إسلام ويب

واحة القرآن - آيات الرباللشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كان من شريعة الجاهلية المتاجرة بالربا فجاء الإسلام وحرمه بالتدرج، ورتب على التعامل به عواقب وخيمة في الدنيا والآخرة، فمن عواقبه محق البركة من المال، والإيذان بحرب مع الله، والعذاب في نار جهنم

    1.   

    انتشار الربا في الجاهلية والتدرج في تحريمه

    الشيخ عبد الحي يوسف: الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه. أما بعد:

    إخوتي وأخواتي! الربا آفة عظيمة، وشر مستطير، وداء وبيل، أضاع أمماً، وأباد شعوباً، وفوق هذا كله يغضب رب العالمين جل جلاله، حذر منه ربنا في هذه السورة المباركة سورة البقرة التي نتناول فيها آيات الربا مع أخي الحبيب الشيخ الدكتور أبي عبد الله محمد بن عبد العزيز الخضيري .

    شيخ محمد الله يكرمك! آيات الربا في خواتيم سورة البقرة، فيها قول ربنا جل جلاله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ [البقرة:278]، بعدما بين مصير أكلة الربا الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ [البقرة:275].

    ومن خلال التدرج في التشريع لو ذكرت لنا الآيات التي حرم فيها الربا.

    الشيخ محمد الخضيري: كان الربا ضارب الأطناب في العرب كالخمر؛ لأن العرب لا يعيشون بدونه؛ بل إن كثيراً من تجارتهم وخصوصاً أهل مكة كانت تقوم على الربا، فأراد الله سبحانه وتعالى أن يحرمه، فبدأ يتدرج في تحريم هذا الربا، ففي أول الأمر عرض بالمقارنة بينه وبين الإنفاق في سبيل الله، كما في سورة الروم وهي سورة مكية: وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُضْعِفُونَ [الروم:39]. فهذه الآية يستشف منها الإنسان أن الله سبحانه وتعالى يكره لنا الربا، وأنه يقارن بينه وبين عمل يحبه، ويضاعف لمن يعمله، وهو الإنفاق في سبيله، فإذا أخرجت شيئاً أعطاك الله عز وجل أضعافه وأمثاله.

    ثم انتقل الأمر بعدما وعى الصحابة هذا المعنى إلى أن يحرم الربا الذي يظهر فيه الظلم، وهو الربا المضاعف كما في سورة آل عمران: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً [آل عمران:130]، والربا المضاعف هو الربا الذي كان سائداً، وكان ظاهر الظلم، وهو أن يقول: إما أن تقضي، وإما أن تربي، فيقرض الإنسان صاحبه لأجل فإذا جاء إليه في الأجل ولم يستطع القضاء قال: إما أن تقضي وإما أن تربي، يعني: أن تزيد في الأجل، وأزيد في الثمن، وهذا كان في أول العهد المدني، ثم جاءت هذه الآيات التي كانت في آخر سورة البقرة، وهي من آخر ما نزل من القرآن.

    الشيخ عبد الحي يوسف: وهذا المعنى أكد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فقال: ( ألا وإن كل رباً في الجاهلية موضوع تحت قدمي هاتين، وأول رباً أضعه ربانا )، يعني: ربا قومه عليه الصلاة والسلام، وفي لفظ: ( ربا عمي العباس بن عبد المطلب )، فبدأ النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه.

    1.   

    عقوبة المتعامل بالربا يوم القيامة

    الشيخ عبد الحي يوسف: قال الله عز وجل: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ [البقرة:275]، هذه الآية -والعلم عند الله تعالى- أفضل تفسير لها ما ثبت في صحيح البخاري من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أتاني الليلة آتيان، فقالا: انطلق بنا فانطلقت معهما )، وذكر صلى الله عليه وسلم أشياء كثيرة مما رآه في تلك الرؤيا، وذكر منها: ( أنه رأى رجلاً مضطجعاً، وآخر قائماً على رأسه بصخرة يثلغ بها رأسه، فيتدهده الحجر، فيأتي به فإذا رأسه قد التأم فيفعل به ذلك، فلما سأل قيل: هذا الذي يؤتيه الله القرآن فيرفضه، وينام عن الصلاة المكتوبة. ثم رأى صلى الله عليه وسلم رجلاً يسبح -يعني في نهر من الدم- وعلى الشاطئ رجل في يده حجارة، كلما أراد أن يخرج ألقمه حجراً فعاد كما كان، فلما سأل عنه قيل له: هؤلاء هم أكلة الربا ).

    قال تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ [البقرة:275] والسبب ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا [البقرة:275] يعني: مسخوا شريعة الله، واعترضوا عليها بآرائهم، إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا [البقرة:275]، وهذه الكلمة نسمعها اليوم من كثير من الناس، فإذا سأل عن الحكم فقيل له: هذا ربا، يسأل عن شبيه يقال له فيه: هذا حلال، ويقول: ليس هناك فرق؛ لأن هذا مثل هذا.

    1.   

    تعريف الربا وبيان أنواعه

    الشيخ عبد الحي يوسف: قال الله عز وجل: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا [البقرة:275] شيخ ما هو الربا؟

    الشيخ محمد الخضيري: الربا في اللغة العربية بمعنى الزيادة، يقال: ربا يربو بمعنى زاد، ومن قوله تعالى: اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ [الحج:5]، ومنه الربوة التي هي المكان العالي الزائد على مستوى الأرض.

    أما الربا في الشريعة: فهو نوع من أنواع المعاملة مخصوص.

    وصفاته متعددة، وأنواعه مختلفة في الشريعة، فمنها: الربا الذي ذكرناه قبل قليل وهو مضاعف، وهو ربا الديون ويسمى ربا الجاهلية، وهو أن يقرض إنسان آخر مالاً إلى أجل، ويقول له: إذا حل الأجل إما أن تقضي وإما أن تربي، فإذا أقرضه فإنه لا يسدد الدين كاملاً أو القرض كاملاً فقط؛ بل يجعل مقابل الأجل مالاً، ثم إذا جاء الأجل قال له: إما أن تقضي وإما أن تربي، وهذا موجود في البنوك، حيث إنهم يعطونك مالاً ويكتبون عليك أنك أخذت أكثر منه بمقدار 20%، أو 10%، أو 8%.

    الشيخ عبد الحي يوسف: هذا ربا الديون.

    وهناك صنف آخر: وهو ربا البيوع، بمعنى: أن يبيع الإنسان شيئاً بمثله مع تفاضل، وهذا يكون في الأصناف الستة التي عينها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد ، وفي حديث ابن عمر ، وفي حديث عبادة بن الصامت رضوان الله عليهم، قال صلى الله عليه وسلم: ( الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والتمر بالتمر، والشعير بالشعير، والملح بالملح ربا، إلا مثلاً بمثل، يداً بيد )، وفي لفظ: ( هاء وهاء، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي سواء ).

    من هنا أخذ العلماء قاعدة: بأنه إذا اتحد الجنس والعلة كما هو في الذهب بالذهب فلا بد من تماثل وتقابض.

    الشيخ محمد الخضيري: وفي نفس مجلس العقد.

    الشيخ عبد الحي يوسف: نعم، فضة بفضة تماثل وتقابض، بر ببر تماثل وتقابض هذه القاعدة الأولى.

    القاعدة الثانية: إذا اختلف الجنس واتحدت العلة، كبيع ذهب بفضة، أو بر بتمر، فهنا لا بأس من التفاضل، لكن لا بد من التقابض.

    الشيخ محمد الخضيري: يعني لو زاد أحدهما عن الآخر فإنه جائز، لكن لا بد أن يكون في مجلس العقد، كما لو بعتك مثلاً عشرة جرامات من الذهب بمائة جرام من الفضة؛ فهذا لا بأس، لكن لا بد فيه من التقابض.

    القاعدة الثالثة: إذا اختلف الجنس والعلة فلا يحرم التفاضل ولا النسأ، يعني: لا بأس من التأخير، كما لو كان براً بذهب، فلا بأس من التفاضل، ولا بأس من النسأ.

    الصنف الثالث من الربا ويجهله مع الأسف الكثير من الناس: وهو ما يسمى ربا القرض، وهو أن يقرض إنسان آخر، ثم يطلب منه منفعة، فيقول: أقرضك كذا وكذا من المال على أن تشفع لي عند فلان، أو تصلح لي كذا، أو تعلم ابني كذا، فهذا من الربا، وهو مجمع عليه، ليس فيه شك، وكثير من الناس يجهله مع الأسف؛ لأنهم لا يعلمون هذا النوع من أنواع الربا، فيقول لفلان من الناس: أنا مستعد أن أقرضك وأقف معك، لكن لا بد من أن تقف معي أيضاً لتنجز مصالحي، بمعنى أسلفني أسلفك.

    1.   

    وعيد الله في حق متعاطي الربا

    الشيخ عبد الحي يوسف: قال ربنا جل جلاله: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا [البقرة:275]، ثم قال: فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:275]، ماذا نستفيد من هذا الوعيد؟

    الشيخ محمد الخضيري: هذا الوعيد لا شك أنه عظيم جداً، وأنه يخيف من في قلبه خوف من الله جل وعلا، حيث إن الله سبحانه وتعالى جعل عقوبة الربا -بغض النظر عن كون الرجل مسلماً أو كافراً، مقراً بحكم الربا أو غير مقر- الخلود في نار جهنم؛ ولذلك قال العلماء رحمهم الله تعالى: إن هذه عقوبة المرابي عند الله، فإذا قام بالشخص مانع يمنع من تحقق هذا الوعيد -كأن يكون من الموحدين- فإن الخلود لا يتحقق فيه لأجل ذلك المانع، وقد يفسر الخلود هنا بالمكث الطويل.

    1.   

    توبة من تعاطى الربا لسنوات طويلة وما يجب عليه

    الشيخ محمد الخضيري: نقف عند قوله: فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى [البقرة:275]، إذا انتهى الإنسان، مثل: إنسان جاء وقال: منذ ثلاثين سنة وأنا أعمل في الربا، والآن أريد أن أتوب، هل نقول له: عليك أن تسدد كل الفترة الماضية وما رابيته رده إلى الناس، ولا تتم توبتك إلا بهذا؟ ماذا نقول يا شيخ؟

    الشيخ عبد الحي يوسف: علماؤنا رحمهم الله يقولون: بأن من اكتسب مالاً من حرام، سواء كان من ربا، أو من غش، أو من تدليس، أو من غير ذلك، فمن تمام توبته أن يتخلص منه، قالوا: يأخذ منه قدر الضرورة وهو ما يقيم الأود في حاله المنظور الآن، ثم بعد ذلك يستقبل عهداً جديداً؛ لأن الطعام بذر الأفعال، لا يمكن للإنسان أن تأتي أفعاله طيبةً مباركة والطعام خبيث، ولا يخفى أن أخبث الخبيث الربا من ناحية المكاسب؛ ولذلك قال علماؤنا: ما توعد الله عاصياً بالحرب إلا آكل الربا.

    الشيخ محمد الخضيري: وهذا يدل على عظم عقوبته.

    الشيخ عبد الحي يوسف: قال تعالى: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة:279]، وقد ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ( يقال لآكل الربا يوم القيامة: خذ سلاحك واستعد لحرب الله )، نسأل الله العافية، في ذلك اليوم العظيم، وهو مسكين حاف عار، قد تخلى عنه الأولاد والأزواج والأصحاب والقرابة والقبيلة، وهو في أضعف ما يكون من الحال، يقال له: تجهز لحرب الله عز وجل، ومن يطيق؟!

    الشيخ محمد الخضيري: أيضاً أنا إذا أذنت لي أن أشير إلى قول أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية وهو أن هؤلاء الذين قامت حياتهم على مثل هذه الأعمال، وجاءوا ليتوبوا، ينبغي أن يقال في حقهم ما يقال للرجل إذا جاء مسلماً: إن باب التوبة واحد، والمسلم أحق بالرحمة من الكافر، حتى نرغبهم في التوبة، ولا ننفرهم منها، نقول: استقبلوا عهداً جديداً، فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ [البقرة:275]، أي: له ما سلف من المكاسب، وهذا أقرب لعصرنا.

    الشيخ عبد الحي يوسف: مع رقة الدين، وقلة الورع، وولوغ الناس في الحرام بكثرة، فقول أبي العباس رحمه الله لعله أقرب لواقعنا، وأليق بحالنا.

    الشيخ محمد الخضيري: وفيه شيء من الرحمة أو الترغيب في التوبة لفعل هؤلاء الذين قد يكونون في بدايات التعامل بالربا.

    الشيخ عبد الحي يوسف: وليس كل الناس يطيق أن يقال له: تخلص من مالك كله، وعش عيشة الكفاف بعدما اعتاد عيشة القصور والحرير.

    قال ربنا جل وعلا: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ [البقرة:276].

    الشيخ محمد الخضيري: (يمحق) أي: يذهب البركة من المال الذي أخذ من الربا، وهذا مجرب في التاريخ، إذ أن من تتبع تاريخ المرابين، وتاريخ الجماعات التي تجعل من الربا أساساً للاقتصاد فإنه يرى المحق في أدنى صوره، يكسبون المكاسب الكثيرة، لكن لا تحصل بها بركة، يأخذونها من هنا، ثم تصرف من هنا، ثم يجمعونها من هنا، فيأتي الله عز وجل بالآفات، ويأتي الله عز وجل بالحروب التي تذهب بركة المال؛ بل إنهم يأخذونها فيطعمون بها أجسادهم، فتبتلى أجسادهم بالأمراض التي لم تكن فيمن كان قبلهم، فيبذلون تلك الأموال على علاجها، فما من ربا إلا يمحقه الله عز وجل.

    الشيخ عبد الحي يوسف: هذه هي العقوبة القدرية التي أعدها الله عز وجل للمرابين فضلاً عن العقوبة الشرعية التي بينها جل جلاله فيما مضى من الآيات.

    1.   

    التحذير من الربا في السنة النبوية

    الشيخ عبد الحي يوسف: وخلاصة ما نريد قوله في تفسير هذه الآيات المباركات: بأن نبينا صلى الله عليه وسلم قد أبدى وأعاد في التحذير من الربا، فثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: ( درهم واحد من الربا أشد من ست وثلاثين زنية )، وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( الربا ثلاثة وسبعون باباً، أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه )، وفي هذا من التنفير والتحذير شيء يعقله أولو الألباب.

    أسأل الله عز وجل أن يتوب علينا جميعاً، وأن يعفو عنا، وأن يتجاوز عن خطيئاتنا، وأن يطيب مطاعمنا ومكاسبنا، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، والحمد لله رب العالمين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3015315046

    عدد مرات الحفظ

    723500951