إسلام ويب

سلسلة الأندلس الطريق إلى الأندلسللشيخ : راغب السرجاني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • دراسة تاريخ الأندلس خاصة والتاريخ الإسلامي عامة تمد المطلع برؤية واضحة لمسيرة الإسلام ومعرفة أسباب القوة والضعف وتدارك الأخطاء؛ ففي تلك الأخبار عبرة لأولي الألباب وعظة لذوي البصائر.

    1.   

    سنن الله في خلقه لا تتبدل ولا تتغير

    أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    تاريخ الأندلس من أهم الحقبات في تاريخ المسلمين.

    قد يسأل سائل: لماذا الحديث عن التاريخ أصلاً؟ وكثير من الناس يلومون المسلمين عن كثرة الخوض في الحديث عن التاريخ، يقولون: أنتم تبكون على اللبن المسكوب، فهذا ماضٍ قد انتهى فلنعش في حاضرنا ولننظر إلى مستقبلنا.

    إن ثلث كتاب الله سبحانه وتعالى قصص بأسلوب رباني فريد في التربية، وأنا أنصح أن تشتمل مناهج التربية على ثلث المنهج في صورة قصص حتى تحاكي أسلوب رب العالمين سبحانه وتعالى في تربية الخلق أجمعين.

    فلماذا ثلث القرآن قصص؟ وما هو أسلوب الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم في تعليم الناس وتربيتهم وإرشادهم إلى الطريق؟

    قص الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم قصصاً كثيرة من قصص الصالحين والطالحين، وقصص الأنبياء ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وقصص الذين خرجوا عن منهج الله سبحانه وتعالى، وكيف عاقبهم ربهم سبحانه وتعالى؟ وكيف كانت النهاية والخاتمة لهم ولمن كان على شاكلتهم؟

    والقرآن الكريم فيه آيات تشير إلى منهج المسلم في تلقي القصص، يقول سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الأعراف:176]، كما يقول سبحانه وتعالى في آية أخرى: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ [يوسف:111] أي: لأصحاب العقول والأفهام.

    وعندما نقص القصص بصفة عامة سواء قصص القرآن، أو التاريخ الإسلامي، أو التاريخ غير الإسلامي لا بد أن نأخذه بمنطلق التفكّر والدراسة والتدبر والنظر في الأمور.

    فالتحدث عن تاريخ الأندلس، ليس الغرض منه تحريك العواطف، ولا إلهاب المشاعر، ولا البكاء على ما سبق من الحضارات أو البكاء على اللبن المسكوب أو غيره؛ لكن هو دعوة للتفكر وللتدبر، وهي بداية الطريق لدراسة هذا التاريخ العظيم هو وغيره إن شاء الله من المجموعات اللاحقة.

    نحاول في هذه المجموعة التي هي بعنوان: الأندلس من الفتح إلى السقوط أن نحلل التاريخ تحليلاً دقيقاً، وأن نقلب صفحات علا عليها التراب أعواماً، وأن نرى أشياء حاول الكثيرون أن يطمسوها، وأن يظهروها الحق في صورة الباطل، أو يظهروا الباطل في صورة الحق، كثير من الناس يحاولون تزوير التاريخ الإسلامي، وهي جريمة خطيرة جداً يجب أن يقف لها المسلمون.

    وفي هذه المجموعة نتعرف على سنن الله سبحانه وتعالى في خلقه، وفي أرضه، فالله سبحانه وتعالى له سنن ثابتة لا تتغير ولا تتبدل كما يقول سبحانه وتعالى: فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا [فاطر:43]، فمثلاً: الماء يغلي عند درجة مائة، وسيظل يغلي إلى يوم القيامة عند نفس الدرجة، ومن رحمة ربنا سبحانه وتعالى أن ثبت هذا الأمر، فلو كان هذا اليوم يغلي عند ثلاثين وغداً عند خمسين، وبعد غد عند سبعين، فإن الناس لا تستقيم حياتهم مع هذا الأمر، لأن في كل يوم تغير، والنار تحرق وستظل تحرق إلى يوم القيامة، وهناك استثناءات، والمؤمن الحصيف لا يبني على الاستثناءات، إنما يبني على القواعد الأصولية، وإذا كانت النار لم تحرق إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فليس معنى ذلك أن يضع المؤمن يده في النار ويقول: قد يحدث لي مثل ما حدث لإبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، فلا يقول بهذا أحد.

    والإنسان بصفة عامة لا يستطيع أن يعيش بغير طعام وشراب، ولو عاش بغير طعام وشراب أياماً كثيرة فلا محالة مآله إلى الموت، فهذه من سنن الله سبحانه وتعالى الثوابت.

    كذلك تغيير الأمم هي سنن ثابتة، والله سبحانه وتعالى جعل سنناً ثابتة لتغيير الأمم من الفاسد إلى الصالح، ومن الصالح إلى الفاسد، إن سارت في طريق معين كانت الخاتمة واضحة جداً، وثابتة عند الله سبحانه وتعالى وعلمها الناس.

    وعندما تقرأ التاريخ، وتقلب في صفحاته تشاهد سنن الله سبحانه وتعالى في التغيير، فالتاريخ يكرر نفسه بصورة عجيبة، وحين تقرأ أحداثاً حدثت منذ ألف عام أو أكثر فإنك تشعر وكأنها هي نفس الأحداث التي تحدث في هذا الزمن مع اختلاف في الأسماء فقط، وعندما تقرأ التاريخ كأنك تقرأ المستقبل، فالله سبحانه وتعالى بسننه الثوابت قرأ لك المستقبل، وحدد لك كيف ستكون العواقب، والمؤمن الحصيف لا يقع في أخطاء السابقين، والمؤمن الناجح العاقل يكرر ما فعله السابقون ونجح معهم، ولا يقع في أخطاء من عارض منهج الله سبحانه وتعالى أو وقع في خطأ من الأخطاء وإن كان غير مقصود.

    1.   

    سبب اختيار دراسة تاريخ الأندلس

    والمسلم يدرس التاريخ بصفة عامة وتاريخ الأندلس بصفة خاصة لما يلي:

    أولاً: الأندلس تاريخ يشمل (805) سنوات كاملة مرت بالتاريخ الإسلامي، من سنة (92 هـ إلى سنة 897 هـ) وكان له تداعيات بعد فترة 897 هـ.

    ومن العجيب أن المسلمين لا يعرفون هذه الفترة الكبيرة جداً، والتي تمثل أكثر من ثلثي التاريخ الإسلامي، ولا يعرفون بتفاصيل هذا التاريخ.

    ثانياً: إن تاريخ الأندلس لكبر حجمه وجد فيه كثير من دورات التاريخ، فسنن الله فيه واضحة تماماً، ففيه كثير من الدول قامت وسقطت، وكثير من الدول أصبحت قوية وفتحت ما حولها من البلاد، وكثير منها سقطت وتهاوت وأصبحت مع الدول المنهزمة التي نسمع عنها في هذه الآونة.

    وظهر في تاريخ الأندلس المجاهد الشجاع، والخائف الجبان، والتقي الورع، والمخالف لشرع ربه سبحانه وتعالى، والأمين على نفسه وعلى دينه وعلى وطنه، والخائن لنفسه ولدينه ولوطنه.. فقد ظهرت كل هذه النماذج، سواء في الحكام أو المحكومين، أو العلماء أو عوام الناس.

    إذاً: دراسة هذه الأمور تفيد كثيراً في استقراء المستقبل القادم على المسلمين.

    فالكثير من المسلمين لا يعرفون تفاصيل موقعة وادي برباط، وهي من أهم المواقع في التاريخ الإسلامي، فقد فتحت فيها الأندلس، فهي موقعة ضارية تشبّه بموقعتي اليرموك والقادسية، ولا يعرفون عن حرق السفن التي حدثت في عهد طارق بن زياد رحمه الله، وكثير من الناس لا يعلم من هو عبد الرحمن الداخل رحمه الله، الذي قال عنه المؤرخون: لولا عبد الرحمن الداخل لانتهى الإسلام بالكلية من بلاد الأندلس.

    ولا يعرفون تفاصيل حياة عبد الرحمن الناصر أعظم ملوك أوروبا في القرون الوسطى على الإطلاق، وكيف وصل إلى هذه الدرجة العالية، وكيف أصبح أكبر قوة في العالم في وقته.

    وكذا يوسف بن تاشفين رحمه الله القائد الرباني وصاحب موقعة الزلاقة، الذي نشأ نشأة إسلامية وربى الناس على حياة الجهاد، وتمكن من الأمور، وساد دولة ما وصل المسلمون إلى أبعادها في كثير من الفترات.

    و أبو بكر بن عمر اللمتوني المجاهد الذي أدخل الإسلام في أكثر من خمس عشرة دولة إفريقية.

    و أبو يوسف يعقوب المنصور صاحب موقعة الأرك الخالدة، التي دُكّت فيها حصون الصليبيين وانتصر فيها المسلمون انتصاراً ساحقاً.

    فمن يسمع عن دولة المرابطين المجاهدة؟

    ومن يسمع عن دولة الموحدين وكيف قامت؟

    ومن يعرف مسجد قرطبة؟ وكيف كان أوسع المساجد في العالم في زمانه ولأزمان متلاحقة بعد ذلك؟ وكيف حوّل إلى كنيسة؟ وما يزال إلى اليوم كنيسة.

    ومن يسمع عن مسجد إشبيلية العجيب؟

    ومن يسمع عن جامعة قرطبة والمكتبة الأموية؟

    ومن يسمع عن قصر الزهراء، ومدينة الزهراء، ومدينة الزاهرة، وقصر الحمراء، وغيرها من الأماكن الخالدة في الأندلس والتي إلى الآن تزار من عموم الناس سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين.

    ومن يسمع عن موقعة العقاب التي هزم فيها المسلمون هزيمة ساحقة، وكانوا يفضلون غيرهم في العدد والعدة، وكأن حنيناً تتكرر من جديد؟ قال عنها المؤرخون: بعد موقعة العقاب لم يُر في الأندلس أو في المغرب شاب صالح للقتال. فقد هلك فيها أكثر من ثمانين ألف مسلم.

    كيف سقطت الأندلس؟ وما هي عوامل السقوط التي إن تكررت في أمة المسلمين سقطت لا محالة؟ لأن لله سنناً ثابتة كما ذكرنا.

    ثم كيف سطعت شمس الإسلام في القسطنطينية بعد سقوط الأندلس؟

    وكيف كان التزامن بين سقوط الأندلس في الغرب وانتشار الإسلام في الشرق عند أوروبا من رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده؟

    وما هي مأساة بلنسية وقتل ستين ألف مسلم في يوم واحد؟

    وما هي مأساة أبدة وقتل ستين ألف مسلم آخرين في يوم واحد؟

    وما هي مأساة بربشتر وقتل أربعين ألف مسلم في يوم واحد، وسبي سبعة آلاف بكر من فتيات بربشتر، وكأنها البوسنة والهرسك في تاريخنا، نشاهدها الآن لكن لا نعرف أن لها أصولاً وجذوراً قديمة، وكيف تصرف المسلمون وتخلصوا من هذه المآسي الضخمة؟ لو عرفنا لاستطعنا أن ننهض بأمتنا الآن.

    تاريخ الأندلس ثروة حقيقية ضخمة جداً من العلم والخبرة والعبرة، وصفحات طويلة جداً أكثر من 800 سنة.

    تحتاج أن تقرأها في سنوات كثيرة، والأندلس ركن صغير بعيد في الدولة الإسلامية الضخمة، والعمل الذي يجب أن تفعله هو ألا تركن أبداً إلى الدعة والسكون، فأمامك مشوار طويل جداً حتى تتعرف على سنن الله سبحانه وتعالى.

    وقبل الخوض في تاريخ الأندلس من حيث ترتيب الأحداث منذ الفتح وحتى السقوط، منذ عام (92 هـ) إلى سنة (897 هـ) هناك بعض الأسئلة قد تجول في خاطر الناس، وهي ما يلي:

    1.   

    الرد على من قال بأن الإسلام انتشر بالسيف

    سؤال: الأندلس دولة مستقلة تُحكم بحكم النصارى في ذلك الزمن السحيق، والمسلمون دولة أخرى كبيرة جداً مجاورة لهذه البلاد، فلماذا حمل المسلمون سيوفهم واتجهوا إلى فتحها ليعرضوا عليها الإسلام أو الجزية أو القتال، وهذا في الأعراف الدولية والشرعية الدولية يعتبر تجنياً على حدود دولة مجاورة؟

    وأصحاب المناهج العلمانية يقولون: كيف أن الإسلام انتشر بحد السيف وقد قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ [البقرة:256]؟ فكيف توفق بين هذا الأمر وذاك الأمر؟

    لتفسير هذا الأمر نقول: إن الجهاد في الإسلام نوعان: جهاد الدفع، وجهاد الطلب.

    النوع الأول: جهاد الدفع، وهو الدفاع عن الأرض، فلو أن أحد الأعداء هجم على أرضك فيجب عليك أن تدافع عن أرضك، وهذا أمر مقبول ومفهوم عند عوام الناس، سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين.

    النوع الآخر من الجهاد لا يستوعبه كثير من الناس حتى المسلمين، اسمه: جهاد الطلب، أو جهاد نشر الدعوة، أو تعليم الآخرين هذا الدين، والإسلام هو الدين الخاتم، وهو كلمة الله سبحانه وتعالى الأخيرة للناس، والله سبحانه وتعالى كلّف أمة الإسلام أن تنشر هذا الدين في ربوع العالم، وأن تعلم الناس ما طلبه ربهم منهم سبحانه وتعالى على لسان رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم.

    ومن سنن الله سبحانه وتعالى أن هناك أقواماً يحكمون الشعوب التي لا تدين بالإسلام، فهذه الأقوام -لا محالة- ستقف أمام هذه الدعوة، وستمنع وصول هذه الدعوة إلى غيرها من الناس، فالإسلام شرع للمسلمين أن يتجهوا بسيوفهم وجيوشهم لحماية الدعاة إلى الله سبحانه وتعالى لنشر هذا الدين وتعليمه للآخرين.

    فمن لهؤلاء الذين يولدون في بلاد يعلمونهم أن المسيح هو الله؟

    ومن لهؤلاء الذين يولدون في بلاد يعلمونهم أن البقرة هي الإله؟

    ومن لهؤلاء الذين يولدون في بلاد يتعلمون أنه ليس للكون خالقاً، وأنه خلق من العدم، أو أن الطبيعة هي رب الكون؟!

    فمن يعلمهم إذا لم يعلمهم المسلمون أصحاب الرسالة الخاتمة؟ وقد جُعل محمد صلى الله عليه وسلم نبينا الكريم خاتم الأنبياء والرسل، وليس هناك مبعوث من بعده صلى الله عليه وسلم.

    فهذه هي مهمة هذه الأمة الشاهدة، قال تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة:143]، ستشهد هذه الأمة على الأمم عند الله سبحانه وتعالى أنها شرحت لهم دين الإسلام وعلمّتهم وذهبت إليهم وجاهدت في سبيل الله، فهذه الأمة شاهدة لهذا الجهاد ولإيصال هذه الدعوة.

    لكن المشكلة أن الحكام سيقفون بسيوفهم وجيوشهم لمنع وصول الدعوة إلى هؤلاء الناس؛ لأنهم مستفيدون من عبادة هؤلاء الناس لغير الله سبحانه وتعالى، فإذا حُكّم شرع الله سبحانه وتعالى انتقلت الحاكمية من هؤلاء الناس إلى الله سبحانه وتعالى، وهم لا يريدون ذلك، فعلى المسلمين أن يقفوا أمامهم بسيوفهم وجيوشهم حتى تنشر الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.

    والمسلمون لا يقاتلون الشعوب، كان سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه يقول للجيوش الفاتحة: اتقوا الله في الفلاحين، اتقوا الله في عموم الناس التي لا تقاتل، التي لا يهمها مصلحة الحاكم هذا أو ذاك، لكن تعيش لتعلم أين الخير وتتبعه، لا تقتلوا إلا من قاتلكم.. فكان المسلمون يتجنبون أن يؤذوا ولو أذى بسيطاً أحد الناس الذين لا يقاتلون؛ كالنساء والأطفال، والمعتكفين للعبادة، والضعفاء عن القتال، والأقوياء الذين لا يشاركون في قتال المسلمين، والمسلمون في حروبهم يقاتلون الجيوش فقط، ويقاتلون الحكام الذين عبّدوا الناس لغير الله سبحانه وتعالى.

    وقد يقول قائل: وإذا سمحوا بالدعوة إلى الله سبحانه وتعالى في بلادهم فلماذا الجيش؟ ولماذا لا نبعث مجموعة من الدعاة يدعون إلى الله سبحانه وتعالى في بلادهم بالتي هي أحسن، ولا داعي للجيوش لعرض الإسلام أو الجزية أو القتال، اتركوا الناس أحراراً تختار كما تشاء؟!

    لماذا المسلمون لم يبعثوا مجموعة من الدعاة لفارس أو الأندلس أو الروم؟ ألم يكف الدعاة إلى الله سبحانه وتعالى أن الإسلام انتشر بالتجارة في أندونيسيا والفلبين وماليزيا وما إلى ذلك، فلماذا ينشر بالجيوش والحروب وما إلى ذلك؟

    الحقيقة أن هذا افتراض غير واقعي أنهم يذهبون إلى هذه الأماكن بدون جيوش، فهذا افتراض غير عملي مخالف لسنن الله تعالى في أرضه وفي خلقه، حتى مع دراسة التاريخ والواقع، فنجد أن دولاً ضخمة جداً دخلت في الإسلام عن طريق الفتوحات الإسلامية، والقلة الاستثنائية هي التي دخلت الإسلام عن طريق التجارة، مع أن بعض الناس يصورون الأمر بغير ذلك، حتى من المسلمين حياءً من فتح المسلمين للبلاد الأخرى، فدين الإسلام كامل شامل من عند الله سبحانه وتعالى، ليس فيه ثغرات، وليس فيه شيء نستحيي منه، أو نخفيه عن الآخرين..

    فدولة فارس بكاملها والتي كانت تضم العراق وإيران وباكستان وأفغانستان وكل دول الإتحاد السوفييتي الجنوبية، التي تمثل أكثر من 15 على 16 من الإتحاد السوفييتي كانت بلداناً إسلامية، فقد فتحها المسلمون فتحاً عسكرياً بجيوش وجهاد واستشهاد وحروب مريرة سنوات طويلة.

    وبلاد الرومان أيضاً فُتحت بالفتوحات العسكرية.

    وكذا الشام وهي تضم: فلسطين والأردن وسوريا ولبنان، وتضم أجزاء من جنوب تركيا أيضاً، وكذا بلاد تركيا وآسيا الصغرى فتحت بالجهاد في سبيل الله.

    والقسطنطينية فُتحت بالجهاد في سبيل الله، وشرق أوروبا فُتح بالجهاد في سبيل الله، ولعل كثيراً من الناس لا يعلمون أن هناك بلاداً ظلت إسلامية قروناً في شرق أوروبا، منها على سبيل المثال: بلغاريا، اليونان، رومانيا، المجر، تشيكوسلوفاكيا، أجزاء من النمسا، يوغسلافيا بكاملها، قبرص، مالطا، كل هذه كانت بلاداً إسلامية ضخمة عاش فيها الإسلام قروناً ثم اختفى من هذه البلاد بعد ذلك.. فهذه البلاد قد فُتحت بالجهاد في سبيل الله في زمن الخلافة العثمانية.

    وشمال أفريقيا كله فُتح بالجهاد في سبيل الله ابتداء من مصر ومروراً بليبيا ثم تونس ثم الجزائر ثم المغرب.

    ووسط أفريقيا وغربه فُتح كله بالجهاد في سبيل الله.

    والأندلس فُتحت بالجهاد في سبيل الله، أما في ماليزيا وفي أندونيسيا فقد دخلهما الإسلام على سبيل الاستثناء عن طريق التجارة.

    فهل نغلب هذا الأمر الذي حدث على سبيل الاستثناء على سنة الله سبحانه وتعالى في نشر دينه عن طريق الجهاد في سبيل الله؟

    فهذا أمر لا يُعقل ولا يستطيع أحد أن يقره.

    إذاً: هناك قاعدة من القواعد هي: أن هؤلاء الحكام الذين يحكمون الشعوب المجاورة لدول الإسلام أبداً لن يتركوا المسلمين أبداً يدعون إلى الله سبحانه وتعالى إلا إذا كانوا في حراسة جيش من الجيوش، ولذلك شرع الله سبحانه وتعالى الجهاد إلى يوم القيامة فأصبح سنة ماضية إلى يوم القيامة.

    أما في الواقع المعاصر؛ فإن معظم الناس قد فتنوا بحرية الكلام في البلاد الغربية، فظنوا أن الدعوة سبيلها مفتوح في البلاد الغربية كأمريكا وفرنسا وإنجلترا وغيرها من دول الغرب بصفة عامة، لكن هذا الأمر ليس متروكاً بصورة عشوائية، وما تركوا المسلمين إلا لأنهم لم يصلوا إلى القوة المغيّرة لهذه البلاد، ولو وصل المسلمون إلى الحجم الذي يؤثر على سياسة هذه البلاد لن تكون هناك حرية ولن يكون هناك سماح بالكلام في الإسلام أو الدعوة للإسلام، وسيقفون لهم دائماً بالمرصاد.

    والدول الغربية لا تسمح بقيام دول إسلامية خارج حدودها، فمثلاً: حكومة السودان حينما أعلنت قيام الشريعة الإسلامية في شعبها قامت الدنيا ولم تقعد، مع أن السودان بلد فقير وصغير وضعيف نسبياً بالمقارنة إلى غيره من الدول، بل وقامت أمريكا وضربت مصنع الأدوية الموجود في الخرطوم بحجة أنه يُصنّع مواداً كيماوية، هذا لمجرد بوادر قيام دولة إسلامية، فإذا كانت بوادر قيام دولة إسلامية في مكان ضعيف وبعيد تمام البعد عن البلاد الغربية قامت له هذه البلاد الغربية ولم تقعد، فما بالك لو قامت هذه البلاد الإسلامية أو الدول الإسلامية أو الفكر الإسلامي داخل هذه البلاد.

    وفي فرنسا عندما انتشر الإسلام فيها، بدأت الفتيات الصغيرات يدخلن المدارس محجبات، وإذا بفرنسا بلد الحريات وبلد التنوير وبلد الحضارة كما يذكرون، تمنع الحجاب من دخول المدارس، والحادثة المشهورة التي كانت منذ سنوات هو أنهم رفضوا دخولهم المدارس بالحجاب، مع أنها بلد حرية فأن تدخل الفتاة المدرسة بلباس فاضح ليس هناك مانع، لكن أن تدخل بحجاب فهذا مرفوض! لأنه فكر إسلامي ولا بد من إيقاف هذا المد الإسلامي، فأمريكا منذ سنة كانوا يمررون في الكونغرس قانوناً وهو القبض على من يخل بالأمن القومي الأمريكي بدون دليل، مع أن هذا أمر غير شرعي في أمريكا، بل لا بد أن يكون هناك دليل قبل أن تُدين إنساناً أو تقبض على إنسان أو تقيد حرياته، وسبب فرض هذا القانون لكي يمسكوا كل الناشطين في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى هناك، بحجة أنه يمس الأمن القومي الأمريكي، وهناك بعض الأمور التي تدل على أن هذا القانون سوف يطبق في هذه البلاد، وهناك بعض الشواهد على ذلك.

    إذًا: هذه البلاد لن تسمح أبداً للدعاة إلى الله سبحانه وتعالى بالدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، وإذا كان الدعاة حريصين على تغيير منهج الناس فلا بد لهم من قوة تحميهم، ألا وهي قوة الجيوش الإسلامية والفتح الإسلامي والجهاد في سبيل الله.

    ولو أن بلداً سُمح فيه بالدعوة إلى الله سبحانه وتعالى وسُمح فيه بالمقال الإسلامي والكتاب الإسلامي وبالشريط الإسلامي، فإنهم سيخرجون في مقابل المقال الإسلامي عشرة آلاف مقال علماني، وفي مقابل الصورة الإسلامية الناجحة عشرة آلاف صورة فاضحة، وفي مقابل إعلانك أن الله سبحانه وتعالى واحد يظهرون عشرات المؤلفات التي تقول أن الله هو المسيح! وحاشا لله من هذا القول، نعوذ بالله منه ومن الشرك به سبحانه وتعالى.

    فإن كان هذا الأمر، هل ستؤدي الدعوة الإسلامية دورها وتؤتي ثمارها وسط هذا الركام الضخم جداً من المضادات للدعوة الإسلامية؟ فهذا لن يحدث، فالإسلام يعلم الناس هذا الدين، والناس تتفلت منه، والمسلم يحاول إدخال كل البشر في دين الله سبحانه وتعالى، لذلك شرع الجهاد في سبيل الله، وفتح البلاد المجاورة لأمة الإسلام وإن كانت تأبى هذا الأمر في بادئ الأمر.

    1.   

    الرد على شبهة من قال بأن الوقت الحاضر هو وقت السياسة والدبلوماسية لا السيف والمدفع

    وبعض الناس يقولون: إن هذا الزمن ليس زمن الحروب العسكرية والتغيير العسكري والفتوحات، بل هو زمن الكلام والسياسات، لكن واقع الأمر أنك تشاهد حروباً عسكرية في كل وقت، يلام المسلمون على فتوحاتهم الإسلامية السابقة في بلاد الشمال الإفريقي وفي فارس والروم والأندلس وفي غيرها، ولا تلام إسرائيل مثلاً على ما تفعله في فلسطين وعلى ما فعلته في 1967م في مصر وسوريا، وعلى ما فعلته في لبنان على مدى 18 سنة، لكن المسلمون دخلوا إلى البلاد لينشروا فيها العدل والرحمة والدين، ويعبّدوا الناس لرب العالمين، وهؤلاء دخلوا ليقتلوا ولينهبوا وليسرقوا وليفعلوا كذا وكذا من الموبقات.

    أيلام المسلمون على هذا الفتح المجيد الذي علموا الناس فيه دينهم، ولا تلام إسرائيل على ضرب المفاعل النووي في العراق أو على ضرب تونس، أو على ضرب أمريكا لمصنع الأدوية في السودان؟ ألا تلام أمريكا ودول الغرب على حروب متتالية ضد دولة العراق؟ ولا يتخيل أحد من المسلمين أو غير المسلمين أن الأمريكان دخلوا إلى العراق شفقة على الكويت، وغير معقول أنهم أتوا بنصف مليون جندي شفقة على شعب الكويت أبداً!

    ألا تلام أمريكا على كل هذه الموبقات التي فُعلت في العراق وعلى تدمير كل الناس وكل البنية التحتية، وعلى وفاة أكثر من نصف مليون طفل عراقي لنقص التطعيمات والغذاء، ويلام المسلمون على نشرهم العلم والدين والرحمة والعدل في ربوع العالم أجمع؟! أيلام الصرب على ما فعلوا في البوسنة والهرسك، وعلى ما فعلوا في كوسوفا من قتل مائتين ألف أو أكثر، وعلى هتك عرض خمسين ألف فتاة مسلمة ويلام المسلمون على الحريات العظيمة التي أعطوها للنصارى ولليهود في زمن حكم الدولة الإسلامية؟

    ألا تلام روسيا على اجتياح الشيشان وأفغانستان، وتدمير الكثير من المنشآت المدنية في هذه البلاد، وقتل المدنيين ليل نهار، ويلام المسلمين على نشر العلم في ذات البلاد وكانت من قبل تعبد النار؟

    أيلام المسلمون على فتحهم لجمهوريات جنوب روسيا بصفة عامة ولا يلام الروس والصين الذين احتلوا أجزاء كثيرة وحكموا الناس بالحديد والنار أعواماً، وقتلوا كل من كان يخفي في بيته مصحفاً؟ أهذا اللوم يتوجه للمسلمين أو لهؤلاء الذين حكموا باسم الحضارة الحديثة والمدنية والتقدم وما إلى ذلك؟

    تاريخ المسلمين فيه أشياء كثيرة جداً من الشرف والعزة والمجد، وهؤلاء يغيّرون من التاريخ حتى يشعر المسلمون بشيء من الاستحياء من تاريخهم، مع أن التاريخ يشرف المسلمين ويعلي من قدرهم، والاستحياء كل الاستحياء يجب أن يكون في صف هؤلاء الذين ادّعوا الحضارة وفعلوا كل هذه الموبقات.

    1.   

    الرد على شبهة من قال أن الأصل ترك الناس يعبدون ما يشاءون ولا حاجة لدعوتهم

    كثير من الناس يقولون: نترك الناس يعبدون ما يشاءون؛ لأنهم لا يريدون الدخول في هذا الدين، فنقول: إن الله سبحانه وتعالى جعل للمسلم رسالة، لخصها لنا سيدنا ربعي بن عامر رضي الله عنه وأرضاه في حواره اللطيف الذي دار بينه وبين رستم قائد الفرس في موقعة القادسية، فقال: لقد ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، وهكذا تحرك الجيش المسلم لمصلحة ومنفعة الناس، وفي صحيح البخاري يقول أبو هريرة رضي الله عنه وأرضاه معلقاً على الآية الكريمة: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران:110] قال: خير الناس للناس، تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام. فمعظم الناس يريدون الدخول في الإسلام، لكن يأتي بهم في السلاسل حتى يدخلوا في الإسلام، فينقذوا من الخلود في جهنم، ومن أن يعيشوا في جور الأديان وفي ظلم الحكام فيدخلوا في عدل الإسلام وفي سعة الدنيا والآخرة، فلو أن رجلاً رمى بنفسه من الدور العاشر، وأتيت بسرعة وأخذت بيده وأنقذته من أن يرمي بنفسه من الدور العاشر، فهل يلام عليك أنك مسكت يده بقوة حتى آلمته وآذيته؟ أبداً لا، فأنت أنقذت حياته، فالكافر كان سيتردى في هاوية الجحيم، وأنت أنقذته من أن يدخل جهنم وأن يُخلّد فيها، وعلمته هذا الدين، وأتيته بجيش يؤثر فيه حتى يسمع كلام الله سبحانه وتعالى، وإن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، وكثير من الناس لا يسمعون منك إلا إذا كنت محاطاً بقوة وبجيش، فتبدأ تسمع وتفكر، فتجد أن ما كانت ترفضه هو النجاة، وما كانت تريد اتباعه هو الهلكة المحققة التي لا فكاك منها، فكثير من الأمم دخلت في الإسلام لما فتحها الفاتحون غير مكرهين وغير مضطرين، قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ [البقرة:256] فهذه الآية الكريمة لا تتعارض مطلقاً مع هذا الفتح الإسلامي، والمسلمون كانوا يخيرون أهل تلك البلاد بأن يظلوا على إيمانهم بمعتقداتهم كما يريدون أو يعبدوا الله سبحانه وتعالى، وكانوا يعلمونهم في البداية دين الله سبحانه وتعالى، فإن أرادوا البقاء في ظل الشرك وفي ظلم الجاهلية يتركوا فيها، وإن أرادوا الدخول في نور الإسلام دخلوا فيه وكانت السعادة لهم في الدنيا والآخرة.

    وعموم الناس في حاجة إلى الإسلام وإن أبت هذا الأمر، والعالم يتجه إلى كارثة محققة، والدول العظمى التي تتحكم في هذه الأمم في هذا الزمن الذي نعيش فيه تكيل بأكثر من مكيال، وتجعل الظلم قاعدة من القواعد التي ترسّخها في العالم، والأدواء والأمراض الأخلاقية لا حصر لها، ولعلكم قرأتم آخر مؤتمر عُقد عن مرض الإيدز أنه في غضون العشرين سنة السابقة من سنة 1980م إلى سنة 2000م قُتل من البشر عشرين مليون نسمة، وهذا مرض أخلاقي نتج عن غياب دين الله سبحانه وتعالى عن الناس، وإنكارهم منهج الله، وبعدهم عن شرعه سبحانه وتعالى، وأقل معدلات الإيدز في البلاد الإسلامية لأن المسلمين مرتبطون بشرع الله سبحانه وتعالى وإن كان هذا الارتباط ضعيفاً، وكل الفتوحات والمعارك الإسلامية وما إلى ذلك لا تجد الرقم يقترب من واحد على عشرين أو واحد على مائة من هذه الأرقام المبالغ فيها في الإيدز فقط، غير السبعة والثلاثين مليون حاملي الفيروس، الذين ينتظرون الموت من الإيدز.

    والمذابح التي تحدث في أفريقيا وفي أمريكا الجنوبية وفي غيرها من البلاد، بسبب الظلم والانقلابات والقتل في بشاعة منقطعة النظير؛ لأنه ليس هناك إسلام يحكم هذه البلاد، فالإسلام دين رحمة وعدل وتقريب للناس أن يعيشوا في سعادة في دنياهم وآخرتهم، وفوق كل هذه الأمور ظلم الإنسان لنفسه بأنه يُشرك بربه غيره سبحانه وتعالى، قال تعالى: يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13].

    1.   

    الاسم المعاصر للأندلس، ومن أول من سكنها، وسبب تسمية الأندلس

    أما الأندلس فتسمى الآن أسبانيا والبرتغال، أو ما يسمى بشبه الجزيرة الأيبيرية، ومساحتها ستمائة ألف كيلو متر مربع، أي: أقل من ثلثي من مصر، ثم تناقصت الأرض عليهم مع مرور الزمان، أما مساحة فرنسا فهي حوالي نصف مليون كيلو متر مربع، وإن شاء الله سيكون للمسلمين أيضاً فتوحات مرتبطة بفرنسا، وفرنسا في ذلك الزمن كان اسمها مملكة الفرنجة، أو مملكة غاليا.

    سكن الأندلس منذ القرن الأول الميلادي بعض القبائل الهمجية التي جاءت من شمال اسكندنافا من بلاد السويد والدنمارك والنرويج وما إلى ذلك، وهجمت على منطقة الأندلس وعاشت فيها فترة من الزمان، ويقال: إن هذه القبائل جاءت من ألمانيا، وهذه القبائل كان اسمها قبائل الفندال، وباللغة العربية تحرف أحياناً إلى الوندال، فسميت هذه البلاد بفندلسيا لأن قبائل الفندال عاشت فيها فترة من الزمان، ثم حُرّف الاسم بعد ذلك إلى أندلسيا، وهذه القبائل كانت وحشية حتى يعلم الناس كيف انصلح الحال في هذه البلاد بعد دخول الإسلام، وفي اللغة الإنجليزية فإ، كلمة فندلزم تعني همجية أو وحشية أو أسلوب غير حضاري أو بدائي في الحياة، فقبائل الفندال عاشت فترة من الزمان فسميت هذه البلاد بفندلسيا، ثم خرجت هذه القبائل وحكم الأندلس طوائف أخرى من النصارى عُرفت في التاريخ باسم القوط الغربيين، وهي التي كانت تعيش فيها حتى دخول المسلمين.

    واتجه المسلمون لفتح بلاد الأندلس في ذلك الوقت، لأنهم وصلوا في الفتح إلى المغرب الأقصى، أي: أنهم فتحوا الشمال الأفريقي كله: مصر وليبيا وتونس والجزائر والمغرب، والناظر إلى خريطة هذه المنطقة يجد أنه بعد دولة المغرب مباشرة المحيط الأطلسي، فإما أن تصعد شمالاً وتعبر مضيق جبل طارق وتدخل في بلاد أسبانيا والبرتغال التي كان اسمها الأندلس، وإما أن تنزل جنوباً في الصحراء الكبرى، والمسلمون ليس من همّهم جمع الأراضي والممتلكات -والصحراء الكبرى قليلة السكان جداً- وإنما يبحثون عن البشر حتى يعلموهم دين الله سبحانه وتعالى، فلما انتهوا من المغرب انتقلوا إلى الدولة المجاورة مباشرة التي هي دولة الأندلس، وعندما انتهوا من الأندلس انتقلوا إلى الدولة المجاورة التي هي فرنسا، وكان عندهم العزم -لو ربنا سبحانه وتعالى فتح عليهم وأكملوا الفتوح- أن يفتحوا الدول المجاورة التي هي: إيطاليا وألمانيا وهكذا، فالمسلمون كانوا قد وصلوا إلى الأندلس واستتب لهم الأمر أواخر الثمانيات من الهجرة، كما سيأتي بالتفصيل إن شاء الله في شرح الطريق إلى الأندلس.

    والله سبحانه وتعالى يقول لنا في كتابه الكريم: قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً [التوبة:123]، ومعنى: الَّذِينَ يَلُونَكُمْ [التوبة:123] أي: البلاد المجاورة لكم.

    وقد دار حوار لطيف بين معاذ بن جبل رضي الله عنه وأرضاه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين ملك الروم قبل موقعة اليرموك عن طريق المفاوضات بين الفريقين والرسل، فسأل ملك الروم معاذ بن جبل رضي الله عنه فقال له: ما الذي دعاكم إلى الولوغ في بلادنا، وبلاد الحبشة أسهل عليكم؟ فالعالم القديم كان مقسماً بين الروم وفارس، أي: أنها القوة العظمى في ذلك الزمن.

    فقال معاذ بن جبل رضي الله عنه وأرضاه: قال لنا ربنا في كتابه الكريم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً [التوبة:123]، وأنتم البلاد التي تلينا، ثم بعد الانتهاء من بلاد الروم سنفتح الحبشة وغيرها من البلاد، فالمسلمون كانوا قد وصلوا إلى المغرب الأقصى، وأول بلاد مجاورة هي بلاد الأندلس، وهي الخطوة التالية للفتح مباشرة.

    1.   

    زمن فتح الأندلس

    وقد فتحت الأندلس في سنة (92 هـ) في الدولة الأموية، خصوصاً في خلافة الوليد بن عبد الملك رحمه الله الخليفة الأموي الذي حكم من سنة 86 هـ إلى سنة 96 هـ، أي: أن فتح الأندلس كان في منتصف خلافة الوليد بن عبد الملك رحمه الله.

    والدولة الأموية مظلومة في التاريخ الإسلامي، فقد أشيع عنها كثيراً من الذين شوهوا التاريخ الإسلامي فقالوا: إنه ما كان تاريخ إلا في عهد أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، حتى أن كثيراً من الناس يطعنون في تاريخ أبي بكر وعمر مع علم الجميع بفضلهما، وغرضهم في ذلك عدم إقامة دولة إسلامية، فإذا كان السابقون القريبون من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم دولة بني أمية والدولة العباسية وغيرها من الدول لم تستطع أن تقيم حكماً إسلامياً صالحاً ناجحاً، فكيف بالمتأخرين؟

    وهذه الرسالة يريدون أن يصلوا بها إلى كل المسلمين، فالدولة الأموية كانت دولة لها كثير من الأيادي البيضاء على المسلمين، فقد دخلت كثير من البلاد في الإسلام في عهد بني أمية، كشمال أفريقيا ابتداء من ليبيا إلى أواخر المغرب، نعم بدأت الفتوحات لهذه البلاد في عهد عثمان بن عفان ثم انتقضت وارتدت على عاقبها، وفُتحت من جديد في عهد بني أمية، وأفغانستان وجمهوريات جنوب روسيا دخلت في الإسلام في عهد بني أمية، وكثير من البلاد وكثير من الناس دخلوا في الإسلام في عهد هذه الفترة الناجحة جداً في تاريخ الأمة الإسلامية، ودوّنت السنة في عهد بني أمية، ورُغّب في الجهاد في عهد بني أمية حتى صار الجهاد أمراً طبيعياً، وأنه في كل سنة سيكون جهاد في الصيف وجهاد في الشتاء فالمجاهدون كانوا يخرجون للجهاد كما يخرجون إلى أعمالهم، والشرع كان مطبّق في عهد بني أمية، ولا نقول أنهم كانوا بلا أخطاء ولا عيوب، ومن المؤكد أن كل البشر يخطئون، ومن المؤكد أن هناك أخطاء كثيرة في تاريخ بني أمية، لكن بلا شك أن هذه الأخطاء تذوب في بحر حسناتهم وأفضالهم على المسلمين.

    حكمت دولة بني أمية من سنة (40 هـ إلى سنة 132 هـ) أي: أنه استمر الحكم في بني أمية 92سنة، ومؤسس دولة بني أمية الصحابي الجليل معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، وكثير من الناس يطعنون في خلافة معاوية بن أبي سفيان وفي تاريخه وكذبوا، وليتهم يصلون إلى معشار ما فعله معاوية بن أبي سفيان للإسلام والمسلمين، وإن شاء الله تكون بيننا محاضرات وجولات مع تاريخ معاوية بن أبي سفيان وتاريخ الدولة الأموية، وليس المجال الآن في الخوض والحديث بالتفصيل عن تاريخ بني أمية لكن نذكر مقدمة قد تفيد إن شاء الله في الحديث عن الأندلس.

    تتابع الحكام بعد معاوية بن أبي سفيان وأشهرهم عبد الملك بن مروان رحمه الله، وتبعه من أولاده: الوليد وسليمان ويزيد وهشام ، ثم الخليفة الخامس الراشد المشهور عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وأرضاه، الذي ملأ الأرض عدلاً ورحمة وأمناً ورخاء، وآخر سبع سنوات فقط في بني أمية هي التي كانت فيها الكثير من المآسي والاختلافات عن المنهج الإسلامي، وكسنة من سنن الله سبحانه وتعالى قامت دولة أخرى لما فسد الأمر في بني أمية وهي دولة بني العباس، لكن فتح الأندلس حسنة من حسنات بني أمية.

    1.   

    حال أوروبا أثناء الفتح الإسلامي للأندلس

    سؤال آخر قد يخطر على الذهن وهو: كيف كان الوضع في بلاد الأندلس وأوروبا؟ وكيف تغيرت بعد دخول المسلمين إليها؟

    الواقع أن أوروبا في ذلك الوقت كانت تعيش في فترة من فترات الجهل العظيم المنتشر في كل الأرض، وبعد كبير جداً عن كل مناهج العدل التي نشرها الإسلام بعد ذلك، وظلم بيّن من الحكام للمحكومين فالأموال الكثيرة والخيرات في يد الحكام أما الشعوب فهي تعيش في بؤس كبير.

    والحكام اهتموا كثيراً ببناء القصور والقلاع والحصون بينما يعيش عامة الشعب في فقر شديد، وعموم الناس يزرعون الأراضي وكانوا يباعون ويشترون كالمتاع في هذا الزمان، وهناك انتهاك للحرمات وأخلاق متدنية، وبعد حتى عن مقومات الحياة الطبيعية، فالنظافة مختفية بالمرة، لدرجة أن الناس كانوا يتركون شعورهم تنسدل على وجوههم ولا يقصونها، ولا يغتسلون في العام إلا مرة أو مرتين، ويظنون أن هذه الأوساخ التي تتراكم على أجسادهم هي صحة لهذا الجسد، وهي خير وبركة لهذا الجسد! والمشكلة الكبيرة جداً هي عندما يذهب أحدهم ليغتسل، والرحالة المسلمون الذين دخلوا إلى اسكندنافا وجدوا الناس يتفاهمون بالإشارة، أي: ليست لهم لغة منطوقة فضلاً عن أن تكون مكتوبة، فهذه البلاد كانت تعيش في جهل وفي ظلم وفي فقر، وكان في هذه البلاد بعض أفعال الهنود والمجوس من حرق للمتوفى عند موته، وحرق لزوجة المتوفى معه وهي حية، أو الحرق لجاريته، أو من يحبه من الناس معه وهو حي والناس تشاهد وتعلم هذا الأمر، وكانت هذه البلاد تعيش في ظلم وفقر وضياع كبير جداً عن أي وجه من وجوه الحضارة، ثم لننظر ماذا فعل الإسلام في هذه البلاد؟

    كانت هذه مقدمة لدراسة تاريخ الأندلس، وبإذن الله من الحلقة القادمة نتحدث عن تاريخ الأندلس بالترتيب الزمني منذ الفتح سنة 92 هـ إلى السقوط في سنة 897 هـ.

    وكما ذكرنا نؤكد ونعيد ونقول أن هذه المحاضرات ما هي إلا فتح الطريق لدراسة تاريخ الأندلس وليست هي كل تاريخ الأندلس، فتاريخ الأندلس يضم أكثر من 800 سنة كما ذكرنا.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وجزاكم الله خيراً كثيراً.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3016449237

    عدد مرات الحفظ

    723813498