزاء الآخرة، فهذا الجزاء في الدنيا، وهذه الأمور يفرح بها كل الناس حتى الكفرة والعصاة والملاحدة، فجميعهم يريدون هذه الأمور الثلاثة، وهي الاستخلاف في الأرض، والتمكين، والطمأنينة في هذه الحياة، لكنها لا تكون إلا للمؤمنين الذين ينفذون الشروط الأربعة المذكورة في الآية.

    الجزاء الأول: الاستخلاف في الأرض

    أما الاستخلاف في الأرض فهو أن تكون السلطة بأيدي هذه الأمة بدلاً من أن تكون السلطة بأيدي الكافرين الذين يسومون المسلمين سوء العذاب، كما يوجد في كثير من البلاد الإسلامية اليوم، يتسلط الكفار على المؤمنين وطغاة البشر على الأتقياء فيسومونهم سوء العذاب، وليس هذا استخلافاً في الأرض، الاستخلاف في الأرض أن تكون الخلافة وأن يكون الأمر والسلطة بيد أهله الشرعيين، لا بيد الأدعياء الذين يأخذون السلطة بطريق القوة، ثم يسومون الناس سوء العذاب، ثم يحولون السجون إلى معتقلات، ويبتزون الأموال ويريقون الدماء ويتلاعبون بمصالح الأمم، هذه نقطة الضعف بالنسبة لهذه الأمة.

    وهذا الاستخلاف لم يكن للأمة الإسلامية في صدرها الأول كما كان الحال في الحياة المكية التي عاشها المسلمون، لقد كان الأذى يصب على رءوس المؤمنين صباً؛ لأن المسلمين في تلك الفترة في مكة كانوا مستضعفين في الأرض.

    فكان بلال رضي الله عنه يؤتى به في شدة الظهيرة وحرارة الشمس فيبطح على الأرض، وتوضع على جسده الحجارة الحارة من أجل أن يكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم فيقول: (أحد أحد).

    وكان عمار بن ياسر رضي الله عنه وأمه وأبوه وأهله كلهم يعذبون بصنوف العذاب، حتى مات ياسر تحت العذاب ثم تبعته زوجته سمية، وذلك عندما قتلها أبو جهل لعنه الله، ويمر بهم محمد صلى الله عليه وسلم ولا يملك لهم من الأمر شيئاً إلا أن يقول: (صبراً آل ياسر؛ فإن موعدكم الجنة).

    وكان صهيب الرومي رضي الله عنه ذا مالٍ في مكة، فلما كان في طريق هجرته تبعه المشركون وقالوا: والله -يا صهيب- لا ندعك تهاجر وقد جئتنا فقيراً لا مال لك ثم ها أنت الآن تهاجر. فقال لهم: أرأيتم إن دللتكم على مالي أتتركوني؟ قالوا: نعم. فدلهم عليها ثم لحق برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يصل إلى المدينة حتى يجد قرآناً يتلى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ [البقرة:207].

    إن الحياة في مكة اشتدت على المسلمين، حتى أنزل الله عز وجل وصفاً دقيقاً لتلك الحياة: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ [آل عمران:142].

    وقوله تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ [البقرة:214] ثم يأتي النصر: أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة:214]، تلك الحياة التي صورها لنا خباب بن الأرت رضي الله عنه حين يقول: (شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا: يا رسول الله! ألا تدعو لنا؟! ألا تستنصر لنا؟! فقعد الرسول صلى الله عليه وسلم جالساً وقال: لقد كان يؤتى بالرجل ممن كان قبلكم، فيحفر له في الأرض، ويوضع المنشار في مفرق رأسه، ويقسم قسمين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم وعصب ما يصده ذلك عن دين الله، ووالله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون)، ولقد سار المسلمون على المنهج الصحيح، ولم تمض إلا مدة وجيزة من الزمن حتى تم الاستخلاف في الأرض للمؤمنين، فكانت دولة الإسلام التي أرسى قواعدها رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، ثم لم تمض مدة من الزمن إلا وقد رفرف علم الإسلام على أكثر المعمورة، من الصين شرقاً إلى المحيط الأطلسي غرباً.

    كان المسلم لا يجد وهو يسير في أكثر من نصف الكرة الأرضية دائرة جوازات ولا جمارك ولا أحوالاً مدنية ولا من يقول له: من أنت. ولو قيل له: من أنت لقال: أنا المؤمن الذي أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.

    هذه الدولة التي انقسمت الآن إلى عشرات الدول أو الدويلات التي تعيش مستضعفة تحت مطارق الكافرين، تلك الدولة التي يقول عنها المؤرخون:

    كان هارون الرشيد ذات يوم جالساً في بغداد، فمرت سحابة من فوق رأسه فصار يخاطب السحابة ويقول لها: يا سحابة! أمطري أنى شئت فسيأتيني خراجك ولو بعد حين.

    لقد كانت الدولة الإسلامية تسابق الشمس على مطالعها.

    إن العز والاستخلاف تجده في قصة قتيبة بن مسلم حينما كان في بلاد ما وراء النهر يفتح وينشر الإسلام، فيسأل قادته ذات يوم قائلاً: يا قومي! أي بلاد تقع أمامنا؟ قالوا: بلاد الصين. قال: والله لا أرجع إلى وطني حتى أطأ بأقدامي هذه تراب الصين -ويشير إلى أقدامه- وأضع وسم المسلمين على الصينيين، وأفرض الجزية عليهم.

    ووصلت الأخبار والتجسسات إلى ملك الصين تخبره بقسم قتيبة، فهل تظن أن ملك الصين سوف يرسل له إخطاراً تهديداً؟ لا، هو قتيبة بن مسلم الذي جاء ينشر الإسلام، فيرسل إليه ملك الصين صحافاً من ذهب مملؤة بالتربة من أرض الصين، ويقول: هذه التربة ليطأها قتيبة وهو في مكانه ويبر بقسمه، وهؤلاء أولادي الأربعة يضع عليهم الوسم، وهذه الجزية سوف تصله كل عام.

    أما عقبة بن نافع رحمة الله عليه فكان يسير في بلاد شمال أفريقيا، يقول المؤرخون: مر في طريقه في تونس وكلفه الخليفة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه أن يبني مدينة تكون مركزاً للمسلمين وهي ما تسمى في الوقت الحاضر في تونس (مدينة القيروان) فقرر أن يبني المدينة لتكون مركزاً للمسلمين في تلك البلاد، فجاءه أهل البلاد وقالوا: أيها القائد! هذه أرض موحشة مسبعة يرجع كل الفاتحين دونها، ابحث عن مكان مناسب. قال: والله لا أبنيها إلا في هذا المكان. يقولون: فوقف عقبة بن نافع رحمة الله عليه على حافة الغابة وقال: أيتها الوحوش! نحن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم جئنا هنا لننشر الإسلام. يقول شاهد عيان: والله لقد رأينا الوحوش تحمل أولادها من الغابة لتخليها لـعقبة بن نافع ليقيم عليها مدينة القيروان.

    ثم يسير عقبة بن نافع ليصل إلى المحيط الأطلسي فيغرز قوائم فرسه في ماء المحيط ويقول: والله لو أعلم أن وراء هذا الماء أحداً لخضته على فرسي هذه إليه.

    هذه عزة المؤمنين التي يقول الله عز وجل عنها: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون:8].

    ويفقدها كثير من الناس اليوم؛ لأنهم لم يأخذوا بكثير من أسبابها، فتتمزق الدولة الإسلامية إلى دويلات صغيرة لا تخفى علينا أخبارها، ويسام المسلمون سوء العذاب، وتضيع الأندلس، وتضيع فلسطين، وتضيع لبنان، وتضيع مواطن كثيرة.

    إذاً الاستخلاف في الأرض مرهون باتباع أمر الله عز وجل، لكني واثق -بإذن الله عز وجل- أن هذه الصحوة الإسلامية المباركة هي التي سوف تعيد هذا الاستخلاف في الأرض مرة أخرى، قال عز وجل: وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [يوسف:21].

    الجزاء الثاني: التمكين للدين الذي ارتضاه الله لهم

    يقول الله تعالى: وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ [النور:55]، فالله تعالى قد ارتضى لهذا العالم ديناً واحداً هو دين الإسلام، ونسخ به كل الأديان، ولن يقبل الله عز وجل ديناً سواه، ومن قدم على الله يوم القيامة بدين غير دين الإسلام فإن الله لا يقبله منه، أما التمكين لهذا الدين فإنه سنة من سنن الله عز وجل وعد الله عز وجل بذلك المؤمنين، يقول سبحانه لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [الصف:9]، لكنه سبحانه كلفنا بالجهاد في سبيله ليكون الدين كله لله، كما قال الله عز وجل: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ [الأنفال:39].

    وما دام هناك دين لغير الله فإن الأمة الإسلامية ليست بخير حتى يكون الدين كله لله، ولا يجوز أن يوضع السلاح على الأرض وهناك من يعبد في هذا الكون من دون الله عز وجل، ولا يجوز أن يوضع السلاح -أيضاً- حتى يكون الدين كله لله، وحتى لا تكون فتنة، والفتنة هنا معناها الكفر والردة والخروج عن الإسلام والشرك، أما المنحرفون في أيامنا هذه فيسمون الفتنة ويطلقونها على الاضطرابات، ونحن نرفض هذه الاضطرابات ولو كانت لهدف.

    الجزاء الثالث: الطمأنينة والأمن للمؤمنين

    يقول الله تعالى: وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا [النور:55] كان الرجل لا يطمئن أن يصلي حول الكعبة في العهد المكي كله، ثم حقق الله هذا الوعد للمسلمين، فيدخل الرسول صلى الله عليه وسلم مكة فاتحاً فتصبح مكة دار إسلام، وحينئذ أمن القوم، وما زال الإسلام يسعى لتحقيق هذا الأمن حتى حقق الله هذا الأمن للأمة الإسلامية بكل معانيه، سواء في ذلك الأمن الخارجي حينما أعلن المسلمون الجهاد في سبيل الله، فصارت تنهد الحصون للأمة الإسلامية ولجنود الله قبل أن يصلوا، أو الأمن الداخلي الذي حققه الله عز وجل للأمة الإسلامية بما شرعه سبحانه وتعالى من حدود ومن أوامر ومن نواه، فكانت الحدود أمناً للناس يأمنون بها على أنفسهم ودمائهم، كما قال الله عز وجل في القصاص: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ [البقرة:179] أي: حياة سعيدة آمنة. وقال عز وجل: اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ [الأنفال:24]، وكان قطع يد السارق أمناً للأموال، وكان رجم الزاني أمناً على الأعراض، وكان قتل المرتد أمناً على المعتقدات والدين، وكان جلد القاذف أمناً على الأعراض والسمعة، وكان جلد شارب الخمر أمناً على العقول وسائر التصرفات، وكان قتال المحاربين كما في قوله تعالى: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا [المائدة:33] أمناً على الأمن كله، ولذلك فإن المسلم بعد أن أمنه الله عز وجل بهذه الحدود صار آمناً مطمئناً في هذه الأرض.

    1.   

    عوامل الخوف على هذا الدين

    بقي الآن صفوة الموضوع، وهو: هل المستقبل لهذا الدين أو لغير هذا الدين؟

    نقول: المستقبل لهذا الدين، لكن هناك أشياء تخيف بعض المسلمين على هذا الدين، وهم الذين ينسون وعد الله عز وجل: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9]، ويغفلون عن قوله تعالى: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [الفتح:28].

    نقول لهؤلاء الناس الذين يخافون على هذا الدين: اطمئنوا على الدين وخافوا على أنفسكم؛ لأن هناك عوامل تدلنا على أن المستقبل حقيقة لهذا الدين، وإننا ننتظر من خلال هذا الواقع الذي نعيشه اليوم حياة أفضل يتجه بها العالم كله إلى دين الله.

    العامل الأول: الإعراض عن شرع الله

    إن الإعراض عن شرع الله عز وجل موجود، فالآن لا تجد دولة تحكم بشرع الله إلا دولتنا التي نسأل الله أن يهديها ويوفقها ويحفظها بالإسلام وإقامة حدوده، وأن يجنبها دعاة الباطل، وأن يوفقها لمحاربة المحرمات التي بدأت تشوش على المسلمين اليوم.

    فهل يمكن أن يظهر هذا الدين في وقت لا نجد فيه إلا دولة واحدة في العالم تحكم بشرع الله؟

    نقول: الخير في هذه الأمة إلى يوم القيامة، وأبناء هذه الصحوة -وهم اليوم حتى في أمريكا وفي روسيا والحمد لله- الآن يؤذنون بخير وبصبح قد أقبل، وبأنهم سوف يعيدون للأمة الإسلامية شرع الله وحكم الله في الأرض.

    العامل الثاني: التسلط والطغيان في الأرض

    هناك تسلط في أيامنا الحاضرة وطغيان في الأرض شديد يسوم المسلمين سوء العذاب، ولربما يزيد هذا التسلط فيخيف ضعاف الإيمان فيرجعون من منتصف الطريق، ويكونون من الذين قال الله عز وجل فيهم: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ [الحج:11]، أو من الذين قال الله تعالى فيهم: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ [العنكبوت:10]، هذا التسلط خطير جداً، لكن ثق بأن هذا التسلط جاء في فترة والإيمان عميق في نفوس الناس والحمد لله، وأظن أن هؤلاء المؤمنين الذين يتعرضون لهذا التسلط لا يقلون إيماناً عن إيمان سحرة فرعون الذين قال لهم فرعون: فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى [طه:71]، فقال السحرة: لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا [طه:72].

    إذاً هذا التسلط وإن كان خطيراً وإن كان مخيفاً لكن لنا أمل قوي في الله عز وجل ثم في شباب الصحوة الإسلامية الذين عرفوا الله عز وجل حق المعرفة في كل العالم الإسلامي، بل حتى في بلاد الكفر.

    العامل الثالث: ضعف دعاة الحق

    إن ضعف دعاة الحق تعتبر من أكبر العوامل الخطيرة، لاسيما إذا كان هناك نشاط لدعاة الباطل، ولاسيما إذا كان دعاة الباطل من أبناء جلدتنا -نعوذ بالله- ومن يتكلمون بألسنتنا، فمن كان اسمه أحمد، أو محمد، أو عبد الله، أو عبد الرحمن فإن هؤلاء يطعنون في الإسلام أكثر مما طعن فيه أبو جهل وأبو لهب ، هذه حقيقة خطيرة في وقت ضعف فيه دعاة الحق، أو أُضعفوا وأوقفوا أو كادوا يوقفوا، لكن لنا أمل في الله عز وجل أن تعود المياه إلى مجاريها.

    العامل الرابع: وجود المغريات وكثرتها

    من العوامل وجود مغريات في هذا العصر، منها السفر إلى الخارج فهو ميسر، ومنها الأفلام، فهي أفلام تصل إلى قعر بيوت المسلمين، ولربما يعدوننا بالبث المباشر، ويخوفوننا بالذين من دون الله، إلى غير ذلك من هذه الأمور.

    وهذه حقيقة مخيفة، لكن المؤمن إذا عرف الله عز وجل لا يتأثر بكل هذه الأمور؛ لأن المؤمن ينطلق من منطلق قوي وهو إيمانه بالله عز وجل.

    1.   

    بوادر وعوامل الخير المؤكدة على أن المستقبل لهذا الدين

    هناك بوادر وعوامل الخير التي نشاهدها تؤكد لنا أن المستقبل لهذا الدين وأن هذا العالم سوف يعود كله بإذن الله إلى هذا الدين، ولن يبقى في هذه الأرض دين غير دين الإسلام، ولن يبقى في هذه الأرض من يدين بغير دين الإسلام.

    وجود الصحوة

    هناك بوادر وأدلة واضحة أهمها هذه الصحوة الإسلامية المباركة، الشباب الذين لا تجد فيهم إلا عدداً قليلاً من كبار السن.

    وقبل فترة من الزمن ما كنا نجد في المساجد إلا كبار السن والعجزة، فما الذي حدث؟ الذي حدث أن نور الله عز وجل ودينه بدأ يظهر على الدين كله.

    فمن أهم العوامل والبوادر الدالة على الخير وجود هذه الصحوة الإسلامية المباركة، ووجود هذا النوع من الشباب، حتى وجدنا الشباب أحسن من الآباء في أيامنا الحاضرة، حتى أبناء الفسقة تدينوا -والحمد لله- وأقبلوا على دين الله، حتى الأبناء الصغار أقرب إلى الدين من الكبار، مما يدل على أن هذه الصحوة الإسلامية مباركة، ولها جذور عميقة في هذه الحياة.

    إذاً هذه تعتبر من أهم البوادر والمظاهر والعوامل الحقيقية التي تثبت لنا أن المستقبل لهذا الدين.

    سقوط الأفكار المنحرفة

    إن الأفكار المنحرفة كل يوم يسقط منها مذهب والحمد لله، فقبل سنوات سقطت القومية العربية التي أرهبت الناس، وخاف بعض الناس من شدة المغالاة فيها أن تكون ديناً وعقيدة، فسقطت حينما عرف أن الذين قاموا بها هم أعداء الأمة العربية، وبعد فترة من الزمن جاءت الشيوعية فأرهبت الناس وخاف الناس أن تكتسح العالم فسقطت والحمد لله، فكان آخر مسمار من مسامير نعشها الحركة الأفغانية والجهاد في سبيل الله، وفي هذه الأيام سقط حزب البعث الذي كان يرهب كثيراً من الناس.

    فالمهم أن الأفكار التي تتساقط إنما تتساقط تحت أقدام الإسلام والمسلمين، فتعتبر هذه من أعظم البوادر وأهمها في كون المستقبل لهذا الدين.

    سقوط الديانات المنحرفة

    إن الأفكار والمذاهب والديانات المزعومة كلها بدأت تتساقط، فالكنائس الآن تباع في أوروبا وأمريكا ويشتريها شباب المسلمين ويحولونها إلى مساجد، وسألت بنفسي في إحدى ولايات أمريكا صاحب كنيسة فقلت له: لماذا تبيع هذه الكنيسة؟ هذه دينك وعبادتك! قال: ليست ديناً، هذا دين فاسد، فأنا لا يمكن أن أحجز خمسة ملايين دولار ليأتي فرادى من الشيوخ وكبار السن في يوم الأحد فقط.

    إذاً سيكون المستقبل لهذا الدين.

    دخول الناس في هذا الدين بسبب القدوة

    وهناك دليل آخر على ذلك، وهو أن أولئك النصارى بدءوا الآن يبحثون عن عقيدة، لكن هل ترى أن المسلمين سوف يستغلون هذه الفرصة، ففي كل يوم يعلن فلان أنه اعتنق الإسلام وفلان وفلان وفلان؟

    وأنا متأكد من أننا لو دعونا إلى الإسلام دعوة صحيحة لدخل الناس كلهم في دين الله أفواجاً، بل متأكد من أننا لو أعطينا صورة حسنة عن الإسلام لدخل الناس في دين الله أفواجاً، لكن تصور رجلاً كافراً يرى أبناء المسلمين هناك في حانات الخمور في بلاده ومواقع الدعارة، وهو يعلم أن الإسلام يحرم الخمر والزنا، ثم يرى هذا التناقض وهذه الازدواجية في حياة المسلمين! إنه سيرفض هذا الدين.

    فمعنى ذلك أن أبناء المسلمين الذين يعيشون عيشة منحرفة في بلاد الكفر هم أكبر عقبة في طريق الإسلام.

    ولذلك أقول: القدوة هي أفضل طريق للإسلام، ولو لم يذهب إلى تلك البلاد دعاة.

    فأكبر تجمع إسلامي في جنوب شرق آسيا يقدر في أيامنا الحاضرة بأكثر من مائتي مليون مسلم في تايلند والفلبين وأندونيسيا وماليزيا وسنغافورة ... إلى غير ذلك، لم يذهب جيش إسلامي للجهاد هناك في تلك البلاد، ولا ذهب داعية في صدر الإسلام أبداً، وإنما دخل أولئك في الإسلام بواسطة القدوة، وذلك عندما ذهب جماعة من تجار حضرموت إلى تلك البلدان فصاروا يبيعون ويشترون ويتعاملون مع الناس معاملة إسلامية صحيحة، فأعجبت أهل تلك البلاد فدخلوا في دين الله أفواجاً، حتى إن الفلبين التي يقدر سكانها في أيامنا الحاضرة بستين مليوناً كانت كلها في يوم من الأيام دولة إسلامية بأكملها، وارتد كثير من المسلمين عن الإسلام بسبب ضعف المسلمين في الدعوة إلى الله عز وجل، إذاً القدوة تعتبر من أكبر العوامل.

    وعلى كل فالمستقبل -بإذن الله تعالى- لهذا الدين، وعلينا أن نتفائل، وعلينا أن نحسن الظن بالله عز وجل، لكن علينا أن نتحرك لهذا الدين؛ لأن هذا الدين ما قام في عصره الأول إلا على جماجم الرجال وأشلائهم، ففي فتح بلاد الشام فقط قدم المسلمون خمسة وعشرين ألفاً من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن التابعين، ثم تصير بلاد الشام بأيدي الكفرة الفجرة، فهذا تفريط من المسلمين.

    1.   

    الأسئلة

    العوائق التي تواجه الداخلين في دين الإسلام

    السؤال: الفريق الأمريكي لكرة السلة الذي جاء للعب في هذه البلاد قد من الله جل وعلا على خمسة منهم بالإسلام فأسلموا، وكان إسلامهم خلال ثلاثة أيام، وقد دخل في الإسلام مدرب إحدى فرق المملكة أمام فضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز فنرجوا الدعاء لهؤلاء جميعاً بالثبات؟

    الجواب: نسأل الله سبحانه وتعالى أن يثبت هؤلاء على الدين، فأمامهم فتن، وأهم هذه الفتن رؤية هؤلاء الصور في بلاد الإسلام ليست هي الصور الحقيقية للإسلام، ولكننا نقول: هذه هي القدوة، فهؤلاء لما رأوا وتأثروا بجماعة من إخواننا المسلمين كان ذلك سبباً في دخولهم في دين الله عز وجل، لكننا نخاف عليهم من الفتنة، ونرجو الله لهم الثبات، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفق قادة الأمة الإسلامية إلى أن يجعلوا البلاد الإسلامية قدوة حسنة لمن أراد أن يدخل في دين الله، فاللهم! ثبت أقدامهم، اللهم! إنا نسألك -يا حي يا قيوم- أن تربط على قلوبهم، اللهم! إنا نسألك أن تتوفاهم على ملة الإسلام، وأن تهدي ضال المسلمين، وأن تدخل الناس كلهم في دينك أفواجاً.

    الطريقة المثلى لإيقاف أصحاب الأفكار المنحرفة

    السؤال: هناك مقالة للحداثية المشهورة الدكتورة ثريا العريض في جريدة الرياض، وفي ثنايا مقالها التافه تقول: هل يأتي اليوم الذي نستطيع أن ننزل المطر كيفما نشاء؟ فإلى متى وهذه الضالة تكتب وتنشر أفكارها المنحرفة من خلال هذه الجريدة التي هي وكر للحداثيين؟

    الجواب: والله لقد حار أمرنا في هؤلاء الحداثيين، وهذا الموضوع أقل من مواضيع مرت بنا كانت أخطر من هذه المقالة، ولقد سمعنا كلمات قبل هذه أزعجتنا كثيراً، ولذلك نقول: هذه وأمثالها لا يمكن أن يقفوا عند الحدود إلا إذا كانت هناك سلطة تحاسبهم عما يقولون، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفق السلطة لمعاقبة مثل هؤلاء، أما الكلام فإنه لا يرد بالكلام، وهذه ربما تدخل في أمور الردة، وإذا دخلت في أمور الردة فالله تعالى قد وضع حداً للردة كما وضع حداً لجرائم أخرى.

    الطرق المثلى في استغلال الوقت للمرأة بما ينفعها في دينها

    السؤال: نحن -معشر النساء- نعيش أوقاتاً كثيرة في المنزل، ولسنا مثل الرجال، فهم يذهبون إلى دروس العلم ومجالس العلماء والذكر وزيارة المقابر، فهل من برنامج مقترح لنا -معشر النساء- لكي نستغل أوقاتنا بما يعود علينا بالخير في الدنيا والآخرة، ويزيد إيماننا وحبنا لله ولرسوله وللطاعات عموماً؟

    الجواب: أظن أن الأخت السائلة قد تحققت أمنيتها ورغبتها في هذا الواقع والحمد لله، فالآن وسائل التقنية الحديثة تستطيع أن تنقل أي كلمة خير من مكان إلى مكان آخر بسهولة، فهذه أشرطة الكاسيت والتسجيلات قد خدمت هذه الفكرة، فعليك -يا أختي- أن تستغلي كثيراً من الوقت في هذا الأمر، والأشرطة متوافرة والحمد لله، كما أني أطالبك بأن تحضري حلق العلم والمحاضرات والندوات، وما كنا ننادي بذلك قبل فترة حينما كانت المرأة في خدرها وداخل بيتها، أما وقد خرجت المرأة إلى المدرسة وإلى السوق فنحن ندعوها إلى أن تأتي إلى المسجد لتحضر دروس العلم ومجالس العلم بأدب وحشمة، وأيضاً أقول: احرصي -يا أختي- على اقتناء الأشرطة واشغلي الوقت بهذه الأشرطة؛ فإنها خير لك ولأسرتك.

    سبب خوف حكام المسلمين من التمسك بالإسلام

    السؤال: لماذا يخاف الحكام في وقتنا من التمسك بالإسلام، ألا يثقون بوعد الله بالنصر والتمكين، وقد أثبت التاريخ أن الحق منصور؟!

    الجواب: إنهم يخافون من الإسلام؛ لأن المستشارين والخبراء يقولون لهم: إن الإسلام خطير، إنه لو تحرك لأطاح بأمم ولذلك فإن كثيراً منهم يخاف من هذا الأمر، ونحن نقول لهؤلاء الذين يقولون هذه المقالة ويتوقعون هذا التوقع: إن الإسلام قوة عارمة، وإنه لا يستطيع أحد أن يقف في وجهه وفي زحفه؛ لأن الله تعالى يقول: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ [الأنبياء:18] فالطريق الوحيدة التي تكفل لهؤلاء أن يعيشوا بأمن وسلام هي أن يضعوا أيديهم بأيدي الدعاة وبأيدي المصلحين، وهنا يطمئنون على ملكهم ويطمئنون على حياتهم.

    سبب خوف الحكام والسلاطين من الدعاة والعلماء وبيان بطلان هذا السبب

    السؤال: نلحظ في وسائل الإعلام هجوماً مركزاً على الدعاة والحركات الإسلامية في البلاد العربية وغيرها، واتهامها بالعمل للاستيلاء على السلطة، فهل هذا ينم عن نية الأنظمة إلى انتهاج الأسلوب الماضي في قمع هذه الحركات؟ وما حقيقة الأمر؟

    الجواب: هذه الفكرة ليست جديدة بل هي قديمة جداً، فهذا فرعون حينما دعاه موسى إلى الله عز وجل قال لقومه: يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ [الشعراء:35] فهو خاف على الأرض، مع أنه يعلم أن موسى ليس له مطمع في الأرض، وإنما يريد قلوب القوم ليهديها إلى الله عز وجل، وهكذا كل دعاة الحق إذا تقدموا إلى أهل الباطل يخاف أهل الباطل من دعاة الحق؛ لأنهم يخافون على ملكهم، ونحن نقول: إن دعاة الحق لا يفكرون في شيء من ذلك، وهذا الملك الذي تتقاتل عليه الأمم لا يساوي عندهم شيئاً؛ لأنه من عرض هذه الحياة الدنيا، إنما يريدون السعادة لهؤلاء البشر، يريدون أن يموت الناس كلهم على ملة الإسلام، ويريدون أن يدخل حتى الكفار الجنة حينما يدخلون في هذا الدين، وإذا كان من هؤلاء الحكام من يفكر أو يخاف على ملكه أو على سلطانه من الدعاة فعليه أن يصحح مفهومه، فدعاة الإسلام هم أبعد الناس عن الطمع في هذه الحياة الدنيا؛ لأنهم أتباع الأنبياء الذين يقول كل واحد منهم لقومه: قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا [الشورى:23].

    حقيقة اتجاه الناس إلى ربهم عند سقوط الأفكار والمذاهب المنحرفة

    السؤال: كثيراً ما نقرأ في وسائل الإعلام أنه في ظل فشل الأحزاب القومية والعلمانية في تحقيق الرفاهية للشعوب العربية وغيرها بدأت هذه الشعوب باللجوء إلى الجانب الروحي والغيبيات هروباً من الواقع، فهل من توضيح لهذا الكلام والغرض منه؟

    الجواب: الإغراق في الجانب الروحي والغيبيات هذا يشبه كلام الصوفية، وعلى كل فالعالم يتصارعه ويتجاذبه موجتان: موجة يمين وموجة شمال، موجة تصوف وانحراف، وموجة مادية خالصة بحتة، والله تعالى يقول عنا: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا [البقرة:143]، فالأمة الإسلامية هي الأمة الوسط، ليست بالتي تقدس الروح وتهمل الجسد كما يفعل الصوفية، وليست بالتي تقدس الجسد وتهمل الروح كما تنويه وتريده الشيوعية، ولذلك فإن فشل هذه المذاهب المادية تلجئ الناس لا إلى الروحانية بمعناها الذي أشرت إليه، ولكن إلى الروحانية بمعناها الحقيقي، ففشل هذه المذاهب وفشل هذه الأفكار وسقوطها في أيامنا الحاضرة -والحمد لله- كل ذلك كان أكبر عامل من عوامل هذه الصحوة الإسلامية المباركة، ولربما كانت صحوة إسلامية مباركة عن فهم وتدبر، ولذلك فإني أقول: بمقدار ما تسقط هذه المذاهب وتلك الأفكار يتجه الناس إلى دين الله عز وجل الصحيح، وهذا هو ما حدث في هذه الأيام عندما سقطت الأفكار المنحرفة فاتجه الناس إلى ربهم سبحانه وتعالى.

    حكم وجود من لا ينتسب إلى الإسلام في جزيرة العرب

    السؤال: في هذا العصر كثر المشركون في جزيرة العرب، والرسول صلى الله عليه وسلم أمر بإخراج المشركين من جزيرة العرب، فما هي الوسائل المعينة على إخراج المشركين من هذه الجزيرة، لاسيما أن وجودهم يشكل خطراً على المسلمين، ومن هذا الخطرِ المنشور والذي وزع في مدينة الخبر، وهو يدعو إلى تنصير المسلمين، ومن ذلك أيضاً الجامعة الأمريكية التي فتحت لها فرعاً في الرياض لتقوم بالتدريس فيه، ولا شك أن وجود مثل هذه الجامعة في عاصمة الإسلام يشكل خطراً على عقائد المسلمين وعلى أخلاقهم، ونحن نعلم ما سيدور في مثل هذه الجامعة، فهل من كلمة حول هذا الموضوع؟

    الجواب: الحقيقة أن هذا كلام شائك، لكن لابد من الدخول فيه، فلرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يجتمع في الجزيرة العربية دينان) ويقول عليه الصلاة والسلام: (أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب) إلى غير ذلك من الأدلة، والله تعالى أمر بالبراءة من الكافرين حيث قال عز وجل: لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ [المجادلة:22]، لذلك فإنا نتوجه إلى الله عز وجل بالدعاء والتضرع، وكلنا أمل في الله تعالى ثم في هذه الحكومة المسلمة أن تطهر هذه الجزيرة، بحيث لا نرى فيها وثنياً ولا يهودياً ولا نصرانياً ولا مشركاً ولا ملة غير ملة الإسلام، سواء أان ذلك على المستوى الرسمي أم على المستوى الشعبي، فإننا نرى الآن -مع الأسف- أن كثيراً من أصحاب المؤسسات يستوردون النصارى والوثنيين والبوذيين إلى بلاد المسلمين ليكثروا سوادهم، وإذا قيل لأحدهم: اتق الله لربما يطعن في الإسلام ويخرج عن دين الإسلام؛ فقد يقول: إن هؤلاء أوفى وأحسن عملاً من المسلمين. بل زاد الطين بلة وزاد المشكلة أن كثيراً من بيوت المسلمين فيها نساء وثنيات خادمات، وهذه مصيبة وبلية، كنا نهرب من أن تكون مسلمة؛ لأنه اختلاط لا يجوز شرعاً، فكيف إذا كانت وثنية أو يهودية أو نصرانية، أو كان سائقاً وهذا أخطر وأشد وأعنف.

    ولنا أمل في الله عز وجل أن لا تكون هناك جامعة أمريكية في الرياض، ولنا أمل في الله ثم في المسئولين -أيضاً- أن لا يبقى في جزيرة العرب ولا في أرض الحرمين ولا في بلاد المقدسة إلا مؤمن موحد، وهذا هو ما نرجوه من الله عز وجل، ولنا أمل في هذه الحكومة التي قامت على دعوة سلفية صالحة، ولا يمكن أن تبقى إلا على هذا المنهج الذي قامت عليه، نسأل الله لها الثبات والهداية والاستقامة، والله المستعان.

    وجه كون المستقبل لهذا الدين مع وجود الفساد في الأرض

    السؤال: إذا قيل: إنه لا حاجة لنا إلى أن نقول: إن المستقبل لهذا الدين، ولا نحتاج إلى أدلة على ذلك ونحن نرى الوجوه الطيبة من الشباب في المجالس الطيبة، فكيف ذلك ونحن عندما نخرج إلى الأسواق والمحلات والشوارع نرى شيئاً معاكساً لما نراه في المساجد؟

    الجواب: الصراع بين الحق والباطل قديم قدم الحياة، يقول سبحانه وتعالى: اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ [طه:123]، فمنذ الساعة الأولى التي هبط فيها آدم وحواء من الجنة هبط الشيطان معهما فكان الصراع.

    إذاً لا تعجب -يا أخي- وأنت ترى الخير والشر يتصارعان في هذه الحياة، بل إن الله عز وجل قال: فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ [هود:116].

    فالفساد موجود في الأرض في كل عصر، لكن الشيء الذي يفقده الناس في كثير من الأحيان هو: هل هناك من ينهى عن الفساد في الأرض؟

    فإذا وجد من ينهى عن الفساد في الأرض فوجود الفساد في الأرض أمر سهل، فمن أخطر الأشياء في حياة البشر أن لا يكون هناك من ينهى عن الفساد في الأرض، وكذلك من أخطر الأشياء على حياة البشر أن تكمم أفواه العلماء والدعاة إلى الله عز وجل، وأن يوقف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأخطر من ذلك كله أن تطمئن قلوب المسلمين إلى معصية الله سبحانه وتعالى، والله تعالى يقول: وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ [الأنعام:113]، فوجود الفساد في الأسواق مع وجود خير في المسلمين يدل دلالة واضحة -إن شاء الله- على أن هذا الفساد سوف يودع الحياة عما قريب.

    قدرات رابطة العالم الإسلامي في تغيير المنكرات بأنواعها

    السؤال: ذكر أن هناك عشرين ألف ضريح يُعبد من دون الله، فأين دور رابطة العالم الإسلامي من هذا الأمر العقدي الخطير؟ أليس من الممكن أن يُعقد مؤتمر إسلامي ويُتخذ قرار له صفة الحكم الإلزامي لحكومات العالم الإسلامي بإزالة كل ما يعبد من دون الله؟

    الجواب: نعم. لكن من يستطيع أن ينفذ ذلك؟ فرابطة العالم الإسلامي لا تستطيع أن تقوم بهذا الدور، ولم تقم بدور أقل من ذلك حتى تقوم بهذا الدور الكبير؛ لأنها لا تسيطر على بلاد المسلمين، وإمكاناتها محدودة، وهناك معاص دون هذه الأشياء وأصغر من هذه الأشياء ومع ذلك لم تستطع رابطة العالم الإسلامي أن تقضي عليها، فكيف تستطيع أن تقضي على أضرحة يحج إليها آلاف بل ملايين البشر من خلق الله عز وجل، الأمر ليس من السهولة بمكان، الأمر لا يحتاج إلى رابطة العالم الإسلامي، وإنما يحتاج إلى أن يعرف الناس دينهم، ثم يسيرون في هذه الأرض ينشرون دين التوحيد، لاسيما من بلادنا التي قامت على دعوة سلفية نسأل الله أن يجزي مؤسسها خير الجزاء.

    كيفية الحد من فتنة المرأة في وسائل الإعلام وغيرها

    السؤال: لقد بدأ التلفاز السعودي بإخراج النساء السعوديات أثناء المقابلات والتمثيل، فهل لدى العلماء علم بهذا؟ وما موقفهم منه؟

    الجواب: لا أدري عن كونهم هل لديهم علم، أما الموضوع فهو كما يقول الشاعر:

    تكاثرت الظباء على خراش فما يدري خراش ما يصيد

    وسواء في ذلك النساء السعوديات أو غير السعوديات، كل ذلك فتنة، لكن النساء السعوديات يشكلن فتنة على المرأة كما يشكلن فتنة على الرجل، وعلى كل فأنا وأنت لربما لا نستطيع أن نسيطر على الموقف، لكن مَنْ مِنَ الرجال الذين استرعاهم الله عز وجل على هذه البيوت يفكر في أن تخرج زوجته أو أخته أو ابنته لتقوم بهذا الدور؟ ودع عنك هذا كله فلماذا تضع هذه الأجهزة في بيتك مع أنك لم تجبر عليها؟ فأنت تضعها بنفسك ثم تقول: لماذا كذا وكذا؟! صحيح أن الإصلاح أمر مطلوب، لكن -على الأقل- قف على باب بيتك واحفظه من هذه الفتن، نسأل الله لنا ولك العافية.

    حكم تدريس المقررات المخالفة لتعاليم وأحكام الإسلام

    السؤال: إنني مدرس مطالب بتدريس بعض المناهج التي يوجد فيها ما هو مخالف لفطرة الإسلام، مثل ما يوجد في بعض المقررات من أن المادة لا تفنى ولا تبيد ونحو هذا، فهل يجوز لي تدريس مثل هذه المقررات؟ وإذا كان لا يجوز فما هو الموقف الذين يمكن أن أتخذه لكوني مدرساً؟

    الجواب: أولاً: لا يجوز لك أن تدرس هذه المقررات، ولو كانت منهجاً مقرراً على الطلبة؛ لأن طاعة المخلوق في معصية الخالق أمر لا يجوز.

    ثانياً: هل فكرت في يوم من الأيام أن تبلغ المسئولين عن التعليم عن هذه الأخطاء الجوهرية المتعلقة بالعقيدة؛ فكيف تدرس نظرية تقرر أن المادة لا تفنى والله تعالى يقول: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص:88]؟!

    إذاً معنى ذلك أنك مطالب بأن تنكر هذا المنكر فتبلغ المسئولين لتخرج من العهدة، وإذا لم يرعوِ المسئولون ويتراجعوا عن هذا الأمر فأنت مطالب بأن تبين خطأ هذه الفكرة، ولو خالفت المنهج الذي كلفت بتدريسه؛ لأن طاعة الله عز وجل قبل طاعة المخلوق، وأنت مطالب -أيضاً- بأن تبصر أولئك الشباب وتدلهم على الفطرة بدل أن تفسد فطرتهم.

    أخبار حركة الجهاد في أرتيريا

    السؤال: بما أنكم من المهتمين بأحوال إخواننا في خارج البلاد، خاصة في أرتيريا، فما هي آخر أخبار إخواننا في أرتيريا، خاصة بعد سقوط حكومة أديس أبابا وقيام الجبهة الشعبية ببعض التصريحات التي لا ترضي أهل الحق؟

    الجواب: الحقيقة أن حركة الجهاد تكافح الجبهة الشعبية؛ لأن الجبهة الشعبية أخطر على الإسلام من حكومة أديس أبابا، وعلى هذا فإن الخطر يبدأ الآن ولا ينتهي، ونبشر ونطمئن بأن حركة الجهاد في أرتيريا تقوم على أيدي علماء من أهل السنة والجماعة ينطلقون من منطلق السلف الصالح رضي الله عنهم، نسأل الله لهم الثبات والسداد والتوفيق على ذلك، ثم -أيضاً- نقول: آخر مراحل حركة الجهاد هناك -وإن كانت أموراً سرية، وبعد تلك الحادثة لم تصبح سرية- آخر مراحلها أن الجهاد -والحمد لله- قائم هناك على أشده، ويحتاج إلى دعمنا، فهناك من أرتيريا في السودان مليون مهاجر يموتون جوعاً، فضلاً عن أن يحملوا السلاح للجهاد في سبيل الله، وينسب هذا الكلام إلي، ففي كل ساعة يموت في كل معسكر عدد معين، فنحن مطالبون بأن ننفق على هؤلاء، وأن نمد لهم يد العون، كما أننا -أيضاً- مطالبون بأن نساعد إخواننا المجاهدين في حركة الجهاد في سبيل الله لتحرير أرتيريا من الكفر بكل أنواعه، والله تعالى قدم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس حيث قال: تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ [الصف:11].

    علاقة وجود مجلس شورى في السعودية بالمستقبل للإسلام

    السؤال: هل ترى أنه من المؤشرات المفرحة للمستقبل الإسلامي انتقال فكرة مجلس الشورى في المملكة العربية السعودية إلى واقع عملي؟

    الجواب: مجلس الشورى أمره أمر آخر، وهذا يرجع للدولة، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقها لما فيه الخير والسداد، وإن كان الأصل في الإسلام أن الحكم يقوم على الشورى، قال عز وجل: وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ [آل عمران:159] وقال سبحانه: وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُم [الشورى:38] بشرط أن تكون هذه الشورى لأهل الحل والعقد، ولأهل الفكر وللذين يريدون الخير لهذه الأمة، أما وجود مجلس الشورى في مثل هذه البلاد فأعتقد أن أعضاء هذا المجلس سيكونون من خيار هذه الأمة، وسوف يساهم -إن شاء الله- مساهمة فعالة في توجيه الناس إلى ربهم.

    دور العلماء والدعاة في لم شمل الأمة الإسلامية

    السؤال: في هذا الزمان تفكك العلماء وتباعدت الصلة بينهم، حتى إن أهل الباطل يحصل بينهم اجتماعات وتعاون على الفساد، بينما العلماء وطلاب العلم كل في واد، فأرجو توجيه نصيحة للشباب والعلماء من أجل التعاون لنصرة هذا الدين؟

    الجواب: أما العلماء فلا حاجة إلى أن نوجه لهم النصيحة؛ لأنهم يوجهون الناس، ويعلمون يقيناً أن الأمة إذا تفرقت فسوف يؤدي ذلك إلى فساد عريض، يقول عز وجل: وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [الأنفال:46].

    وأما الشباب فنقول: التفوا حول العلماء؛ فإن العلماء لا يريدون للدولة ولا لكم إلا خيراً، فكونوا عضدهم وساعدهم، واستقيموا على دين الله، وانهلوا من هذا العلم، واستغلوا الفرصة، فأي صحوة إسلامية لا تقوم على العلم الصحيح فإنها لا يستفاد منها، فاحرصوا على حلق العلم ومجالس الذكر؛ فإن بها تتجه هذه الصحوة الإسلامية إلى الله عز وجل اتجاهاً طيباً مباركاً، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يثبت الأقدام، وأن يوفق القادة والمسئولين إلى ما يحبه ويرضاه، وأن يجعل ولاة هذا البلد بصفة خاصة وولاة أمر المسلمين بصفة عامة من الذين قال الله عز وجل فيهم: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ [الحج:41].

    وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3042722280

    عدد مرات الحفظ

    731595584