إسلام ويب

العيش في الزمن الصعب[4،3،2،1]للشيخ : عبد الكريم بكار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الأسباب التي جعلت الحياة صعبة وشاقة لكثير من المسلمين كثيرة، لكن يبقى أن وعي كثير من الناس بمصادر مشكلاتهم، ومزعجاتهم، ووعيهم بالأسباب غير المباشرة لانزلاقاتهم وانحرافاتهم وعي محدود وسطحي، ومن واجب المثقفين أن يساعدوا إخوانهم على امتلاك الوعي الجيد بذلك، وأن يدلوهم على سبل الفوز، وأطواق النجاة؛ وذلك جزء من حقوق الأمة عليهم، وجزء من تكاليهم الريادة الثقافية والاجتماعية.

    1.   

    اجتماع الناس تحت هيمنة شروط ومتطلبات واحدة

    الحمد لله أهل كل حمد وولي كل نعمة، وصلى الله وسلم على عبده ونبيه محمد وعلى آله وصحبه ومن سلك سبيلهم واهتدى بهديهم إلى يوم الدين.

    وبعد:

    فإني في هذا العمل أحاول أن أبذل جهدي في أن أشرح لإخوتي المسلمين وأخواتي المسلمات الصعوبات التي يلاقيها كل من يريد أن يعيش في هذا الزمان، محافظاً على مبادئه وأخلاقه، وعلى كرامته وحقوقه، وكل من يريد أن يكون على مستوى التحديات الجمَّة، التي تولدها الحياة الحديثة.

    كما أحاول أن أشرح ما يستوجبه كل ذلك من مفاهيم وأخلاق، ومواقف، ومهاراتٍ، ومجاهدات، ومن الله تعالى الهداية والمعونة.

    حين نسمع عنواناً من مثل: عصرنا، وزماننا، وحياتنا المعاصرة، يثور في أذهان كثيرين منا سؤالٌ مشروع، هو: هل الناس في الأرض يعيشون عصراً واحداً، وزماناً واحداً، حتى يحسن أن نوجه إليهم خطاباً واحداً؟

    أقول في الجواب على ذلك: لا يمكن للناس أن يواجهوا تحديات واحدة، ولا أن يجدوا فرصاً موحدة، لكن يمكن أن أقول مطمئناً: إن كل الناس في الأرض باتوا يعيشون تحت هيمنة شروط ومتطلباتٍ واحدة، وتلك الشروط والمتطلبات يضعها العالم الصناعي الذي تقوم دوله بإنتاج المفاهيم، والنظم والآلات، التي تشكل مختلف جوانب الحياة المعاصرة. وثورة الاتصالات التي تأخذ في التعمق والانتشار في كل ساعة، قد عولمت تطلعات الناس وأحلامهم، ورفعت مستوى الحد الأدنى من الأهلية، والكفاءة، واللياقة، التي يحتاجها كل واحد منا للعيش في هذا الزمان.

    كما عولمت الجرائم، والأزمات، وأصبح العالم أشبه بماء في قدر، يكفي أن تحرك أحد أطرافه ليتحرك الماء كله.

    ولنا بعد أن نتساءل: هل هناك شعب لا يتطلع إلى أن تتوفر له إمدادات الماء، والكهرباء، وخطوط الهاتف، والطرق المعبدة، والخدمات الطبية، والبلدية المختلفة؟

    هل هناك شعب لا يتطلع إلى الحصول على الأطعمة الوفيرة، والمساكن المكيفة الفسيحة، والمركبات المريحة؟

    هل هناك شعب لا يتطلع إلى أن يؤسس في حياته علاقاتٍ تقوم على نيل الحقوق، وأداء الواجبات، إلى جانب التطلع إلى حياةٍ تسودها الاستقامة الإدارية، وتكافؤ الفرص؟

    وهل هناك شعب لا يتطلع إلى أن يساهم في الحضارة الحديثة، بكفاءةٍ وقوة، من خلال العطاء الثقافي، والإنتاج المادي، والتفوق التقني؟

    أعتقد -أيها الإخوان والأخوات- أن الجواب على كل هذه التساؤلات هو: لا. هذه التطلعات المتجانسة إذا لم تصبح جزءاً من حلم كل فرد، فإنها في الطريق إلى ذلك، والمسألة مسألة وقت، وهذا كله يعني أن الناس يعيشون -فعلاً- اليوم في عصرٍ واحد، وإن كان لأمة الإسلام خصوصيتها الثقافية التي تحتم عليها أن تتعامل مع كل ما يجد من تطلعاتٍ وفرصٍ وتحديات، من أفق عقيدتها، ورؤيتها العامة للحياة. وهذا ما سنوضحه في هذا العمل بعون الله تعالى وطَوله.

    1.   

    الأسباب التي تجعل الحياة صعبة

    حين نقول إننا نعيش في زمانٍ صعب، كثير التكاليف، فإن كثيراً من الناس يستنكرون ذلك؛ لأنهم يرون أن المرفهات والكماليات المتوفرة الآن بلغت حداً لم يكن الآباء والأجداد قادرين حتى على الحلم به، فكيف يكون العيش في زمانناً صعباً، ونحن نتقلب في صنوف النعم والخيرات، كما أننا نرى المؤسسات التعليمية والصحية في كل مكان، وصار الاتصال والانتقال سهلاً إلى حدٍ لا يصدق.

    أقول: هذا صحيح، لكن المسلم لا ينظر إلى أحوال العالم من خلال أحواله وأوضاعه الخاصة التي يعيش فيها، وإنما يستحضر دائماً أحوال الإنسان أينما كان، ولا سيما إخوانه الذين يشاركونه في العقيدة والمبدأ.

    يفيد تقرير لإحدى منظمات الأمم المتحدة أن أكثر من مليار نسمة لا يحصلون على كفايتهم من الغذاء، وأفاد تقريرٌ آخر أن (63%) من سكان آسيا ، و(61%) من سكان أفريقيا و(36%) من سكان أمريكا اللاتينية ، (33%) من سكان منطقتنا يواجهون نوعاً من المجاعة.

    في عصرنا لم يعد بالإمكان عزل السلوك اليومي للناس عن مستوى دخلهم المعيشي، وعما يحتاجه الواحد منهم من عنايةٍ وتربيةٍ وتوجيه، وهذا ما ينبغي أن يكون واضحاً، إذ أن معظم الناس لا يستطيعون أن يتقدموا في حالات الفقر الشديد، كما لا يستطيعون أن يهتموا بالجوانب الفكرية والروحية لديهم وهم يرزحون تحت وطأة ضغوط الحياة المعاصرة، وتكاليفها الباهظة.

    إن محدودية الدخل، وعدم كفاية الموارد، قد حملت أعداداً غير قليلة من الناس على الاختلاس، وطلب الرشوة، والاحتيال، وتحمّل الجور والهوان.

    وقد صار كثيرٌ من الناس في العالم الإسلامي يشعرون يوماً بعد يوم أن الحد الأدنى المطلوب لحياةٍ كريمة أو شبه كريمة صار مرهقاً، وفوق طاقتهم على الاحتمال، وذلك بسبب تعقد أساليب العيش، وتحول كثيرٍ من الكماليات إلى حاجيات وضروريات، وبسبب ما يتطلبه الإعداد التعليمي والمهني الذي يؤهل الشاب للحصول على فرصة عمل من أموال ليست متوفرة لدى كثيرٍ من الناس.

    إن هذه الدنيا دار ابتلاء، ففي أي حالة كان الواحد منا، وحيث ما اتجه؛ سيجد نفسه ينتقل من اختبارٍ إلى اختبار، وسيظل الإنسان يواجه في هذه الحياة ما لا يشتهيه، وسيظل غير متأكد من الوضعية التي سيئول إليها على وجه التحديد.

    إن بعض الناس -أيها الإخوة- يشعر أنه مضغوط تحت إلحاح المزيد من مطالب العيش، وبعضهم يبحث عن فرصة عمل، وبعضهم يشعر أن سلوك أولاده مغايرٌ لما كان يأمله، وبعضهم يشعر بأن مجتمعه ينهار دون أن يكون قادراً على أن يعمل له أي شيء، ومهما كان قسمٌ من الناس يشعرون بالرخاء والأمن والاستقرار، فإن في حياتهم أموراً غامضة تجعل لديهم نوعاً من المعاناة الشعورية.

    وتلك الأمور الغامضة ربما كانت نابعة من الضجيج والزحام، وازدياد التحديات، وتعقيد النظم، وسرعة التغيرات، وانتشار روح التشاؤم والعدمية، وانخفاض المؤازرة الاجتماعية، وضعف التيار الروحي، والخوف من مفاجآت المستقبل، وضعف الإحساس بالهدف .... إلخ

    إنك حين تتعمق في حياة الناس تجد أن لكل واحد منهم مشكلاته ومنغصاته ومزعجاته الخاصة. يقول أحدهم: تخرجت من قسم المحاسبة في إحدى الجامعات، ومع أنني من أسرة ريفية، وكان في إمكاني أن أجد عملاً مناسباً في قريتي، إلا أنه قيل لي: إذا أردت فرصةً جيدةً للعمل، ووظيفة مرموقة، فاذهب إلى العاصمة، وقد كان ذلك، ووجدت فعلاً ما كنت أبحث عنه، وقد التحقت بالوظيفة، وأنا أحمل القيم والأخلاق التي أشربتها من أساتذتي في الجامعة، وكان من أهمها خلق الأمانة، ولا سيما أن عمل المحاسبة والمراجعة لا يعني أي شيء من غير الصدق والأمانة، وقد أظهرت كفاءةً وجدارة في الشركة التي كنت أعمل فيها، وحصلت على ترقيات سريعة خلال فترةٍ قصيرة، وبدأت نفقاتي في البيت تتسع على مقدار تحسن راتبي، وكان رئيسي في العمل قد عين ابنه في الشركة، وبدأ ذلك الابن يستغل منصب أبيه إلى أن وصل إلى ممارسة التزوير، وأخذ الأموال من الشركة بغير وجه حق، وقد طلب مني في أحد الأيام أن أوقع على أحد المستندات فأبيت، فأستاء مني أشد الاستياء، ودبر لي مكيدة وساعده على ذلك بعض المتواطئين معه في الشركة، وقد أحلت إلى المحاكمة، ولولا إنصاف القاضي وشهادة بعض الزملاء لصالحي لكنت الآن في السجن.

    وبعد ثبوت براءتي صار استمراري في العمل في تلك الشركة أشبه بالمستحيل، فتركت تلك الشركة وبحثت عن عملٍ آخر، فوجدت ولكن بعد مرور خمسة أشهر وبمرتب يقل بنسبة (40%) عن مرتبي الأول، وذلك بسبب أن تقرير الشركة التي كنت أعمل فيها لم يكن مشجعاً.

    ولم يمض على عملي في المؤسسة الجديدة سوى شهرين، حتى اكتشفت سلوكاً مشيناً للجنة المشتريات، وطلب مني السكوت وإلا فقدت عملي، وقد دخلت في صراعٍ مع نفسي، حيث إن مبادئي، وطبيعة عملي، لا يسمحان لي بالسكوت على ذلك، ولكنني تذكرت أنني إلى ذلك الوقت لم أستطع تسديد الديون التي تراكمت عليَّ أثناء بطالتي عن العمل، وبعد شدٍ وجذب أعانني الله تعالى على نفسي، وانتصرت مبادئي وضميري، فأخبرت مدير الشركة، فقام بعزل تلك اللجنة، وطالبني بمراجعةٍ دقيقة لكل أعمالها، ففعلت، وكشفت الأموال الضخمة التي استولت عليها لجنة المناقصات، بسبب مناقصاتٍ وعروضٍ مزيفة.

    ومن وقتها صرت العدو رقم (1) لأعضاء اللجنة، وقرروا التخلص مني وإبعادي عن الشركة، وقد حدث أن خسرت تلك الشركة في بعض مشروعاتها، فقررت تخفيض عدد موظفيها، وكنت أنا على رأس القائمة، وعدت إلى بيتي لأواجه بعاصفة احتجاجات من زوجتي التي اتهمتني بالعجز وقلة الحيلة، وكان مما قالته لي: فلان وفلان من أصدقائك لم يفصلوا من أعمالهم؛ لأنهم لم يتدخلوا في كل شاردةٍ وواردة، أما أنت فإنك لم تعد تنظر إلى نفسك على أنك محاسبٌ وكفى، بل استولى عليك الغرور حتى ظننت نفسك أنك أحد مصلحي العالم الكبار. أقول هذا وأنا ما زلت أبحث عن عمل، ولا أدري إذا وجدت عملاً كيف سيكون حالي فيه.

    هذا -أيها الإخوة الكرام- لونٌ واحد من ألوانٍ كثيرة من المعاناة التي يلاقيها الإنسان المستقيم في زماننا الصعب.

    قد ارتقى مستوى الحياة في كل بلاد العالم، لكن ذلك الارتقاء صار يشكل عبئاً ثقيلاً ومرهقاً على كثيرٍ من الناس، وسيعجب السامع الكريم إذا قلنا إنه في بلادٍ إسلاميةٍ كثيرة يحتاج الموظف المتوسط إلى أن يجمع كل مرتباته مدة عشرين عاماً حتى يستطيع شراء مسكنٍ صغير، يؤويه مع أولاده، وفي بعض الدول لا يستطيع الحصول عليه ولو جمع مرتبات نصف قرن!!

    هناك إلى جانب هذا كابوس البطالة الذي يزعج كثيراً من الناس، فحين يكون كثيرٌ من العاملين عاجزين عن تسديد ثمن الحاجات اليومية، فكيف يكون شأن الذي يجلس السنة والسنتين دون أن يكسب أي شيء؟!

    إن مشكلة البطالة ليست محصورةً في فقد المرء لمصدر قوته، وإنما يتولد عنها آثارٌ نفسية وسلوكية واجتماعية خطيرة، فحين يجلس المرء مدةً طويلة من غير أي عمل فإن ارتكاساتٍ كريهة تصيب شخصيته بوصفه إنساناً، وبوصفه عاملاً، ويمكن أن يفقد احترامه لنفسه، وثقته بذاته، وقد تؤدي به البطالة إلى انهيار حياته الأسرية، وتسمم الجو الذي يعيش فيه أطفاله، وهذا كله في كفة، وما يمكن أن يغمس فيه من اللهو مع قرناء السوء، وإدمان المخدرات في كفةٍ أخرى، ليصبح في النهاية أقرب إلى المشوه والمعوق.

    لا أريد أن أمضي أكثر فأكثر في ذكر الأسباب التي جعلت الحياة صعبةً وشاقة بالنسبة لكثيرٍ من المسلمين، ولكن أحب أن أقول: إن وعي كثيرٍ من الناس بمصادر مشكلاتهم، ومصادر مزعجاتهم، ووعيهم بالأسباب غير المباشرة لانزلاقاتهم وانحرافاتهم وعيٌ محدودٌ وسطحي، ومن واجب المثقفين أن يساعدوا إخوانهم على امتلاك الوعي الجيد بذلك، وأن يدلوهم على سبل الفوز، وأطواق النجاة، وذلك جزءٌ من حقوق الأمة عليهم، وجزءٌ من تكاليف الريادة الثقافية والاجتماعية.

    1.   

    العيش خارج العصر

    إن قولنا: إننا نعيش في عصرٍ واحد لا يعني أكثر من أننا نعيش في ظل أفكارٍ ومفاهيم، وتيارات واتجاهات، وتحدياتٍ ومتطلباتٍ واحدة أو متقاربة، وإلا فإن في زماننا هذا أشخاصاً كثيرين، ما زالوا يتمسكون برؤيتهم القديمة للأشياء، فالعولمة التي تخترق العالم اليوم بطوله وعرضه لم تحملهم على إعادة النظر والتفكير في شئونهم وأحوالهم، وذلك لسببٍ بسيط: هو أن العيش خارج العصر، بعيداً عن شئونه وشجونه، يشبه الجوع والظمأ، فهو لا يحتاج إلى جهد؛ لأنه الأصل والطبيعي، وأما الذي يحتاج إلى تخطيط وبذلٍ وعناء فهو العيش داخل العصر تماماً، كما هو شأن الري والشبع.

    إن الذي لا يريد أن يصبح بطلاً في رياضةٍ من الرياضات، لا يجد نفسه مكلفاً بالقيام بأي تمارين من تمارين الأبطال.

    العيش داخل العصر يحتاج إلى درجةٍ عالية من المعرفة والشفافية، وهي غير متوفرة لدى الأميين، ولدى كثيرٍ من متوسطي الثقافة، ولذا فإن أعداد الناس الذين يعيشون خارج العصر كبيرةٌ جداً، وكثيرٌ منهم ما زالوا يقفون على أبوابه دون أن يتمكنوا من الدخول إلى أفنيته وساحاته.

    1.   

    سمات الذين يعيشون خارج العصر

    قد أكون أنا، وقد تكون أنت، من الذين يعيشون على هامش العصر، أو على أبوابه، أو داخل ساحاته دون أن يلجوا إلى قاعاته، ودون أن يدركوا طبيعة تحدياته وعطاءاته، ولذا فإن من المهم أن نستبين صفات الذين يعيشون خارج العصر، مع بعض المقارنة مع صفات الذين يعيشون زمانهم بجدارةٍ ووعي، حتى نعرف على أي أرضٍ نقف، وإلى أي فريقٍ ننحاز، ولعلي أوجز تلك الصفات في المفردات الست الآتية:

    الفهم الضعيف للواقع

    أولاً: يشترك الذين يعيشون خارج العصر في أن فهمهم للواقع ضعيف، إنهم قليلو القراءة، وضعيفو الممارسة، ولذا فإنهم يستسلمون بسهولة للأخيلة والأوهام، ويقعون في الأقيسة الفاسدة، ويعلقون آمالاً كبيرة على أشياء صغيرة.

    هناك أشخاصٌ كثيرون يغلب عليهم حب الخير، يظنون أنه يمكن للتاريخ أن يعيد نفسه، ولذا فإنهم يعتقدون أن المسلمين في أي بلد إذا بذلوا جهدهم في الدعوة والإصلاح، والتربية والتوجيه، فإنه يمكِن أن يمكَّن في ذلك البلد خلال ثلاث عشرة سنة كما جرى للنبي صلى الله عليه وسلم، حيث شرع بتشييد الكيان الإسلامي المستقل في المدينة بعد قيامه بالدعوة ثلاث عشرة سنة في مكة المكرمة .

    وهذا لا يمكن قبوله في حالٍ من الأحوال، لماذا؟ لأنه جرت خلال هذه القرون المتطاولة تغييرات فكرية واجتماعية، وكيميائية وفيزيائية، تجعل عودة ذلك غير ممكنة.

    بعض الناس تسيطر عليهم عقدة المؤامرة، فهم يرون أن كل سوءٍ يجري لهم، أو لأمتهم، قد حيك بإتقانٍ بالغ من قبل الأعداء والمنافسين، ومع أن العالم لا يخلو من التآمر في حقيقة الأمر، إلا أن القرآن الكريم يعلمنا أن ما يعانيه البشر -ومنهم المسلمون طبعاً- هو شيء من صنع أيديهم في المقام الأول، كما قال الله جل وعلا: أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ [آل عمران:165] وكما قال: وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [آل عمران:117].

    إن الذين يفسرون كل المصائب التي تحل بهم من أفق المؤامرة يوقعون أنفسهم في حالةٍ من الشلل التام، فهم دائماً يظهرون بمظهر الذي لا حول له ولا طَول، ويصبحون كأنهم جبريون، وهذا يشجعهم على التنصل من أخطائهم، وإلقاء تبعاتها على غيرهم.

    هناك إلى جانب هذا الصنف أشخاصٌ مكبلون بأوهام المثالية، فهم يظنون أن الأفكار والقيم والعقائد هي من القوة بحيث لا يتصور إلا تطابق سلوك الناس معها، ولذا فإنهم دائماً غاضبون ساخطون على غيرهم، وكأنهم لا يدركون ما تحدثه الظروف الصعبة من الدخول في موازناتٍ دقيقة، ومن مراعاةٍ للمصالح، ومن انسياقٍ خلف الأهواء والشهوات، وسوء التقدير، وكأنهم لا يعرفون أن ما بين المبدأ والسلوك، وبين المثال والواقع، تصدعاتٍ ومفارقاتٍ أبدية، لأسبابٍ يعرفها أهل العلم والفكر.

    وأنا لا أطالب هؤلاء إلا بفهم حقيقة ما يجري حتى يتخلصوا من التجرع المستمر للكئوس المرة.

    الظن بأن هذا الزمان هو زمان التخفف من القيود الأخلاقية

    ثانياً: يظن بعض الذين يعيشون خارج العصر أن زماننا هذا هو زمان التخفف من القيود الأخلاقية، وصمِّ الآذان عن صوت العقيدة والمبدأ، وأن مَن لم يفعل ذلك يُغلَب ويخسر الكثير من الفرص والصفقات.

    ولهذا فإن النشاط اليومي لهؤلاء هو استخفافٌ مشين بالأخلاق والقيم، والمبادئ التي يتظاهرون أنهم من حملتها، وهذا منهم سوء فهم. إذ إن العيش باستقامة ليس واجباً، ولا خلقاً، ولا أدباً فحسب، ولكنه أحد أهم مصادر تكوين ذاتية الإنسان، وإن الذي يخرج عن مبادئه في أعماله وعلاقاته، قد يكسب على المدى القريب، لكنه على المدى البعيد يخسر ذاته وآخرته، كما أنه أيضاً في أمور الدنيا سوف يخسر؛ لأن كسب ثقة الناس ثروةٌ كبرى، ولكن لا يمكن كسب ثقتهم من غير مصداقية، ولا مصداقية من غير استقامةٍ والتزام.

    الشركات الكبرى التي استطاعت المحافظة على أسعار منتجاتها، وعلى حصتها في الأسواق، يثق مستهلكو منتجاتها بها، بسبب التزامها بجودة ما تقدمه.

    إن لدى الناس أموالاً طائلة، لا يدرون كيف يستفيدون منها، وهم دائماً يبحثون عن شخصٍ يجمع بين الأمانة والكفاءة، على المبدأ الوارد في قوله جل وعلا: إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ [القصص:26]، وكثيرٌ من التجار الكبار كان رأس مالهم الحقيقي -وما زال- هو ما يمتلكون من نزاهةٍ وصدقٍ وأمانة.

    التشتت بين الماضي والحاضر

    ثالثاً: بعض الذين يعيشون خارج العصر موزعون بين الماضي والحاضر فهم على مستوى التصورات والمفاهيم أسرى لمقولاتٍ ماضية، يعجزون في الغالب عن التأكد من مدى صحتها، وهم على مستوى الحاضر أسرى الهموم والمشاغل، أما المستقبل فلا يستحوذ إلا على القليل من اهتماماتهم واستعداداتهم، مع أن طبيعة التدين الحق تجعل من المسلم الحق إنساناً مستقبلياً من الطراز الأول، لكن يبدو أن انتفاع الإنسان بمبادئه لا يتم بطريقةٍ عفويةٍ ساذجة، فهؤلاء الناس لا يدركون أن التغيرات السريعة توجب عليهم أن ينظروا إلى أبعد مدىً ممكن؛ لأن السرعة الهائلة تجعل البعيد قريباً.

    قد علمتنا التجربة أن معظم الذين يعانون من مشكلات كبيرة، هم أشخاص مصابون أصلاً بقصر النظر، وضعف الاهتمام بالمستقبل.

    وبعض هؤلاء يظن أن التخطيط للمستقبل لا ينسجم مع روح التوكل على الله تعالى، وبعضهم يجعل الاهتمام بما هو قادم نوعاً من الاشتغال بالتنظير عن الاستفادة مما هو موجود، وهذا يجعل الذين يعيشون خارج العصر ينفعلون بالأحداث، بدل أن يشاركوا في صناعتها، كما يجعلهم يأتون دائماً بعد الحدث.

    فقدان روح المبادرة الشخصية

    رابعاً: من سمات الذين يعيشون خارج العصر: أنهم يفقدون روح المبادرة الشخصية، فهم ما زالوا ينتظرون من غيرهم نوعاً من الرعاية لهم، إنهم في جوهر الأمر حملوا معهم إلى مرحلة الشباب والكهولة روح الطفولة، حيث إن الطفل يفضل عبارة: أنت لا تحبني، أنت ما أخذتني، أنت ما أعطيتني... إلخ

    إذا حاولنا أن نعمق النظر في أحوال عصرنا، فإننا سنجد أن المبادرة الفردية قد أسهمت على نحوٍ فذ في تكوين النهضة الحديثة، وإن كثيراً من الأعمال الجليلة، ما كان لها أن تظهر إلى الوجود، لولا أن أصحابها آمنوا بالتجاوز والانطلاق.

    وإني أعرف أشخاصاً كثيرين لديهم أفكارٌ رائعة، لكنهم ينتظرون غيرهم ليقوم بتنفيذها، أو ليساعدهم في ذلك، لكن ذلك المنتظر طال غيابه، وربما لن يحضر أبداً، ولو أنهم بدءوا بتنفيذ ما يقبل التنفيذ منها لوجدوا كثيرين ينظمون إليهم، ويساعدونهم على إكمالها.

    إن التربية العامة لدينا ما زالت تركز على تنشئة الإنسان التابع، والمعتمد على غيره، مع أن الوضعية العامة للتكليف في الإسلام تؤكد على تنمية روح المبادرة، وروح تحمل المسئولية، وسلوك طرق الخير، مهما كانت مهجورةً وموحشة، على حد ما نلمسه في قول الله جل وعلا: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ [البقرة:148] وقوله: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران:133] وقوله: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام:164] وقوله: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى [النجم:39-41].

    الاهتمام بالوقت شبه معدوم

    خامساً: اهتمام الذين يعيشون خارج العصر بالوقت شبه معدوم، فالذي لا يتم إنجازه اليوم، يمكن أن ينجز غداً أو بعد غد، وهم على خبرة واسعة بقتل الوقت، وإنفاقه في أعمالٍ لا تعود عليهم أو على غيرهم بأي فائدة.

    العالم المتقدم اخترع آلاتٍ لقياس أجزاء الثانية عنواناً على أهمية الوقت في الحياة المعاصرة، والذين يعيشون خارج العصر يستخدمون في التعامل مع الزمن الأيام والشهور، للدلالة على أنهم ينتمون إلى غير هذا العالم، وغير هذا الزمان، وبما أن القوم يعيشون من غير أهدافٍ واضحة، فإن مطالبتهم بالحرص على الوقت قد تكون غير ذات معنى.

    الإهمال والفوضى

    سادساً وأخيراً: الإهمال والفوضى سمتان ملازمتان لكثيرٍ ممن يعيشون خارج العصر، إهمال للصحة والمظهر، والعمل والأهل، والعلاقات الاجتماعية، الفوضى تضرب أطنابها في كل شئون حياتهم، حيث إن لديهم دائماً التزاماتٍ كثيرة، وإنجازاتٍ قليلة؛ لأنه ليس لديهم البرامج لتحقيقها، كل شيءٍ في حياتهم جائز، ويمكن أن تتوقع منهم أي شيء، هذا مع أن الذين قدَّموا إنجازات كبرى للبشرية في هذا الزمان، كانوا دائماً يبدون اهتماماً بكل شيء، حتى التفاصيل الصغيرة، وهم إلى جانب ذلك منظمون في حياتهم الشخصية والعامة، وفي أسلوب تفكيرهم وأعمالهم، كما أنهم يعتقدون أن التحلي بفضيلة الاهتمام شرطٌ للإنجاز العالي.

    1.   

    أهمية الكلام حول مسائل النجاح والتخطيط والتكيف

    هؤلاء الذين ذكرنا بعض سماتهم -أيها الإخوة!- مصابون بالقصور الذاتي، وهم يشكلون عبئاً على أمة الإسلام، ولا سيما في أوقاتٍ نهوضها وانطلاقها، وهم يحتاجون إلى من يوقظهم من أحلامهم السعيدة قبل فوات الأوان.

    كثيرٌ من الذين يعيشون خارج العصر لا يعترفون بأن السمات التي ذكرناها لهم هي سمات نقصانٍ وتقصير، وإنما هي في نظر بعضهم على الأقل فضائل في زمان كثر فيه التكالب على الدنيا، وانتهكت فيه لأجلها الحرمات.

    وأذكر أنه جاءتني رسالة من أحدهم تحمل معاني العتاب على بعض ما أذكره في كتبي حول مسائل النجاح والتخطيط والتكيف ... إلخ

    وقد أفهمني أنه ممتعضٌ من ذلك؛ لأنه حسب رؤيته يشجع على الانغماس في الدنيا، وصرف الناس عن الآخرة، كما أن النجاح الذي أدندن حوله وأُنظِّر له إنما هو نجاح دنيويٌ محدود ومؤقت، وكثيراً ما يكون على حساب دين المسلم واستقامته وكرامته، مما يجعل كثرة الاهتمام به شيئاً غير مستساغ، وذكر الرجل أنني بذلك أدفع الناشئة دفعاً في طرق تقليد الغرب والسير خلفه، على الرغم من كل المآسي التي يعاني منها الإنسان الغربي، وأنه كان في إمكاننا أن نصرف الحبر الذي نسود به الصحف في تلك المعاني إلى حث الناس على تقوى الله تعالى، والتمسك بالسنة، والعمل للآخرة، ولو فعلت ذلك -كما يقول الأخ الذي أرسل الرسالة- لكان خيراً لي وللناس.

    وأنا شخصياً أقدر نبل المعاني والدوافع التي جعلت ذلك الأخ يكتب ما بعث به، لكنني أخالفه في الرأي، إذ إنني أرى أن النجاح الذي يتم في إطارٍ مشروع، يصب في النجاح الأخروي، ويساعد عليه، كما أنني أرى أن الإنسان مبتلى في كل أحواله وشئونه، فكما أن للمعاصرة والنجاح والغنى مشكلاتها ومخاطرها كذلك للإغراق في التقلل والفقر، والبعد عن تفهم روح العصر، مشكلاته الخاصة به، وأعتقد أن مشكلات هذه الأخيرة أعظم وأكبر ضرراً على الفرد والمجتمع.

    وعلينا أن نتذكر أن مجتمعاتنا ضعيفة، وأن أمة الإسلام تواجه تحديات ليست قليلة، وأن الشرط الأساسي لتقدم الأمة، وارتفاع شأنها، يكمن في تقدم الفرد المسلم، وقوته وصلاحه، إذ إن من غير الممكن أن نبني أمةً قوية من أشخاصٍ ضعفاء غير قادرين على تفهم إيقاع الزمان الذي يعيشون فيه، وعلينا أن نتذكر كذلك أن أمة الإسلام لا تستطيع القيام بواجب الدعوة وهي غارقة في مشكلات الجهل والفقر، والبطالة والتفكك، والإهمال.

    والأهم من كل هذا أنه لا يمكن مع انتشار المشكلات التي ذكرناها، تحقيق معاني التقوى، والورع والصلاح؛ لأن التدين الصحيح لا يتم إلا في بيئةٍ تساعد عليه، كما أن فهم المعاني الجليلة في الإسلام، والارتقاء نحوها، يتطلبان درجةً من الوعي والتمدن والتحضر.

    أنا لا أرى أن نصبح في الدعوة إلى المعاصرة كحاطب ليل، يأخذ كل ما وجده في طريقه، ولكن أعتقد أن امتلاكنا لروح العصر وعقله، وتجاوبنا مع المتطلبات الأساسية للعيش فيه، سوف يقربنا من مواقع القيادة والريادة الأممية، عوضاً عن حالة التهميش والتبعية المزرية، التي يعيش فيها كثيرٌ من المسلمين اليوم.

    1.   

    مقارنة بين السباقين والمتقاعسين

    وحتى تنجلي صورة الذين يعيشون خارج العصر على الوجه المطلوب، فإني سأعرض لمقارنة بين أشخاص يعيشون عصرهم بوعيٍ وكفاءة، وسميتهم: السبَّاقين، وبين الذين يعيشون خارج العصر وسميتهم: بالمتقاعسين، وبعض هذه المعاني قد يتكرر في موضعٍ آخر، لكني سأذكرها في سياق هذه المقارنة حتى تترسخ في العقول والنفوس.

    السباقون: يملكون روح الاستقلالية، فهم لا يعيشون تابعين لمن حولهم، ولا يقعون أسرى لمحيطهم الاجتماعي، ولا يتخذون من انحراف المجتمع ذريعةً لانحرافهم الشخصي؛ لأنهم يعرفون أن مسئولية المسلم أمام الله جل وعلا مسئولية فردية.

    أما المتقاعسون فإنهم يحملون مشاعر طفولية، ويتصرفون وفق قول الشاعر:

    وهل أنا إلا من غزية إن غوت     غويت وإن ترشد غزية أرشد

    هم يعتقدون أن مشكلاتهم ليست بسبب قصورهم الشخصي، وإنما بسبب سوء الحظ، أو التآمر عليهم، أو تدهور الزمان، وسوء الأحوال، وبالتالي فإنهم غير مسئولين عنها، ولا قادرين على معالجتها، فهم إلى جانب ذلك لا يتصرفون في هدي مبادئهم وقيمهم التي يؤمنون بها ويحملونها، وإنما يخضعون لمشاعرهم وأهوائهم وظروفهم ومصالحهم، مما يجعلهم معرَّضين دائماً للتفلت والانحراف.

    السباقون -أيها الإخوان!- يستغلون أوقاتهم على نحوٍ حسن، وهم واضحون جداً في أخلاقهم، واتجاهاتهم، وطموحاتهم، وقراراتهم، وعلى الرغم من قلة الإمكانات التي بين أيديهم فإن ثمار جهودهم تبدو دائماً كبيرةً وفيرة، إنهم لا يملكون الكثير من الأشياء، لكنهم يقومون بالكثير من الأعمال. الجوهر لديهم دائماً أهم من المظهر، ونجاحاتهم هي ثمار جهودهم، وما يستخدمونه من إمكاناتهم.

    أما المتقاعسون فأحلامهم متواضعة، وطموحاتهم محدودة، ونفوسهم مستكينة، وعقولهم خاملة، وحركتهم بطيئة، وهم حين يتحركون يدورون في حلقة مفرغة، وهم على استعداد لتحمل الآلام إلى ما لا نهاية.

    المتقاعسون يجلسون أمام التلفاز ساعاتٍ طويلة كل يوم، حيث تخلو حياتهم من الأهداف والخطط، التي تستحق العمل والنصب، وهم يشترون الفرش الوثيرة، ويجلسون عليها أطول فترةٍ ممكنة، والاستلقاء أحب إليهم من الجلوس، وكأنهم يعملون بقول القائل: إذا لم تستطع أن تعمل شيئاً، فلا أقل من أن تستمتع بالنظر إلى من يعمل.

    المتقاعسون يعانون من البطالة على الرغم من توفر فرص العمل؛ لأنهم غير قادرين على تأهيل أنفسهم للتكيف معها، وحين يتجه الناس إلى أعمالهم في الصباح، يتجهون هم إلى النوم؛ لأنهم لم يناموا في الليل، أو يتجهون إلى أماكن عملهم حيث البطالة المقنعة، وحيث تتضاءل الفروق بين من يعمل وبين من لا يعمل.

    المتقاعسون لا يعتمدون على كفاءتهم الشخصية في الوصول إلى ما يريدون، وإنما ينجزون أعمالهم عن طريق الواسطة أو الرشوة، وعندما تحيط بهم مشكلة يؤثرون الدوران حولها عوضاً عن مواجهتها بصبرٍ وثبات، ولذلك فالتسويف وتأجيل أعمال اليوم إلى الغد من أبرز سماتهم.

    لا يملك المتقاعسون روح الاستمرار في العمل، ويبحثون دائماً عن خبطة العمر التي ستعوضهم عن كل ما فات على حد قول من يقول: فرصةٌ واحدةٌ تكفي.

    يعيش المتقاعسون دائماً في منطقةٍ رمادية، يحدها من الشمال الحيرة والتردد، ومن اليمين العجز، ومن الشرق البكاء على الأطلال، ومن الغرب الرؤية الضبابية، وإن من يعيش في مثل تلك المنطقة لا يستطيع إلا أن يكون محبطاً مفلساً وضعيفاً.

    إن السبَّاق والمتقاعس قد يعيشان تحت سقفٍ واحد، وقد يحملان شهادتين متماثلتين، ويقومان بأعمال تبدو للناظر العجل متشابهة، لكن كل ذلك عبارةٌ عن تشابهٍ شكلي؛ لأنهما ينتميان إلى عالمين مختلفين، ولا يجمع بينهما سوى عبقرية المكان.

    يقول أحد الموظفين: لما كنت طالباً في المرحلة المتوسطة كان ابن جيراننا مصطفى متفوقاً في دراسته، وكنت أغار منه وأغبطه؛ لأننا حين كنا ندرس سوياً كان متقدماً عليَّ في الحفظ والفهم، وكانت درجات اختباراته دائماً أفضل من درجاتي، وحين انتقلنا إلى المرحلة الثانوية بدأت أحوال جاري وزميلي بالتغير، حيث تعرف على أبناء أصدقاء والده الذي كان يعمل في التجارة، وقد تمكن بعض أولئك الأبناء أن يقنعوه من أنه لا جدوى من إكماله لتعليمه، وأنه إذا ساعد والده في أعماله؛ فإنه سيحصل على كل ما يريده في هذه الحياة، على حين أنه إذا درس في الجامعة فلن يكون أكثر من مدرس أو موظفٍ صغير.

    هذا التوجه الجديد لديه صاغ رؤيته من جديد للحياة وللدراسة، فقد صار يتضايق من مكوثنا للمذاكرة أكثر من ساعتين يومياً، مع أننا كنا في الصف الثالث المتوسط نذاكر أربع ساعاتٍ يومياً، وصار يقول باستمرار: هذا الجهد في المذاكرة، وكتابة الواجبات، لو بذلته في عملٍ حر لوجدت ثماره مباشرة، وأما ما أفعله الآن فلا أدري ما الذي أستفيد منه.

    زميلي هذا صار يتأخر في السهر، مما جعله موضع سخرية من بعض أساتذته؛ لكثرة نومه في الفصل، وهو مع ذلك يدعي بأن المعلمين لا يشرحون على نحوٍ جيد، وقد صار بالإضافة إلى ذلك مشغولاً بالدوران بسيارته في شوارع المدينة، كما صار خبيراً بالمطاعم الفاخرة في البلد، وأخذ يعيب على فلانٍ وفلان من زملائنا بأنهم يشترون حاجاتهم من الأسواق الشعبية.

    انتهينا من دراسة الثانوية وحصل زميلي على درجاتٍ متدنية جداً، فلم يقبل في أي قسمٍ جامعي، وهذا في الحقيقة ما كان يسعى إليه، وقد منحه والده مبلغاً جيداً؛ ليبدأ به بعض الأعمال التجارية، وقد أخذ يستورد بعض السلع من خارج البلاد، وقد حقق بعض النجاح في البداية، ثم أخذ يستعجل الثراء، ويغامر مغامراتٍ غير محسوبة، وحدث بعض الركود في الأسواق، فتكدست لديه البضائع، وتراكمت عليه الديون، ولولا مساعدة أبيه له مرةً أخرى لسجنه الغرماء، وانتهت رحلته في عالم الأعمال الحرة بعد ست سنوات، وقد عثر على وظيفةٍ متواضعة على أساس الثانوية ليقضي فيها باقي عمره.

    إن هذا الشاب قد توفر له كل ما يجعل منه إنساناً جيداً متفوقاً، ولكن تغير القيم والمفاهيم والمبادئ والأفكار التي كان يحملها، حوَّله إلى الوضعية التي صار إليها.

    1.   

    اشتمال المنهج الرباني على كل مقومات الالتزام والمعاصرة والنجاح

    والآن دعونا نتحدث عن بعض القضايا المهمة، التي تساعد المسلم على أن يعيش في هذا الزمان الصعب بكفاءةٍ وثبات ونجاح، وهي في الحقيقة قضايا كثيرة، رأينا الاقتصار على بعضها، وتوزيعها على أربعة محاور أساسية، نتناول في المحور الأول بعض السمات والمهارات التي أرى أنها تحتل مكانةً خاصة في نموذج المسلم المعاصر، الذي لا يحول تدينه والتزامه دون عيشه لزمانه، كما لا تكون معاصرته على حساب دينه وخلقه.

    ونتناول في المحور الثاني بعض المسائل الفكرية التي تساعد على بناء فكرٍ واضح حول طبيعة عصرنا ومشكلاته.

    ويتناول المحور الثالث بعض المسائل النفسية.

    أما المحور الرابع فقد خصصته للحديث عن تدبير شئون العيش، وإدارة الحياة الشخصية.

    ومن الله تعالى الهداية والمعونة.

    المحور الأول:

    أحب قبل الخوض في مسائل هذا المحور أن ألفت النظر إلى أن إيماننا بعموم رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، وبأنها خاتمة الرسالات السماوية، يجعلنا نوقن من غير لبس أننا سنجد في المنهج الرباني الأقوم كل ما يمكننا من أن نكون ملتزمين ومعاصرين وناجحين في آنٍ واحد.

    وحين نتأمل في ذلك المنهج نجد أنه في القضايا التي لا تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والظروف جاء مفصلاً غاية التفصيل، كما هو الشأن في مسائل العقائد.

    أما ما يختلف باختلاف الزمان والمكان فإن الشريعة السمحاء أرست الأصول، ورسمت الخطوط العريضة، وأعرضت عن التفاصيل والمسائل الجزئية، حتى يظل فيها مجال للاجتهاد والاختلاف، بحسب ما تقتضيه مصالح الناس وحاجاتهم، كما هو الشأن في توجيه المشرع الكريم إلى إقامة العدل، وتحقيق الشورى، وإغاثة الملهوف، فإن لأهل العلم والاختصاص أن يجددوا في الوسائل والأساليب التي تحقق ذلك في إطار الأصول والتوجيهات الشرعية الواردة.

    على هذا فإن المسلم بحاجةٍ حتى يعيش زمانه، وحتى يكون معاصراً إلى أن يستجيب في اهتماماته وسلوكاته ومهاراته لتحديات البيئة المحيطة ومطالبها، في إطار الثوابت التي أرساها المنهج الرباني للشخصية الفاضلة.

    هذا يعني: ألا ننظر إلى اجتهادات السابقين ومقولاتهم في رسم أبعاد المسلم النموذجي أو العبد الصالح على أنها شيءٌ نهائي، وهذا يوجب على أهل العلم والفكر ألا يكفوا عن بلورة القسمات الرئيسية التي يجب أن تتوفر في المسلم النموذجي في عصرهم، وما يقولونه يظل هو الآخر اجتهاداً غير نهائي.

    إلا أنه يمكن القول مع هذا وذاك: إن ما يعد رذيلة في عصرٍ أو مكان، لا يصبح فضيلة في عصرٍ أو مكان آخر، لكن الذي يختلف هو حجم الاهتمام بالشيء الفاضل، وعلى سبيل المثال: فحين تكون البيئة التي يعيش فيها المسلم بيئة ضنكٍ وقلة، وضآلة في فرص الكسب؛ فإن المسلم حتى يكون معاصراً يكون مطالباً بأن يبذل جهداً مضاعفاً في التدرب على مهنة، وفي إدارة الإمكانات القليلة، وفي التعاون مع إخوانه ومواطنيه في درء مخاطر المجاعة والبطالة.

    وحين يجتاح بلداً إسلامياً تيار شهوانيٌ انحلالي فإن الذي يبرز في المعاصرة آنذاك هو السعي إلى إيجاد تيارٍ روحي قوي، يواجه التيار الشهواني.

    وحين يعاني المجتمع المسلم من الشبهات والشكوك في صلاحية الإسلام العامة لتوجيه الحياة، أو في مسلَّمة من مسلَّماته الكبرى، فإن أولوية العمل تعطى آنذاك للفكر والحجة، والبرهان والدليل.

    إن إسراع الموظف إلى الالتحاق بعمله في الوقت المحدد مطلوبٌ في كل حين، لكن حين يكون الموظف عامل إطفاء فإنه يكون للسرعة آنذاك معنىً آخر أشد إلحاحاً.

    1.   

    السمات والمهارات التي تحتل مكانة خاصة في نموذج المسلم المعاصر

    والآن إليك أخي الكريم بعض المفاهيم والسمات والمهارات التي نظن أنها تحتل أهميةً خاصة في نموذج المسلم المعاصر، أسوقها في المفردات السبع الآتية:

    توجيه جميع المناشط نحو الغاية العليا

    أولاً: توجيه جميع المناشط نحو الغاية العليا:

    تؤكد النظرة الإسلامية للإنسان على أهمية توجيه جميع مناشطه في حياته المديدة وجهةً واحدة، كما قال جل وعلا: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:162-163].

    مناشط أوقات الفراغ، ومناشط الترفيه تعزز التوجّه الإيماني لدى المسلم إذا كانت في إطار المباح، واستحضرت صاحبها النية الصالحة عند مباشرتها، وهذا في الحقيقة يضفي على حياة المسلم نوعاً من الانسجام والتماسك، فلا يشعر بأي انفصام أو تناقض بين مناشط تحقيق الذات، والحصول على النجاح، والتفوق الشخصي، وبين مناشط النجاة في الآخرة؛ لأنها جميعاً تهدف إلى شيءٍ واحد هو الفوز برضوان الله تبارك وتعالى، والفارق بينها: أن منها ما هو مباشر، ومنها ما هو غير مباشر، وهكذا فإن المسلم يشعر أن مكاسبه الروحية والنفسية قد تأتي من خلال الصدقة، أو التبسم في وجه أخيه المسلم، كما تأتي من خلال نصحه لشريكه في تجارة، أو من خلال أنشطةٍ رياضية يريد فيها تقوية جسده، حيث المسلم القوي خيرٌ وأحب إلى الله تعالى من المسلم الضعيف، كما قد تأتي من خلال النوم مبكراً، من أجل الاستيقاظ لصلاة الفجر مع الجماعة... إلخ.

    حتى الأحداث غير السارَّة، فإن النظرة إليها على أنها ابتلاءٌ من الله تعالى، وأن عاقبتها خيرٌ له، تجعل المسلم يتلقاها بروحٍ عالية، ونفسٍ مطمئنة، وله ثوابٌ عظيم على الصبر عليها، والتصرف معها بما ينبغي، كما قال عليه الصلاة والسلام: (عجباً لأمر المؤمن كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر؛ فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر؛ فكان خيراً له).

    إن توجيه جميع مناشط الحياة نحو غايةٍ واحدة، وجعلها في إطارٍ واحد، لا يشكل عبئاً كما قد يتوهم المرء في بعض الأحيان، وإنما يشكل مصدراً عظيماً للسعادة والطمأنينة، وإن الخيط النوراني الذي ينتظمها جميعاً يدعِّم ذات المسلم، ويزيد في وضوح رؤيته الشاملة للحياة والأحياء.

    عدم المساومة على المبدأ

    ثانياً: عدم المساومة على المبدأ:

    المغريات بالانحراف، وضغوطات الحياة المتزايدة تدفع المسلم دفعاً إلى التنازل عن بعض مبادئه وقناعاته؛ من أجل الوصول إلى بعض حقوقه، أو تحقيق بعض مصالحه ورغباته، أضف إلى هذا أن كون الدنيا داراً للابتلاء يجعل التضحية ببعض المرغوبات من أجل البقاء داخل دائرة الالتزام أمراً لا مفر منه.

    وإن الذي يحاول أن يحقق جميع ما يريد دون التخلي عن بعض مبادئه هو واهم، إذ في موقفٍ ما، لا بد من التخلي عن أحدهم، وهذا من معاني الابتلاء الكبيرة، حين يخسر الإنسان مصلحة نتيجة الإصرار على مبدأ، أو الوقوف عند حدٍ من حدود الله تعالى، فإنه في الحقيقة يخسر شيئاً، لكنه على المستوى الشعوري وعلى المدى البعيد يُعد رابحاً.

    إن التمسك بالمبدأ في المنشط والمكره هو الذي يمنح حياتنا معنى، ويجعلها تختلف عن حياة الثوائم الذليلة التي تكافح من أجل مجرد البقاء.

    التفوق على الذات

    ثالثاً: التفوق على الذات:

    هذه -أيها الإخوة والأخوات!- قضية في غاية الأهمية، إذ إن في إمكان أشد الناس عجزاً، وأقلهم حيلة، أن يجد من هو أضعف منه ليتغلب عليه ويقهره، ومن السهل على أي إنسانٍ أيضاً أن يكتشف في شخصيته بعض الخصائص التي تمنحه نوعاً من التفوق والتميز، لكن يظل الصعب دائماً والمهم جداً هو التفوق على الذات، والشعور بالتحسن الدائم، والارتقاء المطرد.

    إن التفوق على الذات يعني: أن يوم الإنسان المتفوق خيرٌ من أمسه، وأن غده خيرٌ من يومه، وهذا في الحقيقة غير ممكن على نحوٍ مطلق، لكن يمكن أن يلمسه الإنسان إذا أجرى تقويماً سنوياً لأحواله ومكتسباته.

    وحتى يحدث التقدم المستمر، فإننا نحتاج أولاً: إلى أن نوقن بأن النقص شيءٌ ملازمٌ للبشر، ولذا فإن كل أحوالنا وإنجازاتنا تظل قابلة لنوعٍ من التحسين، والمغرورون والمعجبون بأنفسهم هم الذين يحرمون من التطلع إلى ما هو أفضل، أما العاجزون والكسالى، فإنهم يقنعون أنفسهم بأنه ليس في الإمكان أبدع مما كان، وينظرون إلى الطموحات على أنها مصدر تعاسةٍ وشقاء.

    التغيرات السريعة التي يعيشها العالم اليوم تجعل صلاحية كثيرٍ مما نملك قصيرة، وقصيرة جداً، ولذا فإن الذي لا يتحسن لا يصبح متجمداً فحسب، وإنما يصبح متخلفاً، وإن في قول الله جل وعلا: وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [يوسف:76] حثاً خفياً لنا على دوام الاستزادة من العلم، والنظر إلى ما هو أسمى وأكمل، كما أن فيه إشعاراً بأننا لن نصل إلى النهاية في الارتقاء، وأن الأفق أمامنا سيبقى ممتداً ومفتوحاً..

    الشعور بالتأنق

    رابعاً: الشعور بالتأنق:

    حين نرى إنساناً يتأنق في كلامه وملابسه وأثاث بيته... إلخ، فإنه يترك لدينا انطباعاً بتجاوزه حد الحاجة والضرورة، ودخوله في مرحلة الرفاهية، وهكذا المسلم حين يؤدي واجبه، فإنه يشعر بنوعٍ من الرضا والإنجاز، وحين يقوم بعملٍ زائدٍ عن الحاجة أو الواجب؛ فإنه يشعر بالتأنق، والرفاهية الروحية والنفسية.

    إن المسلم حين يبادر بإلقاء السلام على أخيه المسلم تكون مشاعره مختلفة عن مشاعره حين يرد السلام، حيث إن الأول سنة والثاني واجب، وكذلك مشاعره عند أداء فريضة الصلاة، تختلف عن مشاعره حين يتهجد ويتنفل، كما تختلف أحاسيس الناس حين يأكلون ما يسد الرمق، عن أحاسيسهم عندما يأكلون الفاكهة أو الحلوى.

    القيام بما ليس مفروضاً يعطي المرء إحساساً بالتفوق، والاقتراب من الكمال، وهو إحساسٌ ضروري لتعزيز الثقة بالنفس، وتحصيل نوعٍ من السبق للأقران والنظراء.

    المجتمعات التي تنتج أكثر مما تستهلك تشعر بالتأنق، كما تشعر به الدول التي لديها فضلٌ من طاقة لحل مشكلات الدول الأخرى.

    الفائض الاجتماعي مظهرٌ من مظاهر التأنق، وهو في الوقت نفسه عبارةٌ عن ناتجٍ عظيم للأعمال التطوعية الخيرة التي يقوم بها أبناء المجتمع، وعلى مقدار ذلك الفائض تكون خيرية ذلك المجتمع.

    في الظروف الصعبة تصبح الحاجة ماسة إلى وجود أعداد كبيرة من الرجال الأخيار، الذين يتجاوزون مرحلة الوقوف عند الحقوق والواجبات؛ لينغمسوا في أعمال الخير، والإحسان، والإصلاح، حيث تغمرهم روح المجانية، والعطاء الغير مشروط، ومن خلال أعمالهم المباركة تسد حاجاتٌ كثيرة، وتحل المشكلات المعقدة، ويرتقي أشخاصٌ كثيرون، ويشعر الناس بالأمن والطمأنينة، كما يجدون القدوة التي تسلك بهم سبل النجاح والفلاح، ولم نكن في يومٍ من الأيام أحوج إلى هؤلاء منا في هذه الأيام، حيث تنشر الحضارة الغربية روح الأنانية والأثرة، وحيث ترسِّخ العولمة أخلاق الصفقة، والتي تعني فيما تعنيه أن يبحث المرء عن الشيء الذي سيحصل عليه من وراء الشيء الذي يدفعه.

    السلوك المنطقي

    خامساً: السلوك المنطقي:

    في زماننا هذا تعددت الأعباء، التي أمسى على الواحد منا أن يقوم بها، وصار في الحقيقة في داخل كل واحدٍ منا عددٌ من الشخصيات المخبوءة، فأنت -مثلاً- موظف، ورب أسرة، وعضو في جمعيةٍ خيرية، وتمارس الكتابة، وتطمح إلى أن يكون لك عملٌ تجاري تزيد من خلاله دخلك، كل هذه الأعمال والأنشطة والمهام تحتاج إلى فكرٍ ووقتٍ وجهد.

    إنه لا خيار لك في كثيرٍ مما ذكرناه، لكن حين يختار أحدنا القيام بأعمالٍ إضافية فإن عليه أن يسأل نفسه: هل يستطيع أن ينجح في كل هذه الأعمال، أو أن عليه أن يتخلى عن بعضها؛ لأنه لا يستطيع أن يعطيها حقها، وبالتالي فإنه سيظهر تقصيره أو إخفاقه؟

    الرؤية المنطقية، والسلوك المنطقي، والعرف المنطقي هو الذي يساعد الإنسان على الحكم الصحيح في مثل هذه المسائل، إذا كنت -مثلاً- وكيلاً لمصنوعات فرنسية، فإن المنطق يرشد إلى أن تتعلم اللغة الفرنسية، وإذا كنت مديراً لمستشفى وأنت لست طبيباً فإن من المنطق أن تلم بشيء مما يثير النزاع عادةً بين الأطباء، وما يثير النزاع بينهم وبين المرضى، وأن تعرف شيئاً عن الأنظمة المتعلقة بالكفاءة المهنية للأطباء، والأنظمة المتعلقة بالخطأ الطبي.

    إذا كنت مديراً لمدرسة؛ فإن من عوامل النجاح، ومما يفرضه السلوك المنطقي، أن يكون لديك إلمام بإدارة المؤسسات التربوية، إلى جانب درجة من الاطلاع على سير المديرين الناجحين، بالإضافة إلى نوعٍ من الدربة على فهم المشكلات التي يعاني منها الطلاب، ونوعٍ من الدربة على إصلاح العلاقات بين الأساتذة والطلاب... وهكذا.

    السلوك المنطقي سلوكٌ قائم على فهمٍ جيد للإمكانات الشخصية، والظروف المحيطة، وسلوكٌ قائم على فهمٍ جيد لطبائع الأشياء، وإذا دققنا النظر في كثيرٍ من حالات الإخفاق في شتى مجالات الحياة، فإننا سنجد نوعاً من التجاهل لبعض هذه الأمور أو أكثرها.

    إن السلوك المنطقي يكتسب في كل يوم وظائف حيوية في حياتنا المعاصرة، نظراً لأن العلاقات الإنسانية والتجارية، والتنظيمات الجديدة للمعرفة والتقنية تقوم جميعاً على التسلسل المنطقي، والاعتبارات المنطقية، كما تقوم على البحث عن الأساليب الفنية الملائمة للغايات التي نريد تحقيقها، وقد غدا فهم ذلك والعمل به شرطاً مهماً من شروط العيش في زماننا الصعب.

    الحرص على النجاح مهما يكن صغيراً

    سادساً: الحرص على النجاح مهما يكن صغيراً:

    ليس في هذه الدنيا نجاحٌ نهائي، حيث إن النصر في أية معركة يضعنا في مواجهة معركةٍ جديدة، قد تختلف في متطلباتها لكنها على أي حال تستدعي جهداً جديداً، والوقوف عند أي نجاح مهما كان ضخماً، والتقاعس عن المضي إلى ما بعده هو أول خطوة على طريق الخسارة والتراجع، تلك هي سنة الله جل وعلا في الابتلاء، وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً [الأحزاب:62].

    العمل المقبول عند الله تعالى هو العمل الذي اشتمل على عنصرين أساسيين: عنصر الإخلاص وعنصر الصواب.

    والنجاح في الأعمال الدنيوية مرتبطٌ بالصواب أكثر من ارتباطه بالإخلاص، أما في الأعمال الأخروية فإن الإخلاص أهم.

    إن الإصرار على النجاح خلقٌ مهمٌ جداً لمن يريد العيش في الزمان الصعب، العالم كله متورط في سباقٍ محموم على الاستحواذ على أي شيء.. وكل شيء، ولن يكون من الحكمة تجاهل ذلك، لكن يظل للمسلم رؤيته الخاصة، ومعاييره كذلك الخاصة في الوصول إلى ما يريد.

    الخطوة الأولى في طريق النجاح هي الأهم، إنها بمثابة شرارة الاشتعال الأولى، ثم بعد ذلك يشكل التدرج التراكمي في تحقيق النجاح نوعاً من الدعم المتلاحق لتوجهات المرء، كما أنه يولد الرضا والسرور من خلال العمل، وهكذا فإن النجاح الأول مهما كان صغيراً يمهد الطريق للنجاح الثاني، ولا شيء يغري بالنجاح كالنجاح نفسه.

    إن الناجحين في الحياة لا يشكلون أكثر من (5%) من الناس، والباقون من العاديين وما دون العاديين، مع أن هناك إمكانات ووسائل كثيرة تيسر سبل النجاح، لكن مشكلة الإنسان أنه طالما وقع ضحيةً لقصوره الذاتي، وضحيةً للأوهام والتصورات المشوهة التي تكبل عقله ووجدانه.

    النجاح -أيها الإخوان!- ثمرة الفكر النير، والجهد الوفير، والإمكانات الجيدة، وهو لا يحدث نتيجة امتلاك صاحبه لبعض السمات الخاصة التي يحملها الناجحون عادةً فحسب، وإنما هناك توفيق الله تعالى ومعونته، كما قال الشاعر:

    إذا لم يكن عونٌ من الله للفتـى     فأول ما يقضي عليه اجتهاده

    ولذا لابد من التذلل لله تعالى وطلب الهداية والمعونة منه.

    الرجل الناجح يتوقع لنفسه النجاح، وذلك التوقع يلقي في عقله الباطن على نحوٍ غير ملموس الرؤى والخطط التي تساعده على النجاح، تماماً كما هو شأن الذي يتوقع لنفسه الإخفاق.

    الرجل الناجح يمتلك قدرةً على الإقدام على نوعٍ من المخاطر، إذ إن كثيراً من السكون، والرضا بالقليل من الإنجاز، سببه الخوف من المغامرة.

    نعم. إن من فطنة كل عاقل أن يقلل من نسبة المخاطر التي يمكن أن يتعرض لها، لكن في النهاية لا بد من الإقدام مع وجود بعضها، بل إن طبيعة التشريع الإسلامي في مجال المعاملات توحي بشيءٍ من ذلك، فالله جل وعلا أباح التجارة، مع أنها تنطوي غالباً على درجةٍ من المخاطرة، وحرم الله تعالى الربا الذي ليس فيه في معظم الأحيان أي مخاطرة.

    الإنسان الناجح يبحث عن الفرص؛ لأنه يعلم أنه في أسوأ الظروف، وفي أشد حالات الركود، تبقى هناك مجالات للكسب والنمو، لكن معظم الناس ينتظرون بطريقة أو بأخرى أن تدق الفرص أبوابهم، أما الناجحون فإنهم يتعرضون لها، ويتحسسونها.

    روح الاستقلالية سمةٌ مهمة من سمات الناجحين، إنهم يثقون في أنفسهم، ويمتلكون القدرة على التجاوز، حين يكون الوسط الذي هم فيه متقاعساً خاملاً، أما العاديون فهم يشعرون بالتبعية لغيرهم، ويخافون من القيام بأعمالٍ منفردة.

    الإنسان الناجح يملك القدرة على الاحتمال، وهو بطبعه صابرٌ على بذل تكاليف النجاح، إنه يصبر على بذل الجهد، كما يضبط رغباته، ويسيطر على الزمن فلا يتفلت منه.

    الخلاصة -أيها الإخوان والأخوات!- أن الناجحين هم أشخاصٌ غير عاديين، ولذلك فهم قلة، وأمة الإسلام اليوم لا تشكو من انعدام الكفاءات، وأصحاب الاختصاصات في أي مجال، لكنها تشكو من فقرٍ مخيف في العناصر المتفوقة، والكفاءات النادرة، التي تفتح طرقاً جديدةً للممارسة، وتعثر على حلولٍ ناجحة حين يشعر الأشخاص العاديون بانسداد الآفاق، وانقطاع الحيلة.

    وإني واثق بأن كثيراً من الإخوة الذين يسمعونني الآن قادرون على بلوغ القمة، لو عرفوا قدر أنفسهم، وامتلكوا ما يكفي من الرغبة والإرادة والوعي للحصول على ذلك، فهل من مجرب؟! هل من مجرب؟!!

    الاستفادة من الوقت

    سابعاً: الاستفادة من الوقت:

    حجم استغلال الوقت، والاستفادة منه من أهم العلامات الفارقة بين الأمم المتقدمة، والأمم المتخلفة، وبين الأشخاص الناجحين، والأشخاص العاديين، ويمكن للمرء أن يقول وهو مطمئن: إنه ليس في هذه الحياة ناجحون على نحوٍ واضح لا يهتمون بأوقاتهم، وكيف يمكن للمرء أن ينجح إذا كان لا يستغل أهم مورد يمكن الاستفادة منه في تحقيق النجاح، وقد أقسم الله جل وعلا بالليل، والنهار، والفجر، والعصر، والضحى؛ تذكيراً للناس بنعمة الزمن، وتبياناً لقيمته العظيمة، وفي الحديث الشريف: (نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس: الصحة والفراغ).

    الإحساس بقيمة الزمن يعد أحد المنتجات الحضارية، لذا فإن أمة الإسلام في أيام إقبالها وازدهارها، ضربت أروع الأمثلة في المحافظة على الوقت، والعناية به، وحسن الاستفادة منه، يقول ابن مسعود رضي الله عنه: [ما ندمت على شيء مثل ندمي على يومٍ غربت شمسه نقص فيه أجلي ولم يزدد فيه عملي] وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: [إن الليل والنهار يعملان فيك -أي: يقربانك من أجلك- فاعمل فيهما] وما أجمل اعتبار الحسن البصري الإنسان مساوياً لأيام عمره حين قال: [يا بن آدم! إنما أنت أيام، فإذا ذهب يوم ذهب بعضك] وكان يقول: [أدركت أقواماً كانوا على أوقاتهم أشد منكم حرصاً على دراهمكم ودنانيركم].

    إن الطريقة التي نقضي بها أوقاتنا، هي نتيجةٌ للطريقة التي ننظر بها إلى أوقاتنا، والطريقة التي ننظر بها إلى أوقاتنا مرتبطةٌ بأشياء عديدة منها: تربيتنا، ووعينا بالتحديات المعاصرة، وبأهدافنا في هذه الحياة، وبمدى سيطرتنا على رغباتنا، وصلابة إرادتنا، ورؤيتنا للأولويات.

    1.   

    أسباب ضياع الوقت

    لماذا يضيع الوقت؟

    الوقت المستغل هو الوقت الذي نقضيه في الوفاء بالتزاماتنا الوظيفية والإنتاجية، وكذلك الوقت الذي نقضيه فيما يعد مهماً للبقاء على قيد الحياة، مثل: النوم، والأكل، والرياضة، والعناية بالصحة.

    أما وقت الفراغ فهو الوقت الذي يمضي دون أن نقوم بأي عملٍ مفيدٍ أو مهم، إنه وقتٌ يمضي دون أن نعرف ماذا نصنع به.

    هناك نوعٌ من أوقات الفراغ، يضيع أثناء تأديتنا لأعمالنا، وذلك حين لا نؤدي أعمالنا بطريقةٍ صحيحةٍ وجادة، كما هو شأن كثير من الموظفين.

    إذا تساءلنا: لماذا يضيع الوقت؛ أمكننا أن نعثر على عددٍ من الأسباب، أذكر منها الآتي:

    الكسل

    أ) الكسل: فحينما ينام الإنسان أكثر من ثمان ساعاتٍ في اليوم، أو يتقلب على فراشه تاركاً خلف ظهره المهام التي عليه أن ينجزها، فإن داءه آنذاك هو الكسل، وهبوط الهمة.

    الشعوب المتقدمة تقضي الكثير من أوقات الفراغ في الرياضة، وممارسة الهوايات، وتعلم مهاراتٍ جديدة، أما الشعوب النامية فإن الكثير من أبنائها يقضون الكثير من فراغهم في الجلوس على أبواب بيوتهم، أو في الاستلقاء على فرشهم، أو أمام التلفاز، أو السهر إلى ساعات الفجر الأولى.

    عدم وجود هدف

    ب) عدم وجود هدف سببٌ من أسباب ضياع الوقت، فالحاضر سيتفلت من بين أيدينا ما لم نضبطه من خلال الطموحات، والآمال المستقبلية، والأهداف المنتظرة. المهم دائماً: أن نحدد وقتاً لإنجاز ما نريد إنجازه، وإلا فمن الممكن أن يضيع الكثير من الأوقات، حين نقوم بنقل التنفيذ من يومٍ إلى يوم، ومن شهر إلى شهر.

    إذا كانت أهدافنا متواضعة، لا تشغل سوى جزءٍ من أوقات الفراغ، فإن الوقت سيضيع هدراً، وهذا ما نجده لدى كثيرين، حيث إن البيئة المتخلفة، والأسر المحطمة، تحملان المرء حملاً على جعل أهدافه صغيرة، وطموحاته محدودة.

    ليست مهمة الهدف قاصرةً على شغل الوقت، وإنما المساعدة على القيام بالأعمال المهمة أيضاً، فالهدف الواضح، ذو التوقيت المحدد، يخلصنا من مشكلة الانشغال بالأنشطة الغير مهمة عن الاشتغال بالأنشطة المهمة، حتى إذا أصاب أحدنا الكلل؛ لم يجد العزيمة لإنجاز ما هو أحوج إلى إنجازه.

    سوء التنظيم

    ج) سوء التنظيم: حيث إن الأعمال التافهة التي يمكن أن تبدد الوقت أكثر من أن تحصى، لو أننا نظرنا في أنشطتنا اليومية، لوجدنا أن جزءاً كبيراً منها كان يمكن تفويضه إلى شخصٍ آخر، موظف، أو ابن، أو زوجة، وقسمٌ آخر يمكن حذفه، والاستغناء عنه، أو دمجه في نشاطٍ آخر.

    يذهب كثيرٌ من الوقت في السفر والتنقل، مع أنه يمكن توفيره عن طريق الاتصال بالهاتف، أو إرسال رسالة، أو التسوق بالجملة بدل المفرق .... إلخ.

    تطفل الآخرين وفوضاهم

    د) تطفل الآخرين وفوضاهم: إن مشكلة الواحد منا ليست دائماً ذاتية، وإنما قد يكون مصدرها الآخرين، فمن المألوف في كثيرٍ من البلدان، ولا سيما القرى والأرياف، أن يزور الناس بعضهم بعضاً من غير موعدٍ سابق، كما أن من المألوف أن يكلمك شخصٌ بالهاتف، فيطيل الكلام من غير حاجةٍ أو فائدة، كما أن بعض الأشخاص يظهرون من السماحة، والكرم الذاتي، ما يشجع الآخرين على طرح مشكلاتهم عليهم، وطلب المساعدة منهم، مما يبدد الوقت في كثيرٍ من الأحيان دون أي مردود مكافئ، وهكذا البيئات التي لم تترسخ فيها المفاهيم الحضارية لا تساعد من يعيش فيها على تنظيم وقته، واستغلاله الاستغلال الأمثل.

    1.   

    كيفية التخلص من حال هدر الوقت

    ما الذي يمكن أن نفعله للتخلص من حال هدر الأوقات؟

    يجب أن نقول في البداية: إن الواحد منا مهما أبدى من الكفاءة والألمعية في تنظيم وقته، والاستفادة منه، فإنه لن يستطيع استثماره على نحوٍ تام، فالعنصر الروحي الذي يتمتع به الإنسان يفقده المرونة الكافية للعمل المتواصل، ولذا فإن طبيعة عمله تظل مغايرة لطبيعة عمل الآلة، كما أن الظروف والأحوال المحيطة هي الأخرى تحول دون ذلك، ولذا لا بد إذاً أن نقنع باستثمار نسبي، واستفادةٍ منقوصة.

    والآن إليك بعض المبادئ والآليات التي تساعدنا على الاستفادة من الوقت، والمحافظة عليه، أسوقها في النقاط الآتية:

    تجديد النية والعزيمة للتخلص من حال هدر الوقت

    أولاً: على الواحد منا أن يجدد النية والعزيمة للتخلص من حال الهدر للوقت، ولا سيما تلك الأوقات البرزخية التي تفصل بين أوقات العمل وأوقات الفراغ، وهذا يعني: أن نحاول دائماً تقليل مدة التهيؤ للعمل، وأن نستخدم الصرامة مع أنفسنا في هذا الأمر، وقد لوحظ -مثلاً- أن الرد على هاتف يأتي لأحدنا لا يعطل المرء عن متابعة عمله فحسب، وإنما يضيع عليه أربع دقائق أو خمساً قبل أن يتمكن من العودة إلى ما كان فيه من قبل.

    استخدام الرتابة استخداماً نافعاً

    ثانياً: الرتابة مكروهة؛ لأنها تقتل تفتح الروح والعقل، لكن يمكن أن نستخدم شيئاً منها استخداماً نافعاً في بعض الأحيان، كأن يلزم الإنسان نفسه بأن يخصص بعد الإفطار من كل يوم نصف ساعةٍ للعبادة، أو القراءة، أو المشي، أو قضاء بعض الأشياء المهمة.

    وبعض المشاهير يشعرون أنهم مدينون بشهرتهم إلى الالتزام بأشياء محددة في أوقاتٍ محددة من يومهم.

    وعلى سبيل المثال فإن الالتزام بساعةٍ من كل يوم للقيام بعملٍ محدد يجعل المرء يكسب ثلاثمائة وستين ساعة سنوياً، وهذه المدة كافية لإنجاز أشياء جميلة مثل: حفظ أكثر من عشرة أجزاء من القرآن الكريم .. تعلم أساليب القراءة السريعة .. قراءة أكثر من خمسين كتاباً متوسط الحجم .. تحسين الخط وتخليصه من الأخطاء الإملائية .. زراعة قطعة أرضٍ صغيرة لتموين المنـزل ببعض ما يحتاجه .. تأليف كتابٍ متوسط الحجم .. حضور عددٍ من الدورات .. اكتساب مهارةٍ يدوية واحدة على الأقل.

    عدم الإسراف في إعطاء الوعود للناس

    ثالثاً: من المهم لكل واحد حريص على وقته ألا يسرف في إعطاء الوعود للناس، وأن يعلم أن كل موافقةٍ على موعد، أو القيام بعمل، ربما كان الوفاء به على حساب عملٍ آخر قد يكون أهم وأكثر إلحاحاً، حتى المواعيد البعيدة، فإنها ستقترب وسيكون الوفاء بها واجباً.

    التخطيط الواضح

    رابعاً: الوقت يضيع من غير تخطيطٍ واضح، وسوف يجد المرء نفسه منجذباً إلى عمل الأشياء السهلة وإن كانت غير مهمة، لذا لا بد من الالتزام بأهداف يرجى تحقيقها خلال سنة، وأخرى يرجى الوصول إليها خلال شهر، وأخرى خلال أسبوع، وسيكون من المفيد في هذه الحال أن يخصص المرء عشرين دقيقة في مطلع كل أسبوع، وخمس دقائق في بداية كل يوم من أجل كتابة قائمة بالأعمال التي سيتم إنجازها.

    عدم التركيز على أكثر من عمل في آن واحد

    خامساً: كثيراً ما يذهب الوقت في تجزئة العمل وتشتته، حيث إن كثيراً من الناس يبدءون عملاً، ثم يقفزون إلى غيره قبل إتمامه، ثم يعودون إلى الأول قبل إتمام الثاني وهكذا..

    ولذا فإن النصيحة هنا: أن يحاول الواحد منا ألا يركز اهتمامه في أكثر من عمل في وقتٍ واحد، وإذا بدأ في عمل فلا يتركه حتى ينهيه، وهذا في الحقيقة يحتاج إلى العزيمة والمثابرة.

    التعرف على أوقات قمة النشاط والصفاء الذهني

    سادساً: ليحاول كل واحدٍ منا أن يتعرف على الأوقات التي يكون فيها في قمة نشاطه وصفائه الذهني، والأوقات التي يغلب على ظنه أنه لا يقاطعه فيها أحد، وذلك كي يخصصها للتفكير في المسائل الصعبة، وفي كتابة النصوص الإبداعية، وللقيام بالأعمال التي يخل بها الانقطاع، وأعتقد أن وقت ما قبل الفجر وما بعده من الأوقات الجيدة، حيث يكون الدماغ قد نال حظه من الراحة.

    حمل بعض الأعمال في التنقلات وإلى الأماكن التي يُذهب إليها

    سابعاً: مما يسهم في الاستفادة من الوقت أن يحمل أحدنا بعض أعماله معه إلى الأماكن التي يذهب إليها، فقد يستطيع إنجاز شيءٍ من مهماته وهو ينتظر في دائرةٍ حكومية، أو مستشفى، أو مطار، أو وهو يركب في حافلةٍ أو قطار.

    تنظيم تنقلات الإنسان وتحركاته وأعماله

    ثامناً: تنظيم تنقلات الإنسان وتحركاته وأعماله، عاملٌ مهم في توفير الوقت.

    وهذه بعض الإرشادات التي تساعد في ذلك التنظيم:

    عدم القيام بزيارة أي صديق دون إبلاغه بذلك.

    عدم ترتيب أي رحلة لإنجاز عمل إذا كان في الإمكان إنجاز ذلك العمل عن طريق رسالة أو محادثةٍ هاتفية.

    إذا كان لدى الواحد منا مهام قصيرة، أو مشتريات، فليقم بإعداد قائمةٍ بها تشمل كل البنود، بحيث يقطع أقصر مسافة ممكنة.

    1.   

    صور واقعية لنتائج استغلال الوقت

    يقول حسن : كان لي ابن عم نشأت معه في بيتٍ مجاور لبيتنا، وكان أبوه أكبر من أبي سناً، وهو الذي تولى رعاية أبي بعد وفاة جدي حين كان في السادسة من عمره، وقد كنت أحمل في نفسي مشاعر الامتنان لما صنعه أبوه مع أبي، ولكن الأهم من ذلك هو الامتزاج الروحي الذي كان بيننا إلى درجة أني حين كنت في الخامسة من عمري أجلس على باب دارهم أبكي إذا ذهب ابن عمي إلى زيارة أخواله في القرية المجاورة.

    لقد كنت أشعر كما كان يشعر أننا روحٌ واحد يعيش في جسدين، وبما أننا كنا ندرس في صفٍ واحد؛ فقد كنا نذاكر دروسنا معاً، وكنت أنا وهو من المتفوقين في الدراسة، ولم يكن تفوقنا يحتاج إلى دراسةٍ كثيرة، فالمدرسة في قريتنا حديثة، والطلاب قليلون.

    وحين أصبحنا في المرحلة المتوسطة صرت أحس بنوعٍ من الجفوة من قبله، حيث صار له عالمه الخاص، وصار يعتذر عن استقبالي في بعض الأوقات، وحين فاتحته في الموضوع قال: سأحدثك بصراحة، قلت: هذا ما أريده، قال: جربت نفسي في كتابةٍ قصةٍ قصيرة وقدمتها إلى مدرس اللغة العربية، فأعجب بها إعجاباً شديداً، وقد قدم لي بعض التوجيهات المهمة في الكتابة، ونبهني إلى أن الكاتب الجيد هو في الأصل قارئٌ جيد، وأنني إذا أردت أن أكون كاتباً جيداً فلا بد لي من قراءةٍ مكثفة في مجال الرواية والقصة، وقد أشعل حماستي، وبعث فيَّ روحاً متوثبة حين قال: أملي أن أرى اسمك في يومٍ من الأيام بين أسماء كبار الروائيين في البلد، بل في العالم. ولذا فإني في أمس الحاجة إلى الوقت، حتى أشبع نهمي إلى القراءة والمطالعة.

    وخلال شهور أخذت العلاقات تفتر بيننا إلى أن صارت شبه رسمية، وبنيت صداقاتٍ جديدة مع بعض أبناء الحي، وسار كل واحدٍ منا في طريق، وبعد ثلاث سنوات بدأ ينشر في صحيفة الحائط في الثانوية بعض القصص والمقالات القصيرة، وقد صار كل من يقرأ له مندهشاً من براعته في السرد القصصي، ومندهشاً من نبل المعاني التي كان يحاول تقديمها.

    وحين صار طالباً في الجامعة أجرت معه صحيفة تصدرها الكلية مقابلةً شخصية، شرح فيها أسباب نبوغه، وتقدمه على أقرانه، وكان من جملة ما ركز عليه: استغلال الوقت، حيث قال: أشعر أنني مدين للحكمة التي قرأتها وأنا طالبٌ في الابتدائي، والتي كان منطوقها: "الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك".

    لقد استقر في نفسي أنني من غير إدارةٍ ممتازة للوقت فلن أستطيع أن أقرأ ما تجب عليَّ قراءته، وقد اعتمدت في تعاملي مع وقتي على الركائز الآتية:

    أولاً: الحد الأدنى للمطالعة لا يقل عن ثلاث ساعاتٍ يومياً.

    ثانيا: تأجيل ما يمكن تأجيله من الرحلات والزيارات.

    ثالثاً: عندي وقتٌ في اليوم لا أستقبل فيه أحداً.

    رابعاً: أعامل الوقت على أنه أغلى من المال، وأضحي بالمال من أجله.

    خامساً: عندي دائماً أشياء صغيرة أنجزها في أوقات الفراغ القصيرة.

    سادساً: إذا حضرت مجلساً لواحدٍ من أهل العلم كان في جعبتي موضوعاً للحوار، أستفيد من علمه ورأيه فيه.

    سابعاً: لا أضع رأسي على وسادتي إلا حين أشعر أن النوم أخذ يغلبني.

    قال حسن : وذكر ابن عمي أشياء أخرى لا تحضرني الآن، وبعد مرور عشرين سنة من اختلاف طريقنا نال ابن عمي جائزة الدولة التقديرية لأحسن كاتب روايةٍ في البلد، وصارت قصصه تباع في كل مكان، وترجم بعض رواياته إلى بعض اللغات، وصار معروفاً أنه من أحسن الروائيين الذين استطاعوا تعميق معاني الفضيلة من خلال أعمالهم الأدبية. أما أنا فقد وجدت نفسي مدرساً مغموراً في الرياضيات لا يكاد يعرفني غير أهل قريتي.

    قد صرنا -أيها الإخوان!- في زمان كثير التكاليف، كثير التغيرات، وإن المسلم مطالبٌ اليوم أن يتعامل مع الوقت من خلال الدقائق والثواني، وليس من خلال الأيام والشهور، وسيخسر كثيراً أولئك الذين لا ينتبهون لهذا المعنى، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

    1.   

    القضايا العقلية والفكرية التي يتطلب العيش في الزمان الصعب نوعاً من البصيرة فيها

    المحور الثاني وقد وعدنا أن نتحدث فيه عن بعض القضايا العقلية والفكرية التي يتطلب العيش في الزمان الصعب نوعاً من البصيرة فيها، وسأحاول الاختصار في الحديث عنها قدر الإمكان.

    الحقيقة -أيها الإخوان!- أن العقل البشري نعمةٌ من أجل النعم التي امتن الله جل وعلا بها على بني الإنسان، ولهذا العقل قدراتٍ خارقة هي أكبر مما يُظن، وهو أشبه بعملاقٍ نائم، وتُظهر الدراسات النفسية والتربوية، وأبحاث الكيمياء والفيزياء والرياضيات، أن ما تم استخدامه من إمكانات العقل الهائلة لا يزيد على (1%) من إمكاناته الحقيقية.

    ولا بد كي نعيش عصرنا الصعب من أن ندرك اتجاهاته الفكرية، ومزاجه العقلي على النحو الصحيح، حتى نبصر مواقع أقدامنا، ونعرف كيف نستفيد من الفرص المتاحة، وكيف نواجه التحديات الموجودة.

    في العالم اليوم -أيها الإخوان!- توجهٌ شامل نحو اختصار الأعمال البدنية لصالح التركيز في الأعمال الذهنية والمعرفية، وقد صار مطلوباً من المسلم المعاصر أن يتعلم استخدام ملكاته العقلية بأعلى كفاءةٍ ممكنة، وأن يمتلك المفاهيم التي تساعده على تحسين إنتاجيته، وفهم الظروف المحيطة به، على نحو جيد، ولن أستطيع هنا أن أستعرض كل الأشياء المهمة في هذا المحور، فهي في الحقيقة كثيرة جداً، وإنما سأقتصر على ذكر جانبين مهمين:

    الأول: يتعلق بتحرير عقولنا من بعض أنماط التفكير الخاطئة.

    أما الثاني: فأعرض فيه لبعض المفاهيم والأفكار الإيجابية التي نحتاج إليها في فهم زماننا والتكيف معه.

    1.   

    تحرير العقول من بعض أنماط التفكير الخاطئ

    وأود في الجانب الأول أن أعرض للنقاط الأربع الآتية:

    الإيمان بأن التفكير الصحيح ليس سهلاً

    أولاً: أن منطلق حرصنا على التخلص من التفكير المعوج يكمن في إيماننا بأن التفكير المستقيم والصحيح ليس سهلاً، ولا متاحاً دائماً، حتى الذين يعلنون ولاءهم للمنهج العقلاني لا يملكون أي ضمانة لخلو تفكيرهم من التحيز، أو المبالغة، أو الخروج على المنطق.

    ولا أريد هنا شرح أسباب ذلك، لكني أقول: إن المشكلات التي نواجهها في الحياة تزداد كماً وكيفاً، لا بسبب تعقد أساليب العيش فحسب، وإنما لأن النمو جزءٌ من طبيعة المشكلات، ولن نستطيع أن نحل مشكلاتنا المختلفة، إذا لم نعالج طرق التفكير لدينا، ما دامت هي التي سنستخدمها في فهم كل شيء.

    ولست أبالغ إذا قلت: إن الأسس العميقة لكل مشكلات أمة الإسلام تقبع في عقولها ونفوسها، وإن عليها أن تضرب على الجذور لتلك المشكلات، فضربةٌ واحدةٌ على الجذور خيرٌ من مائة ضربة على الأغصان.

    إنسان القرن الحادي والعشرين مع أنه يتحدث باستفاضةٍ مملة عن العولمة، والقرية الكونية، وتلاقي الثقافات، إلا أنه غير قادر على تغيير أنماط تفكيره القديمة، فهناك انجذابٌ هائل نحو الإقليمية، والطائفية، والعنصرية، أي: هناك انسحاب من عالمية الرؤية، والثقافة، والموقف، والإحساس المشترك، في الوقت الذي تتسع فيه عالمية التجارة، ويتسايل انتقال المعلومات والأشياء.

    وهذه الأمراض تتبدى في مواقف كثيرة، لكن تظل مستورة بقشرةٍ رقيقة من قشور الحضارة، ولا ينفضح أمرها إلا في الأزمات العالمية الكبرى.

    الإدراك الموضوعي للعصر

    ثانياً: لا نستطيع أن نعيش عصرنا على الوجه المطلوب، إلا إذا أدركناه إدراكاً موضوعياً، والإدراك الموضوعي يعني: أننا نستطيع أن نرى الأشياء كما هي عليه، من غير تضخيمٍ ولا تقزيم، وهذا ليس بالأمر اليسير.

    من الأمور التي تشوه رؤيتنا للواقع: المبالغة في فهم الأمور، وفي تقدير الأحداث والأشياء، وهي من الأمراض المزمنة، والمستعصية.

    والمبالغة من الأمراض الواسعة الانتشار في كل زمانٍ ومكان، وجذورها عديدة، منها ما هو نفسي، ومنها ما هو فكري. فالإدراك القاصر، وضعف المحاكمة العقلية، والجهل بسنن الله تعالى في الخلق، مما يدفع إلى المبالغة والتزيد تماماً، كما تدفع إليها الأهواء والرغبات الجامحة، والأمراض النفسية، والانطباعات الخاطئة.

    وتجليات المبالغة في الحقيقة كبيرة، أذكر منها الآتي:

    بعض الناس يميل إلى تضخيم كل الأشياء؛ لتبدو وكأنها مجموعة كوارث، فأي ألمٍ مفاجئ يصيب الواحد منهم هو دليل على وجود مرضٍ خطير، وأي خطأٍ يقع فيه يمكن أن يؤدي إلى فصله من وظيفته. وفي الناس من ينجذب إلى تعميم الافتراض، فلأن شيئاً ما قد وقع، في ظرفٍ ما، فإنه سيقع دائماً، فإذا نسي موظفٌ عنده تنفيذ أحد طلباته قال له: إنك تنسى دائماً ما أطلبه منك، وإذا تبين له أن إحدى الجرائد نشرت خبراً كاذباً في يومٍ من الأيام حكم بأن تلك الجريدة لا تصدق أبداً ... وهكذا وهكذا.

    تتجلى المبالغة أحياناً في إعطاء الأحداث سلبية أكبر مما تستحقه، مع التقليل في الوقت نفسه من قيمة الأمور الإيجابية، فإذا رسب في اختبار لنيل رخصة قيادة حكم على نفسه بالغباء؛ لأنه يرى أن النجاح في اختبارٍ كهذا سهلٌ على كل الأشخاص الأسوياء، وإذا أثنى عليه شخص في أمرٍ من الأمور، فسر ذلك بأنه مجاملةٌ منه كي يرفع معنوياته، وإذا نجح في أمرٍ من الأمور عد ذلك من باب الحظ أو المصادفة، أي لأسبابٍ لا تعود إلى اجتهاده وعمله.

    إن هذا الصنف من الناس يمارس عملية تعذيبٍ للنفس من غير أي مسوغ.

    تتجسد المبالغة أحياناً في صورة قراءة لما في عقول الناس، حيث يعتقد بعض الأشخاص أنه يملك شفافيةً خاصة لما يدور في أذهان الآخرين، وما تنطوي عليه سرائرهم، فإذا حدث أن توجهت إليه شركة من الشركات بسؤالٍ عن قضية ما ظن أنها سألته؛ لأنها لم تعثر على شخصٍ آخر في إمكانه أن يجيب على أسئلتها.

    وإذا واجه مشكلة ولم يتدخل فيها أحدٌ من أصدقائه، فليس ذلك بسبب رعايتهم لخصوصياته ومشاعره، وإنما بسبب إهمالهم له، أو شماتتهم به، وإذا نصحه شخصٌ بنصيحة فليس ذلك بقصد إصلاحه، وإنما بقصد تحطيمه أمام نفسه.

    تأخذ المبالغة في بعض الأحيان شكلاً من أشكال عدم الاتزان، وانعدام الرؤية الواضحة، فكم رأيت ورأيتم من أشخاص يتحولون من النقيض إلى نقيضه بسرعة البرق، فبسبب كلمةٍ أو حركة أو موقف يصبح مشروع ما مشروع العمر كله، ويمكن أن يصبح الصديق الحميم عدواً لدوداً، وتجد هذا في تعبيراتهم، وطالما سمعنا من يقول: إذا فعلت كذا؛ فعليك أن تعتبر صداقة العشرين سنة الماضية منتهية، ومنهم من يقول: خطأٌ واحد يفسد الأمر كله، ومنهم من يقول: إذا لم أستطع تصحيح هذا الأمر فسأتوقف عنه كلياً.

    هذه الرؤية للأشياء تجلب لأصحابها الكثير من المآسي، وتحجب عنهم الكثير من الخير، وحين ندقق في تفاصيل حياتنا اليومية؛ نجد أنه من السهل على الواحد منا أن يقع في شباك المبالغة دون أن يدري.

    ولذا لابد -أيها الإخوان!- من الحذر والانتباه.

    المرونة الذهنية

    ثالثاً: يعاني كثيرٌ من الناس مما يمكن أن نسميه: التصلب الفكري، ولعلي أبادر إلى القول: إن لدى كل واحدٍ منا درجةً من التصلب الفكري، وذلك يعود إلى عددٍ من الأسباب أهمها: أن الواحد منا لا يستطيع أن يعثر على نحو مستمر على الحواجز التي يمكن أن يقيمها بين التصلب الممدوح الذي يتمثل في التمسك بالعقائد والمبادئ والمفاهيم الكبرى، وبين التصلب المذموم الذي يتولد من النقص في الثقافة، والمعرفة بطبائع الأشياء، ومن النقص في المرونة الفكرية، ومن اعتناق بعض المفاهيم الخاطئة، التي تجعل المرء فاقداً للرشد الفكري.

    عصرنا هذا هو عصر التعقيد الشديد، ومن الصعب فهمه والاستجابة لتحدياته من غير مرونةٍ ذهنية، وفكرية شديدة، ويبدو أن الحياة تتعقد على نحو أسرع بكثير من التطور الذي يحدث في نظم التفكير لدينا، مما يجعلنا نبدو دائماً في حالة تخبطٍ وارتباك ونحن نحاول فهم حقيقة ما يجري.

    لعل من أهم سمات صاحب الفكر المتصلب ما يلي:

    صاحب الفكر المتصلب شديد الجمود على أفكاره، وهو غير قادر على التخلي عنها حتى لو بدا له خطؤها، على حين أن صاحب الفكر المرن يذعن للحق، ويتشوق إلى معرفة الجديد، سواءٌ أكان موافقاً لما يرى أم مخالفاً له.

    اللغة التي يستخدمها صاحب الفكر المتصلب تميل إلى المغالاة والقطعية، فهو يستخدم جملاً من نحو: أنا لا يمكن أن أتفق مع فلان .. أنا لا أقول ذلك أبداً .. كلامك لا يمكن التساهل في شأنه .. كل شخصٍ جاهل سيئ ... وهكذا.

    يعطيك صاحب الفكر المتصلب انطباعاً بأن لديه جواباً لكل سؤال، والسبب في ذلك أن ممارسته للمشاركة في التحدث قائمةٌ على عددٍ قليل من المبادئ والمفاهيم الجاهزة والمحددة، فهو يحفظها عن ظهر قلب، ويسارع إلى استخدامها في محاوراته، وليس عنده أي مشكلة نحو الآثار التي تترتب على عدم صوابها. إنه موقنٌ بها وليس بحاجة إلى سماع رأي الآخرين فيها.

    ولهذا فإنه لا يعير اهتماماً لمسألة البحث عن بدائل أكثر نفعاً، وأقل تكلفة، وهو مستعد لتحمل المشاق إلى ما لا نهاية، حيث لا يخطر في باله أن ثمة مخرجاً مما هو فيه.

    إن المتصلبين فكرياً لا يفيقون عادةً إلا من خلال الصدمات العنيفة، ولكن المشكلة أننا قد لا نجد في كل وقت الأحداث التي توفر تلك الصدمات.

    توسيع مساحة الوعي

    رابعاً: في اعتقادي أن من أخطر المشكلات الفكرية التي تواجه المسلم في زماننا الصعب ما يمكن أن نسميه بقصور المفاهيم، حيث إن كل الأبنية الحضارية تقوم في الأصل على ما لدينا من رؤى، ومفاهيم، وأفكارٍ، وانطباعات، عن الحياة والأحياء، وعلى مقدار امتداد مفاهيمنا، وارتقائها، وتعقدها، ودخولها في الأمور التفصيلية؛ تتسع مساحة الوعي، وباتساعها نؤسس لشموخ البناء الحضاري، وترسيخ أركانه، وقد صار في إمكاننا أن نتخذ من نوعية المفاهيم التي يحملها شخصٌ ما؛ مقياساً على التقدم والارتقاء لديه، كما يمكن أن نتخذ من قصور المفاهيم، وتدني درجة الاهتمامات؛ مقياساً على التخلف، وسوء الأحوال.

    1.   

    أمثلة توضيحية لمشكلة قصور المفاهيم

    وسأشرح هذه الفكرة من خلال الأمثلة الثلاثة الآتية:

    قصور مفهوم الالتزام

    أولاً: الالتزام:

    نحن نعرف أن من نطق بالشهادتين معتقداً بهما، مع خلو أقواله وأفعاله مما ينقضهما دخل في حظيرة الإسلام، ولو قصَّر في كثيرٍ من الأعمال، أو ارتكب كثيراً من المخالفات.

    ويكون مفهوم من يفعل ذلك عن التدين في حيز الحد الأدنى، أي يكون على هامش الالتزام، والسبيل أمامه للارتقاء بتدينه ليكون في زمرة المسلمين الصالحين هو توسيع مفهومه للتدين الحق، حيث يتحسن شعوره باطلاع الله جل وعلا عليه، كما يتحسن إحساسه بقربه منه، ومنته عليه، ورعايته له، فيجد نفسه مغموراً بفضله، متوجساً من عقوبته، مما يدفعه إلى الالتزام بالفرائض، والتقرب إلى الله تعالى بالنوافل، إلى جانب الابتعاد عن الكبائر، وتحاشي الصغائر قدر الإمكان.

    يبلغ المسلم ذروة الالتزام حين يحمل مفهوماً يملي عليه ضرورة أن يجعل عقيدته ومبادئه مهيمنةً على هواه ورغباته، وسلوكه وعلاقاته، حيث يتسع مفهوم التدين لديه، ليشمل كل جوانب حياته.

    وإذا نظرنا في حياة المسلمين اليوم؛ وجدنا أن أكثرهم يفهم التدين فهماً منقوصاً ناقصاً قاصراً أو مشوهاً.

    هناك كثيرٌ من المسلمين الذين يحرصون على أداء الفرائض لا يأبهون كثيراً للوقوع في المعاصي، مع أن صلابة التدين تظهر أكثر ما تظهر في الكف عن المحرمات، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم).

    ومن المسلمين من يدعي أن الدين هو المعاملة المالية الجيدة، فهو يظن أنه إذا أدى حقوق الناس وأحسن إليهم فاز ونجى، مهما قصر في العبادات، ومهما فعل من الخطايا، وحين تقابل هذا الصنف من العباد؛ تظن أنهم لم يقرءوا القرآن أبداً.

    ومن المسلمين من يدعي أن الدين هو الأخلاق الفاضلة، فإذا كان حسن الأخلاق كان متديناً حقاً، وإن كانت ذمته مشغولة بالكثير من حقوق الله تعالى.

    وهناك -مع الأسف الشديد- من يحرص على نجاح ابنه وتفوقه أكثر بكثير من حرصه على أدائه للصلوات، أو لزومه للعفة والسلوك القويم.

    وهناك في المسلمين من يصلي في رمضان ولا يصلي في غيره.

    وهناك من إذا أمرته بمعروف أو نهيته عن منكر، لم يقبل منك ذلك، وإنما يزجرك وينهرك؛ لأنك في رأيه قد تدخلت فيما لا يعنيك.

    هذه الأشكال من القصور في فهم التدين الحق، والالتزام الصحيح كانت تشكل على مدار التاريخ عوامل ضعف في أمة الإسلام، كما كانت تجعل المفارقة كبيرة بين التدين الموجود والتدين المطلوب، ولا حل لهذا سوى التركيز وبكل الوسائل على تفقيه الناس في أمور دينهم، من غير غلوٍ ولا تساهل، وإن الصرح الفقهي الذي شيده المسلمون هو في الحقيقة وبكل المقاييس مدعاةٌ لافتخار كل مسلم.

    قصور مفهوم المعرفة

    المثال الثاني على قصور المفاهيم: هو المعرفة، يتعلم من أنهى المرحلة الابتدائية أساسيات القراءة والكتابة، ويرى نفسه في صورة الإنسان المتعلم، وتتشكل لديه مفاهيم المعرفة الكتابية، وإن ارتقاءه في سلم العلم متوقف على تغير مفاهيمه عنه.

    في العالم الإسلامي -أيها الإخوان!- أمية واسعة الانتشار، تزيد في المتوسط على (40%) من عدد السكان، وكثيرٌ ممن يقرأ ويكتب هم أشبه بالأميين؛ لأنهم من الناحية العملية لا يقرءون ولا يكتبون إلا في أضيق نطاق.

    ولهذا فإن موقفنا في صناعة المعرفة، والفكر والمعلومات، متأخرٌ جداً عن مواقع كثيرٍ من الأمم، ومعظم الناس لدينا غير قادرين على توسيع رؤيتهم للأهمية المتزايدة التي تكتسبها المعرفة، ولذا فإن اهتمامهم بالكتاب، والدرس والبحث، والإبداع والاختراع، والمعطيات العلمية هامشيٌ وعابر، والدليل على ذلك أن الأسر التي تخصص جزءاً ولو ضئيلاً من ميزانيتها الشهرية لاكتساب المزيد من العلم هي أسرٌ قليلة جداً، قد لا تصل في معظم المجتمعات الإسلامية إلى (2%) ومعظم الناس يشكون من أنهم لا يجدون الوقت للقراءة، كما لا يجدون المال لشراء الكتاب، وفي معظم الحالات لا يكون كلامهم صحيحاً.

    والسبب الجوهري -في نظري- أنهم لم يدركوا ما تولده المعرفة والبحث من المتع الروحية، ومن التدعيم للشخصية، والتغيير في نوعية الحياة، وتهيئة الفرص للارتقاء الأدبي والمادي، وحرمانهم من هذا الإدراك هو ثمرةٌ طبيعية لأوضاع التخلف التي يعيشون فيها، إذ إن من المعروف أن التخلف يقطع شهية الناس للتساؤل، ويمدهم بأجوبةٍ وهمية، ويجعلهم بالتالي يشعرون بالتشبع المعرفي الكاذب، ويصبحون كمن يتجشأ من غير شبع.

    قصور مفهوم النجاح

    المثال الثالث على قصور المفاهيم: النجاح.

    مفهوم النجاح والفوز من المفاهيم المهمة في الحياة؛ لأن تحقيق الذات، والشعور بالأمن، كثيراً ما يتوقفان عليه، هذا المفهوم هو الآخر من المفاهيم التي اختلطت فيها الرؤية، وكثر فيها التحريف.

    إن الغرب الذي يقود الحضارة اليوم يعد النجاح والتفوق أهم ما قدمه للبشرية، وبالتالي فإن هذا المفهوم تتسع مساحته باستمرار ليهيمن أكثر فأكثر على كل الأنشطة والإنجازات، والعلاقات المعاصرة. وما دامت الحضارة الغربية تساوي إلى حدٍ بعيد بين القيمة الشخصية للإنسان، وبين الثروة المادية؛ فإن مفهوم النجاح يتخلص من كل دلالاته وإيحاءاته، ليتمحض للدلالة على النجاح الدنيوي، والذي كثيراً ما صار يُفهم على أنه امتلاك المال والنفوذ، والشهرة والسيطرة، بأوسع ما تدل عليه هذه الكلمات من معنى.

    ويمكن أن نحصر القصور والتشويه الذي أصاب هذا المفهوم لدى الإنسان المسلم في أمرين مهمين:

    الأول: طبيعة النجاح.

    والثاني: تفسير النجاح، أو معرفة شروطه.

    لو أننا تأملنا في نظرة كثيرٍ من الناس للإنسان الناجح؛ لوجدنا أنهم يعدون ناجحاً كل من استطاع أن يتفوق على أقرانه، ويحقق أكبر قدرٍ ممكن من الثروة، وأوسع قدرٍ ممكن من العلاقات العامة، وأقوى قدرٍ ممكن من الجاذبية الشخصية، وصار الناس اليوم يتغاضون على نحوٍ متزايد عن التجاوزات والمخالفات التي ارتكبت في سبيل الوصول إلى ذلك النجاح.

    وهذا -في نظري- تشويهٌ بالغ الخطورة على المدى البعيد، إذ إن التحفيز على النجاح، والاستقلال الشخصي المجرد من القيم، والمعزول عن التدعيم الأخلاقي المستمر، قد يدفع بالناشئة نحو اللصوصية والرشوة والجريمة.

    والرؤية الإسلامية في هذه القضية واضحةٌ إلى حد التألق، وهي بسيطةٌ جداً، وموجز تلك الرؤية: هو أن كل نجاحٍ دنيوي لا يتصل بالنجاح الأخروي، ويساعد على تعزيزه هو نجاحٌ مؤقت وصغير، وكل نجاحٍ لا يتم بطرقٍ مشروعة ليس بنجاح، وعاقبته العاجلة خسارةٌ فادحةٌ في الدنيا على صعيد الشخصية، حيث يؤجج في نفس صاحبه عاصفةً من المشاعر المتناقضة، وعاقبته المؤجلة خذلانٌ كبيرٌ في الآخرة، يوم يأخذ الله الظالمين أخذ عزيزٍ مقتدر، ويوم يعود لكل ذي حقٍ حقه.

    القصور الثاني في هذا المفهوم -مفهوم النجاح- يكتنف الشروط التي يجب توفرها لتحقيق النجاح، وللناس في هذا رؤى متعددة ومتفاوتة، لا يخلو أكثرها من الوهم والتخليط.

    كثيرون أولئك الذين يعتقدون أن النجاح شيءٌ مطابق للإبداع، أو مطابقٌ للذكاء العالي، ومع أن بينهما علاقةً ما، إلا أن الصحيح أن هناك من يحمل سمات العبقرية، لكنه أخفق في بناء أسرة، أو تكوين ثروة، أو مقاومة شهوةٍ جامحة، وهناك في مقابل هذا ناجحون كثيرون مع أن ذكاءهم متوسط، وحين نتأمل فيما يدور في مجالس السمر؛ نجد أن كثيراً من الناس يفسرون تفوق فلان بأنه من أسرةٍ متعلمة، أو غنية، أو أنه تخرج في جامعة ممتازة، أو أنه حظي بعنايةٍ خاصة من قبل جهةٍ من الجهات... إلخ.

    ومع أن هذه الأشياء كثيراً ما تشكل أسباباً قوية لنجاح بعض الناس، فإننا قد شاهدنا الكثير الكثير من الناس الناجحين الذين صاروا أعلاماً دون أن يتوفر لهم أي شيءٍ من هذا، وذلك يعني: أن تفسيرات الناس للنجاح بالأمور التي ذكرناها هي تفسيراتٌ محتملة، قد تكون صحيحة وقد تكون خاطئة، والذي دل عليه الاستقراء والاستقصاء الواسع أن أهم أسباب النجاح لدى معظم الناجحين هو ما يحملونه من مفاهيم، ودوافع، وقيم، واهتمامات، وعاداتٍ إيجابية وفعالة، وقد أشرنا إلى كثيرٍ منها عند حديثنا عن نموذج المسلم المعاصر.

    السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو: كيف نستطيع توسيع مدى المفاهيم الأكثر حيوية في حياة الأمة؟ وكيف نستطيع تصحيح ما فهم منه على وجهٍ مغلوط؟

    هذا سؤال على كل واحدٍ منا أن يبحث عن إجابةٍ شافية له.

    1.   

    الأفكار والرؤى التي يحتاجها المسلم الذي يعيش في الزمن الصعب

    أما الآن فقد حان وقت الحديث عن بعض الأفكار والرؤى والمفاهيم التي يحتاجها المسلم الذي يعيش في زماننا الصعب، وسأحصر الحديث عنها في النقاط الأربع الآتية:

    خدمة الحقيقة

    أولاً: خدمة الحقيقة:

    هذه القضية من القضايا الكبرى في التصور الإسلامي، فالسعي لمعرفة الحق، والالتزام به، والاعتراف بالحقيقة، والإذعان لها، والتصرف على أساسها، كل هذه المعاني مما يدخل في صلب الإيمان، وفي صلب التشكيل الذهني للإنسان المسلم، والذي ينظر في النصوص الإسلامية عامة؛ يجد إضاءات مدهشة، وتنبيهاتٍ كثيرة حول هذه القضية الخطيرة.

    إن القرآن الكريم يوضح لنا أن مسألة وضوح الحق من المسائل التي اهتم بها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على مدار التاريخ، وأن رسالات الأنبياء كانت دائماً تؤكد على الالتزام بالحق، والوقوف إلى جانبه مهما كانت التكاليف.

    ونحن لا نعرف أمةً من أمم الأرض حرصت على الوصول إلى الحق والحقيقة، وعملت في سبيل ذلك مثلما عملت أمة الإسلام، حيث أقام علماؤنا الأقدمون علوماً كاملة من أجل ذلك، مثل: علم الجرح والتعديل، وعلم الرجال، وقواعد مصطلح الحديث، وذلك من أجل التأكد من أن الحديث المروي هو كلامه صلى الله عليه وسلم.

    ووضع علماء المسلمين علماً كاملاً ومتقدماً جداً بمقاييس ذلك الزمان، وهو: علم أصول الفقه، من أجل بلورة قواعد لتفسير النصوص الإسلامية، وفهمها، وقد أمر الله جل وعلا بني إسرائيل بأن يجعلوا الحق متمايزاً عن الباطل؛ حتى لا تضيع معالمه، وتندرس رسومه، كما أمرهم بإظهاره لتستقيم حياتهم عليه، يقول الله جل وعلا: وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:42].

    ويوضح لنا القرآن الكريم أن الهوى هو العدو الأكبر للحق، وأن من الناس من لا يقيم وزناً للحق، فهم يتبعون الحق إذا حقق مصالحهم، ويعدلون عنه إذا خالف رغباتهم وشهواتهم، يقول الله جل وعلا: وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ [النور:48-49].

    وحذر الله جل وعلا نبيه من اتباع أهواء الكافرين، وترْك ما أوحي إليه، فقال سبحانه: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ [البقرة:145].

    وذكر القرآن الكريم أن من أهم صفات الناجين من الخسران من بني البشر، أنهم يتحاضون ويتعاضدون على اتباع الحق، والاستمساك به، حيث قال سبحانه: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:1-3].

    في زماننا كثر الإعراض عن الحق، وكثر تلبيسه بالباطل، والتحايل عليه، كما كثر الكذب، والالتفاف على الحقيقة وطمسها، مما يوجب على المسلم أن يحذر أشد الحذر من الانسياق والانجراف مع أولئك الذين أعمت أهواؤهم ومصالحهم الضيقة والفانية أبصارهم وبصائرهم عن إدراك الحقيقة، والتفاعل معها وخدمتها.

    المسلم حين يعترف بالحقيقة ويخدمها ينفع نفسه، إذ يقوم لله تعالى بالقسط، وإذ يكون صادقاً مع نفسه، حيث يتخلص من خداع الذات، وخداع الآخرين، وهو إلى جانب ذلك يمتلك وضوح الرؤية، فيرى الأمور على ما هي عليه من غير زخرفةٍ ولا تزيين.

    إن خدمة الحقيقة -أيها الإخوان!- هي خدمةٌ شاقةٌ وصعبة، على مقدار ما هي راقيةٌ وسامية، وهي تحتاج إلى شفافية بمقدار ما تحتاجه من صبرٍ ومجاهدةٍ وإنصاف.

    إن خدمة الحقيقة تتجلى في أمورٍ كثيرة، أذكر منها الآتي:

    أ) الاعتراف بالجهل، وأن ما لا ندريه عن زماننا هو أكثر بكثير مما ندريه، وهذا يجعلنا نتواضع ونتخلص من الغرور، كما أن الاعتراف بالجهل يمهد لنا الطريق لنتعلم من غيرنا، ونطلع على أكبر قدرٍ ممكن من الحقائق، ومن الواضح أن القاسم المشترك بين كثيرٍ من الشعوب النامية، أنها لا تجد لدى غيرها ما تتعلمه، أو لا تعرف طريقةً جيدة للتعلم مما لدى الآخرين.

    ب) كثيراً ما تستلزم خدمة الحقيقة الكف عن توليد المعاذير، والحجج الواهية، التي لا نتمكن من إقناع أنفسنا بها، فضلاً عن إقناع الآخرين.

    وقد كان الاعتذار قديماً فناً من فنون الشعر، وأصبح اليوم لدى كثيرٍ من الناس فناً من فنون الحياة.

    ويترتب بشكل آلي على التقليل من الاعتذار تحسن وضع الاعتراف بالحقيقة، ووضع التعامل معها، حيث يتحسن وضع المكاشفة والمصارحة، والنقد الذاتي والاجتماعي.

    ج) تقتضي خدمة الحقيقة في بعض الأحيان أن نضع النقاط فوق الحروف، ونسمي الأشياء بأسمائها، ونلبسها لبوسها الحقيقي، فلا نخلط مثلاً بين القدرة والإرادة، إذ إن من المشاهد أن كثيرين منا يقولون: نحن لا نستطيع أن نفعل كذا، ونحن لا نقدر أن نترك كذا وكذا، وهم في الحقيقة يستطيعون، لكنهم لا يريدون، وقد علمتنا التجربة أن المرء حين تكون أهدافه غامضة، أو إرادته مشلولة؛ فإنه لا يرى حينئذٍ إلا العقبات والصعاب.

    د) من تجسيدات خدمة الحقيقة أن نحاول التعبير عنها بأدق عبارةٍ ممكنة، بعيداً عن التقزيم والتهويل، والإيهام والتحيز، واللعب بالألفاظ، والمتاجرة بالشعارات، وليس ذلك بالأمر اليسير والمتاح دائماً.

    إن خدمة الحقيقة -أيها الإخوة!- تعني الاقتراب من معرفة النفس، ومعرفة الحق، ومعرفة الواقع، ومعرفة المطلوب، وهذه أشياء مهمة جداً لاستقامة حياتنا المعاصرة.

    معالجة الإدراك

    ثانياً: معالجة الإدراك:

    الأحداث السارة، والأحداث المحزنة والسيئة، عندما تتوالى على المرء؛ تولد لديه انطباعاً عن نفسه يتناسب معها، فالنجاح المتوالي يوجد حالةً نفسية تظلل جميع حياة الفرد، وتجعله يعتقد أنه ناجحٌ فعلاً، وهذا الاعتقاد يولد لديه عدداً من الصور الإدراكية التي تدعم ذلك، وتدلل عليه، فتزيد جرأة الإنسان على اقتحام الصعاب، وتتحسن ثقته بنفسه، ويشعر أنه أهل لتحمل المسئوليات الكبيرة.

    ويحدث العكس من هذا عندما تتوالى حالات الإخفاق على الواحد منا.

    وفي كلتا الحالتين تبدو الصورة التي نكونها عن أنفسنا، وكأنها الصورة الوحيدة والدقيقة والصحيحة، والأمر في الحقيقة ليس كذلك، في حالتي النجاح والإخفاق.

    مهمة العلاج الإدراكي أن يساعدنا عل تغيير الصورة التي كونّاها عن أنفسنا، من خلال سعي الواحد منا إلى تكوين رؤيةٍ أشمل عن أحواله وأوضاعه، وهذا العلاج لا يهدف إلى تحسين حالاتنا العقلية والشعورية فحسب، وإنما يهدف قبل ذلك إلى امتلاك موقفٍ موضوعي يتلاءم مع ضوابط الشريعة الغراء، وتوجيهاتها، كما يتلاءم مع متطلبات العيش في زماننا الصعب.

    إن على الذي يعتقد أنه ناجحٌ ومتفوق في وظيفته، أو علاقاته، أو تجارته، أو مشروعاته، أن يتساءل: على حساب أي شيء كان ذلك النجاح؟ هل كان على حساب مبدأ يؤمن به؟ أو على حساب أسرته؟ أو على حساب صلته لأرحامه؟ أو على حساب كرامته أو صحته ... إلخ؟

    وحين يكون جاداً في تساءله فإنه سيعثر على جواب ذلك، وغالباً سيجد أنه في حاجة إلى أن يخفض من درجة ابتهاجه بالانتصارات التي حققها، كما سيجد أنه في حاجةٍ إلى التغيير في بعض أوضاعه وأنشطته، حتى لا يكون كمن يبني من جهة ويهدم من جهةٍ أخرى.

    في المقابل فإنه ليس للذي أخفق في أن يكون مدرساً ناجحاً، أو كاتباً جيداً، أو أخفق في وظيفته، أو في زراعته، أن يعتقد أنه لم يعد يصلح لأي شيء، فقد يكون أباً ممتازاً، وزوجاً صالحاً، وقد يكون رجلاً مستقيماً خلوقاً، وداعيةً جيداً ... وقد يكون .. وقد يكون.

    المراد من هذا أن نؤمن أن هناك أكثر من طريقة للنظر إلى الأشياء، وأكثر من معيار للنجاح والإخفاق، كما أن الدروب لتحقيق الذات متعددةٌ وكثيرة.

    وقد قال أحد الحكماء: يمكن أن تقول لمشهد الوردة، وقد حاط بها الشوك: هذا الورد له شوك، كما يمكن أن تقول أيضاً: إن هذا الشوك له ورد.

    المهم دائماً أن نتخلص من ضيق الأفق، ونسعى إلى الوصول إلى رؤى رحبةٍ وفسيحة، فذاك هو الذي يتمشى مع الحقيقة التي يفهم منها: أنه عندما تنشأ مصاعب وأزماتٌ جديدة؛ فإنها تتيح لنا المزيد من الفرص والخيارات، وتأمل معي قول الله جل وعلا: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً [الشرح:5-6].

    يقول مالك أكبر مصنعٍ للنسيج في بلده: حين كنت طالباً في المرحلة الابتدائية، كان موقفي سيئاً، فقد كنت أشعر أن ذاكرتي ضعيفة على نحوٍ لافتٍ للنظر، وقد كان بعض أساتذتي يطالبني أن أحفظ ما في الكتاب حرفياً، وقد حاولت ترك الدراسة حين انتهيت من المرحلة الابتدائية، لكن أبي أصر على أن أنهي المرحلة المتوسطة، وقد أتممتها بصعوبةٍ بالغة، وكان عليَّ بعد ذلك أن أقرر أنا ووالدي إلى أين أتجه، وماذا أعمل؟

    وقد عملت في البداية مع والدي في بقالته الصغيرة، لكن أبي كان حاد المزاج، فكان يوبخني أمام الزبائن على أي خطأ يصدر مني، واقتنعت كما اقتنع والدي أن استمراري معه في البقالة غير ممكن، فعملت مع أحد أقربائي موظفاً في مكتبةٍ له، وكنت مرتاحاً في العمل، لكن لأن نومي ثقيلٌ جداً، ولا أستيقظ في الصباح بسهولة، فقد كنت كثيراً ما أتأخر عن فتح المكتبة في الصباح، مما أدى إلى أن يخبرني قريبي ذاك أني لا أصلح للعمل معه، فتركته وجلست في بيت أبي، فضاقت عليَّ الأرض بما رحبت، وصرت لا أشك أنني أقل من إنسانٍ عادي، كما أن والدي وإخوتي كانوا كثيراً ما يلمزونني بالعبارات الجارحة، والتي تؤكد لي أن مستقبلي سيكون أكثر من سيئ.

    لكن مع هذا كنت لا أدع الصلاة مع الجماعة، وكنت لا أمل من دعاء الله تعالى، بأن يجعل لي من أمري فرجاً ومخرجاً، ومرت سنة على هذه الحالة، لكن كنت والله أشعر أنها عشر سنين، وليست سنةً واحدة.

    وفي يومٍ من الأيام طلب مني خالي أن أشتغل مساعداً له في عمله في النسيج، وقد تولدت لديَّ طاقةٌ عجيبة، وإصرار لم أعهده من قبل على أن أنجح هذه المرة، وأغسل كل آثار السنوات العجاف الفائتة، وخلال سبع سنوات أتقنت تلك المهنة وصار خالي يعتمد عليَّ على نحوٍ كلي، وكان إمام المسجد يزكيني دائماً أمام رواده من التجار ورجال الأعمال، ويثني على خلقي وأمانتي.

    وقد جاء أحد التجار إلى خالي، واتفق معه على توسيع ورشته المتواضعة، وتحويلها إلى مصنعٍ حديثٍ ومتطورٍ للنسيج، واتفقا معاً على أن أشرف أنا على ذلك المصنع مقابل حصةٍ جيدة تكتب لي فيه، وقد قبلت ذلك بعد تردد خوفاً من الإخفاق، وقد وفقني الله تعالى في إدارة ذلك المصنع، وأخذ عملنا يتسع شيئاً فشيئاً، وصار كثير من أصحاب الشركات يعدونني بين أفضل مدراء الأعمال الناجحة في بلدي، وقد أكرمني الله تعالى مرةً أخرى ببناء عددٍ من المساجد، كما أنني توليت الإنفاق على والديَّ وعلى أولاد أخي الذي توفي في حادث.

    إن هذه الواقعة -أيها الإخوة!- عميقة الدلالة ولا تحتاج إلى أي تعليق.

    إن كثيراً من الناس لا يدركون حلقات الاتصال بين المشاعر والأفكار، وانعكاس كل منها على الأخرى، ويتوهم كثيرون أنهم قادرون على عزل أفكارهم عن مشاعرهم، وهذا غير صحيح، ومشكلة كثيرٍ منا أنه واقع تحت تأثير مشاعر سيئة، تجعل نظرته للحياة سوداء قاتمة، فهو لا يجد من يتعاون معه، ولا من يستشيره، ولا من يفضي إليه بذات نفسه، وذلك بسبب التجارب السيئة التي مر بها مع فلان وفلان.

    وفي اعتقادي أن أفضل وسيلة للخلاص من الأفكار والمشاعر السيئة، هي أن نتبع طريقة إغلاق الملفات، حيث يمكن أن نستخلص العبر والدروس الممكنة من إخفاقات الماضي، ثم نحاول حذفها نهائياً من اهتماماتنا، وتحرير أنفسنا من أغلالها.

    إن القرآن الكريم يدلنا على طريقة عظيمة في التعامل مع المشاعر، وهذه الطريقة تجعلنا نصنع المشاعر والأفكار الجيدة، عوضاً عن الرضوخ للمشاعر السيئة، والعيش تحت وطأتها، يقول الله جل وعلا: وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [فصلت:34-35].

    إن القرآن الكريم يوضح لنا أنه عن طريق الإحسان والعمل الصالح، نستطيع أن نوجد مشاعر واتجاهاتٍ جديدة، وأعتقد أن هذا عام وليس خاصاً بالتعامل مع الآخرين.

    العمل الصالح، والعطاء السخي، والمثابرة، هي أفضل طريق لتحسين مشاعرنا وأفكارنا نحو أنفسنا وذواتنا.

    الاهتمام بالتفاصيل

    النقطة الثالثة: الاهتمام بالتفاصيل:

    زماننا الصعب هو زمان الدقة المتناهية، والتفاصيل الكثيرة، وزمان الاهتمام بكل شيء، وإذا تأملنا في أحوال الأمم النامية، وجدنا أن كثيراً من أبنائها يجسدون في سلوكهم وتطلعاتهم شعار (لا شيء يهم) وحيثما اتجهت وجدت سيلاً لا ينقطع من المواقف التي تنم عن عدم الاكتراث واللامبالاة، وخيار الناس لا يهتمون إلا بالقضايا الكبرى، أما الأمور الصغيرة فليس فيها من القوة والجاذبية ما يلفت انتباه أحد.

    أما في العالم الصناعي فالوضع مختلفٌ جداً، حيث يحاول الناس هناك فهم الأسباب والعلل التي تقف خلف الظواهر المختلفة، كما أنهم يحاولون فهم أدق التفاصيل، وقياس الآثار التي يتركها أقل الأحداث شأناً.

    إنني أعتقد أن كثيراً من الناس يملكون كل مقومات العظمة، وكل الأسباب التي تؤهلهم للصعود إلى القمة، لكنهم لم يصبحوا عظماء لا لشيء، إلا لأن اهتماماتهم تافهة، قد كان المال في الماضي عماد الثراء الشخصي والأممي، كما كان عمود النجاح في المجال التجاري، وقد أخذ كل ذلك الآن بالتغير، وأخذت تحل محل المال أشياء غير مادية، فثراء الأشخاص وكذلك الأمم لم يعد يقوَّم من خلال الأرصدة والممتلكات، وإنما من خلال ما يملكون من اهتمامات، ودوافع، وأفكار، ومعلوماتٍ، ونظم.

    وهناك في العالم اليوم دولٌ تملك المساحات الشاسعة، والأنهار العذبة، والمعادن الثمينة، ومع ذلك فإن كثيراً من أبنائها جياع لم يدخلوا القرن التاسع عشر، ولا القرن العشرين، بسبب فقرهم في الأمور والمعاني التي ذكرتها.

    وهناك -أيها الإخوة- في المقابل أممٌ وشعوب تعيش في بقعةٍ ضيقة من الأرض، ولا تملك إلا القليل جداً من الموارد المادية، والثروات الطبيعية، التي يمكن أن تميزها على غيرها، لكنها تملك الإنسان المتعلم النشيط، صاحب الاهتمامات الواسعة، وتملك روح التقدم، والإصرار على التحسن، كما يفهم أبناؤها شروط العيش في الزمان الصعب كما ينبغي أن تفهم.

    هذا يدعونا إلى أن نطور تربيتنا في البيوت والمدارس؛ من أجل إخراج جيل ينظر إلى ما يملكه من قيمٍ ودوافع، ومفاهيم واهتمامات، على أنها رأس ماله الحقيقي في هذا الزمان، كما أنها عتاده الذي يواجه به أقصى الصعوبات، وأعتى الخصوم، وليس هذا بالصعب إذا استطعنا تعميق الرؤية للمنهج الرباني الأقوم الذي أكرمنا الله به، واستطعنا أخذ العظة والعبرة من سير عظماء هذه الأمة.

    مواجهة المشكلات

    النقطة الرابعة والأخيرة في هذا المحور تتعلق بمواجهة المشكلات:

    أقول في البداية: إن هذه الدنيا دار ابتلاء، ولذا فإن المسلم حيث اتجه وأينما كان وجد نفسه مبتلى بنوعٍ من أنواع الابتلاء الكثيرة.

    وقد مضت حكمة الله جل وعلا في أن يجعل وجود المشكلات في حياة الناس هو الأصل، ولكن الناس لا يحسون بالمشكلات والتحديات أحياناً بسبب جهلهم، ولذا قالوا: لا مشكلات من غير معرفة، وقد ربي كثيرٌ منا على الهروب من الاعتراف بالخطأ، وتحمل المسئولية عن الأعمال التي قام بها، مع أن التوبة والتي حثت الشريعة على أن تكون شيئاً ملازماً لحياة المسلم تملي عليه المحاسبة لنفسه، والتراجع عن أخطائه، وعقد العزم على السير في الطريق الصحيح.

    ليس وجود الأخطاء والمشكلات في حياتنا علامة مرض، فالضعف البشري يجعل الإنسان معرضاً للوقوع فيها، كما ورد في قوله عليه الصلاة والسلام: (كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون).

    وقد دلت تجارب لا تحصى على أن العيش السهل، والإحساس بأن كل شيءٍ على ما يرام كثيراً ما يؤدي إلى تحلل الشخصية وضمور القدرات، على حين أن وجود المشكلات، ووجود بعض الظروف المعاكسة، يصلب لدينا روح المقاومة، ويستخرج أفضل ما لدينا من طاقاتٍ كامنة، كما يصقل خبراتنا وينميها.

    وعلى مدار التاريخ كان تقدم العالم عن طريق الأزمات والتحديات أكبر من تقدمه عن طريق اليسر والرخاء.

    1.   

    إضاءة لبعض النقاط التي تتعلق بمواجهة المشكلات

    وهذه إضاءة لبعض النقاط التي تتعلق بمواجهة المشكلات أسوقها في الحروف الصغيرة الآتية:

    الاعتراف بالمشكلة على ما هي عليه

    أولاً: الاعتراف بالمشكلة على ما هي عليه، دون محاولة طمسها أو تشويهها هو الخطوة الأولى على طريق العلاج، صحيح أن الاعتراف بالحقيقة مر في كثيرٍ من الأحيان، لكن لا يمكن السير في طريق الشفاء من دونه.

    إن التجهيزات الطبية مهما كانت ضخمةً ومتقدمة لا تعني أي شيء بالنسبة لشخصٍ يعتقد أنه سليم معافى، وإن كثيراً من المشكلات شبيهة بالسرطان، حيث تتوقف درجة النجاح في معالجته على المرحلة التي يكتشف فيها. ولهذا فإن إهمال المشكلة لن يحلها، وإنما يجعلها تتجه نحو الأسوأ.

    هناك أشخاصٌ كثيرون لا يرغبون في إجراء أي تحليلٍ أو فحصٍ طبي، خشية أن يكونوا مصابين بأمراضٍ تحتاج معالجاتها إلى تغييرٍ جذري في نمط معيشتهم، وكثيرٌ من الناس ينتابهم إحساسٌ صادق بوجود مشكلة في حياتهم دون أن يتمكنوا من تحديدها.

    ويمكن القول: إن كل مشكلة يمكن توصيفها على نحوٍ جيد هي مشكلة محلولةٌ جزئياً، وعلينا هنا أن نكون على حذر من أن نفكر في تحديد مشكلاتنا وتشخيصها ونحن في حالة خوف، أو اكتئاب حيث أن ذلك يجعل المشكلة تبدو كبيرة ومعقدة، على حين أن البحث فيها ونحن في حالة ثقةٍ وتفاؤل وراحةٍ من الضغوط يجعلها تبدو أصغر، وسوف تصغر أكثر فأكثر عندما نبدأ بمعالجتها.

    تحدث صاحب المشكلة إلى من يثق به و يعرفه

    ثانياً: مما يساعد على تحديد المشكلة أن يتحدث صاحبها إلى من يثق به ويعرفه، من أب، أو أخٍ كبير، أو زميل، أو صديق، أو طبيبٍ نفسي، أو متخصص في المجال الذي تنتمي إليه المشكلة.

    ويظل لمشاورة الأصدقاء نوعٌ من الأهمية والخصوصية، فالأصدقاء القريبون جداً يشكلون انطباعاتٍ واضحة عن أصدقائهم في العادة، وتلك الانطباعات تجعلهم قادرين على إلقاء المزيد من الأضواء على المشكلات التي يعاني منها أصدقاؤهم.

    أوقات الإجازة والاستراحة أوقاتٌ ملاءمة للتفكير، حيث إن المشكلات تكون أكثر وضوحاً حين نكون بعيدين عنها، وأعرف كثيراً من الناس الذين يكرهون الحديث عن الأزمات والمشكلات في أوقات الاستراحة والفراغ، حتى لا تنكد عليهم، ولا تعكر عليهم صفاءهم، ومع أن هذا صحيح إلى حدٍ ما، إلا أن الجو النفسي المريح يلائم البحث عن المشكلات أكثر من أي جوٍ آخر.

    وإذا استطاع الواحد منا أن يحرر مشاعره لينظر في مشكلته على أنها مشكلةٌ إنسانٍ آخر، فإن ذلك سوف يساعد على تحجيم دور العاطفة، والميول الشخصية في المعالجة، وتناول المشكلة بقدرٍ أكبر من الحياد والموضوعية.

    عدم التفكير في أكثر من مشكلة في آن واحد

    ثالثاً: لا ينبغي للواحد منا أن يفكر في أكثر من مشكلة في آنٍ واحد، بل إن المطلوب الآن أن يحاول الواحد منا تفتيت المشكلة الواحدة إلى أجزاءٍ عديدة، حتى يمكن فهمها والسيطرة عليها، وبالتالي معالجتها، كما تفعل مؤسسات تعبيد الطرق حين تقسم طريقاً طويلة إلى وصلاتٍ قصيرة.

    صحيح أن الأمر ليس بالسهولة التي نتصورها، كما أن الفصل بين المشكلات ليس في العادة من الأشياء الجذابة، إلا أن علينا أن نصرّ دائماً على النجاح في ذلك.

    بعض الناس يفعل العكس تماماً، فهو يعمد إلى مشكلاتٍ متعددة ويدمجها في مشكلةٍ واحدة، أو يفسرها بعاملٍ واحد لتتحول الصخور إلى جبلٍ شاهق.

    وكل واحدٍ منا رأى في حياته أشخاصاً كثيرين يشكو الواحد منهم من العديد من الأزمات والمشكلات المنفصلة، فهو يشكو لك في آنٍ واحد من ألمٍ في ظهره، ومن ابنه الذي لا يطيعه، ومن الديون التي تراكمت عليه، ومن مديره في العمل، والذي يعامله معاملةً قاسية ...إلخ.

    وهذا خطأٌ بالغ وهو يدل على أن من يفعل ذلك لا يريد حلولاً، ولكن يريد أن يبث شكواه ليس أكثر.

    فعلينا ونحن نبحث عن حلول لمشكلاتنا أن ننتبه إلى أمرين:

    الأول: أن نعرض عن المتشائمين والمثبطين الذين لا هم لهم سوى بث اليأس، ودلالة الناس على الطرق المسدودة.

    إن الله جل وعلا ما أنزل داءً إلا أنزل له دواء، وإن كل نظريةٍ أو رؤيةٍ أو مشورة أو فكرة تفضي بالناس إلى الحيرة والعطالة ليست بنظرية، وليست برؤية سديدة؛ لأنها تخالف المبدأ الثابت الذي ذكرناه.

    الأمر الثاني: أن الذين يشكون من اجتماع المشكلات عليهم قد يكونون اختاروا المجال الخاطئ لنشاطهم، وهذا كثيراً ما يحدث، وكم من شخص يمارس عملاً أو مهنة لا يملك فيها أي خبرةٍ أو أهلية، ولذا فإن ما يعده مصدر رزقه يصبح مصدراً مستمراً لتوليد المشكلات له، والحل الأمثل أن يتخلى الإنسان عن ذلك الميدان، أو ذلك النشاط، ويصير إلى غيره كما قال الشاعر:

    إذا لم تستطع شيئاً فدعه     وجاوزه إلى ما تستطيع

    وإلا فلن ينتهي من حل مشكلة إلا جاءته مشكلة أخرى.

    منح النفس الوقت الكافي للتفكير في المشكلة التي يُعانى منها

    رابعاً: على الواحد منا أن يمنح نفسه الوقت الكافي للتفكير في المشكلة التي يعاني منها، ومن الطرق المفضلة في التفكير أن يسمح الإنسان لكل الأفكار والخواطر التي لديه بالتدفق والانسياب دون أن ينتقد أياً منها، وبعد استدرار كل ما لديه وتسجيله، يبدأ بمناقشةٍ كل حلٍ على حدة، وبيان إيجابياته وسلبياته.

    وعلى الواحد منا أن يثق ببصيرته وحدسه الشخصي، وقد ورد في الحديث: (استفت نفسك وإن أفتاك المفتون) ومن المفيد أن يتعاون مع أحد الأصدقاء أو أحد الخبراء في تقييم تلك الأفكار والحلول، وتجريب ما يقبل التجريب منها بصدقٍ وعزيمة، وفي الغالب سوف يجد المرء نوعاً من الانفراج في مشكلته، ونوعاً من التحسن في وضعيته العامة.

    عدم الميل إلى الحلول التي يمكن أن يقوم بها الآخرون

    خامساً: هناك خطأٌ شائع يقع فيه كثيرٌ من الناس في كل مكانٍ من الأرض، وهو الميل إلى الحلول التي يمكن أن يقوم بها الآخرون، أو يتحملوا جزءاً منها، ومع أن هذا صحيح إلى حدٍ ما، حيث إن من المشكلات ما يتعلق بأكثر من طرف، وعليهم أن يتعاونوا من أجل حلها، لكن كثيراً ما يحدث أن يلقي كل طرف عبء الحل على غيره، وتكون النتيجة أن تبقى المشكلة من غير أي حل، وكأننا لم نفعل أي شيء.

    وانطلاقاً من هذا فإن علينا إذا ما أردنا فعلاً أن نتخلص من مشكلاتنا، أن نبحث عن الحلول التي لا يتوقف تنفيذها على مشاركة الآخرين، ولا شك أن الحل آنذاك قد لا يكون مثالياً، لكنه يظل أفضل من تعليق المشكلة إلى أجلٍ غير مسمى.

    اللجوء إلى الله جل وعلا

    سادساً: إن اللجوء إلى الله جل وعلا هو من عتاد المسلم في الكروب، وعلينا ألا نغفل عن هذا الجانب، فلدى الله تعالى من أشكال المعونة وتفريج الكربات أكثر بكثير مما يظن الناس، وأكثر بكثير مما يعرفون.

    لنجعل من المشكلات والأزمات نقاط انطلاق جديدة، ولنجعل منها مصدراً لتجديد الوعي واستخراج الإمكانات الكامنة، ومصدراً للمراجعة والنقد الذاتي، وبذلك تنقلب المحنة إلى منحة.

    والله المستعان في كل حال.

    1.   

    القضايا النفسية التي تهم المسلم الحاضر

    المحور الثالث وقد وعدنا أن نتحدث فيه عن بعض القضايا النفسية التي تهم المسلم المعاصر، وهي في الحقيقة كثيرةٌ جداً، وسنحاول تناول ما نعده منها مهماً، على مقدار ما تسمح به المساحة المتاحة.

    أيها الإخوة! أيتها الأخوات! إن مسألة صلاح النفوس وطهارتها، تعد من المسائل المحورية في رسالات جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ودرجة صلاح أي نفس تعد مقياساً حقيقياً لتدين المرء وقبوله للهداية، يقول الله جل وعلا: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الجمعة:2].

    ويقول سبحانه: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10] أي قد أفلح من زكى نفسه بتطهيرها من المعاصي، وأصلحها بالصالحات من الأعمال، وخاب وخسر من حقر نفسه بالكفر والمعاصي، فأوردها موارد الهلكة.

    والعيش في زماننا الصعب يحتاج إلى جانب التزكية، إلى شيءٍ آخر هو ما يمكن أن نسميه: "اللياقة النفسية" ونعني باللياقة النفسية: أن يمتلك المسلم المعاصر درجةً جيدة من النشاط الروحي، والاستعداد النفسي للمبادرة، وقدرةً حسنة على التكيف مع الظروف المستجدة.

    وذلك شيءٌ يكتسبه الإنسان من وراء الثقة بالنفس، واتساع الأفق، ومن خلال التخلص من الأوهام، ومن القلق والاكتئاب، ومن خلال السيطرة على الانفعالات على ما سنوضحه بعد قليل.

    إن التحديات التي تواجه الأمم قريبةٌ من التحديات التي تواجه الأفراد، وهي غالباً تحدياتٌ داخلية.

    الأفراد العظماء كالأمم العظيمة، حين يشتد تكالب الأعداء عليهم، لا ينهمكون في أنشطةٍ خارجية لصدهم، وإنما يرتدون إلى الداخل إصلاحاً وتطهيراً، وتنميةً وتحصيناً.

    وهذا هو القرآن الكريم يقرر هذه الحقيقة الهائلة بأبسط أسلوب، حيث يقول سبحانه: إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً [آل عمران:120].

    إن كل عملٍ إصلاحي لشئون الأمة يجب أن يعتمد على إصلاح ما في الأنفس وينطلق منها، وإلا فإن النتائج سوف تكون مخيبةً للآمال، وحين تجف المنابع الداخلية للعيش الهانئ، فإن من الواجب أن نعود إلى تلك المنابع، ونحاول إصلاحها لتتدفق من جديد، لكن المؤسف أن أكثر الناس لا يفعلون ذلك، وإنما ينصرفون إلى جلب هناءٍ مصطنع ومتكلف، عن طريق تناول لذائذ الطعام والشراب، وسكنى البيوت الفخمة، وركوب الوسائل الفارهة، وقلما يكتشفون بعد أن يغرقوا في هذه المرفهات أنهم لم يحصلوا على أي شيء مما فقدوه من السكينة والطمأنينة والانسجام الداخلي، بل زادوا الطين بلة.

    1.   

    أفكار وأساليب تساعد في تزكية النفس

    أما الآن، فهذه مبادئ وأفكار وأساليب يمكن أن تساعدنا في تزكية نفوسنا، وفي إكسابها اللياقة المنشودة، أقدمها على نحوٍ موجز في الحروف الصغيرة الآتية:

    تخليص النفس من أمراضها

    أولاً: تخليص النفس من أمراضها:

    إن القيام بهذا العمل هو أهم خطوة يمكن أن نخطوها على طريق الصحة النفسية، وإن كلمة التوحيد وإشعاعاتها الروحية والخلقية، ومقتضياتها السلوكية تشكل المرقاة الأولى في سلم العافية، كما أن الشرك الأكبر والأصغر وما يتولد عنهما من رغباتٍ وسلوكيات وعراقيل تشكل البداية لسلسلةٍ من العلل النفسية، والانحرافات السلوكية، ولا أمل في الشفاء مع الشرك والانحراف العقدي.

    حين تسطع أنوار التوحيد في نفس المسلم، وتضيء جوانبها، فإن السلوك يستجيب لتلك الإضاءة، ويتناغم مع هديها وإيحاءاتها.

    حين يشعر المسلم بأن الله جل وعلا هو المعطي فإنه لا يحسد أحداً، ويطلب من الله تعالى أن يجود عليه كما جاد على غيره.

    وحين يشعر بأن الله خالق كل شيء والمهيمن عليه، وأن كل ما بيده هو من فضل الله عليه وتوفيقه؛ فإنه لا يصاب حينئذٍ بالكبر والعجب.

    وحين يحس المسلم بالخشية من الله تعالى والخوف منه؛ فإنه يتحامى الوقوع في الانحراف، وظلم العباد ... وهكذا.

    وعلى هذا فإن بداية طريق الخلاص من العلل النفسية والخلقية تتمثل في التركيز على إحياء المعاني الإيمانية من إخلاصٍ وصدق، وحب لله تعالى، وإجلالٍ له، وهذا لن يتم إلا من خلال المراقبة لله تعالى، وكثرة ذكره والتعبد له.

    ثم إن على المرء بعد ذلك أن يجاهد نفسه في ذات الله، كما قال سبحانه: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [العنكبوت:69].

    وهذه المجاهدة تقوم على أمرين:

    الأول: ملء الوقت بما يرضي الله تعالى من الأعمال على مقدار الاستطاعة.

    والثاني: كف النفس عن بعض مطالبها ومرغوباتها، ولجمها عن الاندفاع مع مغريات الحياة المتزايدة.

    والمشاهد اليوم أن لدى كثيرٍ من الناس نزوعاً قوياً نحو الإكثار من أي شيء، الكلام، والمخالطة، واستهلاك الأشياء، والاستحواذ عليها، والتحرر من الالتزام بأي شيءٍ نافع، وهذا وما شاكله تسبب في إيجاد جفافٍ روحي شديد، وباعد بين واقع المسلم وبين جوهر الالتزام بالسلوك الإسلامي القويم، وكانت عاقبة هذا أن الذين ابتلوا بهذه العلل فقدوا السعادة والطمأنينة، والأمان، والطلاقة الروحية، كما ضعف لديهم الإحساس بالاتجاه، وبالغايات الكبرى لوجودهم، مما يحرم حياتهم من أهم معانيها، وأوكد مقوماتها.

    ولعل كثيرين منا يلاحظون كيف يتزايد الاهتمام بالنواحي العقلية والفكرية، على حين أننا نرى المزيد من الإهمال لتطهير القلوب، وتزكية النفوس، واستقامة السلوك.

    وأخيراً لن يستطيع أحد أن يزعم أنه تخلص من أمراضه النفسية، وصار من حقه الإخلاد إلى الراحة، فملابسة أحداث الحياة تولد في كل يوم مشكلاتٍ جديدة، وتترك انطباعاتٍ سلبية في نفوس الناس، مما يوجب اليقظة والاستعداد لكفاح لا ينتهي إلا بانقضاء العمر، ولا راحة لمؤمن إلا بلقاء ربه.

    تخفيف القلق

    ثانياً: تخفيف القلق:

    العيش في الزمان الصعب يتطلب درجةً عاليةً من الإنتاجية، وهذه تحتاج إلى درجةٍ جيدة من اللياقة النفسية، والاستقرار الداخلي.

    القلق: هو حالة من التوتر الشامل والمستمر، نتيجة توقع الإنسان لأخطارٍ وأشياء غير سارة، وإن درجةً منخفضةً من القلق ضرورية لاستقامة حياة الإنسان وتوازن الشخصية، حيث ينتبه الإنسان آنذاك إلى وجود شيءٍ خاطئٍ في حياته.

    القلق يدل على وجود فضيلة الاهتمام لدى المرء، وفضيلة الشعور بالمسئولية، وينشأ القلق من خلال ما تنطوي عليه سرائر الناس من توقعاتٍ وطموحات، ومن خلال جهلهم بما تخبئه لهم الأيام.

    ويعد القلق من الأمراض الكثيرة الشيوع في حياة الناس اليوم، وهو واحد من أهم منتجات الحضارة الحديثة.

    إن القلق من أكبر الأعداء للحالة المزاجية الجيدة، وهو يؤثر في مشاعر الإنسان وانفعالاته، كما يؤثر في كفاءة تفكيره، ويشعر ذوو القلق المرضي بالارتباك والفزع، كما يشعرون بفقد السيطرة على أنفسهم والهزيمة أمام التحديات التي تواجههم.

    إن تأثير القلق المرضي لا يقتصر على الحالة النفسية للإنسان فحسب، ولكنه يتجاوز ذلك إلى الحالة الجسدية حيث إنه يقلل من مقدرة الإنسان على الاسترخاء والنوم الجيد، كما يسبب له الصداع، ويخفض من درجة نشاط الجسد بما يسببه من توترٍ وإجهاد.

    والحصيلة النهائية لكل ذلك هي انخفاض الأداء لدى الشخص القلق، فهو يبالغ في العناية بأشياء لا تستحق الاهتمام، كما يهمل أشياء مهمة، كما أن القلق يدفع صاحبه إلى الاعتماد على الآخرين أكثر من اعتماده على نفسه، بالإضافة إلى أن الشخص القلق يؤدي واجباته ببطءٍ وتقاعس.

    كيف نخفف القلق؟

    كم سيكون مؤلماً -أيها الإخوان!- حين يكتشف المرء بعد أن يقضي شطراً كبيراً من حياته أنه كان منشغلاً على الدوام بمتاعب لم تقع، وخائفاً من أشياء وهمية لا وجود لها إلا في عقله، طاقاتٌ بددت، وأوقاتٌ ضاعت، وأشياء مهمةٌ أهملت، ومعيشةٍ نغصت، وقد كان يمكن تلافي كثيرٍ من ذلك لو توفرت بعض المفاهيم والآليات التي تساعد الإنسان القلق على تخفيف درجة التوتر لديه.

    وما يمكن أن يساعد الواحد منا على تخفيف القلق كثير، نذكر أهمه هنا:

    أ) إذا وقع لأحدنا ما جعله يضطرب ويتألم، فليتذكر أن ذلك شيءٌ مؤقت، وليتذكر قول القائل: كل شيءٍ يكون صغيراً ثم يكبر إلا المصيبة، فإنها تكون كبيرةً ثم تصغر.

    إن أول المصيبة هو الذي يتطلب استجماع القوى النفسية، كما ورد في الحديث الشريف: (إنما الصبر عند الصدمة الأولى).

    إن من الأمور المهمة في هذا أن نسعى في تشتيت الواقع النفسي السيئ قبل أن تشتته الأيام والليالي، وذلك من خلال تجاوز الحاضر، والاستبشار بما هو آت، وسيكون في إمكان الواحد منا أن يسأل نفسه: ماذا ستكون أهمية هذا الأمر الذي يقلقني بعد عام، أو بعد خمسة أعوام؟

    لا شك أنها ستكون ضئيلة، حين يرسب طالبٌ في الجامعة، فإنه يعيش أهوال كارثةٍ حقيقية عند خروج النتائج، حيث إن الرسوب سيؤخر تخرجه سنةً أو نصف سنة عن موعده المأمول، ولو أن ذلك الراسب سأل نفسه: بعد عشرين سنةً من التخرج، ما الأمور التي كانت ستتغير في حياتي لو أنني تخرجت من الجامعة سنة (1422هـ) عوضاً عن سنة (1423هـ)؟ لو سأل نفسه لوجد أنه لا شيء يستحق الذكر.

    ب) حين يقلق أحدنا من حدوث أمر، فليسأل نفسه: هل هذا الأمر المتوقع حدوثه يستحق كل هذا الانزعاج، وكل هذه الحسابات؟

    إن أهم ما لدينا هو الوقت، والطاقة المختزنة، ومن غير الحكمة أن نهدر هذين الموردين العظيمين في أمورٍ تافهة، أو محتملة.

    ج) إن أخطر ما في القلق هو الغموض والإبهام، ولذا فإن من المهم أن نحدد بدقة ما يقلقنا، ونحدد موقفنا منه من خلال مجموعة الأسئلة:

    ما الذي يقلقني؟

    هل هناك شيء في وسعي أن أفعله حياله؟

    إذا كان الجواب: لا. فتوقف عن الانشغال به، واعمل على إشغال نفسك بشيءٍ نافع.

    إذا كان الجواب: نعم. فاعمل على أن تخرج من الحالة التي أنت فيها بما تستطيع عمله، واكتب قائمةً بذلك.

    إن عقل الكسلان بيت الشيطان، وإن الفراغ يجر على أصحابه الكثير الكثير من المشكلات.

    د) إذا حاصرت أحدنا الهموم، ولم يجد منها مفراً فالحكمة آنذاك ألا يتجاهلها ويدافعها إلى ما لا نهاية، وإنما عليه أن يعطيها جزءاً من وقته للتفكير فيها، كأن يخصص ساعةً يومية، وحين تأتي المقلقات في غير تلك الساعة فينبغي أن يعمل على تأجيلها إلى وقت حضور تلك الساعة، وعندما يحين وقت الانشغال بها فلنحاول أن نصور كل مصدر قلق على أنه مشكلةٌ منفردة تستدعي حلاً معيناً، وبذلك نكون قد ضربنا سوراً حول القلق، فلا يطرق أبوابنا في كل الأحوال والأوقات، كما نكون قد حولناه من هواجس مزعجة إلى شيءٍ يمكن التعامل معه.

    لا ننس قبل هذا وبعده أن الدنيا بخيرها وشرها، وانتصاراتها وانكساراتها، وإقبالها وإدبارها، هي في نهاية المطاف مرحلةٌ مؤقتة.

    ولا ننس أيضاً أن القلوب العامرة بذكر الله تعالى تتطلع دائماً إلى الفوز الأخروي، وتتأبى أن تصرفها عن ذلك الهدف العظيم المشاغل والقضايا الصغيرة.

    الثقة بالنفس واحترامها

    ثالثاً: الثقة بالنفس واحترامها:

    مطالبة الإسلام للمسلم بأن يزكي نفسه ويطهرها ويحاسبها لا تعني أن يهينها ويحتقرها، وأن يبخسها حقها، بل إن هناك من النصوص ما ينهى عن ذلك، فليس للمسلم أن يذل نفسه بتكليفها ما لا تطيق، أو يعرضها للوقوع في المهالك، وهو إلى جانب ذلك مأمورٌ بأن يثق بمعونة الله تعالى له، كما أنه مطالب بأن لا يتهم نفسه بأمورٍ هي منها بريئة، وأن يعرف قدر نفسه من خلال ذكر إنجازاته في سره، واكتشاف الإمكانات الكامنة لديه.

    إن الله جل وعلا جعل باب التوبة مفتوحاً أمام العبد إلى اللحظات الأخيرة من عمره، حتى لا يكوّن فكرةً نهائيةً عن نفسه، وحتى يظل قادراً على تجديد الثقة بها، وبإمكانية إصلاحها.

    كثيرٌ من الناس يفقد ثقته بنفسه، واحترامه لها، بسبب الإخفاقات المتكررة التي واجهها، أو بسبب أخطاء مرحلة الصبا، وبعضهم يكون كذلك بسبب مقارنته لنفسه بأشخاص يعتقد أنهم أفضل منه بكثير، وأن لا أمل له في اللحاق بهم، وبعضهم لا يثق بنفسه بسبب ضخامة طموحاته، فهو يشعر دائماً بالعجز والانكسار.

    السؤال الآن: كيف نبني الثقة بالنفس؟

    إن احترام النفس هو نتيجةٌ مباشرة للثقة بها، كما أن ازدراءها نتيجةٌ مباشرة للشعور بنقصها، وحين نعتقد أن كل الأحوال والأوضاع السيئة تظل قابلة لدرجةٍ من الإصلاح والتحسين، فإننا في الغالب سوف نجد الأسلوب الذي نصلحها به.

    وهذه بعض الملاحظات حول تعزيز الثقة بالنفس أسوقها في النقاط التالية:

    أ) سيكون من الخطأ الاعتقاد بأن الثقة بالنفس شيءٌ محدد، وليس علينا سوى أن نمد أيدينا لتناوله، إن الثقة بالنفس شيءٌ متأرجح، فبعض الإخفاق يخفض درجتها، كما أن بعض النجاح يزيد فيها، وليست زيادة الثقة بالنفس على نحوٍ مبالغٍ فيه بالشيء الحميد، فقد تدفع الثقة الزائدة بالنفس إلى بعض الأعمال الطائشة والمتهورة.

    ولذا فإن العقلاء يتركون في أنفسهم مساحةً ما، من الشك في قدراتهم، وتلك المساحة هي التي تولد لديهم الحرص على التطور والتقدم، كما تولد لديهم درجةً من الحذر تجاه المغامرة والتسرع في تناول الأمور.

    ومع هذا فكثيرٌ من التقاليد الثقافية يدفع الناس إلى أن يُظهروا أنهم واثقون بأنفسهم أكثر مما هم عليه في واقع الحال، وهذا يسبب أزمة لأولئك الذين تعودوا أن يقيموا أنفسهم دائماً من خلال المقارنة مع الآخرين.

    ب) الممارسة عملٌ مهم في اكتساب الثقة بالنفس، فالإنسان يولد مزوداً بالحذر من كل شيء، وبالخوف من التعامل معه، والمعلومات التي نستفيدها عما نخاف منه تقلل من ذلك الخوف، لكن لا تخلصنا منه.

    الممارسة وحدها هي التي تبدد المخاوف التي تحد من ثقة الإنسان بنفسه، وهي وحدها التي تقضي على الأوهام التي ننسجها حول الأشياء.

    الخريج الجامعي يتهيب التدريس، ويشك في مقدرته على القيام به على نحوٍ جيد، لكن حين ينغمس في إلقاء الدروس يكتسب المزيد من الثقة بنفسه، ويصبح التدريس بالنسبة إليه أمراً ميسوراً مأنوساً.

    ج) علينا أن ندرك أن الشعور بالثقة لا يأتي عن طريق الرغبة فيه، ولا عن طريق التخطيط، وإنما يأتي عن طريق النجاح. والأساس في النجاح معونة الله تعالى للإنسان، ثم محاولته المستمرة لتقليل الوقوع في الخطأ، والتعلم منه عند وقوعه، وهذا لن يتم إلا من خلال العزيمة، والفهم العميق للأسباب والظروف التي أحاطت بالخطأ.

    بعض الناس تحطمهم الأخطاء، وتشوه نظرتهم لأنفسهم، عوضاً عن أن ينظروا لكل خطأ على أنه مصدرٌ للمعلومات، ومصدرٌ للوعي والتجربة فيستفيدوا منه.

    د) إذا تمكن الإنسان من معرفة الأسباب التي تجعل ثقته بنفسه ضئيلة، فإن عليه أن يتأمل فيما يمكن أن يفعله لمعالجتها، وعلى سبيل المثال فإن الذي يشكو من ضعف قدرته على بناء علاقاتٍ اجتماعية جيدة، يستطيع أن يقرأ كتاباً أو أكثر عن معاملة الناس، وكسب الأصدقاء، وتفهم أصول العلاقات العامة، والذي يرى أن العجلة هي سبب إخفاقاته، يمكن أن يتعلم كيف يخطط حياته، وكيف يحد من اندفاعاته بمحاسبة نفسه، واستشارة غيره .. وهكذا.

    فأفضل علاج هو ذاك الذي يساعد على سد منافذ المرض، ومداخل الشكوى، وكلما استطاع الإنسان أن يضيق تلك المنافذ شعر بالمزيد من الثقة بالنفس، والمزيد من التقدير لها.

    إذا كانت المشكلة المتسببة في الاستخفاف بالذات غير قابلةٍ للمعالجة؛ فإن في إمكانه أن يعزز جانباً آخر في شخصيته أو حياته، يعوضه عما يفوته بسبب جانب الضعف.

    إذا كان المرء يعاني -مثلاً- من قصرٍ وقماءة شديدة، فإن في إمكانه أن يتجاوز تلك المشكلة من خلال ارتياد الآفاق الذهنية والمعرفية والأدبية، فنحن نقدر أهل العلم والفكر تقديراً عالياً، ولا يخطر في بالنا تقويمهم من خلال أشكالهم وألوانهم، وإذا كان المرء يشعر بانخفاض درجة ذكائه، فإنه يستطيع التعويض عن ذلك بتكثيف القراءة، وتحسين أساليب الفهم، وقد رأينا في واقعنا وفي تاريخنا أعلاماً كثيرين، لم يكونوا يتمتعون بالذكاء الخارق، ولكن استمرارهم في التعلم والتثقف، ودأبهم في المطالعة دفع بهم إلى المقدمة.

    ويستطيع من يشكو من الفقر، وضعف الإمكانات المادية، أن يحسن مستواه في الإدارة، فيدير إمكاناته المحدودة على نحوٍ كفء، كما يستطيع أن يتعلم مهنةً رائجة يحسن من خلالها مستواه المادي ... وهكذا.

    فإن الله جل وعلا متعنا بالعقل والفهم حتى نعرف كيف نلتف على مشكلاتنا، وحتى نتعلم كيف نمارس عملية التعويض على أفضل وجهٍ ممكن.

    يقول أحد الكتاب: منذ كنت طالباً في الابتدائية، كان يسيطر عليَّ شعورٌ وإحساسٌ قوي بأن ثقة أهلي في قدرتي على قضاء حاجات البيت أقل من ثقتهم في قدرة أخي سعد ، وحين ينقسم أبناء الحي إلى فريقين، من أجل ممارسة بعض الألعاب الشعبية، كان كل فريق يرفض أن أكون معه؛ لأنهم يزعمون أن وجودي مثل عدمي، وإذا قبلني أعضاء فريق فذلك تفضلٌ منهم عليَّ.

    وحين كبرت، وصرت طالباً في الثانوية، كنت أنجح بصعوبة، وكذلك كان الحال في الجامعة.

    وقد كان لي صاحبان شديدا الاعتداد بنفسيهما، إذ إنني في كل مرة كنت ألتقي فيها بهما، كنت أسمع قصصاً وحكايات عن مواقف جريئةٍ وذكيةٍ لهما، فكنت حين أعود إلى بيتي أقارن وضعي مع وضعهما لأنتهي إلى الاعتقاد بأني أقل منهما في كل شيء، ومن المؤسف أني اكتشفت في وقتٍ متأخر أن المبالغة، وتضخيم الأمور، واختراع الحوادث، هي التي جعلتهما يظهران أمامي على ذلك النحو المتميز جداً.

    والحقيقة أنني لا أذكر أنني توليت أي عملٍ قيادي بين زملائي لا في المدرسة، ولا في الجامعة، ولا في الحي الذي أسكن فيه، وزاد الطين بلة، أنني عينت مدرساً للجغرافيا، ولكن الجهة التي قابلتني رفضت تعييني إلا في مدرسةٍ ابتدائية مع أنني خريجٌ جامعي، مما جعلني لا أشك في أن معلوماتي وكفاءتي هي من الضحالة بحيث لا أصلح إلا لتعليم الصغار.

    كل هذه الأمور كونت لديَّ نفسية الإنسان التابع، الذي لا يعرف للمبادرة، أو الاستقلال الشخصي، أو القيادة، أو التميز أي معنى، والذي ليس له في هذه الأمور أي مطمع.

    وقد تزوجت بعد التخرج من الجامعة بثلاث سنين بفتاةٍ مثقفة، لديها من الاعتداد بنفسها على مقدار ما لديَّ من ضعف الثقة بنفسي، وكان ذلك يجعلني أبدو ضئيلاً أمامها، إلا أنها كانت ذات بصيرةٍ نافذة، وذكاءٍ لماح، وصرت أشعر مع مرور الأيام أنها كانت تمارس على نحوٍ خفي دور المرشد النفسي، ولمست فعلاً أنها تحاول أن تنقذني من حالة الازدراء والاستخفاف تجاه نفسي، فجعلت تذكر أمامي الصفات التي أمتاز بها، مع شيءٍ من المبالغة أحياناً.

    وكان لها أخ يعمل محرراً في جريدةٍ يومية مشهورة، فقالت لي: لم لا أتعاون أنا وأنت في الكتابة لتلك الجريدة، وأخي يساعدنا في نشر ما نكتب؟ وقد ضحكت بصوتٍ عال، وطال ضحكي، وهي تنظر إليَّ متعجبة! وقالت: مم تضحك هذا الضحك الذي لم أسمعه منك منذ شهور؟! قلت: ما بقي إلا أن أصير كاتباً، إنني أشعر أنني لا أملك أي موهبة في هذا الميدان، فقالت لي: أنت تملكها ولكنك لا تعرف قدر نفسك، وسأثبت لك ذلك، ثم من الذي قال لك: إن كل الذين يكتبون في الجرائد والمجلات، بل الذين يكتبون الكتب هم من أصحاب المواهب؟

    وبدأت معي فعلاً في بلورة أفكار لمقالٍ طويل حول انتشار ظاهرة الطلاق، وبيان أسبابها، وكيفية معالجتها، وقد عانينا الكثير في كتابة ذلك المقال إلى درجة أننا أعدنا تنقيحه وتبييضه سبع مرات، ودفعناه إلى الجريدة على حياءٍ وخوف، وقد نشر المقال، ولقي استحساناً واسعاً مما شجعني على الكتابة في موضوعٍ آخر.

    وصار أصدقائي وزملائي الطيبون يشجعونني على الاتصال ببعض الجرائد، ليكون لي زاويةٌ يومية، في معالجة القضايا الاجتماعية، وقد كان ذلك، وأنا اليوم كاتبٌ مشهور، ولي مقالٌ شهري في إحدى المجلات، إلى جانب زاويةٍ أسبوعية في إحدى الجرائد، وأنا الآن أعتقد أن ما كنت أظنه من نقصٍ في شخصيتي كان عبارةً عن أوهام، وأن المرء يستطيع أن يصبح في القمة إذا أغمض عينيه عن هواجس الاستخفاف بالذات، وانطلق ليعمل بجد فيما يظن أنه يستطيع أن يقدم فيه شيئاً مقبولاً.

    هـ) لا يحب الناس سماع قصص الإخفاق والمآسي، كما لا يحبون أن يروا على المرء أمارات الفقر وعدم الاهتمام، ولذا فإن من المهم للمرء ألا يدمن الشكوى إلى الناس، فيقابلوه بما يؤكد له أنه ضعيف، ويستحق الإشفاق والمساعدة.

    نحن في حاجة ليس إلى الأشخاص الذين يضعفون ثقتنا بأنفسنا، وإنما إلى الأشخاص الذين يساعدوننا على الثقة بأنفسنا، كم من زوجة غيرَّت مسار حياة زوجها، بسبب دعمها وتشجيعها له، وكم من صديق دفع صديقه إلى أعلى مراتب النجاح بسبب ثقته به، ودلالته على مكامن النجاح لديه.

    إن اليأس أحد الأعداء المهمين لاحترام الذات، فاليائس إنسان أعلن الاستسلام وألغى أسلحته.

    إن المؤمن لا ييئس أبداً، وكيف يصاب باليأس وانقطاع الرجاء، وهو عبدٌ لرب كريم، معينٍ رحيم، لا يزداد على السؤال إلا كرماً وجوداً؟!

    وإن عظماء الرجال ليسوا أولئك الذين يستسلمون لما أعدوه من مقدمات وأسبابٍ للفوز، وإنما أولئك الذين يستمدون طاقتهم العظمى من الله جل وعلا، عبر ثقتهم بمعونته ولطفه وتوفيقه.

    السيطرة على الانفعالات

    رابعاً: السيطرة على الانفعالات:

    الأشياء التي تثير انفعالاتنا لا تكاد تحصى، ولا تكاد تنقطع في أوقات اليقظة، لدى كل واحدٍ منا انفعالاتٌ إيجابية، مثل: الحب والإعجاب، والاحترام والاهتمام بالفضائل، ومنها ما هو سلبي، مثل: الخوف والغضب، والحقد والرغبة في الانتقام، وقد أوجد البارئ سبحانه وتعالى هذه الانفعالات في النفس البشرية؛ من أجل حمايتها، وتوازنها، وبعث الحيوية فيها، فدورها الأساسي إيجابي، لكن إذا تجاوز أيٌ منها حدود السواء فإنه يتحول إلى عاملٍ سلبي يزعزع كيان الشخصية.

    إن اعتقاد المسلم بأن كل ما يصيبه من مصائب ومكدرات جارٍ بقضاء الله وقدره، واعتقاده بأن ما يأتيه من خيرٍ وفوز ما هو إلا شيءٌ مؤقتٌ وزائل، وأن المصائب يجب أن تقابل بالصبر، كما أن النعم يجب أن تقابل بالشكر. إن ذلك الاعتقاد يمنح شخصية المسلم درجةً عالية من التوازن والتماسك، وقد قال الله جل وعلا: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [الحديد:22-23].

    مشكلة الانفعالات أنها حين تتجاوز الحدود الطبيعية، تسبب للمرء عدداً من المشكلات، منها: أن الميل الشديد إلى أمرٍ من الأمور مثل النفور الشديد منه يشوش رؤيتنا للخيارات المتعلقة به والظروف المحيطة.

    إن من الصعب جداً أن نتمكن من إصدار أحكامٍ منطقية وموزونة في حالة طغيان الانفعال الإيجابي والسلبي كما قال الشاعر:

    وعين الرضا عن كل عيبٍ كليلةٌ     كما أن عين السخط تبدي المساويا

    إلى جانب هذا، فإن الانفعالات القوية تفسد كثيراً من العلاقات بين الناس، حيث يقوم التقارب والتباعد بينهم على أسس متموجة ولاعقلانية، والانفعالات الشديدة بعد هذا وذاك أقوى معول يمكن أن يهدم الإرادة، ويوشوه تجلياتها في السلوك، مما يوجب على الواحد منا أن يتدرب على بعض الطرق التي تمكنه من التحكم في انفعالاته.

    كيف نسيطر على الانفعالات؟

    إننا حين نحاول السيطرة على انفعالاتنا نكون قد شرعنا في استعادة التوازن بين العقلانية والعاطفة، والسيطرة على العواطف لا تعني كبتها، والتخلص منها، وإنما تعني إيقافها عند حدودٍ معينة، بحيث لا تؤثر في الموقف العقلاني للشخص.

    وهذه بعض المفاهيم والأساليب التي قد تساعدنا على السيطرة على الانفعال:

    أ) أول خطوة على طريق السيطرة على الانفعال تتمثل في الاعتراف به، فربما أكون غافلاً، وجليسي يلاحظ عليَّ علامات الغضب، أو الميل المبالغ فيه، حيث إن من الممكن أن أنتقد في شخصٍ من الأشخاص كل تصرفاته، وكل ما يتصل به، كما أن من الممكن أن أدافع عن تصرفات شخصٍ من الأشخاص، وأفسر كل أخطائه تفسيراً يخالفني فيه كل من حولي، كما أن من الممكن أن أتضايق من شخص فأقاطعه في الحديث، أو أخالفه في كل ما يقول، ولا بد آنذاك أن أنتبه لما أفعله مما يؤذي الآخرين دون شعورٍ مني.

    ب) حين تسيطر على المرء مشاعر الإحباط واليأس والإخفاق فإن عليه أن يتذكر الأحداث السارة في حياته، والنجاحات التي حققها، وأن يقارن نفسه بمن دونه حتى يستشعر الخير الذي هو فيه.

    في حالة الحقد الشديد على شيء، أو التقزز منه، أو الاستخفاف به، فإن علينا أن نتذكر ما عسى أن يكون له من مميزات وخصائص وفضائل، وذلك حتى نولد مشاعر جديدة تخفف من حدة المشاعر السلبية.

    ج) سيكون من المفيد في هذا الشأن أن نحاول الخروج من فلك الانفعال بتغيير الوضعية التي نحن فيها، في حالة الغضب -مثلاً- يطلب من الغضبان أن يتحول إلى وضعية تحول بينه وبين الانتقام، وقد ورد في الحديث الشريف: (إذا غضب أحدكم وهو قائمٌ فليجلس، فإذا ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع).

    ومن تغيير الوضعية أيضاً اللجوء إلى السكوت، باعتباره نوعاً من إيقاف الغضب عند حده، وفي الحديث: (إذا غضب أحدكم فليسكت، قالها: ثلاثاً).

    ويمكن للغضبان أن يغادر المكان، أو يغير مجرى الحديث الذي أثار غضبه.

    د) لنشاور غيرنا في الموقف الذي ينبغي أن نقفه تجاه الأمر الذي سبَّب لنا انفعالاً حاداً، إيجابياً كان ذلك الانفعال أو سلبياً.

    فالكثير من الخطأ في حالات الانفعال الشديد يكمن في التصرف المنفرد، وإذا تعود الإنسان أن يستشير غيره في هذه الحالة؛ فإنه يربح من وجوه عديدة، حيث إنه يكون قد نجح في تأخير اتخاذ قرار في حالةٍ انفعالية، مما يعني تأخير المواجهة، ومنح النفس فرصةً جديدة.

    ثم إن المشاورة تجعلنا نرى الأشياء من زاويةٍ مغايرة، وذلك يجعل مواقفنا وقراراتنا أكثر حكمةً واتزاناً. واعتياد المشاورة بعد هذا يعني أننا نعطي الأمور ما تستحقه من الوقت والعناية والاهتمام، وفي ذلك خيرٌ كثير.

    عصرنا عصر الضغوط، وعصر المطالب المتزايدة، والتنافس الشديد، ولذا فإن المتوقع ارتفاع وتيرة الانفعال لدى كثيرٍ من الناس، وهذا يجعلنا بحاجة إلى أن نستخدم ما لدينا من خيالٍ وإرادة في مقاومة ضغوط الحياة، ونحن بالإضافة إلى هذا في حاجة إلى أن نتدرب على الاسترخاء، والمحافظة على صحتنا الجسدية، والترفيه عن أنفسنا، في إطارٍ من المشروعية والاعتدال.

    والله المستعان في كل حال.

    1.   

    الأسس التي تقوم عليها الرؤية الإسلامية العامة في مسائل المال والاقتصاد

    وقد آن الأوان لنصير إلى الحديث عن المحور الرابع والأخير، والذي خصصناه للحديث عن تدبير أمور العيش، وإدارة الحياة الشخصية، ومن الله الحول والطَول.

    العيش في الزمان الصعب يتطلب -أيها الإخوة والأخوات!- من المسلم أن يستنفر كل طاقاته الروحية والعقلية والجسمية، في سبيل أن يحظى بحياةٍ كريمةٍ شريفةٍ حرة، تليق بالمسلم الملتزم، والمسلم الذي لا يفعل ذلك كثيراً ما يجد نفسه مهمشاً، أو تابعاً ذليلاً، أو يجد نفسه كسيراً حسيراً يتطلع إلى ما لا يصل إليه، ويعاني مما لا يستطيع دفعه والفكاك منه.

    دعونا نقول في البداية -أيها الإخوة!- إن الحياة العامة لمعظم الناس ليست حياةً سوية، حيث تم اختصار كثير من الأنشطة الروحية والأدبية أو ألغي، مما جعل المجال الأكبر للتنافس بين الناس هو المال، وما يتبعه من متاع الحياة الدنيا، وبما أن المال في حد ذاته لا يكفي، ولا تشبع النفس منه، فقد اشتعلت في حياة الناس منافسةٌ لا ترحم، وانتشر حسدٌ لا حدود له، وتطلعات غير مشروعة، تتنامى يوماً بعد يوم.

    الرؤية الإسلامية العامة في مسائل المال والاقتصاد، والكسب والاستثمار والإنفاق رؤيةٌ تميل إلى التوازن، والتوسط، والاعتدال، وهي رؤيةٌ متكاملة تراعي مصلحة الجماعة، كما تراعي مصلحة الفرد في آنٍ واحد، كما تراعي تطلعات الإنسان وضعفه، في نفس الوقت الذي تراعي فيه كون الحياة الدنيا دار ممرٍ لا دار مقر، ودار زرعٍ لا دار حصاد.

    وتلك الرؤية تقوم على الأسس التالية:

    تكفل الله جل وعلا بالرزق لكل ذي روح

    أ) إن الله جل وعلا ضامنٌ ومتكفلٌ بالرزق لكل إنسان، بل لكل ذي روح، كما قال سبحانه: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا [هود:6].

    لكن ذلك لا يعني أن الرزق سيكون بالنسبة لكل الناس على درجةٍ واحدة من السعة، فالحكمة البالغة اقتضت التفاوت في المعايش، تحقيقاً للتعاون والتكامل، وتنويعاً للابتلاء.

    فعلى المسلم أن يثق فيما عند الله تعالى، كما أن عليه أن يطلبه بطاعة الله، وعن طريقٍ مشروع.

    الكسب والعمل والكد في طلب الرزق عبادة

    ب) الكسب والعمل والكد في طلب الرزق عبادة، وإن لم تتعد ثمرات ذلك الدائرة الشخصية والأسرية للمسلم، وذلك بالشروط والآداب التالية:

    أن يكون العمل مشروعاً: فالعمل في الربا، وأمكنة القمار، وما شابهها لا يكون طيباً، والله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان طيباً.

    النية الصالحة: نية المسلم في عفاف نفسه، وإغناء أسرته، ونفع أمته، وعمارة الأرض.

    أن يلتزم فيه حدود الله تعالى، فلا يظلم ولا يخون، ولا يغش، ولا يجور على غيره.

    أن يحاول تأدية العمل بإتقان وإحسان قدر الاستطاعة.

    ألا يشغله عمله الدنيوي عن أداء واجباته الدينية، فقد قال سبحانه: رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ [النور:37]، وقد روي أن رجلاً مر على النبي صلى الله عليه وسلم، فرأى الصحابة من جلده ونشاطه، فقالوا: (يا رسول الله! لو كان هذا في سبيل الله؟ -أي الجهاد- فقال عليه الصلاة والسلام: إن كان خرج يسعى على ولده صغاراً فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياءً ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان).

    محاربة الإسلام للعطالة والبطالة

    ج) الإسلام يحارب العطالة والبطالة، وهدر الطاقات والإمكانات، ويحث المسلم على العمل، وبذل الجهد في استنباط خيرات الأرض، وفي الحديث: (ما أكل أحدٌ طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده) وفي الحديث أيضاً: (لئن يأخذ أحدكم أحبله -أي حباله- ثم يأتي الجبل، فيأتي بحزمة حطبٍ على ظهره، فيبيعها فيكف بها وجهه، خيرٌ من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه).

    التوسط في الإنفاق

    د) التوسط في الإنفاق، فلا يمسك المال عن مواضع البر والصلة والصدقة، ولا ينفقه في ذلك أو في أكلٍ وشرب، ويظل بعد ذلك حيران، لا يدري ما الذي يصنعه بنفسه وعياله، وقد قال الله جل وعلا: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً [الإسراء:29]، وقال سبحانه في وصف عباد الرحمن: وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً [الفرقان:67].

    حسن التدبير وإدارة الموارد القليلة على وجهٍ حسن يجعل حياة المسلم أقرب إلى الطمأنينة والاستقرار، ومما يساعد على تكوين المالية العامة للأمة، ويدعم رأس المال الوطني، ولا سيما إذا علمنا أن كثيراً من الأعمال اليوم لا يقوم على الجهد البدني فحسب، وإنما يحتاج إلى أدوات إنتاج، وهذه لا يمكن توفيرها إلا عن طريق ادخار بعض المال، مما هو متاح للمصروفات اليومية.

    1.   

    الأمور التي تساعد في تدبير شئون العيش وإدارة الإمكانات المتوفرة

    وإليك الآن أخي المستمع بعض ما أعتقد أنه يساعد في تدبير شئون العيش، وكسب الرزق، وإدارة الإمكانات المتوفرة:

    الاستقامة والالتزام

    أولاً: الاستقامة والالتزام:

    تأتي الاستقامة وتقوى الله تعالى على رأس ما يمكن أن يقوم به المسلم من أجل العيش في الزمان الصعب، وتحسين ظروف المعيشة، فقد وعد الله جل وعلا ووعده الحق بتفريج الكروب عمن يتقيه، ويتبع أمره، ويلزم حدوده، حيث قال: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً [الطلاق:2-3].

    ومما يوسع في الرزق صلة الرحم وبر الأقارب، فقد ورد في الحديث: (من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أجله -أي: يؤخر له في أجله- فليصل رحمه).

    وإن من المؤسف أن كثيراً من الناس يواجه الأزمات المعيشية بالتفلت من الضوابط الشرعية، وبقطع الرحم، والإقلال من الصدقة، ظناً منهم أن ذلك يوسع خيارات الحركة أمامهم، ويساعدهم في ضغط نفقاتهم، وهذا مضادٌ تماماً لما يجب عمله، فالأمر كله بيد الله تعالى، فهو مسبب الأسباب، وهو الذي يغير الظروف والأحوال، وما عنده لا يُنال من خلال معصيته، وإنما عبر طاعته.

    محاولة تحسين الدخل

    ثانياً: محاولة تحسين الدخل:

    يعيش كثيرٌ من الناس اليوم على حافة الفقر، وهناك شكوى من صعوبة توفير الحاجات الأساسية، ولا سيما السكن، ومن الحلول لهذه الوضعية أن يحاول الإنسان تحسين دخله، حيث إن في إمكان المرء أن يوجد لنفسه عملاً فرعياً يدر عليه دخلاً إضافياً، ومهما ساءت الأحوال فإن هناك دائماً بعض الفرص للحصول على مصدر يزيد في دخل المرء.

    كما أن في إمكان ربات البيوت أن يعملن في بعض الأعمال اليدوية الخفيفة داخل بيوتهن لتعزيز دخل أزواجهن، وقطاع الخدمات يتنامى يوماً بعد يوم، وعلى نحوٍ سريع، وهو يوجد اليوم فرصاً كثيرةً للعمل، وتلك الفرص لا تحتاج إلى كثيرٍ من المال بمقدار ما تحتاجه من التنسيق والتنظيم، أي المبادرة، والعقل المنظم، وشيءٍ من الجهد والصبر، ولا ننس أن نقول: إن هذا كله يجب أن يتم في إطار من التوازن، ومراعاة الحقوق الأخرى.

    تعود تأجيل الرغبات

    ثالثاً: تعود تأجيل الرغبات:

    لدى النفس البشرية ميولٌ غريزية نحو الكسل والفوضى، والهروب من الواجبات، والابتعاد عن الأعمال الجادة، وكثيراً ما يرى الواحد منا نفسه وقد قطع عملاً مهماً يقوم به من أجل إجراء مكالمةٍ هاتفية، غير ملحةٍ ولا ضرورية، أو من أجل زيارة صديق كان معه منذ يومين، أو من أجل سماع نشرة أخبار يعلم أنها لا تختلف عن نشرةٍ سمعها منذ قليل.

    والمطلوب من الواحد منا أن يسجل على نفسه كم مرة في اليوم استطاع تأجيل رغبةٍ ملحة من أجل المضي في عملٍ مهم، وكم مرةً قطع عمله من أجل خاطرٍ خطر في باله، وهو لا ينطوي على أي قيمة أو أهمية.

    إن تحرك الوقت على نحوٍ متتابع يرتب علينا مسئوليات وأعباء جديدة، ولا بد من مواجهتها عن طريق الاستمرار في العمل، والمثابرة عليه على قدر المستطاع.

    اغتنام الفرص المتاحة

    رابعاً: اغتنام الفرص المتاحة:

    الفرص تعني دائماً ظروفاً أكثر ملاءمة للقيام بعملٍ ما، وهذه الظروف لا تتوفر دائماً، بل إن الفرص الكبرى قد لا تتوفر إلا مرةً واحدةً في العمر.

    الفرص -أيها الإخوان!- لا تطرق باب أحد، وعلى الناس أن يبحثوا عنها.

    حين يكون المرء إيجابياً وفعالاً وجريئاً فإنه يقع على الفرص أكثر من غيره؛ لأنه يدرك جوانب النفع الخفية، فيسبق غيره إلى الاستفادة منها.

    الكسل والخوف من الإخفاق من أكبر العوامل التي تقعد بالإنسان عن الاستفادة من الفرص، إن مشاورة أهل الخبرة فيما يلوح من فرص، وإمكانات توفر معلومات لا تقدر بثمن، وتساعد كثيراً على التحرك والإقدام، فلنجعل من ذلك خلقاً لنا.

    السفر

    خامساً: السفر بابٌ من أبواب الرزق:

    السفر قطعة من العذاب، لكنه أيضاً بابٌ من أبواب الرزق، حيث يستفيد المرء خبراتٍ جديدة، وينقل إلى البلد الذي يسافر إليه خبرات بلده الذي نشأ فيه، ويقع غالباً على فرص لا تتوفر في موطنه، وقد قال الله جل وعلا: وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً [النساء:100] قال ابن عباس وغيره: [السعة سعة الرزق] وكان ابن عمر يقول: [ما خلق الله موتةً أموتها بعد الموت في سبيل الله أحب إليَّ من الموت بين شعبتي رحلي، أبتغي من فضل الله ضارباً في الأرض] وعلى مدار التاريخ كان الناس يهاجرون ويسافرون تفادياً للمجاعات والأزمات الخانقة، وكان معظمهم يجد في ذلك منجاةً مما هو فيه من كرب وضيقٍ وقلة.

    توفير شيء من الدخل

    سادساً: توفير شيءٍ من الدخل:

    كانت الحياة في الماضي أقرب إلى الرتابة، والمفاجآت قليلة، والاحتياجات محدودة، أما اليوم فإن كل شيءٍ قد تغير، وصار توقع الحالة الطارئة من مرضٍ وسفر، ومصروفات تعليم، وفقدانٍ للعمل والوظيفة أمراً ضرورياً، أضف إلى هذا أن تحسين الوضع المادي لأحدنا كثيراً ما يستلزم وجود شيءٍ من المال ولو كان قليلاً، وهذا لا يتأتى إلا من خلال توفير شيءٍ من الدخل، ولذا فإنه سيكون من المهم للواحد منا ألا ينفق كل ما يأتيه من مورد، وأن يحاول أن يجتزئ شيئاً منه يعده للطوارئ.

    بعض الناس ينفق دخله الشهري في أيامٍ معدودة، ثم يستدين إلى نهاية الشهر، ليظل يشعر بأنه عاجزٌ ومغلوب، ومع أن بعض الناس يكون مضطراً فعلاً إلى مثل ذلك، إلا أن الصحيح أن كثيرين منا يسيئون استخدام مواردهم المالية، وينفقون كثيراً منها على أشياء ترفية، أو دعواتٍ وولائم مظهرية، أو تلبيةً لعاداتٍ اجتماعية جائرة، ثم يظل يطرق باب فلانٍ وعلان مريقاً ماء وجهه.

    فكرة الصندوق الاحتياطي التي يعمل بها بعض الناس فكرةٌ جيدة ومفيدة، حيث يقوم باجتزاء نحوٍ من (10%) من دخله الشهري ويضعه في ذلك الصندوق، ليستخدمه عند الحاجة، وأظن أن تفكيرنا جميعاً في ذلك يعد شيئاً مفيداً.

    الذكاء في إدارة الإمكانات المحدودة

    سابعاً: الذكاء في إدارة الإمكانات المحدودة:

    كلما كانت الإمكانات محدودة، والموارد شحيحة، احتجنا إلى براعةٍ أكثر في إدارتها، وتظهر التجارب العالمية يوماً بعد يوم أن في إمكان الإدارة الممتازة أن تعوض على نحوٍ مذهل ضعف الإمكانات المتاحة.

    التقدم التقني الهائل يتيح أكثر فأكثر لأعدادٍ كبيرة من الناس أن ينتجوا كمياتٍ كبيرة من المحاصيل من جراء زراعة مساحات صغيرةٍ جداً، وفي بعض الدول مثل اليابان صارت الزراعة المنتجة على أسطح المنازل، وعلى الأرفف المقامة على الجدران مألوفةً وجذابة، كما أنه صار في إمكان صاحب الخبرة أن يقيم مصنعاً صغيراً في حجرةٍ من داره، بل إن بعض المصانع الكبرى كانت نواتها في يومٍ من الأيام عبارةً عن ورشةٍ صغيرةٍ جداً، كما هو الشأن في مصانع فورد للسيارات.

    إن مما يساعد على خفض النفقات تأجيل شراء بعض الأشياء إلى الأوقات التي تكون فيها رخيصة، وهذا ما يفعله كثيرٌ من الناس في الدول المتقدمة، وأكل بعض الفواكه والخضار في مواسمها حيث تكون أسعارها عادةً منخفضة، وإجراء المكالمات الهاتفية في أوقات التخفيض، واعتماد مبدأ الصيانة للأشياء والمحافظة عليها وعلى سلامتها لأطول مدةٍ ممكنة، والإقلال من شراء السلع الترفية والكمالية.

    ولا بد مع هذا وذاك من الإقلال من عادات البطر والتبذير في المأكل والملبس والمسكن، حيث تنفق النساء على نحوٍ أخص أموالاً طائلة على الملابس وأدوات الزينة، وحيث يطبخن كمياتٍ كبيرةً من الطعام لا تجد من يأكلها.

    إن محاولة فهم أسرار النجاح في بعض المؤسسات، أو الشركات الناجحة، مما يساعد على توليد الأفكار المبدعة التي يمكن أن تقوم عليها مشاريع ناجحة، وحين توجد الفكرة، وتدعم بدراسة جدوى علمية؛ فإن المال لا يغدو مشكلة، حيث يتهافت المستثمرون على صاحب الفكرة الذكية، وقد رأيت أعداداً لا تحصى من الناس استثمروا إمكاناتهم الذهنية، وربحوا من ورائها أكثر مما ربحه أصحاب الأموال الطائلة، والتي لا يعرفون ماذا يعملون بها.

    عدم تجميد الأموال

    ثامناً: لا تجمد أموالك:

    المال أداةٌ إنتاجية مهمة في الرؤية الإسلامية، حيث يحث الإسلام على جعله متحركاً؛ لأن في حركته نمواً.

    إن حركة المال توفر الكثير الكثير من فرص العمل للمحتاجين إليها، كما أن فيها تنشيطاً للاقتصاد الوطني، وعائداً على الدولة، وعلى أصحاب رءوس الأموال، إذا ما أدير بشكلٍ جيد، ولعل هذا بعض ما يفسر قوله عليه الصلاة والسلام: (لو كان لي مثل أحد ذهباً لسرني ألا تمر عليَّ ثلاث ليال وعندي منه شيء إلا شيئاً أرصده لدين) وقد قال عمر رضي الله عنه: [ألا من ولي يتيماً له مال فليتجر له في ماله، ولا يتركه فتأكله الصدقة].

    وإن في ترتيب الشريعة السمحاء الزكاة في الأموال غير المستثمرة حضاً لأصحابها على استثمارها؛ لأن المال ما خلق من أجل الكنز والتكديس في البيوت والصناديق، وإنما لأجل الاستغلال والتوظيف حتى ينتفع بحركته الناس.

    لكن هذا الحث على استثمار المال لا ينبغي أن ينسينا أن هناك من امتهن استلاب أموال الناس، وتوظيفها في مشروعاتٍ متهورة وطائشة، دون التمتع بالحد الأدنى من الأمانة أو الخبرة أو هما معاً.

    وقد قال أحد الحكماء: في كل دقيقة يولد مغفل، ويولد اثنان للمتاجرة به.

    العلاقات الحسنة

    تاسعاً: العلاقات الحسنة مصدر رزق:

    مصير البشرية متوقف على عددٍ محدود من الأمور الجوهرية، أهمها علاقة الناس بخالقهم جل وعلا، ثم علاقتهم بعضهم ببعض، والتعاليم الإسلامية في هذا الشأن تؤسس لعلاقاتٍ ممتازة بين الناس؛ لأنها قائمةٌ على الحث، وعلى البذل والعطاء، والتسامح والتعاون.

    ونجد هذا واضحاً في نحو حث الإسلام على الابتداء بإلقاء السلام، وعلى إكرام الضيف والجار، ومقابلة الخطأ بالعفو، والتبسم في وجه الأخ المسلم، والصبر على ما تجره مخالطة الناس من أذى، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وغشيان المساجد في الجمعة والجماعات، وإغاثة الملهوف... إلخ.

    وأعرف عدداً محدوداً من الأشخاص نفعهم الله تعالى بعلاقاتهم مع الناس الطيبين نفعاً عجيباً؛ لأنهم يعتمدون مبدأ: إذا سنحت لك فرصة لا تستطيع الاستفادة منها فقدمها هديةً لأحد إخوانك، لكن هذا يحتاج إلى شيءٍ واحد هو التخلص من داء الأثرة والأنانية المقيتة.

    إن حسن الخلق مع الناس، والإحسان إليهم فوق أنه تعبدٌ لله تعالى، يعود بالنفع العظيم على أصحابه، فهو -مثلاً- يجعل الآخرين يشعرون بالامتنان، ويبحثون عن وسيلة يردون بها التحية بمثلها أو بخيرٍ منها، كما أنه يبني الثقة والألفة بين المسلمين.

    وهو أيضاً وسيلة للتعارف والتعاون، وحين يحتاج شخص من الناس إلى نوع من الخدمة أو العمل فإنه يلجأ أولاً إلى من يعرفهم.

    إن أسمى العلاقات الأخوية، وأعظمها نفعاً، هي تلك التي نقيمها مع الناس عبر علاقتنا بالله جل وعلا، أي تكون لله، وفي مرضاة الله.

    إننا -أيها الإخوة!- في حاجة إلى الثقة بأن عطاء الله غير محدود، وأنه مهما ساءت الأحوال، واشتدت الكروب، فستظل هناك فرصٌ وخيارات، لكن قصورنا الذاتي، وضعف شفافيتنا تجاه المتغيرات هو الذي يحرمنا من الخير، ويضعف موقفنا تجاه الصعوبات.

    ولله الأمر من قبل ومن بعد، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3007957339

    عدد مرات الحفظ

    720415164