إسلام ويب

وماذا بعد الأحزابللشيخ : عبد الرحمن صالح المحمود

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من صفات اليهود التي عرفوا بها على مر التاريخ الغدر والخيانة، ومن ذلك ما حصل من اليهود الذين كانوا يسكنون المدينة المنورة، حيث نقضوا العهود مع النبي صلى الله عليه وسلم وخانوه، بل وتآمروا عليه وحاولوا قتله، فأجلى النبي صلى الله عليه وسلم منهم من أجلى، وقتل منهم من قتل.

    1.   

    موقف النبي صلى الله عليه وسلم من يهود بني قريظة

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]. يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1]. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71]. أما بعد: يستمر الحديث عن موقف النبي صلى الله عليه وسلم من اليهود في المدينة النبوية، ومن يهود بني قريظة بالذات؛ فبعد لقاء بني قريظة بـأبي لبابة الأنصاري رضي الله عنه انقطع أملهم في التخفيف من العقوبة التي يستحقونها، وكان المفترض أن يدفعهم هذا إلى الاستكثار والقتال حتى الموت، خاصة وأن وضعهم في حصونهم أفضل بكثير من وضع المسلمين، فاليهود لم يخرجوا إلى معركة، وحصونهم تؤويهم، وفيها الغذاء الكافي لشهور طويلة، وفيها آبار المياه، وهي أيضاً قد آوتهم وأكنتهم من البرد. وعلى العكس من ذلك فالمسلمون خرجوا لتوهم من معركة هي من أصعب وأشد ما مر بهم؛ حيث كانوا في معركة الخندق يواصلون الليل والنهار في الحراسة والمرابطة في وجه أعدائهم المتحزبين الذين كانوا يعدون بالآلاف، إضافة إلى أن المسلمين كانوا في حالة مجاعة شديدة، والجو أيضاً خارج الحصون في غاية البرودة، ومن ثمَّ كانوا يرابطون حولها في العراء، فاجتمع عليهم الجوع والبرد. ومع هذا الفرق الواضح بين وضع الجيشين، إلا أن اليهود انهارت أعصابهم، وتحطمت معنوياتهم، وقذف الله في قلوبهم الرعب، حتى صاروا وهم على تلك الحالة من القوة والمنعة والتحصين ووفرة السلاح والعدد والعتاد والغذاء والمال، يفكرون في كل شيء إلا استعمال السلاح للدفاع عن حصونهم، فهل يعي المسلمون هذه الحقيقة في صراعهم مع اليهود؟ بل هل يعي المسلمون غيرها من الحقائق عن اليهود؟ فعندهم حقد أسود على الإسلام والمسلمين قد امتلأت به قلوبهم عداوة وبغضاء تستخدم فيها شتى الوسائل لحرب كل مسلم في أي مكان، وعندهم نقض للعهود والمواثيق مهما كانت صيغتها ومع من كان متى ما وجدوا الفرصة سانحة، وهناك تفرق واختلاف فيما بينهم، كما قال تعالى: بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى [الحشر:14]، وهناك رعب وخوف ملازم لهم، كما قال تعالى: لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ [الحشر:14]، وعندهم جبن وخور إذا ما قاتلوا المؤمنين الصادقين. أيها الإخوة! وحتى لا يطول الحصار وحتى لا يستمر اليهود في المماطلة ذهب علي بن أبي طالب حامل اللواء ومعه الزبير بن العوام رضي الله عنهما، فصاح وقال: (والله لأذوقن ما ذاق حمزة ، ولأفتحن حصنهم)، ثم تحرك معه بقية الجيش لهجوم كاسح على يهود في حصونهم، فلما رأوا كتائب الجيش الإسلامي الصادق تتحرك، وأيقنوا أن الهجوم على حصونهم لا مفر منه أراد اليهود إيقاف الهجوم، وأعلنوا الاستسلام والنزول على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم دونما قيد أو شرط. وقد أوقف المسلمون الهجوم، وسارع اليهود إلى فتح الحصون بعد أن ألقوا سلاحهم، وأخذوا في مغادرة حصونهم مستسلمين رجالاً ونساءً وأطفالاً، واستلم المسلمون هؤلاء اليهود؛ أما الرجال فقد وضعت القيود في أيديهم، ثم وضعوا في حبس خاص بهم، وأما النساء والذراري فقد عزلوا عن الرجال، ووضعوا في دار الضيافة في المدينة النبوية، ووكل بهم عبد الله بن سلام ، وكان عدد الرجال ما بين أربعمائة إلى سبعمائة، وقيل: هم ثمانمائة، أما النساء والذرية فكانوا قرابة الألف، ووقف الجميع ينتظرون كيف سيتم الحكم في هؤلاء اليهود الخائنين كيف سيتم الحكم.

    1.   

    حكم سعد بن معاذ رضي الله عنه في يهود بني قريظة

    وساطة الأوس لحلفائهم بني قريظة

    أيها الإخوة! لما كان بنو النضير وبنو قينقاع من اليهود حلفاء الخزرج في الجاهلية، وقد شفعوا لهم وقبل النبي صلى الله عليه وسلم شفاعة عبد الله بن أبي ابن سلول فيهم، فاكتفى بإجلائهم من المدينة، وهنا رغب الأوس وهم حلفاء بني قريظة أن يشفعوا لهم، كما فعل إخوانهم الخزرج مع حلفائهم، وتوجه وفد من وجوه الأوس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وطلبوا منه أن يتكرم بالتخفيف من الحكم على هؤلاء اليهود ولو بنفيهم عن المدينة، كما فعل مع بني قينقاع. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بما جبل عليه من نبل وكرم ومراعاة لأصحابه خاصة الذين آووه ونصروه حان لا يرد طلباً يقدر عليه، وهاهو عليه الصلاة والسلام قد استجاب قبل لرأس النفاق حين طلب من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يهب له حلفاءه من اليهود، فكيف لا يستجيب لأصحابه الكرام من الأوس الذين ناصروه في الإسلام رضي الله عنهم؟ قال ابن إسحاق : فلما أصبحوا -أي: بني قريظة- نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال الأوس: يا رسول الله! إنهم كانوا موالينا دون الخزرج، وقد فعلت في موالي إخواننا ما قد علمت. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حاصر بني قينقاع، فنزلوا على حكمه، فسأله إياهم عبد الله بن أبي ابن سلول ، فوهبهم له، فلما سألته الأوس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا ترضون يا معشر الأوس أن يحكم فيهم رجل منكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فذاك سعد بن معاذ).

    توجه سعد بن معاذ للحكم على بني قريظة

    وأين سعد بن معاذ؟ لقد كان سعد بن معاذ جريحاً في المدينة النبوية؛ لأنه أصيب في أكحله في غزوة الخندق؛ ولذلك لم يشترك رضي الله عنه في حصار بني قريظة، وهنا طابت نفوس الأوس بهذا الحكم؛ حيث كانوا يأملون من ورائه أن يخفف سيدهم سعد بن معاذ من عقوبة حلفائه اليهود، ومن ثمَّ توجه أعيان منهم من المعسكر النبوي في بني قريظة إلى المدينة لمقابلة سيدهم الشاب الجريح، وإبلاغه القرار النبوي بشأن اليهود، وقابل الأوس سيدهم سعداً في المسجد النبوي، وأخبروه أن النبي صلى الله عليه وسلم قد جعل أمر بني قريظة إليه ليحكم فيهم بما يريه الله تعالى، وطلبوا منه أن يرأف في الحكم بحلفائه، وذكروه بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجعل إليه أمرهم وهو حليفهم في الجاهلية إلا ليحسن إليهم، ويخفف الحكم عنهم. ولما كان سعد جريحاً هيأ له قومه حماراً ليركبه، ويسير به إلى مقر قيادة النبي صلى الله عليه وسلم في بني قريظة؛ ليعلن الحكم هناك، وسار سعد يحف به قومه ويقولون له: يا أبا عمرو! حلفاءك ومواليك وأهل النكاية، يا أبا عمرو! أحسن في مواليك؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما ولاك لتحسن فيهم. فلما أكثروا عليه قال لهم وهو يقرب من مقر القيادة النبوية: (لقد آن لـسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم)، ولما دنا سعد -كما في صحيح البخاري - قال النبي صلى الله عليه وسلم: (قوموا إلى سيدكم أو خيركم).

    خبرة سعد بن معاذ بحلفائه اليهود

    ولما استقر لـسعد المقام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقر قيادته في بني قريظة قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (احكم فيهم يا سعد ! فقال: الله ورسوله أحق بالحكم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: قد أمرك الله أن تحكم فيهم). غير أن سعد بن معاذ وقد علم تفاؤل قومه في الحكم في حلفائه من اليهود أحب أن يستووا في قانون الجميع، ووقف الشاب الجريح في المعسكر، ووجه حديثه إلى قومه الأوس خاصة وإلى من في المعسكر عامة قائلاً: (عليكم عهد الله وميثاقه أن الحكم كما حكمت؟ قالوا: نعم)، ثم اتجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأشار إلى الناحية التي هو فيها وهو معرض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إجلالاً له وإكباراً، وأشار إلى الخيمة التي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي رواية أنه أشار إلى بني قريظة المحجوزين جانباً في المعسكر ليستنطق منهم أيضاً، وقال لهم: (أترضون بحكمي؟ قالوا: نعم). كان هؤلاء اليهود قد بقي لديهم شيء من الأمل بعد أن علموا أن حلفاءهم الأوس قد بذلوا وساطتهم لدى الرسول القائد صلى الله عليه وسلم ليخفف من عقوبتهم، وأنه نتيجة لهذه الوساطة قد جعل أمر هؤلاء اليهود لسيد حلفائهم سعد بن معاذ. وصدر الحكم من سعد ، وانتظر الجميع قبل ذلك لحظات رهيبة، انتظروا سعداً ليعلن الحكم النهائي في هؤلاء اليهود، وقد كان الجميع لا يعلمون ما هو الحكم الذي سيصدره سعد ، وإذا كان سعد حليفاً ليهود بني قريظة في الجاهلية فقد كان أيضاً خبيراً بحلفائه من اليهود، أليس هؤلاء اليهود هم الذين أسمعوا سعداً في أثناء غزوة الأحزاب وقد أرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم مع وفد يطلب منهم الوفاء بالعهد؛ فأسمعوه ومن معه شتم النبي صلى الله عليه وسلم، حيث ردوه رداً قبيحاً؟ أليسوا هم الذين نقضوا العهد وانضموا إلى الأحزاب، فصارت خطوط المسلمين من الخلف مكشوفة لهم؛ حيث أصروا على المشاركة الفعالة لاستئصال شأن المسلمين مغتنمين استحكام المحنة حين تحزبت عليهم الأحزاب؟ ألم ينصح سعد هؤلاء اليهود -وهم حلفاؤه- أن يبقوا على عهدهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطلب ألا ينقضوا وألا يغدروا برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنهم كما سمع سعد أجابوه جواباً فاحشاً، وهم في نشوة الفرح بإطباق الأحزاب على المسلمين، وكان مما قالوه: ومن هو رسول الله؟ لا عهد بيننا وبين محمد؟ الخلاصة: أن سعداً كان خبيراً بهؤلاء اليهود في طباعهم وما جبلوا عليه، وكان أيضاً مدركاً لمقدار الغدر والخيانة ونقض العهود الذي وقع فيه بنو قريظة.

    صدور الحكم على بني قريظة

    وهنا أيها الإخوة! وسعد تجول في خاطره هذه الأمور نطق بالحكم، وكان الحكم صارماً وقوياً وحازماً، واستمع الجميع إليه وهو يعلن حكماً يسطره التاريخ إلى يوم القيامة بين المسلمين واليهود قائلاً رضي الله عنه: (أحكم فيهم: أن تقتل المقاتلة، وأن تسبى النساء والذرية، وأن تقسم أموالهم)! لقد حكم بالإعدام على رجالات يهود بني قريظة، وحكم بالأسر والسبي والغنائم على نسائهم وجواريهم وأموالهم، ولما نطق سعد بهذا الحكم علق النبي صلى الله عليه وسلم عليه تعليقاً تهتز له الجبال الشامخات، وقال كما في صحيح البخاري -: (لقد حكمت فيهم يا سعد ! بحكم الله من فوق سبع سماوات). لقد وافق سعد في حكمه حكم الله تبارك وتعالى، ومع هول الحكم وشدته صمت الجميع، ولم يعترض عليه أحد حتى من اليهود أنفسهم، وأنى لهم الاعتراض في مثل هذه المواقف الرهيبة؟ وصدر الحكم، ولما صدر رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة لتنفيذ حكم الله في هؤلاء اليهود الخونة، وأمر بحفر خنادق عريضة لتدفن فيها جثثهم بعد إعدامهم، ولما حفرت الخنادق جلس النبي صلى الله عليه وسلم ومعه كبار الصحابة، ثم أمر بإحضار الرجال من بني قريظة المحكوم عليهم بالإعدام، وقد ميز المقاتلة من بينهم بإنبات الشعر، كما ثبت ذلك في الصحيح، وهنا أتي بهم دفعة دفعة، وكلما أعدمت وقتلت دفعة رمي بها في الخنادق، ثم وضعوا عليها التراب، وهكذا، وقد تم إعدام هؤلاء اليهود جميعاً في ليلة واحدة، وجرى الإعدام والقتل على ضوء مشاعل؛ لأنه كان في الليل كما في بعض الروايات.

    قتل حيي بن أخطب

    ولقد كان على رأس الذين نفذ فيهم حكم الإعدام سيد بني النضير حيي بن أخطب الذي حزب الأحزاب، وجمع جيوشها لغزو المدينة، وحمل بني قريظة على نقض العهد، وأعطاهم العهد أن يكون مصيره مصيرهم، فاستسلم حيي ضمن بني قريظة، ولما جاء تنفيذ الحكم في هذا الطاغوت الكبير أتي به إلى النبي صلى الله عليه وسلم وعليه حلة فقاحية، أي: لونها يضرب إلى الحمرة، قد شقها عليه من كل ناحية قدر أنملة لئلا يسلبها. أيها الإخوة! ولما أتي به إلى النبي صلى الله عليه وسلم مجموعة يداه إلى عنقه بحبل، ووقف أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: (ألم يمكن الله منك؟!) قال حيي : أما والله ما لمت نفسي في عداوتك، ولكنه من يخذل الله يخذله الله، ثم ضربت عنقه وألقي بجثته في الخندق.

    قتل كعب بن أسيد

    وأتي بزعيم بني قريظة كعب بن أسد ، فقال: له النبي صلى الله عليه وسلم لما وقف أمامه أسيراً: (يا كعب ! قال: نعم يا أبا القاسم! قال: ما انتفعتم بنصح ابن خراش لكم وكان مصدقاً بي؟ أما أمركم اتباعي، وإن رأيتموني تقرئوني السلام؟! قال: كعب : بلى، والتوراة يا أبا القاسم! ولولا أن تعيرني يهود بالجزع من السيف لاتبعتك)، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقدم فتضرب عنقه، فضربت.

    موت سعد بن معاذ رضي الله عنه

    أيها الإخوة! وفي قصص بني قريظة وتنفيذ حكم الإعدام تفصيلات وأحداث فيها عبر، أعرضنا عنها لضيق الوقت. أيها الإخوة! أما سعد بن معاذ صاحب الحكم فقد انفجر جرحه بعد حكمه بقليل، ثم انتقل رضي الله عنه وأرضاه إلى لقاء ربه. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل الكريم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    وقفات ودروس من غزوة بني قريظة

    الحمد لله ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأصلي وأسلم على البشير النذير محمد بن عبد الله مؤدب المشركين واليهود وغيرهم من الكفرة والمنافقين، صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه الذين ساروا على منهاجه ومن تبعهم إلى يوم الدين. أما بعد: أيها الإخوة! وانتهت غزوة بني قريظة، ولنا في ختام هذه الغزوة وأحداثها عدد من الوقفات والدروس نكتفي بثلاث منها:

    التعريف بسعد بن معاذ رضي الله عنه

    أولها: من هو سعد الذي حكم في هؤلاء اليهود فأصدر حكمه السابق الذي وافق حكم الله تعالى من فوق سبع سماوات؟ إنه سيد الأوس الذي أسلم على يد مصعب بن عمير في المدينة قبل الهجرة، فلما أسلم رضي الله عنه وقف على قومه فقال: (يا بني عبد الأشهل! كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا فضلاً وأيمننا نقيبة، قال: فإن كلامكم علي حرام رجالكم ونساؤكم حتى تؤمنوا بالله ورسوله) قال الراوي: فوالله! ما بقي في دار بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا وأسلموا، فكان رضي الله عنه من أعظم الناس بركة على قومه. وسعد بن معاذ هو الذي اهتز عرش الرحمن لموته، فقد روى البخاري ومسلم والترمذي وغيرهم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (اهتز العرش لموت سعد بن معاذ)، وفي رواية لـمسلم وذكرها البخاري بمعناها: (اهتز لها عرش الرحمن عز وجل) أي: لجنازة سعد بن معاذ . قال الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء: وقد تواتر قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن العرش اهتز لموت سعد فرحاً به)، وفي رواية عند أحمد والحاكم وصححه ووافقه الذهبي عن جابر قال: (جاء جبريل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقال له: من هذا العبد الصالح الذي مات؟! فتحت له أبواب السماء، وتحرك له العرش، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا سعد قد مات، قال: فجلس على قبره..) إلى آخر الحديث. وسعد هو الذي روى فيه أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (لما حملت جنازة سعد بن معاذ قال المنافقون: ما أخف جنازته -يعني: لحكمه في بني قريظة- فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاة والسلام: إن الملائكة كانت تحمله) رواه الترمذي وإسناده صحيح. وقد ثبت أن سبعين ألفاً من الملائكة نزلوا إلى الأرض لم ينزلوا إليها من قبل؛ ليشهدوا جنازة سعد الذي حكم في يهود بني قريظة ذلك الحكم المشهود. أيها الإخوة! هذه بعض مواقف سعد الذي وافق حكمه حكم الله عز وجل من فوق سبع سماوات.

    تحريم الاعتراض على حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم

    ثانياً: أن هذا الحكم الذي صدر هو حكم الله في هؤلاء اليهود الخونة، ومن ثم فلا يجوز لمسلم الاعتراض عليه ولا نقضه، ولا يجوز وصفه بما وصفه به أعداء الإسلام وأعداء النبي صلى الله عليه وسلم ممن كتبوا عن حياته وسيرته، أو تعرضوا لهذه القضية بالذات، حيث وصفوا هذا الحكم بأنه قسوة ووحشية. إن المعترض عليه معترض على حكم الله وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم، كما قال عز وجل: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65]. نعم لقد كان هذا الحكم هو الذي يليق بهؤلاء الخونة ناكثي العهود مع أكرم الخلق صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين. أيها الإخوة في الله! إن هذا الحكم وإن كان صعباً وإن كان شديداً إلا أنه لائق بهؤلاء، وهو قبل ذلك وأثناء ذلك وبعد ذلك حكم الله تبارك وتعالى من فوق سبع سماوات.

    حقيقة الخلاف بين المسلمين واليهود

    ثالثاً: ما الذي حول الأوس والخزرج من عرب ضعفاء أمام اليهود يتحكمون فيهم في الجاهلية، ويهددونهم في كل حالة قائلين لهم: قد أطل زمان نبي نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم؟! وما الذي حول العرب في المدينة وما حولها في الجاهلية حيث كانوا يتهافتون على اليهود ويقبلون أحكامهم، بل إن غالب سلاحهم كان يصنعه اليهود، واقتصاد المدينة كان يسيطر عليه أيضاً اليهود؛ فما الذي حول الأوس والخزرج من تلك الحالة التي كانوا عليها إلى هذه الحالة التي أصبحوا فيها يتحكمون فيهم، بل ويحكم واحد منهم في قبيلة كاملة من قبائل اليهود؟! إنه الإسلام ولا شيء غير الإسلام، واليوم لما كان غالب صراعنا مع اليهود تحت رايات القومية والعلمانية وغيرها انقلب الأمر؛ فصار حالنا اليوم كحال الأوس والخزرج في الجاهلية، يصيبنا الرعب حينما يذكر اليهود أو خطط اليهود أو أن هذا وراءه اليهود، بل نتسابق على التعاون معهم، والاستسلام لهم، وهاهم اليهود يحاولون التحكم في أسلحة المسلمين وفي اقتصاد المسلمين، ألا هل من معتبر أيها الإخوة المؤمنون؟! ألا هل من معتبر ومقارن بين حالة الأوس والخزرج قبل الإسلام وبعد الإسلام، وبين حالنا في هذه الأيام في صراعنا مع اليهود؟! إنها حقيقة يعلمها اليهود قبل المسلمين في هذه الأيام؛ فالصراع إنما هو صراع مع الإسلام وليس مع العروبة ولا مع غيرها من الرايات، وإن نتيجة المعركة لا تحدد إلا حينما يكون صراع اليهود مع المسلمين الصادقين. أيها الإخوة المؤمنون! إنها حقيقة لا شك فيها، فهل نعتبر أيها الإخوة المؤمنون بحقائق التاريخ؟! وهل نعتبر بحقائق سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! وهل نعتبر ونحن اليوم أمام مفترق طرق؟ أيها الإخوة المؤمنون! إن اليهود يعرفون الحقيقة كاملة، فهل نعرفها نحن كما يعرفونها؟ وهل نتعامل معها كما يتعاملون معها؟ نرجو ذلك. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين في كل مكان. اللهم انصر المؤمنين المجاهدين في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم انصر المسلمين المجاهدين في سبيلك في بلاد الشيشان وفي البوسنة وفي فلسطين، وفي كل بلاد المسلمين، اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم من اليهود والروس والنصارى وغيرهم. اللهم دمر أعداء المسلمين يا رب العالمين! اللهم واجعلهم غنيمة للمسلمين، اللهم فرق كلمتهم، وشتت أمرهم، واجعل تدبيرهم تدميراً عليهم يا رب العالمين! اللهم اجعل بلاد الشيشان مقبرة للروس يا رب العالمين. اللهم ذكر المسلمين هناك بدينهم يا رب العالمين. اللهم اجعل لنا من لدنك عوناً على الرجوع إلى دينك وتحكيم كتابك وسنة نبيك صلى الله عليه وسلم. اللهم انصر المسلمين في كل مكان. اللهم إنا نسألك أن تنزل بأسك وعذابك بكل عدو للإسلام والمسلمين، اللهم أنزل به رجزك، اللهم أنزل به عذابك يا رب العالمين. اللهم إنا نسألك يا إلهنا يا رب العالمين أن ترزقنا الإيمان، اللهم ارزقنا الإيمان، اللهم حببه إلينا، اللهم كره إلينا الكفر والفسوق العصيان واجعلنا من الراشدين. اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاشغله بنفسه يا رب العالمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3007987760

    عدد مرات الحفظ

    720902637