إسلام ويب

سلسلة السيرة النبوية ما بعد الحديبيةللشيخ : راغب السرجاني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تجلت الحكمة والحنكة العظيمة في تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه في صلح الحديبية، فقد بين لهم بسعة صدر ورحمة أن ما يقوم به هو وحي من الله عز وجل، وأن هذا الصلح وإن كان في ظاهره إجحاف بالمسلمين؛ إلا أن مضمونه في صالحهم، فقد كان نصراً وفتحاً مبيناً، كما سماه الله تعالى في سورة الفتح، وظهرت آثار ذلك الصلح بعد في مصلحة المسلمين، فقد انتشرت الدعوة، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، وسمع العالم بدولة الإسلام.

    1.   

    مواقف في صلح الحديبية

    موقف الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه من رد أبي جندل وتسليمه لأبيه

    أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم

    بسم الله الرحمن الرحيم

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    أما بعد:

    فمع الدرس الرابع من دروس العهد المدني في السيرة النبوية، فترة الفتح والتمكين.

    تحدثنا في الدرس السابق عن صلح الحديبية الذي سماه ربنا سبحانه وتعالى بالفتح المبين، قال سبحانه وتعالى: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا [الفتح:1]، وكثير من المفسرين وكثير من الصحابة يطلقون هذا الفتح المبين على صلح الحديبية، وآثار الحديبية كثيرة جداً وعظيمة جداً.

    وتكلمنا في الدرس السابق عن بنود صلح الحديبية وعن مدى استفادة المسلمين من هذا الصلح العظيم، ومع كل هذا إلا أن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم لم يروا الخير الذي في ذلك الصلح أول الأمر، بل رأوا أنهم قد أعطوا الدنية في دينهم، ورأوا أنهم لم يدخلوا المسجد الحرام أو البيت الحرام، وكانوا قد وعدوا بدخوله والطواف حول البيت وما إلى ذلك، فهذا ترك أثراً سلبياً عند الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم.

    ووقفنا في الدرس السابق عند كتابة هذا الصلح، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم أظهر مرونة واضحة في كتابه هذا الصلح حتى يتمه، وبعد أن كتب الصلح حدث أمر زاد من هم الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، وهو أن أحد المسلمين الذين أسلموا في مكة ولم يستطع أن يهاجر إلى المدينة المنورة مع المسلمين جاء إلى المسلمين بعد كتابه الصالح، فهو عندما علم أن المسلمين قد جاءوا إلى الحديبية جاء إليهم وهو يرسف في أغلاله، كان أبوه قد قيده في داخل البيت من أجل ألا يهاجر إلى المسلمين، وعندما علم أن المسلمين على أبواب مكة جاء إليهم يرسف في أغلاله، فمن هو هذا الرجل؟ هذا الرجل هو أبو جندل بن سهيل بن عمرو ، هو ابن سفير قريش في معاهدتها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأبوه هو الذي كتب المعاهدة بينه وبين المصطفى صلى الله عليه وسلم، وجاء أبو جندل بن سهيل لينضم إلى صف المسلمين، ولقد فجع سهيل حين رأى ولده أبا جندل مع أنه كان قد قيده قبل ذلك في البيت، فأصبحت الأزمة أزمة كبيرة جداً، فهذا ابن سهيل يريد أن ينضم إلى المسلمين، هنا انتفض سهيل بن عمرو وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا أول ما أقاضيك عليه على أن ترده، فالمعاهدة تقول: من جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة مسلماً يرده صلى الله عليه وسلم إلى أوليائه، وهذا سهيل بن عمرو ولي أمر أبي جندل يطلب أن يرده الرسول صلى الله عليه وسلم، فالرسول عليه الصلاة والسلام حاول قدر المستطاع أن يأخذ أبا جندل ، فقال: (إنا لم نقض الكتاب بعد) يعني: نحن ما زلنا نكتب الكتاب، فقال سهيل: إذاً -والله- لا أقاضيك على شيء أبداً.. يعني: إما أن آخذ أبا جندل وإما ألا يكون هناك صلح، فأصبح الموقف صعباً، والرسول عليه الصلاة والسلام كان يشعر بقيمة هذه المعاهدة ويريد لها أن تتم قدر المستطاع، فقال صلى الله عليه وسلم: (إذاً فأجزه لي) يعني: أعطه لي كرماً منك، قال: ما أنا بمجيزه لك. يعني: لن أعطيه لك، فقال صلى الله عليه وسلم يحاول أن يسترضي سهيل بن عمرو قال: (بلى تفعل، قال: ما أنا بفاعل) إنه موقف صعب، وقد ذكرنا في الدرس الذي سبق أن ثلاثة من أولاده أسلموا قبل ذلك وانضموا إلى جيش المسلمين وإلى دولة المدينة المنورة، وهؤلاء الثلاثة هاجروا هجرة الحبشة ثم هاجروا بعد ذلك هجرة المدينة المنورة، فهذا هو الذي بقي له أبو جندل ، فهو متمسك به إلى النهاية، قال: ما أنا بمجيزه لك، ما أنا بفاعل. ثم لم يكتف بذلك سهيل بن عمرو، بل قام وأخذ يضرب أبا جندل أمام المسلمين، والمسلمون يتأثرون ويبكون على حال أبي جندل ، لقد كان موقفاً مؤثراً جداً، وأبو جندل رضي الله عنه وأرضاه لم يكتف بهذا المشهد المؤثر جداً في المسلمين، بل ذهب إلى المسلمين وقال لهم: (يا معشر المسلمين! أأرد إلى المشركين يفتنونني في ديني؟!

    الحقيقة أن هذا موقف صعب شديد الصعوبة، فماذا يفعل الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الموقف، وهو يريد لهذه المعاهدة أن تتم ويرى ما فيها من آثار، وموقف أبي جندل لا شك أنه محرج، لكن ماذا يفعل؟

    إذاً: الموازنة هنا وتحكيم العقل تقول: إنه يرد أبا جندل مع كل التداعيات التي قد تحدث لـأبي جندل بعد ذلك؛ لأن ثمن إتمام صلح الحديبية هو أن يرد أبا جندل إلى المشركين مرة ثانية؛ لأننا قد كتبنا العهد، والمسلمون عند عهودهم، والمسلمون يتصفون بوفاء لا غدر، فما دام أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد كتب المعاهدة مع سهيل بن عمرو وأقرت فلا معنى هنا لنقض المعاهدة، وخاصة أنها في صالح المسلمين كما ذكرنا، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يترك أبا جندل هكذا إنما قال له كلمات، وفي داخل هذه الكلمات إشارات جميلة جداً منه صلى الله عليه وسلم، قال له صلى الله عليه وسلم: (يا أبا جندل ! اصبر واحتسب؛ فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحاً وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهد الله، فلا نغدر بهم).

    في كلام الرسول صلى الله عليه وسلم أكثر من إشارة:

    أولاً: الرسول عليه الصلاة والسلام حكم العقل وقال: لا نستطيع بأي حال من الأحوال أن ننقض المصالحة الآن، وذكر قاعدة هامة جداً من قواعد المسلمين في المعاهدات وهي الوفاء لا الغدر، حتى لو كانت هناك تداعيات سلبية بعد ذلك، فما دمت قد عاهدت فلا غدر، والمسلمون عند عهودهم.

    ثانياً: أنه صلى الله عليه وسلم أعطى طريقاً للنجاة لـأبي جندل ، قال له: (اصبر واحتسب) ثم بشره بأن الله عز وجل سوف يخرجه من هذه الأزمة فقال: (فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً) فهو صلى الله عليه وسلم ذكر أن مع أبي جندل في داخل مكة المكرمة بعض المستضعفين، وفي هذا إشارة إلى أنك إذا وجدت جهدك مع أولئك المستضعفين فقد يكون ذلك هو السبب في خروجكم من الأزمة، وهو السبب في الفرج الذي سيجعله الله عز وجل لك ولمن معك من المستضعفين.

    وهؤلاء المستضعفون عندهم أكثر من طريق، فيمكن أن يهاجروا كما هاجر المسلمون قبل هذا إلى الحبشة، يمكن أن يهاجروا إلى أي مكان آخر غير المدينة المنورة، حتى لا يوقعوا المسلمين في حرج بعد هذه المعاهدة، ويمكن أن يكتموا إسلامهم، ويمكن أن يتظاهروا بالكفر، ويمكن أن يعملوا أي شيء إلى أن يجعل الله عز وجل لهم فرجاً ومخرجاً، وهذا وعد من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا كان أبو جندل صادق الإيمان فلا شك أنه سيؤمن بهذا الوعد، وكذلك المؤمنون معه من أهل مكة المكرمة، وقد يقول شخص: قدِّر أن أبا جندل فتن في دينه؛ نتيجة الإيذاء والتعذيب الذي وقع عليه من سهيل بن عمرو أو من غيره من زعماء مكة!

    نقول: إن الرسول عليه الصلاة والسلام يرد على هذه الكلمات كما جاء في صحيح مسلم، قال: (إن من ذهب منا إليهم فأبعده الله)، يعني: الذي يترك الإسلام ويرتد ويعود إلى المشركين أبعده الله، ولا نريده: (ومن جاءنا منهم سيجعل الله له فرجاً ومخرجاً)، يعني: من جاءنا منهم ورددناه بعد ذلك إلى مكة فلا شك أن الله عز وجل سوف يخرجه من هذه الأزمة، وليس من الممكن أبداً أن يسعى هو إلى الله عز وجل، ثم يوقعه الله عز وجل في فتنة.

    إذاً: فهذا الأمر كان واضحاً جداً في ذهن الرسول عليه الصلاة والسلام، وأنه وإن رد أبا جندل فهو في يوم من الأيام سيأتي إلى المسلمين مرة ثانية، لكن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم ما كانوا يرون هذه الأبعاد، كل ما يرونه أن أحد المؤمنين يحاول أن ينضم إلى جيش المسلمين وإلى دولة المسلمين ولا يستطيع المسلمون مع قوتهم ومع دولتهم أن يأخذوه، ورأوا أن ذلك هو الدنية في الدين، وأن هذا نقص كبير جداً في المعاهدة، حتى إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه في هذا الموقف حين رأى أبا جندل يضربه أبوه سهيل بن عمرو والرسول عليه الصلاة والسلام لا يستطيع أن يأخذه معه إلى جيشه؛ قام عمر بن الخطاب واقترب من أبي جندل وقرب إليه مقبض سيفه موحياً له أن يأخذ السيف ويقتل أباه، قال عمر بن الخطاب مخاطباً أبا جندل : (اصبر يا أبا جندل فإنما هم المشركون، وإنما دم أحدهم دم كلب، ويدني منه قائم السيف).

    يقول عمر بعد ذلك تعليقاً على هذا الأمر: (رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه فضن الرجل بأبيه)، يعني أن : أبا جندل ما أخذ السيف وما قتل أباه، فهذا فعل العاطفة وليس فعل العقل.

    والحمد لله أن أبا جندل لم يأخذ السيف ويقتل به سهيل بن عمرو ، والرسول عليه الصلاة والسلام ما كان ليقر ذلك أبداً؛ لأن هذا لا شك أنه سيؤدي إلى تأزم الموقف، وقد تنقض قريش العهد بكامله وتعترض على المصالحة، ويكون في ذلك خسارة للمسلمين.

    ورد أبو جندل إلى المشركين، وأنفذ العهد كما أمر صلى الله عليه وسلم.

    وبعد معاهدة صلح الحديبية دخلت قبيلة بني بكر في حلف قريش، ودخلت قبيلة خزاعة في حلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا يعبر عن أهمية هذا الصلح وقيمته؛ لأن قبيلة خزاعة مع تاريخها الطويل مع بني هاشم إلا أنها لم تدخل في حلف الرسول عليه الصلاة والسلام إلا بعد أن عقد صلح الحديبية.

    موقف الصحابة رضوان الله عليهم من صلح الحديبية

    بعد تمام صلح الحديبية رجع الرسول عليه الصلاة والسلام إلى معسكره في الحديبية ليعد العدة للعودة إلى المدينة المنورة مرة ثانية، ثم بعد ذلك بعام يأتي إلى مكة المكرمة من جديد للعمرة، فالرسول عليه الصلاة والسلام في كل هذه الرحلة وكل هذه المحاورات كان محرماً، فقد أحرم من ذي الحليفة كما ذكرنا قبل ذلك، وجاء ملبياً حتى وصل إلى الحديبية، فمنع هناك، فهو في هذا المكان عند الحديبية أحصر صلى الله عليه وسلم عن دخول مكة المكرمة، فانطبق عليه حكم المحصر عن العمرة، يعني: أنه نوى عمرة ولم يستطع أن يصل إلى مكة المكرمة لأي سبب من الأسباب، لذلك قرر صلى الله عليه وسلم أن يقوم بالنحر والحلق في هذا المكان؛ ليتحلل من إحرامه صلى الله عليه وسلم، وقد ذكرنا أن هذا الهدي الذي كان معه صلى الله عليه وسلم هو مستحب وليس فرضاً على المسلمين، لكن عند الإحصار لابد له أن ينحر هذا الهدي الذي وهبه لله عز وجل.

    فالرسول عليه الصلاة والسلام أمر الصحابة جميعاً بالنحر، قال لهم: (قوموا فانحروا)، وهذا أمر واضح جداً، لكن رد الفعل كان غريباً جداً، يقول الراوي: (فوالله ما قام منهم أحد) والرسول عليه الصلاة والسلام كرر الأمر مرة ثانية وقال: (قوموا فانحروا. فلم يقم أحد، فكرر الثالثة: قوموا فانحروا، فلم يقم منهم أحد)، ومع ذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الموقف كان يقدر الحالة النفسية التي عليها الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، فهم مع طاعتهم له التي وصفها عروة بن مسعود قبل هذه المعاهدة بساعات قليلة جداً، فقد وصف حالة الصحابة رضي الله عنه وأرضاهم في تفانيهم في طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكنهم في هذا الموقف لا يستطيعون أن يقوموا بالنحر والحلق، لأن معنى النحر والحلق أنهم تحللوا من العمرة، ومعنى تحللهم من العمرة أنهم راجعون إلى المدينة المنورة، وهم إلى هذه اللحظة ما زال لديهم أمل في أن يدخلوا مكة المكرمة ويعتمروا كما كانوا يرغبون، فهم غير قادرين على أن ينفذوا هذا الأمر بالذات، أمر النحر والحلق، وموقف أبي جندل زاد المأساة عند الصحابة، والقضية عندهم قضية خطيرة، والرسول عليه الصلاة والسلام يشعر بما يشعر به الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، وليس معنى هذا أن يعذر الصحابة رضي الله عنه وأرضاهم معذورون وليسوا مخطئين، بل هذا خطأ وسنتحدث عنه -إن شاء الله- بالتفصيل عند الحديث عن أخطاء المؤمنين، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام تعامل مع الموقف بمنتهى الحكمة، فقد دخل صلى الله عليه وسلم إلى خيمته وهو حزين جداً ولم يعنف الصحابة رضي الله عنه وأرضاهم؛ لأنه يرى ما بهم من أزمة.

    فالصحابة إذا كانوا غير راضين بإقرار هذه المعاهدة فالبديل عن هذه المعاهدة هو الحرب، وهم كانوا مستعدين أن يحاربوا ويقاتلوا إلى الموت كما ذكرنا في الدرس السابق، فهم قد بايعوا على عدم الفرار، فلو لم يتم هذا الصلح فستكون النتيجة القتال، قد تذهب فيه أرواحهم جميعاً، فحزن الصحابة يدل على مدى تجردهم وحبهم للموت في سبيل الله عز وجل، والرسول عليه الصلاة والسلام يدرك كل هذه المشاعر، فلذلك قدر موقف الصحابة رضي الله عنهم جميعاً.

    فالرسول صلى الله عليه وسلم دخل إلى خيمته وكانت معه في هذه الرحلة أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها وأرضاها (فلما دخل عليها ورأت ما به من الحزن سألته، فذكر لها ما لاقى من الناس، فقالت: يا رسول الله! أتحب ذلك -يعني: أن ينحروا ويحلقوا-؟ فقال: نعم، قالت: اخرج) انتبه إلى هذه النصيحة الجميلة جداً من أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، وانتبه إلى تشاور المصطفى صلى الله عليه وسلم مع زوجته في قضية من أخطر قضايا المسلمين، لم يذهب للتشاور مع أبي بكر أو مع عمر أو مع غيرهما، لكنه ذهب إلى زوجته وتحدث معها في قضية تهز كيان الدولة الإسلامية بكاملها، واستمع إلى رأيها، وكان رأيها حكيماً جداً، أخرج المسلمين من الأزمة، ماذا قالت أم سلمة رضي الله عنها وأرضاها؟ قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (اخرج ثم لا تكلم أحداً حتى تنحر بُدُنَك، وتدعو حالقك فيحلقك، فقام صلى الله عليه وسلم فخرج فلم يكلم أحداً منهم حتى فعل ذلك)، نحر البدن ودعا الحالق فحلق له، فالرسول عليه الصلاة والسلام فعل أمراً جميلاً جداً بنصيحة السيدة أم سلمة، فلما رأى الصحابة ذلك الأمر قاموا جميعاً لم يتخلف منهم أحد، قاموا وبدءوا في النحر، وجعل بعضهم يحلق بعضاً حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً غماً. يعني: كاد بعضهم أن يصيب الآخر من شدة الحزن والغم الذي كان يشعر به، لكن في النهاية استجاب الجميع، ونحروا وحلقوا.

    ومما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم أن قدم جملاً يعرفه الجميع لينحره مع الناس، هذا الجمل هو جمل أبي جهل ، كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد أخذه من غنائم بدر، وأتى به إلى هذا المكان في الحديبية لينحره، وبذلك حقق هدفين رئيسين:

    أولاً: أغاظ المشركين؛ لأن هذا الجمل كان مشهوراً ومعروفاً عند المشركين، وكان معلماً بعلامة، فيه حلقة من فضة موضوعة في أنفه، فالجميع يعرفه.

    ثانياً: أنه رفع معنويات المسلمين وذكرهم بيوم بدر، وذكرهم أن الله عز وجل أخرجهم من أزمة بدر من موقف كان بعض المؤمنين يكرهونه، كما قال الله عز وجل: وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ [الأنفال:5]، والآن سوف يخرجهم الله عز وجل من هذا الموقف الذي يكرهه بعض الصحابة أو جل الصحابة إلى نصر وسيادة وتمكين؛ لأن الله عز وجل هو الذي أوحى لنبيه بهذا الصلح.

    موقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه من صلح الحديبية

    لقد ظل الحزن مسيطراً على عامة الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، فقد وصل الحزن ببعضهم إلى أمر لا نتخيله حقيقة، وصل إلى حوار عجيب دار بينهم وبين المصطفى صلى الله عليه وسلم، وهذا الحوار دار بين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الحوار يعبر عن مدى الأسى والحزن الذي كان في قلب عمر والصحابة رضي الله عنهم؛ من جراء هذا الصلح الذي عقده الرسول صلى الله عليه وسلم.

    وهذا الحوار العجيب جاء في صحيحي البخاري ومسلم .

    يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (فقلت: ألست نبي الله؟) فالرسول عليه الصلاة والسلام بسعة صدر عجيبة، قال: (بلى، قلت: ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ فقال صلى الله عليه وسلم: بلى، قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا؟) هذا كلام غريب جداً؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام مستحيل أن يعطي الدنية أبداً في دينه، لكن هكذا صرح عمر بن الخطاب بهذه الكلمات التي كانت في قلوب كثير من الصحابة، ولكن لم يجرءوا على التصريح بها، فقال صلى الله عليه وسلم كلمات واضحة جداً، قال: (إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري) وفي رواية: (ولن يضيعني أبداً) يعني: هذا وحي من رب العالمين سبحانه وتعالى، وهو عز وجل أمرني ولن أعصيه في هذا الأمر، وهذا الأمر الذي تكرهونه سترون من ورائه خيراً إن شاء الله.

    ومع كل هذه التوضيحات والتوجيهات من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن عمر رضي الله عنه قال: (أولست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟) يعني: أنت قلت لنا: سنأتي البيت الحرام ونطوف به.

    وأنا لا أعرف كيف قال سيدنا عمر بن الخطاب هذه الكلمات لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟! لكن هذا يعبر عن مدى المأساة التي كان يعيشها عمر رضي الله عنه وأرضاه والصحابة أجمعون، ومع ذلك وسع الرسول عليه الصلاة والسلام صدره وصبر على كلمات عمر بن الخطاب، وقال له: (بلى) يعني: أنا أخبرتك بهذا الأمر فعلاً، لكن انتبه إلى ما قال بعد، قال: (أفأخبرتك أنك تأتيه العام؟ قال عمر : لا) يعني: أنا أخبرتكم أننا سندخل مكة المكرمة معتمرين إن شاء الله، لكن ما ذكرت لكم أن هذا يكون في هذا العام، فقال صلى الله عليه وسلم: (فإنك آتيه ومتطوف به). قال هذا الكلام وهو في منتهى الثقة؛ لأن هذا وعد رب العالمين سبحانه وتعالى، وعمر بن الخطاب في ظننا بعد هذه الكلمات الواضحة جداً سيترك الموضوع ويسلم الأمر لله عز وجل، وينطلق إلى المدينة المنورة، لكن عمر بن الخطاب ذهب إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه فقال له: (يا أبا بكر ! أليس هذا نبي الله حقاً؟)، فما زال يتكلم في الموضوع وبهذه الصيغة، (قال أبو بكر : بلى، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا؟) فـأبو بكر الرجل الهادئ اللطيف لما سمع هذه الكلمات انتفض وقال: (يا عمر ! إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس يعصي ربه عز وجل، وهو ناصره) فكلمات الصديق رضي الله عنه وأرضاه دون أن يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم توافقت مع نفس كلمات الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا من أعظم مناقب الصديق كما يقول ابن حجر العسقلاني رحمه الله في شرح صحيح البخاري ، ثم إن الصديق يعطيه نصيحة هامة جداً وهي له ولعموم الأمة الإسلامية، قال: (فاستمسك بغرزه) يعني: أي خطوة يخطوها صلى الله عليه وسلم استمسك بها، تمسك بسنته، قال: (فاستمسك بغرزه حتى تموت، فو الله إنه لعلى الحق) كل هذا الكلام وما زال عمر رضي الله عنه يعترض، فقال: (أوليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟)، رد عليه الصديق : (قال: بلى، ثم قال: أفأخبرك أنه يأتيه العام؟) سبحان الله! نفس الكلمات: (أفأخبرك أنه يأتيه العام؟ قلت: لا، قال: فإنك آتيه ومتطوف به).

    هذا يدل على أن الصديق رضي الله عنه أعظم البشر بعد الأنبياء، وهذا لم يأت من فراغ، فقد كان لديه يقين مرتفع جداً، وإيمان كامل بالله عز وجل وبرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، وظهر ذلك في مواطن كثيرة جداً من حياته، وهذه من أعظم مواطنه رضي الله عنه وأرضاه.

    وبعد أن انتهى الرسول عليه الصلاة والسلام من هذا الموقف ركب الطريق إلى المدينة المنورة، وفي طريقه إلى المدينة المنورة نزلت عليه سورة الفتح، يقول صلى الله عليه وسلم: (لقد أنزلت علي الليلة سورة لهي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس، ثم قرأ: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا [الفتح:1]) وأول ما أنزلت عليه هذه السورة دعا عمر رضي الله عنه وأرضاه؛ لأنه كان متأثراً جداً من هذا الحدث، دعاه صلى الله عليه وسلم وقرأ عليه -كما يقول عمر بن الخطاب- السورة كاملة من أول آية إلى آخر آية، وبعد أن انتهى قال عمر : (يا رسول الله! أوفتح هو؟ قال: نعم) هذا الصلح في حد ذاته فتح من الله عز وجل، وفي آخر الدرس إن شاء الله سنقول: لماذا سمي هذا الصلح العظيم بالفتح المبين، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم.

    1.   

    مواقف بعد صلح الحديبية

    موقف النبي صلى الله عليه وسلم من هجرة النساء من مكة بعد صلح الحديبية

    لما وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة، بدأ يعيد ترتيب الأوراق حسب الوضع الجديد الذي تمخضت عنه هذه المعاهدة، وبمجرد وصوله صلى الله عليه وسلم وصلت بعض المؤمنات من مكة المكرمة مهاجرات إلى المدينة المنورة، وهذا أول قدوم للمسلمين من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة بعد الصلح، ولكن هؤلاء القادمون لم يكونوا رجالاً إنما كانوا نساءً، ومع ذلك أسرعت قريش وطلبت إعادة المؤمنات المهاجرات إلى مكة المكرمة كما تقول المعاهدة، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام وقف لهم وقال: إن نص المعاهدة ينص على الرجال فقط، ونص حديث البخاري يقول: (وعلى ألا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته علينا) يعني: لم يدخل النساء في القضية، والحمد لله أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان حريصاً على ذلك الأمر عند كتابة المعاهدة، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام أراد أن يطمئن إلى إسلام هؤلاء المؤمنات اللاتي قدمن من مكة إلى المدينة، فنزلت سورة الممتحنة وفيها تفصيل لهذا الأمر، قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ [الممتحنة:10] يعني: تأكدوا من إيمانهن، هل جئن من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة هرباً من أزواجهن أو طلباً لرجال المدينة المنورة أم جئن إلى المدينة المنورة مهاجرات إلى الله عز وجل وإلى رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم؟ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ [الممتحنة:10] أي: بعد هذا الاختبار والامتحان تأكدتم أنهن من المؤمنات الصادقات: فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ [الممتحنة:10]، يعني: لا ينبغي أن يعدن إلى الكفار وإن كن أزواج كفار من مكة، ما ينبغي لامرأة مؤمنة أن تتزوج من رجل كافر، فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ [الممتحنة:10]، لكن انظر لما سيأتي بعد ذلك في الآيات، فهذا بعد حضاري راق جداً في الإسلام وعدل مطلق، قال تعالى: وَآتُوهُمْ مَا أَنفَقُوا [الممتحنة:10]، يعني: الكفار الذين هربت أزواجهم من مكة إلى المدينة المنورة دفعوا قبل ذلك مهوراً لأزواجهم من المؤمنات، والآن هربت الزوجة إلى بلاد المسلمين وما عادت تصلح أن تكون زوجة لهذا الرجل الكافر، فلا يجب أن يضيع عليه هذا المهر الذي دفعه لها، يقول الله عز وجل: وَآتُوهُمْ مَا أَنفَقُوا [الممتحنة:10]، يعني: أعيدوا إلى الكفار القدر الذي أنفقوه من المهر إليهن؛ حتى يستطيعوا به أن يتزوجوا مرة ثانية من امرأة تحل لهم.

    هذا حكم عام نزل لكل المؤمنات اللاتي هاجرن من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، وظل بعد ذلك حكماً إلى يوم القيامة، لا يجوز أبداً لامرأة مسلمة أن تتزوج من رجل كافر.

    كذلك نزل في نفس الآيات أنه لا يجوز أيضاً لرجل مسلم أن يتزوج من امرأة كافرة، قال الله عز وجل في نفس الآيات: وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ [الممتحنة:10]، هذه الآية موجهة إلى رجال المسلمين، يعني: لو كان عندك امرأة مشركة تزوجت بها قبل أن ينزل هذا الحكم فلا بد أن تطلقها وتعيدها مرة ثانية إلى أهلها المشركين في مكة المكرمة أو غيرها، وعند نزول هذا الحكم طلق المسلمون المؤمنون نساءهم الكافرات وأعادوهن إلى أهلهن، ومن هؤلاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه طلق زوجتين من الكفار كانتا عنده وأعادهما إلى مكة المكرمة.

    وبما أننا في هذا الوقت نبني مجتمعاً مسلماً خالصاً فمحال على أم كافرة أن تربي أولادها على معاني الإسلام والعقيدة الصحيحة، وكذلك محال على أب كافر أن يربي أبناءه على معاني الإسلام والعقيدة السليمة الصحيحة.

    إذاً: استقر الوضع في داخل المدينة المنورة وقبل المشركون بقضية المؤمنات اللاتي هاجرن من مكة المكرمة إلى المدينة.

    موقف النبي صلى الله عليه وسلم من هجرة أبي بصير إلى المدينة بعد صلح الحديبية

    جاء من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة مهاجراً إلى الله ورسوله رجل اسمه أبو بصير رضي الله عنه وأرضاه، وأبو بصير من ثقيف، لكنه كان يعيش في داخل مكة المكرمة حليفاً لقريش، وأبو بصير أسلم بعد صلح الحديبية أو قبيل صلح الحديبية، وهرب من مكة المكرمة ووصل إلى المدينة المنورة، وطلب اللجوء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبمجرد أن خرج من مكة علمت قريش بخروجه فأرسلوا رجلين وراءه إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، وقالوا: هذا داخل في بند المعاهدة، المعاهدة تقول: إنه من أتى إليكم من أهل مكة مسلماً فعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرده إلى المشركين، وهذا يجب أن ترده، هذا موقف صعب جداً على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك تعامل الرسول صلى الله عليه وسلم مع الموقف بنفس العقل الذي تعامل به مع موقف أبي جندل قبل ذلك، فأعاد أبا بصير إلى الرجلين، وقبل صلى الله عليه وسلم أن يعود مرة ثانية إلى مكة مع مدى المأساة التي كان يشعر بها، لكن هذه معاهدة، ورجع أبو بصير مع الرجلين، وعند ذي الحليفة جلس الثلاثة ليستريحوا قليلاً في طريق السفر، فقام أبو بصير وأخذ سيف أحد المشركين وقتل به أحدهما، وهرب المشرك الثاني جهة المدينة المنورة؛ لأنه سيجد العدل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآه الرسول عليه الصلاة والسلام من بعيد قال: (لقد رأى هذا ذعراً) يعني: هذا الرجل خاف من شيء خطير جداً، فلما انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قتل والله صاحبي، وإني لمقتول) يعني: أبو بصير قتل صاحبي وسيلحقني بعد قليل، فجاء أبو بصير يجري خلف هذا المشرك، ووصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (يا نبي الله! قد أوفى الله ذمتك، قد رددتني إليهم ثم أنجاني الله منهم)، يعني: أنت عملت الذي عليك، وفيت بالعهد وأرجعتني إلى المشركين، لكن أنا هربت من المشركين، فالآن أنا لست داخلاً في دولتك، أنا لست فرداً من أفراد المدينة المنورة، أنا لا ينطبق علي الآن العهد، قد أوفى الله ذمتك، فلما سمع منه هذه الكلمات؛ قال عليه الصلاة والسلام كلمة عجيبة، قال: (ويل أمه! مسعر حرب لو كان معه أحد)، فقوله: (ويل أمه) هذه كلمة تقال عند المدح، يعني: هذا الرجل فعل أمراً عظيماً، ما كان يتصور أحد أن يأتي هذا الفعل منه، (ويل أمه! مسعر حرب لو كان معه أحد)، يعني: هذا سيؤجج الحرب في المنطقة، لو كان معه أحد يشاركه في ذلك.

    وفي هذا إشارة واضحة لـأبي بصير أن: استعن بمن معك من المستضعفين المسلمين، فأنت وحدك لن تعمل شيئاً، لكن اجعل قوتك مع المسلمين لتقدروا على فعل شيء، ورد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بصير مرة ثانية.

    فخرج أبو بصير هارباً بنفسه خارج المدينة المنورة، وقعد على طريق القوافل المتجهة من مكة المكرمة إلى الشام، وكلما مرت عليه قافلة اعترض طريقها يقتل منها من استطاع قتله ويأخذ من غنائمها ما استطاع، وعلم المسلمون المستضعفون في داخل مكة المكرمة وفي غيرها بمكان أبي بصير ، فهربوا إلى أبي بصير ، وبدأ أبو بصير رضي الله عنه يكون عصابة من الرجال، حتى صارت مجموعة كبيرة من الرجال تعترض طريق القوافل المكية، وهذا الفعل أحدث أزمة كبيرة جداً في مكة، مما جعلهم يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويناشدونه الرحم ويطلبون منه أن يضم أبا بصير وأصحابه إلى المدينة المنورة، وأن يلغي هذا البند من صلح الحديبية: أن يرد من جاء مسلماً إلى مكة، بل يقبل المسلمين من مكة ولا يعيدهم إليها مرة أخرى، وهذا هو البند الذي كان مشكلة عند الصحابة، ففي أيام قليلة بعد صلح الحديبية يلغى هذا البند من المعاهدة، وأصبحت المعاهدة خالصة لصالح المسلمين، وأصبحت فتحاً مبيناً حقيقياً للمسلمين.

    1.   

    الآثار الإيجابية المترتبة على معاهدة صلح الحديبية

    تعالوا ننظر إلى معاهدة صلح الحديبية بعد أيام من حدوثها، تعالوا لننظر الخير الذي جاء من ورائها، فأصدق تصوير لها وأفضل تعبير لها هو ما اختاره لها رب العالمين سبحانه وتعالى: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا [الفتح:1]، فهذا الفتح المبين له دلالات كثيرة جداً أعددت منها عشرة:

    أولاً: وضوح إيمان الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، ويكفي أن الله عز وجل أنزل فيهم قرآناً، قال الله سبحانه: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ [الفتح:4] سبحان الله! فالله عز وجل شهد لهم بالإيمان وزيادة الإيمان بعد هذا الحدث العظيم: صلح الحديبية.

    الأمر الثاني: من أعظم ثمرات صلح الحديبية: هو اعتراف قريش بالمسلمين كقوة ودولة، وهذا الاعتراف جاء من قريش وهي أعظم قبيلة عربية، فالميلاد الرسمي للدولة الإسلامية في الجزيرة العربية هو صلح الحديبية؛ لأنه بعد هذا الاعتراف من قريش بدأت معظم القبائل الموجودة في المنطقة تعترف بالمسلمين، بل بدأت الدول في العالم تعترف بالمسلمين كدولة.

    إذاً: هذا من أعظم ثمرات صلح الحديبية فعلاً، وكل الآثار التي ستأتي بعد هذا مترتبة على كون المسلمين أصبحوا دولة حقيقية معترفاً بها في المنطقة.

    الأمر الثالث: هو الفتح المبين في انتشار الإسلام في الجزيرة العربية، فالذين أسلموا في هاتين السنتين بعد صلح الحديبية وإلى فتح مكة من سنة (ست) أو أواخر سنة (ست) إلى أواخر سنة (ثمان) من الهجرة أكثر من الذين أسلموا خلال (تسع عشرة) سنة كاملة من الدعوة، فالدعوة الإسلامية أخذت (ثلاث عشرة) سنة في مكة المكرمة و(ست) سنوات بعد ذلك في المدينة المنورة إلى أن أتى صلح الحديبية، فالذين أسلموا في تسع عشرة سنة لا يتجاوزون (ثلاثة آلاف) شخص، بينما الذين أسلموا بعد هذا من أواخر سنة (ست) من الهجرة إلى فتح مكة خلال سنتين فقط قرابة (سبعة آلاف) شخص؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام دخل مكة المكرمة عام الفتح بجيش قوامه (عشرة آلاف) مقاتل، غير النساء والصبيان الذين كانوا معهم، وكان المسلمون في صلح الحديبية (ألفاً وأربعمائة) شخص، وسائر الـ(ثلاثة آلاف) كانوا بالمدينة.

    إذاً: تصور مدى الفتح المبين في سنتين فقط، تضاعف العدد ووصل إلى (عشرة آلاف) مقاتل، فهذا فعلاً فتح مبين.

    الأمر الرابع: بعد صلح الحديبية مباشرة اطمأن الرسول عليه الصلاة والسلام إلى استقرار الأوضاع في المدينة المنورة، فأرسل إلى المسلمين الموجودين في الحبشة؛ لأن بعض المسلمين كانوا قد هاجروا إلى الحبشة في العام السادس من البعثة النبوية، وقعدوا في الحبشة (سبع) سنوات كاملة حتى الهجرة و(ست) سنوات كاملة من أيام المدينة المنورة، يعني: (ثلاث عشرة) سنة كاملة في داخل الحبشة لم يرسل إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن بعد صلح الحديبية مباشرة وجد الرسول عليه الصلاة والسلام أن الفرصة أصبحت مواتية ليستفيد من جهود وطاقات المسلمين الموجودين في الحبشة، فأرسل إليهم عمرو بن أمية الضمري رضي الله عنه وأرضاه ليستقدم هؤلاء، وبالفعل جاءوا مباشرة ووصلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في فتح خيبر كما سنذكر ذلك إن شاء الله في الدروس القادمة.

    إذاً: الأمر الرابع: أضيفت إلى قوة المسلمين في المدينة المنورة قوة المسلمين الذين كانوا في الحبشة بعد غياب ثلاث عشرة سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    الأمر الخامس: قدوم المسلمين من القبائل المختلفة الأخرى، فمسلمو اليمن بدءوا يقدمون إلى المدينة المنورة، مسلمو بني حنيفة، ومسلمو بني كلب، ومسلمو بني كذا كذا وكذا، كل مسلمي قبائل العرب بدءوا يتحركون منها إلى المدينة المنورة، وقبل ذلك كان صلى الله عليه وسلم يأمر المسلمين أن يمكثوا في قبائلهم ولا يقدموا إلى المدينة المنورة؛ لأنهم كانوا يقومون بالدعوة في قبائلهم، هذا من ناحية.

    ومن ناحية أخرى أن الوضع في داخل المدينة المنورة لم يكن مستقراً قبل ذلك، أما الآن بعد صلح الحديبية فقد فتحت الأرض للمسلمين فزادت قوتهم بعد هذا الصلح.

    الأمر السادس: تعاهدت قبائل كثيرة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد صلح الحديبية، وما كانت هذه القبائل تجرؤ على هذا الأمر قبل هذا الصلح، وأول هذه القبائل قبيلة خزاعة، وبعدها بدأت القبائل تتوافد على المدينة المنورة.

    الأمر السابع: هو أمر خطير جداً وغريب جداً، وسنفرد له إن شاء الله درساً كاملاً، وسيكون موضوع الدرس الذي سيأتي إن شاء الله، وهذا الأمر هو بداية المراسلات النبوية من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عموم زعماء وقادة العالم في كل مكان، فقد راسل كسرى فارس، وراسل قيصر الروم، وراسل زعماء العرب في كل مكان يدعوهم إلى الدخول في هذا الدين الجديد وهو الإسلام.

    وقبل صلح الحديبية ما أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم رسالة واحدة إلى زعماء العالم، فهذا يدل على التغير الهائل في مسار الدعوة، والانطلاقة العظيمة للإسلام بعد صلح الحديبية، أي فتح هذا؟! إنه فتح مبين فعلاً.

    الأمر الثامن أيضاً في غاية الأهمية: بدأ صناديد مكة وزعماؤها يفكرون جدياً في الإسلام، ومن أوائل من أسلم بعد صلح الحديبية ثلاثة من أعظم قواد مكة، وأصبحوا بعد ذلك من أعظم قواد المسلمين: خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين، وخالد بن الوليد كان إضافة هائلة لقوة الإسلام والمسلمين، وقد ظل خالد بن الوليد عشرين سنة تقريباً في الكفر يحارب الإسلام والمسلمين، والآن بعد صلح الحديبية بدأ خالد بن الوليد يفكر جدياً في أمر الإسلام، وسنتعرض إن شاء لتفصيل قصة إسلامه في الدروس القادمة.

    إذاً: أسلم خالد بن الوليد وضم جهده إلى المسلمين، ومعلوم ما وقع على يده بعد ذلك من الفتوحات بعد إسلامه، فتصور مدى الإضافة التي أضافها رضي الله عنه وأرضاه إلى المسلمين بعد إسلامه.

    وكذلك عمرو بن العاص رضي الله عنه وأرضاه، ففلسطين بكاملها ومصر بكاملها فتحت على يد عمرو بن العاص رضي الله عنه ورضي الله عن الصحابة أجمعين.

    إذاً: أبطال قريش بدءوا يتوجهون من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة؛ ليعلنوا إسلامهم، فهذا فتح مبين فعلاً.

    الأمر التاسع: تفرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم لليهود، فقضية خيبر كانت تشغل ذهن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكنه لم يكن مستطيعاً أن يتوجه إليهم بقوته وجيشه مع وجود الحرب والخلافات المستمرة بينه وبين قريش؛ لكن بعد صلح الحديبية أمن صلى الله عليه وسلم جانب قريش، ومن ثم انطلق إلى خيبر كما سنذكر في الدروس القادمة.

    الأمر العاشر والأخير في هذا التحليل -وهو مهم جداً-: وقوع هزيمة نفسية قاسية لقريش هيأتها نفسياً بعد ذلك للتسليم التام لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت بدايات تفكير القرشيين في التسليم للرسول عليه الصلاة والسلام، وفتح أبواب مكة في صلح الحديبية، هذا هو الأمر العاشر والأخير، فتلك عشرة كاملة.

    إذاً: هذه هي الآثار الحميدة التي رأيناها في صلح الحديبية.

    1.   

    وقفات هامة مع صلح الحديبية

    صلح الحديبية يحتاج منا وقفات كثيرة جداً، لكن سأقف هنا ثلاث وقفات هامة:

    ضرورة الرضى بشرع الله عز وجل واعتقاد الخيرية فيه

    الوقفة الأولى: هل كان الصحابة يرون كل هذا الخير من الآثار التي ذكرناها، وقد توجد غيرها وغيرها؟

    الجواب: لا، فالصحابة ما كانوا يرون هذا الخير كله، بدليل ما رأيناه منهم ومن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه بالذات، لكن ما حدث في صلح الحديبية هو وحي، بدليل قول الرسول عليه الصلاة والسلام: (إنه ربي ولن يضيعني أبداً)، فهذا وحي، ومع ذلك لم ير الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم الخير في هذه النقطة الشرعية في ذلك الوقت، وهذا أمر غريب، وإذا كنا نلوم الصحابة أنهم وقعوا في هذا الأمر مرة في حياتهم فلا بد أن نعترف أننا نقع فيه مراراً.

    فما أكثر ما سمعنا عن حكم الشرع في قضاياً كثيرة جداً، ويكون أحياناً الحكم مباشراً جداً وواضحاً جداً، لكننا نقدم رأينا، أحياناً نرى الأم والأب يتركان البنت بلا حجاب بغية الزواج، والعلة في أذهانهما أنهما يريدان أن تتزوج البنت، ولو حجبت في اعتقادهما فهذا سيؤخر زواجها فيتركانها من غير حجاب، وهذه مخالفة صريحة للشرع، فهما يريان الخير في غيره فيقدمان رأيهما ويلغيان من حياتهما حكم الشرع في هذه الجزئية.

    ونرى استثمارياً كبيراً جداً يقترض بالربا؛ لكي يقيم مشروعاً كبيراً وعنده مليون علة في ذهنه لهذا الأمر، فهو يعلم حكم الشرع تماماً ثم يخالف بغية البحث عن خير، فهو يرى أن الخير في مخالفة الشرع في هذه الجزئية.

    ونرى دولة تبيع خمراً؛ لكي تنشط السياحة لديها.

    ونرى حاكماً يوالي دولة قوية وإن كانت معادية للإسلام؛ لأنه يرى أن هذا أصلح لحياة الناس، ولا يرى الخير في حكم الشرع، وهذه القضايا نراها كثيراً جداً في حياتنا، لكن الخطير جداً في حياتنا أننا نفعل ذلك طلباً للدنيا، وليس طلباً للآخرة، أما خطأ الصحابة في قضية صلح الحديبية فلم يكن طلباً للدنيا أبداً، إنما فعلوه طلباً للآخرة، ليس لدى الصحابة مصالح دنيوية يرجونها يوم الحديبية رضي الله عنهم أجمعين، وإنما كانوا يريدون أن يدخلوا مكة لأداء عبادة العمرة، لم يأتوا لتجارة ولا لحرب ولا لأي مصلحة دنيوية، بل جاءوا لأداء عبادة العمرة ثم يعودون بعد ذلك إلى المدينة المنورة، وإن منعوا قاتلوا، والقتال كان خطيراً جداً؛ لأنهم لا يملكون سلاح المقاتل، وكانوا معرضين للقتل، ومع ذلك يقبلون بذلك، أي: أنهم عندما عرضوا رأياً مخالفاً لحكم الشرع، ما عرضوا ذلك إلا طلباً للآخرة، وليس طلباً للدنيا، ولو كانوا طلاب دنيا لآثروا الرجوع حفاظاً على حياتهم.

    إذاً: نستفيد من صلح الحديبية بعد رؤية الخير العميم الذي نتج عنه: أن نرضى بشرع الله عز وجل، ولا أقول: نقبل بشرع الله عز وجل، ولكن نرضى بشرع الله عز وجل بحب واقتناع؛ لأنه وإن كانت عيوننا لا ترى الخير فإننا على يقين أن الخير موجود، سنراه اليوم أو غداً أو بعد سنة أو سنتين أو أكثر، أو ربما نموت قبل أن نراه، لكن من المؤكد أن فيه خيراً، قال الله عز وجل: وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة:216] وقال سبحانه وتعالى: فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا [النساء:19].

    نحن نريد أن نصل إلى درجة التسليم الكامل لرب العالمين سبحانه وتعالى، قال الله عز وجل في كتابه: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65]، ودرجة التسليم معناها: الرضا الكامل بحكم الله عز وجل، وأن نوقن يقيناً جازماً أن الخير فيما اختاره لنا الله عز وجل، والصحابة رضوان الله عليهم تعلموا من درس الحديبية حين رأوا الخير الذي حصل بعد صلح الحديبية، مع أنهم في وقت الصلح لم يكونوا يرون هذا الخير، وخاصة وقت موقف أبي جندل ما كانوا يشاهدون إلا الشر، من أجل هذا عرف عمر بن الخطاب أنه كان مخطئاً وحاول قدر المستطاع بعد ذلك أن يكفر عن الخطأ الذي حدث منه في يوم الحديبية، يقول: (فعملت لذلك أعمالاً). يعني: عمل أعمال خير كثيرة جداً؛ للتكفير عن هذا الأمر، ويقول: (فما زلت أتصدق وأصلي وأصوم وأعتق من الذي صنعت يومئذ، مخافة كلامي الذي تكلمت به، حتى رجوت أن يكون خيراً).

    فما عرف أنه مخطئ فقط، بل استفاد من الدرس بعد ذلك في كل حياته، فكان يقول معلماً للمسلمين رضي الله عنه وأرضاه: (أيها الناس! اتهموا الرأي على الدين) يعني: قد يكون لك رأي في قضية من القضايا وتشعر أنه أفضل من الحكم الشرعي في هذه القضية، وهذا يأتي على أذهان الكثير، فاتهم رأيك مهما كان في تصورك مقنعاً وقدم حكم الشرع، يقول: (اتهموا الرأي على الدين، فلقد رأيتني أرد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برأي، فوالله ما آلو على الحق)، يعني: أنا كنت فعلاً أبحث عن الحق، ومع ذلك كان الخطأ في رأيي والصواب في حكم الشرع، (وذلك يوم أبي جندل).

    ويقول نفس الكلام سهل بن حنيف رضي الله عنه وأرضاه، فقد كان حاضراً ذلك الموقف، يقول للمسلمين: (اتهموا رأيكم، لقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لرددته)، يعني: أنا لو كنت أستطيع أن أمنع الرسول عليه الصلاة والسلام من فعل هذا الصلح لفعلت، لكن لم أستطع، ومع ذلك هو ينصح المسلمين بعدم فعل ذلك بعد أن رأى الخير في صلح الحديبية.

    إذاً: هذا درس في غاية الأهمية، ولعله أعظم دروس الحديبية مطلقاً، وهو أن نوقن تماماً أن شرع الله عز وجل هو الخير لنا في دنيانا وفي آخرتنا.

    الثقة في القيادة وإعذارها

    الوقفة الثانية المهمة جداً: الثقة في القيادة، فأحياناً تتخذ القيادة قرارات لا يدرك الجنود كامل أبعادها، فكثيراً ما تكون الرؤية عند القيادة أشمل وأكبر، ويكون تحليل الأمور بصورة أعمق؛ لأن القيادة تطلع على أمور لا يراها الجنود، وتفكر في مصالح لا ينظر إليها الجندي، وتحاول تجنب مفاسد لا يدركها الجندي.

    والقيادة الحكيمة هي التي تجمع بين الأحلام المطلوبة والواقعية في الأداء، وتقارن بين وسائل تغيير المنطق، وتعرف معنى التدرج في التغيير، وتقدر حجم المكاسب والخسائر، كل هذه أبعاد قد لا يراها الجندي المتحمس أو المسلم المتلهف لأن يرى الإسلام ممكناً له في الأرض ما بين يوم وليلة، فالقيادة هي التي تدرك كل هذه الأمور وقد تأخذ قرارات يراها الجنود أحياناً مخيبة للآمال أو يرونها محبطة للنفسيات أو خاطئة سياسياً، وأحياناً قد يرى الجندي أن هذه مخالفة شرعية، مع أن كل هذا قد يكون وهماً لا حقيقة له.

    فالرسول عليه الصلاة والسلام قبل برد المسلم الذي يأتيه من مكة إلى المدينة مع خطورة ذلك عليه، نعم هذه خطورة حقيقية، لكن لماذا قبل بذلك؟ لأنه ينظر إلى المصالح مجتمعة، وينظر إلى المفاسد مجتمعة، فوجد أن المصالح أعلى بكثير من المفاسد، مع الإقرار التام أن أمر إعادة المسلم إلى مكة أمر فيه مفسدة، لكن المصالح أعلى، وهو لا يستطيع أن يمنع المفسدة الآن، فقبل بها، وعليه أن يختار المصالح الكثيرة التي معها بعض المفاسد، ولا يختار دفع بعض المفاسد ويضيع المصالح الكثيرة، وهذا الأمر يحتاج إلى حكمة وإلى ورع وإلى علم، والموفق من وفقه الله عز وجل.

    وكذلك الرسول صلى الله عليه وسلم قَبِلَ قَبْلَ ذلك بأمور لا يحبها، بل يمقتها كل المقت، ولكن الواقع فرضها عليه، ولم يقبلها قبل ذلك المتحمسون من الشباب، ثم تبين أن الخير كان في قراره صلى الله عليه وسلم، فمثلاً: الرسول عليه الصلاة والسلام أمر بعدم الرد على من آذى المسلمين وعذبهم -بل وقتلهم- في العهد المكي، وهذا كان حكماً شرعياً قبل به الرسول عليه الصلاة والسلام وعموم الصحابة في ذلك الوقت، لكن بعض المتحمسين من الصحابة لم يقبلوا بهذا الأمر، وقالوا: لم نعطي الدنية في ديننا؟ ولم لا نرد على المشركين؟ ولم كذا وكذا؟ ثم ظهر لهم بعد ذلك الخير في قرار الشرع.

    فهذا ما نسميه: بفقه المرحلة، أو فقه الموازنات.

    كذلك تطاول اليهود على المسلمين في أوائل عهد المسلمين بالمدينة، وقاموا بأمور كان من الممكن أن تفسر على أنها نقض للمعاهدة، ومع ذلك التزم الرسول عليه الصلاة والسلام بسياسة ضبط النفس قدر المستطاع، ليس هذا لضعف ولا لتفريط، ولكن فقه المرحلة وفقه الموازنات يقتضي ذلك.

    وهكذا كان الوضع في صلح الحديبية، وهكذا كان الوضع أيضاً في مواضع كثيرة جداً في السيرة النبوية، بل لعلنا لا نكون مبالغين إذا قلنا: إنه يكاد يكون مستحيلاً أن تجد قراراً يخلو من أي سلبية، وإنما القضية قضية موازنات، حتى إننا في الأمثال الشعبية نقول: (ما هناك حلاوة من غير نار)، دائماً توجد مشكلة، ومع ذلك الموازنة بين المصالح والمفاسد هي التي تختار قراراً دون قرار.

    وهذه كلمة جميلة جداً لـعمرو بن العاص رضي الله عنه وأرضاه وهو مشهور بالحكمة، قال: ليست الحكمة أن تدرك الفرق بين الخير والشر، أو الفرق بين الحلال والحرام، ولكن الحكمة أن تدرك أي المنفعتين أعلى وأي الضررين أكبر. هذه هي الحكمة.

    المهم في هذا المقام أن تدرك أنه لكي تقوم وتسود وتمكن لا بد من أخذ قرارات تبدو في ظاهرها مؤلمة للمسلمين، وقد يبدو فيها للناظر مخالفات شرعية، لكن المدقق والمحلل والعالم ببواطن الأمور سيجد أنها أخف الضررين، وليس معنى هذا أنها ليست ضرراً، لا، بل هي ضرر، ولكن في هذا الموطن هي أخف الضررين، فتقبل شرعاً ولا تعد مخالفة.

    ولا بد لكل جندي أن يدرك كل هذه الأبعاد، ومن ثم يعذر القيادة، ويقدم لها النصح والإرشاد بأدب، ويقبل منها الأمر والتوجيه، وكل ذلك لا يمكن أبداً أن يكون إلا بثقة تامة في القيادة، وإدراك كامل للعبء الثقيل الملقى على أكتاف القادة، وبغير هذه العلاقة الوثيقة بين القيادة وجنودها لا يمكن لجماعة أو لأمة أن تقوم.

    إذاً: هذه النقطة الثانية مهمة جداً، أنه يجب أن تتوافر الثقة في القيادة، وأن يدرك الجنود أن القائد قد يختار من الأمور ما قد يحزن الجنود، ولماذا اختار هذا؟ لأنه أخف الضررين، ولم يختر هذا الأمر لأنه يرغب في الضرر ذاته أو لأنه متنازل أو مفرط، أبداً، إذاً: لابد أن نفهم هذه القاعدة جيداً.

    إعذار القيادة لجنودها وأفرادها

    النقطة الثالثة والأخيرة في التعليق على هذا الحدث: أنه إذا كنا قد طلبنا من الجنود أن يعذروا القيادة في قراراتها، وأن تتصف ردود أفعال الجنود بالثقة في اختيار القائد، فإننا في نفس الوقت نطلب من القيادة أن تعذر جنودها عند ظهور بعض علامات الغضب، أو عدم الرضا من بعض القرارات غير المفهومة لعموم الناس، وأن يتسع صدر القيادة لتستوعب الجنود وهم في حالة نفسية سيئة، وأن تقبل منهم بعض الأخطاء، وأحياناً تكون هذه الأخطاء كبيرة جداً، ليس هناك مانع، لكن ننظر إلى ملابسات هذا الخطأ وفي أي ظرف حصل وممن حصل، وخير مثال على هذا الأمر في صلح الحديبية: ما رأيناه من رسولنا صلى الله عليه وسلم في تعامله مع الصحابة، وخاصة مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي أصر على المجادلة مع الرسول عليه الصلاة والسلام أكثر من مرة، ومع ذلك لم يعنته رسول الله صلى الله عليه وسلم لكثرة اعتراضاته، ما قال له: هذا الكلام وهذا الحوار بهذه الطريقة لا يصلح أن يكون معي وأنا رسول صلى الله عليه وسلم، فهو صلى الله عليه وسلم عذره؛ لأنه يقدر موقفه ويعلم تاريخه ويعلم واقعه، وهذا الخطأ الذي حدث منه -وإن كان عظيماً- فقد قاسه على سيرته الجميلة رضي الله عنه وأرضاه، فسيرة عمر كلها تضحيات وكلها طاعة وجهاد في سبيل الله، وكلها بذل وعطاء، حتى إننا وجدناه صلى الله عليه وسلم يرسل لـعمر خاصة بعد نزول سورة الفتح ليطمئن قلبه، فقرأ عليه سورة الفتح بكاملها من أجل أن يقول له: إن قرار الصلح هو القرار الأصوب، ولما سأله سيدنا عمر بن الخطاب : (أفتح هو؟ فقال صلى الله عليه وسلم: نعم)، اكتفى بذلك ولم يذكره بخطئه السابق، وما قال له: ما كان ينبغي أن تقول كذا وكذا، وحتى بعدما ظهرت خيرات صلح الحديبية بعد ذلك لم نسمع أن الرسول عليه الصلاة والسلام استدعى عمر بن الخطاب وقال له: ألم أقل لك إن ذلك خير؟ أرأيت كذا وكذا؟ ما قال له هذه الكلمات، بل إنه عليه الصلاة والسلام قبل منه الخطأ بسعة صدر؛ لأنه يقدر الظروف التي حدث فيها ذلك الخطأ، فالرسول صلى الله عليه وسلم كان رحيماً بـعمر وبسائر أصحابه صلى الله عليه وسلم تمام الرحمة، وكان مقدراً حبهم للإسلام تمام التقدير، هذه هي القيادة الرشيدة.

    خلاصة الأمر: أن الأمة الناجحة حقاً هي الأمة التي يشعر فيها الجندي أنه قريب جداً من القائد، يحبه ويقدره ويطيعه ويثق به تماماً، ويشعر القائد كذلك أنه قريب جداً من جنوده، يحبهم ويقدرهم ويثق بهم، وهذه الثقة والتسامح والمحبة المتبادلة بين القائد وجنوده من أقوى الأسباب التي تقوم عليها الأمم.

    نسأل الله عز وجل أن يعز الإسلام والمسلمين، وأن يفقهنا في سننه، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [غافر:44].

    وجزاكم الله خيراً كثيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3017294213

    عدد مرات الحفظ

    724054481