إسلام ويب

سلسلة كيف تصبح عالماً [9]للشيخ : راغب السرجاني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لدراسة التاريخ الإسلامي وغيره فوائد كبيرة وعظيمة وكثيرة، منها: معرفة سنن الله في الخلق، وواقعية التطبيق، والعزة والرفعة، وغير ذلك، وهناك نماذج عديدة من التاريخ الحضاري لأمة الإسلام في كافة المجالات الشرعية والحياتية.

    1.   

    فوائد دراسة التاريخ الإسلامي وغيره

    أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    أما بعد.

    فأهلاً ومرحباً بكم في هذا اللقاء الطيب المبارك، وأسأل الله عز وجل أن يجعل هذا اللقاء في ميزان حسناتنا أجمعين.

    اليوم مع المحاضرة التاسعة من المحاضرات الخاصة بقضية: أمة الإسلام بين علوم الشرع وعلوم الحياة، وذكرنا في المحاضرات السابقة أننا سنتعرض اليوم إلى مثال للعلوم الحياتية في التاريخ الإسلامي، وقد يتساءل أحد الإخوة: لماذا الحديث عن التاريخ فلنتكلم في واقعنا؟ نقول: إن دراسة التاريخ لها فوائد جمة، ونحتاجها في مثل هذه الموضوعات وفي غيرها.

    معرفة سنن الله عز وجل في خلقه

    أولاً: التاريخ يتكرر، فبه نعرف سنن الله عز وجل في خلقه، فعندما نأتي نتحدث عن قصة من قصص السابقين بحيثيات معينة وظروف معينة، وأدت إلى نتائج معينة، نتوقع أنه إذا مرت بنا نفس الظروف ستحدث معنا نفس النتائج، ولذلك يقص ربنا سبحانه وتعالى في الكتاب الكريم القصص القرآني بشكل مكثف، فحوالي ثلث القرآن الكريم قصص؛ لنعرف السنن الثابتة التي يفعلها رب العالمين سبحانه وتعالى في إدارة ملكه وكونه وخلقه سبحانه وتعالى، وهو برحمته ثبت هذه السنن؛ كي لا يزيغ الناس ولا يضلوا، بحيث إذا عرفناها سرنا في الطريق الصحيح، ومن ثم نستطيع أيضاً أن نرى المستقبل، ولن نرى المستقبل إلا بدراسة التاريخ، فعندما أرى حدثاً معيناً أدى إلى نتائج معينة، فإذا كنت في نفس الحدث الآن وفي نفس الظروف فإني أتوقع نفس النتائج، فأستطيع أن أستنتج أو أستنبط بالنسبة للأمة أو للأفراد كيف سيكون مصيرها في المستقبل؛ لهذا ندرس التاريخ الإسلامي وغير التاريخ الإسلامي، ونمر على صفحات مختلفة من صفحاته.

    واقعية التطبيق

    ثانياً: التاريخ يبرز لنا أمراً هاماً جداً أسميه: واقعية التطبيق، أي: أننا أحياناً عندما نقوم ببعض القواعد النظرية تجد أنها صعبة التحقيق، لكن عندما نعرف معاً الحكاية من التاريخ نجد أن هذه القاعدة النظرية قد طُّبقت كثيراً في مراحل التاريخ المختلفة، والأمثلة على ذلك كثيرة، ولعلنا نأخذ مثالاً مما ذكرناه في دروسنا، ذكرنا على سبيل المثال قول يحيى بن أبي كثير رحمه الله: لا يُستطاع العلم براحة الجسم. وقد بعث لي أحد الإخوة برسالة يقول فيها: أنا لم أستطع تطبيق هذه القاعدة، فأعطني قاعدة أخرى أستطيع أن أكون عالماً بها من غير موضوع تعب الجسم هذا: لا يُستطاع العلم براحة الجسم؛ لأن هذا ليس في إمكانياتي وليس في قدراتي أن أفعل مثل كذا وكذا من الأمور التي تطلبها تنام قليلاً وتعمل كثيراً وتقدح وتركز وتتعب؟ أقول: عندما نذكر قصة يوجد فيها أن بشراً مثله استطاع أن يفعل هذه الأمور أكثر من مرة حتى أصبحت ديدن حياته، وأصبح أمراً متكرراً في كل مراحل حياته في الصغر والكبر، وفي الفقر والغنى، وفي الجوع والعطش، وفي الشبع والرضا، وفي كل أحواله هو يفعل هذا الأمر ويكرره، فإنا نستطيعه، فعندما أذكر لك مثالاً ومثالين وثلاثة وأكثر من ذلك، ويُصبح سنة ماضية في الأرض: أن كل العلماء الذين ذكرناهم تعبوا في حياتهم، ونعرض لمواقف التعب فإن هذا يُرسّخ المعلومة، ويعطيك شيئاً اسمه: واقعية التطبيق، أي: أن هذا الكلام واقعي، والقاعدة التي قلناها قاعدة واقعية، استطاع غيرنا من البشر وهم في ظروفنا ولهم احتياجات كاحتياجاتنا، ولهم رغبات كرغباتنا، ولهم طموحات وأحلام كطموحاتنا وأحلامنا.. استطاعوا أن يحققوا ذلك الأمر.

    إذاً: فنحن نستطيعه أيضاً، فهذا أمر واقعي.

    العزة والرفعة والسمو

    الأمر الأخير الذي أذكره ومن أجله ندرس التاريخ ونمر على مراحل مختلفة من التاريخ الإسلامي: هو أن التاريخ المجيد عزة لصاحبه، فعندما أذكر مراحل من التاريخ فيها نوع من العزة والسمو والرفعة، ترفع رأسك افتخاراً بالانتماء لهؤلاء السلف، وهؤلاء الأجداد الذين أضافوا وأضافوا لمسيرة الإنسانية بصفة عامة، وليس لمسيرة الأمة الإسلامية فقط، ترفع رأسك فعلاً، وهذا أمر مشاهد ومجرب، ففي فرنسا كان هناك مجموعة من الشباب المراهقين الصغار الذين يتراوح أعمارهم ما بين (14) و(15) سنة، وهم من المسلمين الذين تربوا في فرنسا، ومعظم هؤلاء مولود في فرنسا كان مدرسهم يتكلم معهم في العزة الإسلامية والكرامة الإسلامية والفخر بالإسلام، فلا يجد عندهم مردوداً لهذا الكلام، ويشعرون بشيء من الخزي؛ لأن العالم كله الآن على المسلمين، والمسلمون الآن مستضعفون، ووضعهم كما ترون، والشاب هناك لا يرى أن هناك أملاً في القيام ولا يرى أن هناك فرصة للنهوض، ففي يوم من الأيام أقيم معرض في باريس للاختراعات الإسلامية أو الإسهامات الإسلامية في العلوم، وكان معرضاً رسمياً حكومياً أقامته فرنسا تحت رعاية المركز الفرنسي للدراسات العربية، فجمعوا فيه من المتاحف المختلفة الموجودة في أوروبا الاختراعات التي عملها المسلمون في التاريخ، ووضعوها في معرض واستمر هذا المعرض حوالي أسبوعين أو ثلاثة، ومن يدخله يدفع قيمة تذاكر وما إلى ذلك، فعملوا رحلة لهؤلاء الأطفال أو الشباب المسلمين إلى هذا المعرض، وفي أثناء ذهابهم إليه وهم في السيارة كان المشرف يتحدث معهم وهم في حالة يرثى لها من الأمور المتعلقة بالعزة أو بالكرامة أو برفع الرأس؛ لكونهم من المسلمين، فذهبوا إلى المعرض ورأوا الإنجازات الإسلامية والإسهامات العظيمة التي أضافت وأضافت الكثير لمسيرة الإنسانية، فعادوا بروح مختلفة تماماً، عادوا رافعين رءوسهم، وأن أوروبا هذه التي يعيشون فيها حالياً، والتي كانوا ينظرون إليها النظرة العالية جداً، وأنها قارة قد سبقت المسلمين بقرون طويلة، عادوا وهم ينظرون إليها على أنها تابعة للمسلمين وليست سابقة، فمعظم العلوم الأوروبية نتجت عن علوم المسلمين التي نقلت إلى أوروبا، وأوروبا كانت في حالة من الجهل الشنيع في كل فروع العلم، وكان المسلمون متفوقين في كل فروع العلم، ورأوا ذلك مكتوباً ومنصوصاً وموثقاً بالحقائق العلمية وبالصور المؤكدة، وببعض الأجهزة التي وجدت في هذه المتاحف، ونُقلت من بلاد المسلمين إلى بلاد أوروبا في مراحل مختلفة من مراحل التاريخ، وجدوا هذا وشاهدوه رأي العين، واستمعوا إلى الشرح، وعرفوا تقدير العلماء الأوروبيين لعلماء المسلمين السابقين، ولك أن تتصور مدى الحماسة والحمية التي عادوا بها من هذا المعرض، وانطلقوا بعد ذلك للعمل.

    إذاً: عندما أتحدث عن قصة في التاريخ فإنها ترفع روحك المعنوية وتريك ما الذي فعل أجدادك والسلف في مسيرة العلم، وستتشجع إلى أن تفعل مثلهم وأعظم، وتقود الأرض كما قادوها وأعظم، وهذا مشاهد في مراحل مختلفة كثيرة في التاريخ الإسلامي.

    الشيء اللطيف والجميل أن مسيرة العلم في التاريخ الإسلامي كانت مسيرة متفوقة في مراحل كثيرة جداً، حتى في مراحل الضعف السياسي والعسكري، أي: في أيام سقوط المسلمين أمام التتار وأمام الصليبيين، وفي ظروف صعبة جداً من تفكك وفرقة في العالم الإسلامي ومع كل هذه الظروف تجد أن المسيرة العلمية كانت متقدمة، وأن العلماء المسلمين كانوا سابقين بشكل لافت للنظر، لكن الانطباع والتصور الذي عندنا اليوم وعند العالم عن التاريخ الإسلامي انطباع وتصور سياسي فقط، وللأسف لا نعرف من تاريخنا إلا الأمور السياسية فقط، ومع ذلك فهي مشوهة، لا نعرف إلا انحراف بعض الخلفاء، ولا نعرف إلا الفتن والصراعات التي دارت، ولا نعرف إلا المؤامرات والمكائد والمصائب والكوارث، لا نعرف إلا هذا التاريخ، حتى عندما نتكلم عن عزّة الإسلام والمسلمين لا نتحدث إلا عن حطين وعين جالوت والزلاقة والأرك والمواقع التي انتصر فيها المسلمون، وهي مواقع عظيمة حقاً، ولكنها ليست الوجه الوحيد للتاريخ الإسلامي، فهناك وجوه حضارية هائلة عظيمة للتاريخ الإسلامي، منها: هذا الوجه العلمي الذي نحن بصدد الحديث عنه في هذه المجموعة من المحاضرات، ولكن نحن -مع الأسف- ليست لدينا هذه المعلومات، فإنني عندما أسألك: ماذا تعرف عن أبي كامل المصري ؟ ولعل الناس أول مرة تسمع بهذا الاسم، ولو عرفته فقد لا تعرف عنه سوى سطر أو سطرين، ولا تعرف قصة حياة هذا العالم الجهبذ الذي قاد مسيرة العلم في العالم بأسره فترة طويلة من الزمان، من يسمع عن أبناء موسى بن شاكر أول فريق علمي في العالم في الميكانيكا والهندسة وعلم الحيل كما يسمونه، كانت لهم اختراعات متقدمة ومتفوقة استطاعوا أن يصلوا إليها؟ من يعرف تفصيلات حياتهم وطريقتهم في البحث ومؤلفاتهم، وتأثيرهم في الحضارة الغربية وفي أوروبا بصفة عامة؟ من يعرف أبا الفتح الخازني أو ابن الحائك أو قطب الدين الشيرازي أو محمد الفزاري أو أبا العباس الجوهري أو أبا العباس الفرغاني أو الحكيم المروزي ؟ هذه أسماء غريبة بالنسبة لنا، مع أنها لا تخلو من كتاب علم في العالم الغربي، فما من كتاب في الكيمياء أو الفيزياء أو الفلك أو الجغرافيا إلا وفي مقدمته يذكر هؤلاء.

    هذه أسماء غيّرت تماماً وجه التاريخ، ونحن لا نعرف أصلاً الاسم فضلاً عن سيرة الإنسان، فضلاً عن منهجه في الحياة، فضلاً عن طريقته في تناول الأمور، سواء كانت الأمور العلمية أو الأمور الشرعية والدينية في حياتهم، فهذه أمور غفل عنها المسلمون أعواماً وقروناً طويلة، وكُتب التاريخ بأيدي غير المسلمين وشوّه وزوِّر، وارتكبت في حقه جرائم شتى، لكن أين المسلمون الذين يراجعون هذا التاريخ وينقونه مما أُضيف إليه وليس فيه، ويُظهرون وجوه العظمة كما أظهر أعداؤنا وجوه السوء سواء بالحق أو بالتزوير.

    1.   

    وجوه ونماذج من الحضارة العلمية الإسلامية

    نتعرض الآن إلى بعض وجوه الحضارة العلمية الإسلامية المتميزة، فاليوم سنفتح بعض الصفحات، ولن نركز تركيزاً كبيراً على فرع معين من العلوم، لعلي أعطي الطب بعض الأهمية لتخصصه، ولكونه كما يقول الشافعي : أشرف العلوم بعد الشريعة، لكن بصفة عامة اهتمام المسلمين بالعلوم كان اهتماماً لافتاً للنظر.

    المكتبات في الحضارة الإسلامية

    المكتبات في الحضارة الإسلامية تنقسم إلى نوعين رئيسيين: الأول: المكتبات العامة، والثاني: المكتبات الخاصة.

    المكتبات العامة: هي التي تفتح للجمهور، ويحضر فيها عموم طلبة العلم والعلماء يأتون إليها من كل مكان؛ ليدرسوا في داخل المكتبة.

    والمكتبات الإسلامية كانت المكتبات الأولى على مستوى العالم، لا لعدة سنوات، ولكن لعدة قرون متتالية، فمكتبة بغداد كانت المكتبة الأولى على مستوى العالم لمدة خمسة قرون متتالية، أي: (500) سنة، وكان فيها كم هائل لا يتصور من الكتب، فمهما وصفنا لك ومهما حسبت فلن تستطيع أن تصل بدقة إلى عدد الكتب التي كانت في مكتبة بغداد، ولكي تتصور مقدار هذا الكم من الكتب تصور معي نهر دجلة، فهذا النهر يقرب من نهر النيل في المساحة من حيث العرض، فهو نهر ضخم وكبير، وعندما جاء التتار واحتلوا بغداد أرادوا أن يعبروا من البر الشرقي إلى البر الغربي قلم يستطيعوا ولم يكن هناك جسر، فماذا فعلوا؟ ذهبوا إلى مكتبة بغداد وكانت مطلة على نهر دجلة، فأخرجوا الكتب من المكتبة وألقوها في النهر حتى صنعوا منها جسراً تمر عليه الجيوش التترية من الشرق إلى الغرب، فتصور مكتبة بها كتب يتكون منها جسر لا يمر عليه إنسان، بل يمر عليه جيش! وجيش التتار من أعظم الجيوش وأكثرها عدداً في ذلك الوقت، فهذا شيء مهول.

    وليست الكتب في مجال واحد من علوم الشريعة أو علوم الحياة، بل في كل مجال.

    وكانت المكتبة تُقسّم إلى أقسام: قسم لعلوم الفقه، وقسم لعلوم الحديث، وقسم لعلوم العقيدة.. وهكذا، وقسم لعلوم الطب، وعلوم الفلك، وعلوم الهندسة، أقسام مختلفة، وكان فيها قاعات للمناظرات، وقاعات للمحاضرات والندوات، وكانت فيها أماكن مخصصة للترفيه، إذا أراد الإنسان أن يأخذ قسطاً من الراحة، أن يشرب مشروباً ويستريح قليلاً من عناء الدراسة والتعب، فهناك ركن مخصص لذلك، وفيها أماكن للتعليم تلقى فيها محاضرات منتظمة للتعليم في شتى الفروع، وفيها أماكن للمبيت، فقد كان يستضاف فيها طلبة العلم الذين يأتون من بلاد بعيدة، وتُجرى عليهم الأرزاق، أي: أن الخليفة يُخرج الأموال الثابتة للإنفاق على هؤلاء الذين يأتون إلى مكتبة بغداد؛ ليتعلموا، فالطالب يُنفق عليه وهو يتعلم ويقرأ في مكتبة بغداد، وفيها وظائف النسّاخين، ووظائف الباحثين عن الكتب؛ لأن المكتبة ضخمة جداً وهائلة، ولا تستطيع أن تصل إلى ما تريد بسهولة، فأصبح هناك أناس عملهم أن يبحثوا عن الكتب، أو تنسخ ما تريد، كانوا في زمن ليست فيه طباعة، فانتشرت حركة العلم بشكل مهول، وأصبحت مكتبة بغداد كما ذكرت هي المكتبة الأولى عالمياً.

    المكتبة الثانية على مستوى العالم: مكتبة دار العلم في القاهرة، وهذه المكتبة يكفي أن أذكر لكم أنه كان فيها (40) قسماً للكتب، كل قسم مختص بفرع من فروع العلم، ولكي تعرف تفريغ الكتب التي بداخلها يجب أن تعرف أن كل قسم على الأقل فيه (18000) كتاب في كل فرع من فروع العلم، أي عند جمعها فهي أكثر من سبعمائة ألف كتاب في مكتبة واحدة، وهذا شيء مهول!

    المكتبة الثالثة على مستوى العالم: مكتبة قرطبة، وأوروبا في ذلك الوقت لا توجد بها مكتبات لا من قريب ولا من بعيد، ولا تقارن بمكتبة أصغر قرية من قرى المسلمين في ذلك الوقت.

    مكتبة قرطبة كان بها نصف مليون كتاب في شتى فروع العلم، ولم تكن المكتبة الوحيدة في قرطبة، فقد كان هناك أكثر من مكتبة في قرطبة، ففي قرطبة أيضاً المكتبة الأموية وهي على نفس مستوى مكتبة قرطبة من حيث العظمة والفخامة واتساع العلوم.

    فالعلماء المسلمون كانت لهم مكانة عظيمة جداً، وكان خلفاء المسلمين ينفقون الأموال الغزيرة للإتيان بالكتب من كل مكان، حتى الكتب المترجمة، وكما ذكرنا في درس من الدروس السابقة أن المأمون كان يزن الكتاب المترجم من اللغات غير العربية إلى اللغة العربية ثم يعطي هذا الوزن لمن ترجمه ذهباً.

    إذاً: حوت المكتبات الإسلامية مجموعة هائلة من الكتب النادرة، ليس فقط من كتب المسلمين، ولكن من كتب المسلمين وغير المسلمين في ذلك الزمن.

    عندما احُتلت قرطبة من الصليبيين في أسبانيا أُحرقت معظم الكتب في مكتبة قرطبة، ففي يوم واحد قام أحد القساوسة الصليبيين وكان اسمه كمبيس فأحرق (80000) كتاب في ميدان من ميادين قرطبة، ومكتبة بغداد كما سمعتم كل الكتب أُغرقت في نهر دجلة حتى تحول لون النهر إلى الأسود من لون المداد الذي كتبت به هذه الكتب، كميات هائلة من العلوم أغرقت في مياه دجلة من التتار.

    ومكتبات طرابلس الشرق التي في لبنان كانت من أعظم المدن العلمية في تاريخ العالم بأسره، ويذكر أن الصليبيين عندما دخلوا مدينة طرابلس فأول شيء فعلوه هو دخولهم المكتبات الإسلامية في طرابلس، وأحرقوا في عدة أيام ثلاثة ملايين كتاب إسلامي في شتى فروع العلم.

    انظروا إلى الحقد الدفين عند أولئك الذين يغزون العالم الإسلامي، فالتتار في بغداد أغرقوا الكتب الإسلامية، والصليبيون في قرطبة أحرقوا الكتب الإسلامية سواء كانت كتباً علمية في علوم الحياة، أو كتباً في علوم الشريعة، والصليبيون في العصر الذي تلا بعد ذلك أحرقوا الكتب الموجودة في طرابلس، وهذا أمر متكرر؛ لأنهم يعلمون أن من أهم أسس بناء الأمة الإسلامية هي قضية العلم، ويعلمون أنه إذا ضاع العلم ضاعت الأمة وقادها غيرها، وهذا ذكرناه في أكثر من موضع في هذه السلسلة من المحاضرات.

    إذاً: هذه مكانة المكتبات العامة في الإسلام.

    المكتبات الخاصة: هي أن كل إنسان عنده مكتبة خاصة به، جمع فيها الكتب من ماله، وأصبح يجمع فيها النادر والنفيس في تخصصه.

    تنافس علماء المسلمين في اقتناء الكتب بشكل عجيب؛ لدرجة أن بعض المكتبات بلغت إلى حد لا يتصوره عقل الإنسان، فمنها:

    مكتبة أبي الفضل بن العميد ، فهو عندما أراد أن ينتقل من بلد إلى بلد وأراد حمل المكتبة احتاج إلى مائة بعير لحمل مكتبته معه.

    مكتبة الصاحب بن عباد ، نحن لا نصف بل نعدد كتبها، ولكن نترك الوصف لـجستافلبون أو نترك الوصف لـولد جورنت المؤرخ الأمريكي يقول: إن مكتبة الصاحب بن عباد في القرن الرابع الهجري كانت تحوي من الكتب أكثر من الكتب الموجودة في أوروبا مجتمعة. هذا عالم واحد من علماء المسلمين كانت لديه كتب أكثر من الكتب الموجودة في أوروبا كلها. هذا تاريخ المسلمين، وهذه قيمة العلم عند المسلمين.

    الطب في الحضارة الإسلامية

    أول مستشفى في العالم كان مستشفى إسلامياً أُسس في عهد الوليد بن عبد الملك الخليفة الأموي سنة (90) هـ ، وحكم الوليد من سنة (86) هـ إلى (96) هـ . هذا أول مستشفى في العالم بأسره.

    أول مستشفى أوروبي أنشئ بعد هذا المستشفى بتسعمائة سنة، فبيننا وبينهم في إنشاء المستشفيات كانت تسعة قرون كاملة، وأنشئ المستشفى في باريس على مستوى ضئيل جداً من النظافة ومن الإتقان ومن الحنكة الطبية، فقد كان مستواه متردياً، بينما برع المسلمون في مجال المستشفيات قبل مستشفى باريس هذا بتسعمائة سنة، وتوالت بعد ذلك المستشفيات في كل بقاع العالم الإسلامي، حتى إن العالم الإسلامي عرف بما يسمى بالمستشفيات المتنقلة والمستشفيات الثابتة، والمستشفيات الثابتة: هي التي تكون في مدينة في أحد الأمصار الكبرى ثابتة يؤمها الناس من كل مكان، أما المستشفيات المتنقلة فقد كانت تُنقل على الجمال، وتمر على قرى المسلمين وجبالها وسهولها والأصقاع البعيدة؛ ليخدم المسلمين في كل مكان من أماكن الأمة الإسلامية، وكانت بعض المستشفيات المتنقلة تحمل على (40) جملاً؛ لضخامتها، فهذه الجمال تحمل الأجهزة الطبية والأدوية والأطباء، وينتقلون من مكان إلى آخر؛ ليعالجوا مرضى المسلمين هنا وهناك.

    انظروا إلى هذا الفكر في ذلك الزمن.. عرف المسلمون التخصصات في داخل المستشفى الواحد، فإذا لم تكن المستشفيات بهذه الصورة لكثر المرضى، أما مستشفى باريس فقد ظل عشرات السنين منذ إنشائه يرتاده الكثير من المرضى، فالمرأة تلد بجوار الرجل المكسور، وبجوار الذي عنده جذام .. وهكذا، فكلهم في غرفة واحدة، أما المستشفيات الإسلامية فقد عرفت التخصص من أولها، بل إن أول مستشفى إسلامي الذي أنشئ في عهد الوليد بن عبد الملك كان مستشفى متخصصاً في الجذام وعرف المسلمون المستشفيات المتخصصة في كل مجال، ففي داخل المستشفى الواحد أكثر من قسم، فهناك قسم للعيون، وقسم للعظام، وقسم للأمراض الباطنية، وقسم للجراحة .. وهكذا، وهناك مستشفيات كاملة متخصصة في كل فرع.

    وعرف المسلمون أيضاً المستشفيات التعليمية، فقد كان أبو بكر الرازي رحمه الله من أوائل المعلمين في تاريخ المسلمين، فقد كان لديه شبه جامعة كاملة في داخل المستشفى الذي كان يرأسه في بغداد، وكذلك فعل علماء المسلمين بعد ذلك في كل مكان، وكانت هناك اختبارات لإتقان الصنعة؛ لتُعطى رُخصة لتمارس الطب، فتُختبر وتأخذ رخصة بعد المرور على مجموعة من كبار وعظماء الطب في القطر الذي أنت فيه، وكان من أشهر المدن في هذا الأمر بغداد، ففي إحدى الامتحانات كان هناك أكثر من (300) طبيب في مدينة بغداد فقط متخصصون في فروع مختلفة من فروع الطب.

    وهناك المكتبات التي كانت موجودة في داخل المستشفيات، مكتبات هائلة.

    وعلى سبيل المثال: مكتبة ابن طولون في مستشفى ابن طولون في القاهرة، هذه المكتبة كانت تضم كتباً في علم الطب، وعلم الصيدلة، وعلوم النبات، والكيمياء، وعلوم الفقه الخاصة بالطب.. وكل ما له علاقة بالطب، مكتبة في داخل المستشفى، وكان فيها مائة ألف كتاب متخصصة في علم الطب.

    في مكتبة مستشفى أحمد بن طولون وحدها مائة ألف كتاب، وليست مكتبة عامة من المكتبات الكبرى الرئيسية، بل مكتبة في مستشفى وفيها مائة ألف كتاب، وهذا شيء مهول.

    وعندما كان يدخل المريض المستشفى يكشف عليه طبيب من الأطباء العامين، كما نسميه في هذا الوقت: ممارس عام، ثم يحوله بعد ذلك إلى القسم الخاص به، فأول ما يدخل القسم يخلع جميع الملابس التي كان يلبسها، وتؤخذ هذه الملابس وتغسل وتوضع في كيس؛ ليأخذها وهو خارج أو تُلقى إن كانت قديمة، ويُعطى ملابس جديدة من المستشفى، وهذا من أهم الأشياء لوقف العدوى، إن كانت هناك أمراض معدية في داخل المستشفى، وبعد أن يدخل يوضع في قسمه ويُعالج فترة العلاج، وتجري عليه الأرزاق، ومعظم العلاج في المستشفيات الإسلامية كانت مجانية لكل الناس؛ لأن الكثير من أغنياء المسلمين كانوا يوقفون الأوقاف على علاج مرضى المسلمين، بل إن هناك من كان يوقف الوقف لإنشاء مزارع للنباتات الطبية بجوار المستشفيات، فتوضع مزارع كاملة تُزرع فيها كافة الأعشاب الطبية، وكافة النباتات الطبية اللازمة؛ لاستخراج الدواء النافع لهؤلاء المرضى.

    وكان المريض في فترة وجوده في داخل المستشفى يأكل مجاناً، ثم عندما يخرج يُعطى مبلغاً من المال يكفيه للبقاء في بيته فترة النقاهة؛ حتى لا يعمل.

    انظروا إلى مدى السمو في الفكر! ومدى الرقي في التعامل مع المرضى! لم تصل بلاد أوروبا إلى هذا الفكر حتى في زماننا هذا.

    إذاً هذا شيء هام جداً في تاريخ المسلمين، واشتهر في تاريخ المسلمين المستشفى العضدي في بغداد، والمستشفى النوري في دمشق، وهذا المستشفى نسبة إلى نور الدين محمود رحمه الله، وكان من أعظم المستشفيات، فقد ظل المستشفى النوري الذي أنشأه نور الدين محمود رحمه الله يعمل أكثر من ثمانية قرون، بقي إلى أواخر القرن التاسع عشر وهو يعمل ويخدم المرضى ويعالج، وتصور مستشفى واحد يظل (800) سنة وهو يعمل مع تغير الزمن وكثرة الأعداد واختلاف البيئة، فهذا يدل على ضخامة المستشفى.

    أيضاً المستشفى المنصوري في مراكش، أسس في عهد دولة الموحدين، ظل كذلك يعمل عدة قرون، وكان في داخل المستشفى عدة بحيرات صناعية، ففي داخل المستشفى حدائق غنّاء كبيرة، مما يدل على الاهتمام الكامل بالحالة النفسية للمرضى، كذلك كان المنصور الموحدي الذي هو أعظم خلفاء دولة الموحدين، كان في كل جمعة بعد صلاة الجمعة يذهب هو ووزراؤه ويعودون المرضى في المستشفى؛ لإدخال الراحة النفسية على المرضى، وللاطمئنان على أحوال المسلمين.

    هذا هو تاريخ المسلمين، وليست هذه إلا بعض أمثلة من التاريخ العظيم الواسع لأمة الإسلام في مجال الطب وفي غيره من المجالات.

    عرفت بغداد في القرن الرابع الهجري ما يسمى بالمدينة الطبية، ليس فقط مستشفى، وإنما أيضاً مستشفى كامل ودار إقامة كبير جداً للمرضى الذين يأتون إلى بغداد من خارجها، ومصانع للأدوية، ومزارع للنباتات والأعشاب الطبية، ومعامل للعلماء.. مدينة طبية متكاملة في ذلك التاريخ، وعندما نتحدث عن فرنسا فإنها لم تعرف المستشفيات إلا بعد تسعة قرون من المسلمين؛ لأنه لم يُنقل هذا العلم إلى أوروبا إلا بعد تسعة قرون؛ ولأن أوروبا كانت في حالة متردية من الجهل، فالفجوة بيننا وبينها كانت هائلة.

    و الرازي المعجزة الكبرى، فهو أول من اخترع الخيوط الجراحية، واخترعها من أمعاء القطّة، أي: أنه أول من خيّط جرحاً في مريض وجعلها من أمعاء القطة، ولقد استخدمنا هذه الخيوط في زماننا هذا الوقت، أي: أنها ظلت مستخدمة إلى هذا العصر الذي نحن فيه حالياً، ولم يتركوا استخدامها إلا قبل حوالي عشر سنوات واستحدثت أنواع أخرى، لكن لك أن تتصور كيف استطاع الرازي أن يستحدث خيوطاً في القرن الثالث الهجري، وتظل مستخدمة إلى زماننا الآن! فهو أول شخص في التاريخ عمل خيوطاً جراحية، وأول شخص عمل مراهم الزئبق، واستطاع أن يصل بالدواء عن طريق الجلد إلى داخل الجسم، وهذا كان اختراعاً مهولاً في زمانه، وأول شخص استخدم الحيوانات للتجارب الطبية، فقد كان يجرب الدواء على حيوان قبل أن يجربه في الإنسان، واستخدم القرود؛ لأنه رأى أنها شديدة الشبه بالشكل التشريحي لجسم الإنسان، فاستخدمها للأدوية وطبّقها عليها، وبعد أن يثبت النجاح في القرود يطبّق هذه العلاجات على البشر، وهذا الكلام هو أرقى ما وصل إليه الطب الآن في العالم، والآن لا يُسمح أبداً سواء في أمريكا أو في أوروبا لدواء من الأدوية بالتطبيق على الناس إلا بعد أن يُطبّق على حيوان أكثر من مرة، ويثبت كفاءة، ثم يعاد بعد ذلك تطبيقه على البشر، فهذا كان قد وجد من القرن الثالث الهجري، أي: قبل أكثر من ألف سنة من زماننا حالياً.

    والرازي هو أول شخص عمل عملية استخراج الماء الأبيض من العين، كان ذلك في القرن الثالث الهجري، فما هي الآلات التي من الممكن أن يستخدمها منذ ألف سنة؟! وكانت العملية ناجحة بفضل الله.

    وهو أول شخص فرق بين الحصبة وبين الجدري، وهذه الورقة التي كتبها في هذا الموضوع ظلت متداولة في أوروبا إلى القرن الثامن عشر، وظلت (800) أو (900) سنة هي الأساس في التفرقة بين المرضين.

    وهو أول شخص في التاريخ ذكر أن الحمى عرض وليست مرضاً، وإنما هي نتيجة لمرض آخر، وكان فيمن قبل الرازي يظن أن الحمى هذه مرض اسمه الحمى، كما أن هناك مرضاً اسمه الحصبة والجدري، فـالرازي قال: لا، هذه الحمى تصاحب أنواعاً مختلفة من الأمراض، وأثبت ذلك بالتجارب وبالاستنتاجات وبالاستنباطات، وبالكلام العلمي المدقق حتى وصل إلى هذه النتيجة، وهي الآن من الحقائق العلمية المعروفة.

    وهذا أبو القاسم الزهراوي هو أعظم جرّاح في تاريخ العالم لمدة خمسة قرون متتالية (500) سنة، لم يظهر أحد كـالزهراوي رحمه الله من علماء الجراحة المسلمين الذين كانوا يعيشون في الأندلس، وهو أول من تخصص في الجراحة، وهو المخترع لأكثر من (200) آلة جراحية، والكثير منها مستخدم إلى زماننا الآن مع بعض التطويرات، لكن أصل الاختراع من قِبل الزهراوي رحمه الله، وصور هذه الآلات إلى الآن موجودة، وبعض آلات الزهراوي الحقيقة التي استخدمها إلى الآن موجودة في متاحف أوروبا.

    وهو أول من اخترع الحقنة، وأول من أتى بدواء عن طريق الوريد أو عن طريق الحقنة العضل، لا عن طريق الفم أو عن طريق الأنف، ثم جاءت الإضافات العلمية التي أُضيفت بسبب هذا الاختراع الذي نظنه بسيطاً يسيراً، مع أنه يعتبر طفرة هائلة في تاريخ الطب في العالم.

    والزهراوي هو أول من اخترع منظاراً جراحياً في العالم، استطاع أن يرى داخل المثانة بهذا المنظار، بل استطاع أن يفتت الحصوة في داخل المثانة! فعلاً هذا شيء مهول، الآن بالأدوات الحديثة الموجودة في زماننا لا يستطيع كثير من الأطباء تفتيت الحصوات في داخل جسم الإنسان، ومع ذلك فإن الزهراوي الذي هو من علماء القرن الرابع الهجري والخامس الهجري استطاع أن يفعل هذا الفعل، وهناك العديد والعديد من العمليات الجراحية التي أجراها ووصفها رحمه الله وكتب لنا (كتاب التصريف لمن عجز عن التأليف)، هذا الكتاب يُعد أكبر مرجع جراحي عرفته البشرية في زمانه، وظل كذلك لمدة خمسة قرون متتالية، وهذا المرجع جاء في ثلاثين مجلداً، فمتى كتبه؟ وكيف كان يقضي وقته في الجراحة وفي العمل والاختراع، وفي نفس الوقت في الكتابة والتأليف؟ ظل هذا الكتاب هو المرجع الوحيد في أوروبا للجراحة لمدة (500) سنة، لا أقول: المرجع الأول، بل المرجع الوحيد في الجراحة لمدة 500 سنة متصلة.

    كذلك الاكتشافات التي اكتشفها ابن سينا كثيرة جداً، ولضيق الوقت راجعوا سيرة ابن سينا وانظروا إلى الإضافات التي أضافها في مسيرة العلم، وأنا كنت في باريس منذ أشهر قليلة، فكانت هناك بعض المكتبات العلمية الموجودة في وسط باريس، مكتبات فرنسية خالصة اسمها: أفسينا، الذي هو ابن سينا ، وهو عالم معروف جداً في أوروبا جميعها؛ لأنه غيّر فعلاً محور التاريخ في قضية الطب.

    كذلك ابن النفيس مكتشف الدورة الدموية، وكما قلنا قبل هذا: إنها نُسبت خطأ أو تزويراً إلى أحد العلماء الأسبانيين، لكن وضح بعد ذلك أنه ما كتب إلا مجرد ترجمة لما ذكره ابن النفيس رحمه الله.

    كذلك ابن الهيثم أول من وصف الوصف التشريحي الدقيق للعين، فعندما تنظرون إلى رسمة العين التي رسمها ابن الهيثم تجدون وضوحاً للقرنية، وللعدسة، وللجسم الزجاجي، وللشبكية، وللعصب البصري، وارتباط ذلك كله بالمخ. هذا كله في تشريح العين، فتشريحه من أدق أنواع التشريح في الجسم بكامله، هذا الاختراع والوصف كان في القرن السادس الهجري من ابن الهيثم رحمه الله.

    وأهم والمراجع الطبية في العالم لمدة سبعة قرون متتالية أهم مراجع في الطب وهي: كتاب (الحاوي) للرازي ، وكتاب (التصريف) للزهراوي ، وكتاب (القانون) لـابن سينا ، وكتاب (التذكرة) للكحال ، وهذا الكتاب هو مرجع ضخم متخصص فقط في طب العيون، وكذلك الكتاب الخامس: كتاب (المناظر) في طب العيون أيضاً لـابن الهيثم .

    وللأسف الشديد نجد أن معظم الآلات الجراحية المستعملة في التاريخ الإسلامي في الطب معظمها موجودة في متاحف أوروبا وليست في متاحف المسلمين.

    الفلك في الحضارة الإسلامية

    لقد طور المسلمون الأسطرلاب، واستطاعوا بهذا التطوير أن يكتشفوا أماكن كثيرة جداً من النجوم والكواكب في السماء، ورسموا خرائط في منتهى الدقة لعدد هائل من نجوم السماء، وكانت هناك خرائط كاملة موجودة عند المسلمين لأفلاك السماء وحركة الكواكب، بل استطاعوا أن يحددوا المواعيد المستقبلية بمنتهى الدقة لخسوف القمر ولكسوف الشمس، واستطاعوا تحديد طول السنة الشمسية بشكل مبهر، ويكفي أن تعرف أن البتاني رحمه الله من أعظم علماء الفلك في التاريخ، وقلّما يخلو كتاب يتحدث عن الفلك في أوروبا أو في أمريكا أو في غيرها من اسم البتاني رحمه الله، توفي البتاني هذا سنة (929)م، يعني: منذ أكثر من ألف سنة، وقد حدد: أن طول السنة الشمسية أنها (365) يوماً و(5) ساعات و(46) دقيقة، و(32) ثانية، والتحديد الذي كان في القرن الحادي والعشرين الذي نعيشه حالياً هو: أن طول السنة الشمسية (365) يوماً و(5) ساعات و(48) دقيقة، و(46) ثانية، يعني: الفرق دقيقتان و(14) ثانية بعد أكثر من ألف سنة، مع وجود الفارق بين القياسات الحديثة وقياسات البتاني منذ أكثر من ألف سنة، فكيف قاسها وكيف حسبها؟ وكتبه موجودة ودراساته موجودة، لكن من ينقب عنها، ويخرج هذه الثمرات العظيمة لأبناء المسلمين، بل وللعالم أجمع؟

    ولقد كان المسلمون في علم البصريات سابقين، فـابن الهيثم هو أول من اكتشف أن العين تبصر بالضوء المنبعث من الجسم لا المنبعث من العين، فقد ظلت البشرية قروناً تظن أن العين تبصر بالنور الذي يخرج منها، فهو أول من أثبت عكس ذلك، وأن العين تبصر بالنور المنبعث من الجسم لا من العين، ثم بدأ يطبّق تطبيقات على هذا الأمر، واخترع رحمه الله الغرفة المظلمة التي كانت نواة بعد ذلك لاختراع الكاميرا.

    الكيمياء في الحضارة الإسلامية

    لقد برع المسلمون في علم الكيمياء، ولا أقول: من القرن الثالث الهجري أو الرابع الهجري بل من القرن الأول الهجري برع المسلمون في هذا المجال، وتطور جداً في القرن الثاني الهجري على يد العلامة الإسلامي المشهور العظيم جداً جابر بن حيان رحمه الله، فهذا العلم بعد ظهور جابر بن حيان أصبح يُعرف في التاريخ ولعدة قرون بصنعة جابر ، وهذا العلم هو علم الكيمياء؛ لأن جابر بن حيان هو من أكثر الناس الذين أضافوا إلى هذا العلم الإضافات الجمة والكثيرة، مع العلم أن جابر بن حيان كان يخترع الاختراع ويضيف المركب إلى المركب ليخرج بشيء، ثم يقوم بتطبيق هذا الشيء على الحياة، فيستخدمه في شيء مفيد للناس من علاج ونحوه، وقد استخرج ورقاً مقاوماً للحريق، وأول ما استخدم هذا الورق أن غطوا به المصحف، فهم حفظوا به أغلى شيء عندهم، فوجود ورق مقاوم للحريق في القرن الثاني الهجري يعد نقلة نوعية في الحضارة الإسلامية، واخترع جابر بن حيان أقمشة مقاومة للبلل.

    وطور جابر بن حيان الزجاج، وقبل ظهور المسلمين كان كل الزجاج بالنوع الأخضر، الذي يسمونه بالأخضر الرخيص، فأضاف جابر بن حيان مادة ثاني أكسيد المنجنيز على الزجاج، فظهر الزجاج الشفاف الذي نستعمله الآن في أشياء كثيرة، وأصبح أكثر نفعاً.

    و عباس بن فرناس أول من صنع زجاج الكريستال، فهو اختراع إسلامي بحت.

    لذلك إدراك الوزن النوعي لكثير من المعادن، وجداول المسلمين التي ذكرت الوزن النوعي لعدد هائل من المعادن جداول مبهرة، مثل جداول الخازن ، والخازن من علماء المسلمين الكبار في الكيمياء والفيزياء، والوزن النوعي للذهب في جدوله (19.25)، والوزن النوعي للذهب في جداول البيروني (19.26)، والوزن النوعي للذهب في جداولنا الآن (19.26)، وهو نفس الوزن النوعي الذي وزنه البيروني رحمه الله، ومن قبله الخازن رحمه الله.

    الجغرافيا في الحضارة الإسلامية

    أما الجغرافيا فهي تتطلب منا إلى محاضرتين أو أكثر لوحدها، فأول خريطة دقيقة للعالم رسمها الإدريسي رحمه الله، وغيّر فيها مفاهيم كثيرة جداً كانت مسيطرة على ذهن الناس، بل إنه رسم هذه الخريطة على كرة ليثبت للجميع أن الأرض كروية، رسم الأرض كلها على كرة، وفيها أفريقيا وآسيا وأوروبا، ووصل بآسيا إلى حدود اليابان حدود الجهة الشرقية من آسيا، ووصل بأوروبا إلى حدود إنجلترا وإلى أسبانيا من الناحية الأخرى، وفيها تفصيلات في منتهى الدقة، وأتمنى أن تبحثوا في هذه الخريطة المشهورة، وهي موجودة في الكتب، وهذه الخريطة رُسمت في القرن الرابع الهجري، ومع ذلك تجدون الدقة والبراعة في رسم الدول والبحار والبحيرات الموجودة في زماننا الآن.

    كذلك خريطة محيي الدين الريس العثماني من يسمع عنه؟ محيي الدين الريس هذا من كبار الجغرافيين العثمانيين، رسم خريطة أدهشت وكالة ناسا الفضائية في أمريكا، فصارت محط أنظار ودراسة، وألف مجلداً ضخماً كله خرائط، فما وجه الغرابة في خرائط محيي الدين الريس ؟ وجه الغرابة أنه رسم في أكثر من خريطة متتالية رسم فيها المحيط الأطلسي، الذي يسمى ببحر الظلمات في ذلك الوقت، فاللافت للنظر أنه ظهر على المحيط الأطلسي الجهة الغربية منه ساحل أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية من أوله إلى آخره، ومحيي الدين الريس مات سنة (1513)م بعد حوالي عشرين سنة من ادعائهم أن كريستوفر كولمبوس اكتشف أمريكا، ومات بعد هذا الاكتشاف بعشرين سنة، لكن الخرائط التي رسمها مستحيل أن ترسم في يوم وليلة، وهي خرائط في منتهى الدقة، وكولمبوس عند اكتشافه اكتشف الجزائر الشرقية لأمريكا فقط، ثم رجع إلى أسبانيا مرة أخرى وأتى بالجيوش، وبدأ باحتلال الجزائر الشرقية، وهذه الخرائط التي اكتُشفت في مكتبة في إستانبول، وفيها رسم كل الساحل الأمريكي من أقصى شمال أمريكا إلى أقصى أمريكا الجنوبية بتفاصيل عجيبة، واكتُشفت هذه الخرائط في أوائل القرن العشرين، وعندما نظر العلماء الجغرافيون إلى هذه الخرائط وجدوا فيها بعض الاختلافات مع جغرافيي القرن العشرين، فقالوا: إن هذه الخريطة أخطأت في كذا وكذا، ثم بعد أن صورت وكالة ناسا ساحل أمريكا من الفضاء بالأقمار الصناعية، اكتشفت دقة خرائط محيي الدين الريس عن خرائط الجغرافيين في القرن العشرين، فالخرائط شكلها مدهش وهي في منتهى الدقة، ثم أخذوا الخرائط وبدءوا يقطعون الخرائط على الكمبيوتر ويكبّرون أحجامها؛ لينظروا التفاصيل الدقيقة التي رسمها، فوجدوا أنه لم يكتف برسم الحدود الدقيقة فقط، بل أيضاً رسم الأحياء النباتية والأحياء المائية، والناس الذين يعيشون في كل منطقة، فعندما قاموا بتكبيرها رأوا قارة القطب الجنوبي أنتراكتا التي يقولون: إنها اكتشفت في القرن الثامن عشر الميلادي، فهو مات في القرن السادس عشر الميلادي، ورسم القطب الجنوبي في خرائطه، من يسمع عن محيي الدين الريس العثماني ؟ من أعظم جغرافيي العالم، وإلى الآن تُدرس خرائطه في أمريكا في وكالة ناسا، وإلى الآن لم يعرفوا السر الذي جعله يصل إلى هذا الاكتشاف، وما هو الفريق العلمي الذي كان عنده، وعدد السفن الهائلة التي كانت تجوب ساحل أمريكا لترسم بدقة علمية مهولة هذا الساحل؟!

    الجبر في الحضارة الإسلامية

    علم الجبر اختراع إسلامي بحت، لم يكن هناك شيء اسمه الجبر، ولهذا إلى الآن في الغرب يُعرف علم الجبر بالجبرا، فهو علم إسلامي صرف، فـالخوارزمي رحمه الله هو أول من اخترع علم الجبر في التاريخ، وعلماء الرياضة والهندسة يعرفون قيمة علم الجبر في المسيرة الإنسانية.

    كانت هناك مسائل معقدة في الميراث، ومن حرص المسلمين على تطبيق شرع الله عز وجل تمام التطبيق في المسائل الصعبة، فإنهم لم يأخذوا الموضوع هذا بمجرد التقريب، فـالخوارزمي سخّر علمه في الرياضيات وقام باختراع علم الجبر؛ ليحل به المعضلات التي قابلت العلماء في الشريعة في مسائل الميراث، واستطاع بالفعل حل المسائل، وأصبح علم الجبر هذا من العلوم الأساسية لأي حضارة في التاريخ بعد هذا.

    كذلك المسلمون هم الذين أضافوا الصفر في الترقيم، فقبل المسلمين لم يكن هناك شيء اسمه صفر، وأيضاً أي عالم هندسة أو عالم رياضيات سيخبرنا عن قيمة الصفر في العمليات الحسابية الحالية، وأن أي عملية حسابية بدون هذا الصفر لا تستقيم.

    والمسلمون هم أول من اخترع الأرقام العربية التي يظنها البعض أنها أرقام أجنبية إنجليزية أو فرنسية، التي هي 1، 2، 3، 4 .. بالشكل هذا الذي تعرفونه، فهذه اختراعات إسلامية بحتة، حتى إنها معروفة إلى الآن في أوروبا بالأربك نمبرز، يعني: الأرقام العربية، هذا اختراع إسلامي، وقام على الزوايا، يعني: رقم (1) في زاوية واحدة، ورقم (2) في زاويتين، ورقم (3) في ثلاث زوايا، ورقم (4) في أربع زوايا.. إلى رقم تسعة تسع زوايا، يقسموا شكل الرقم هذا اخترعوه وحققوا فيه عدد الزوايا ليحقق لك الغرض أو الحكمة المطلوبة أو الهدف المطلوب من وراء الرقم مباشرة.

    العمارة في الحضارة الإسلامية

    لقد كانت العمارات الإسلامية في غاية من الجمال ودقة البناء لزمن طويل جداً، فقد كانت القباب الإسلامية محيرة للعالم، القباب الهائلة التي أنشئت في المساجد الكبرى بالذات في إستانبول في تركيا، والآن يدرس المهندسون هذا الفن المعماري، وتعجبوا كيف استطاع المسلمون في ذلك الزمن أن يعملوا قبة بهذا الحجم وبهذا الإتقان، وبهذه الاستمرارية إلى زماننا الآن فقد مرت مئات السنوات وما زالت القباب تحتفظ برونقها سواء في الحجم أو في القوة أو في الألوان التي زُخرفت بها هذه العمارة الإسلامية العظيمة؟!

    ومسجد قرطبة موجود في الأندلس إلى الآن نسأل الله عز وجل أن يحرره، وهذا المسجد حوّل إلى كنيسة من سنة (636)هـ عندما سقطت قرطبة في أيدي الصليبيين، فقد كان أعظم مسجد وأكبر مسجد في العالم وحوّل إلى كنيسة، ونسأل الله عز وجل أن يعيده إلى الإسلام والمسلمين.

    وقام المسلمون بعمل قنطرة قرطبة التي هي من أعجب القناطر في العالم، أول قنطرة أسست بهذه الطريقة الحجرية العظيمة والواسعة، وتسع عدداً كبيراً من البشر في وقت واحد، يمرون عليها من مكان إلى مكان وهي في منتهى القوة، وهي باقية إلى الآن، وأنشئت في عهد عمر بن عبد العزيز رحمه الله سنة (100)هـ وهي إلى الآن موجودة، وتمر عليها السيارات الآن في قرطبة في أسبانيا.

    انظروا إلى هذا الإنجاز الحضاري الهائل، ناهيك عن قصر الحمراء في غرناطة، والقصور الأخرى الموجودة هناك، يعني: هناك عدد هائل جداً من القصور والمساجد والقلاع والبناءات المتميزة بشكل لافت للنظر.

    الصناعة في الحضارة الإسلامية

    كانت الصناعة عند المسلمين في غاية التميز، فالورق وإن كان الورق صناعة صينية إلا أنه تطور جداً في البلاد الإسلامية، وبرع المسلمون في عدة مدن إسلامية كسمرقند وكدمشق وكبعض المدن الموجودة في الأندلس في صناعة الورق، حتى إن باباوات إيطاليا كانوا لا يكتبون أناجيلهم إلا على الورق المستورد من الأندلس، لفخامة هذا الورق، ودقة وجودة نوعية هذا الورق.

    أيضاً: أوروبا لم تعرف السكر إلا عن طريق المسلمين، ولم تعرف النسيج الجيد بالصناعة المبهرة وباللون الذي يستطيع أن يعمّر فترة طويلة من الزمان إلا عن طريق المسلمين، بل إن المسلمين صنعوا وأتقنوا صناعة الجليد، فقد اشتهر في التاريخ أن أحد الخلفاء العباسيين أراد أن يحج من بغداد إلى مكة في عمق الصحراء وفي الجو الحار هذا، فاصطحب معه الثلج من بغداد إلى مكة، وعنده أشياء تحفظ الماء في حالته الثلجية حال مروره بهذه الصحراء شديدة الحرارة.

    هذه فقط بعض الأمثلة، فأنا أفتح لكم الفرع ثم أتركه إلى غيره؛ لأن الموضوع يحتاج إلى تفصيلات دقيقة في كل فرع من فروع العلوم الإنسانية بصفة عامة.

    وهناك علوم كثيرة لم نتحدث عنها كعلوم الاجتماع وعلوم الفيزياء، وعلوم كثيرة جداً لم نذكر تفصيلات فيها ولم نمر عليها؛ لكون الوقت لا يتسع لمثل هذه الدراسات المتخصصة.

    ولو تصورنا شكل مدينة قرطبة سنة (350) هـ منذ أكثر من ألف سنة، من أيام عبد الرحمن الناصر رحمه الله والحكم بن عبد الرحمن الناصر رحمه الله، فمدينة قرطبة في ذلك الزمن كان فيها (28) ضاحية، كانت مدينة هائلة بكل المقاييس، وكان فيها ثلاثة عشر ألف دار، وكان فيها نصف مليون مواطن، فقد كانت المدينة الثانية على مستوى العالم في تعداد السكان، والمدينة الأولى: هي مدينة بغداد فعدد سكانها ثلاثة ملايين، والثالثة: إشبيليا أربعمائة ألف، هذه هي أعظم مدن في العالم، وأكثر مدن العالم كثافة وحضارة، وكانت تسمى قرطبة بجوهرة العالم، فكانوا إذا أرادوا أن يشاهدوا شيئاً من جمالها سواء من المسلمين أو من غير المسلمين ذهبوا إلى قرطبة وإلى مدينة الزهراء وهي فرع من فروع قرطبة أو حي من أحياء قرطبة، وشاهدوا هناك قنطرة قرطبة، ومسجد قرطبة، ومكتبة قرطبة، وجامعة قرطبة.

    والشوارع في قرطبة في ذلك التاريخ كانت مرصوفة بالحجر، وكانت الشوارع مضاءة ليلاً، وفي القرن الحادي والعشرين الآن هناك بعض القرى غير مضاءة، ومدينة قرطبة منذ ألف سنة كانت مضاءة ليلاً، وكان فيها أسواق متخصصة، فهناك سوق للسلاح، وسوق للذهب، وسوق للكتب، وسوق للزهور، وهناك أسواق لأشياء غريبة، فالزهور النادرة لها سوق خاص، والحيوانات النادرة لها سوق خاص، وهناك سوق للأوراق وأنواع الأوراق، وسوق للصناعات الكيميائية، وسوق للأدوية.. وغير ذلك، فقد كانت أكثر المدن علواً في مجال الاقتصاد في ذلك الزمن.

    الجامعات العلمية في الحضارة الإسلامية

    توجد الجامعات العلمية عند المسلمين منذ القدم، فهناك الجامعة الأموية، وجامعة قرطبة وهي من أعظم جامعات العالم، وجميعنا يعرف الرسالة المشهورة التي أرسلها ملك إنجلترا إلى أحد حكام المسلمين وهو هشام بن عبد الرحمن الثاني في الأندلس، ويرجوه في هذه الرسالة أن يعلم مجموعة من علماء إنجلترا العلوم في جامعة قرطبة، وأمضى الرسالة: خادمكم المطيع ملك إنجلترا.

    كانت هذه الرسالة من ملك إنجلترا إلى قائد الدولة الإسلامية في الأندلس.

    وكان في قرطبة خمسون مستشفى في سنة (350) هـ وكان فيها ثلاثة آلاف مسجد، وهذه المساجد يصلي فيها المسلمون الفروض كلها، ما عدا الجمع فكانت لا تصلى إلا في المساجد الجامعة الكبيرة التي تجمع المسلمين.

    إذاً: هذه مدينة قرطبة سنة (350) هـ.

    ننتقل إلى مدينة فاس سنة (600)هـ، وهذه المدينة كانت من المدن الصناعية الأولى في العالم، فقد كان فيها أكثر من (3000) مصنع لنسج الثياب، وكان فيها (47) مصنعاً للصابون، و(86) مصنعاً لدبغ الجلود، و(116) داراً للصباغة، (12) مصنعاً لتسبيك الحديد والنحاس، و(11) مصنعاً للزجاج، و(135) مصنع لصناعة الجير المستخدم في الطلاء، و(400) مصنع للورق.. وهذا كله في مدينة واحدة، فنحن نتكلم عن مدينة فاس وليس عن المغرب بكامله، وكان فيها أيضاً (188) مصنعاً للفخار، وكان فيها (200) مكتبة لبيع الكتب في سنة (600)هـ يعني: منذ أكثر من (800) سنة من هذا الوقت.

    هذه أمثلة وليست هذه كل حضارة المسلمين العلمية، فنحن فقط نفتح صفحات يسيرة جداً في حضارة المسلمين العلمية.

    إذاً: الحضارة الإسلامية كانت حضارة تجمع بين علوم الشرع وبين علوم الحياة، وتجمع بين بناء المصانع وبين بناء الإنسان، وتجمع بين المادة والروح كما رأينا، وتجمع بين سعادة الدنيا وسعادة الآخرة.. فهي حضارة متميزة ومختلفة عن غيرها من الحضارات.

    1.   

    دور المسلمين في وقتنا المعاصر تجاه كافة المجالات العلمية

    ما هو دورنا بعد هذه الرحلة في هذه المجالات المختلفة من العلوم؟

    خلاصة هذه القصة أننا لا نقرأ هذا التاريخ لكي نتأثر فقط بما فعله السابقون، ونسعد ونفرح بما قدمه أجدادنا لمسيرة الإنسانية، لكن في المقام الأول قرأنا عليكم هذه الصفحات من التاريخ الإسلامي لنعلم أن العلم أساس من أسس بناء الأمة الإسلامية لا بديل عنه، وهذه الأمة الإسلامية إنما سادت العالم بهذا التفوق في شتى مجالات العلوم، ولم نبرع في مجال معين كما يبرع الأمم الآن وتبرع أمة أخرى في مجال آخر، بل كنا سابقين في كل مجالات العلوم قاطبة، وبهذا سدنا العالم.

    إذاً: نحن نقرأ التاريخ لنستفيد منه العبرة، ولا نقرأ لكي نقول: إن أجدادنا كانوا عظماء فحسب، وإذا أردت أن تسود كما سادوا وتقود كما قادوا فلا بد من العودة إلى الأساس المتين، التي بنيت عليه هذه الحضارة، وهو العلم بشقيه: العلم الشرعي، والعلم الحياتي.

    ثم علينا بعد أن سمعنا إلى هذه المحاضرة أن ندرس التاريخ الإسلامي دراسة صحيحة؛ لأن معلوماتنا عن التاريخ الإسلامي قليلة، ومعلوماتنا عنه مشوشة ومزورة ومشوهة، ولعل معظم الحضور وهم من أهل العلم لا يعرف حوالي (5%) أو (10%) من المعلومات التي ذُكرت في هذه المحاضرة، مع أنها من أشهر المعلومات؛ لأني لم أخض في تفصيلات دقيقة في داخل كل فرع، وارجعوا إلى الكتب الكتب الإسلامية التي تتحدث عن هذا التاريخ، وهي موجودة، وستجد مصنفات ضخمة في حضارة المسلمين في علم الجغرافيا، ومصنفات ضخمة في حضارة المسلمين في علم الطب وفي علم الهندسة وفي علم كذا وكذا، ستجد كثير جداً، لكن علينا أن نبحث في التاريخ، ثم علينا زرع العزة في نفوسنا ونفوس أبنائنا، فعندما يعرف ابنك أن جده هو الذي اخترع كذا وكذا يفخر بسلفنا، ويفخر بديننا، ويفخر بحضارتنا، ويعلم أننا حضارة بناء لا هدم، وأننا حضارة سبق لا اتباع.. هكذا كانت حضارة المسلمين، وهكذا ينبغي أن تكون.

    ثم علينا أن نعرف غيرنا بتاريخنا كما نعرفه بديننا، وكما نطلب من إخواننا الذين يعرفون عموم الناس في الأرض بديننا أن يعرفوا عموم الناس بتاريخنا، فالناس الذين يقرءون عن تاريخنا يجدون في تاريخنا الدماء والأشلاء والمؤامرات والمكائد والفتن..، هذا ما يظنه الكثير، فإذا كان المسلمون أنفسهم يعتقدون أن تاريخ المسلمين ما هو إلا هذه الصورة المجحفة جداً لتاريخ المسلمين فالمطلوب مني أن أعرف وأنشر هذا الكلام بكل لغات الأرض، أنا بلغتي أحاول أن أوصل المعلومة لشخص يستطيع أن يترجمها إلى اللغات الموجودة في العالم، حتى يعلم العالم أجمع أن الحضارة الإسلامية على أكتافها بنيت شتى حضارات العالم المعاصر الآن، وأن العالم بدون الحضارة الإسلامية سيظل متخلفاً شديد التخلف، ويكون بينه وبين العلوم فجوات هائلة، وراجعوا قيام الحضارة الأوروبية وقيام الحضارة الحديثة في كل العلوم، وانظروا أي علم عندهم قام على أسس غير إسلامية؟ نادر ما تجد هذا، فإنه لا يخلو فرع من فروع العلم من إضافة محورية من إضافات المسلمين.

    هذه دعوة للجميع لفتح الملفات القديمة لحضارة الإسلام، ولقراءة هذه الملفات ودراستها دراسة قوية متأنية، ولتدريسها وتعليمها لأبنائنا وأبناء الأمة الإسلامية، ثم لنقلها بعد ذلك إلى عموم أهل الأرض.

    ونختم بكلمة ربعي بن عامر رضي الله عنه وأرضاه: لقد ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.

    أسأل الله عز وجل أن يفقهنا في سننه، وأن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [غافر:44].

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    الأكثر استماعا لهذا الشهر

    عدد مرات الاستماع

    3015910114

    عدد مرات الحفظ

    723742683