إسلام ويب

تفسير سورة البقرة [35-49]للشيخ : محمد إسماعيل المقدم

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغداً...)

    قال تبارك وتعالى: وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ [البقرة:35]. قوله: (اسْكُنْ أَنْتَ) هذا تأكيد للضمير المستتر في (اسكن) حتى يعطف عليه (وزوجك) وقوله: (وَزَوْجُكَ) يعني: حواء بالمد، خلقها الله من ضلع آدم الأيسر. وقوله: (وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا) أي: كلا منها أكلاً رغداً، يعني: واسعاً كثيراً لا حجر فيه، فمعنى (وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا): كلا منها أكلاً رغداً، ولابد من تقدير كلمة أكلاً، ورغداً هنا صفة. قوله: (حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ) يعني: لا تقربا هذه الشجرة بالأكل منها، وليس المقصود الدنو في حد ذاته، إنما المقصود الأكل منها، والشجرة قيل: هي الحنطة أو الكرم، وقيل: غيرهما. وقوله: (فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ) يعني: فتصيرا من العاصين. لما خلق الله تعالى آدم عليه السلام وخلق له زوجه وأقرهما في الجنة أباحهما الأكل منها بقوله: وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا [البقرة:35] أي: أكلاً واسعاً. وقوله: (حَيْثُ شِئْتُمَا) حيث للمكان المبهم، أي: من أي مكان من الجنة شئتما. وأطلق لهما الأكل من الجنة على وجه التوسعة البالغة الغاية حيث لم يحظر عليهما بعض الأكل ولا بعض المواضع الجامعة للمأكولات من الجنة، حتى لا يبقى لهما عذر في التناول مما منعا منه، يعني: إذا كان الله سبحانه وتعالى أباح لهما كل ما في الجنة، فإذا حرم عليهما شيئاً واحداً فقط لا يبقى لهما عذر في مخالفة هذا الأمر؛ لأن الله قد أباح لهما الكثير. وهذا حتى الآن واقع معنا، فالناس دائماً يعيبون المتدينين، ويقولون لهم: أنتم كل شيء عندكم حرام! فنقول: لا، ليس كل شيء حراماً، بل إذا تأملت في نعم الله سبحانه وتعالى علينا وجدت كل شيء حلالاً إلا أشياء يسيرة، فالماء حلال، والعصير حلال، والفواكه حلال، واللحم حلال، ودائرة الحلال واسعة جداً، ودائرة الحرام ضيقة جداً. فهنا كذلك الله سبحانه وتعالى أباح لهما كل ما في الجنة فقال: (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا) أي: أكلاً واسعاً من أي مكان شئتما، فلم يبق لهما عذر إذا خالفا هذا الأمر وقد وسع الله عليهما هذه التوسعة. وقوله تعالى: (وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ) أي: هذه الشجرة الحاضرة، يعني: لا تقربا منها، ولم يقل: ولا تأكلا من هذه الشجرة، ولكن قال: (وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ)، وهذا مبالغة في تحريم الأكل منها، ووجوب الابتعاد عنها، وهذا نلاحظه في كثير من تعبيرات القرآن، مثل قوله تبارك وتعالى: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا [الإسراء:32]، وقوله: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا [البقرة:187]، وقوله: وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [الأنعام:152]. وفي الحديث: (وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى يحوم حول الحمى يوشك أن يرتع فيه)، فعلق النهي بالقربان منها مبالغة في تحريم الأكل ولزوم الاجتناب عنه؛ لأن القرب من الشيء يقتضي الألفة، والألفة داعية للمحبة، ومحبة الشيء تعمي وتصم، فالمحب لا يرى قبيحاً، ولا يسمع نهياً، فيقع في الحرام. والسبب الداعي إلى الشر منهي عنه، فحكمة الله سبحانه وتعالى أنه لا يحرم شيئاً إلا ويحرم كل وسيلة تسهل وتؤدي إليه، فلما حرم الزنا حرم كل سبب يقرب إليه، وسد الذرائع من بعيد، حتى يكون الناس في مأمن وفي حصن من ذلك، فأمر بغض البصر، وحرم إطلاق البصر فيما حرم الله سبحانه وتعالى، وأمر المرأة بالحجاب، ومنع مصافحة الأجنبية، ومنع الخلوة بها، ومنع سفر المرأة بدون محرم؛ لأن هذه كلها وسائل للاعتداء على الأعراض. فالسبب الداعي إلى الشر منهي عنه، كما أن السبب الموصل إلى الخير مأمور به؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (العينان تزنيان) فلما كان النظر داعياً إلى الألفة، والألفة تدعو إلى المحبة، وذلك مفضٍ لارتكابه؛ صار النظر مبدأ الزنا.

    سبب العطف في سورة البقرة بالواو وفي سورة الأعراف بالفاء

    قوله تعالى: وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا [البقرة:35] فعطف بالواو، وفي سورة الأعراف قال تبارك وتعالى: وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا [الأعراف:19] وهذا عطف بالفاء يقول القاسمي رحمه الله: جاء في آية الأعراف (فكلا)، وفي آية البقرة بالواو؛ لأن كل فعل عطف عليه شيء وكان ذلك الفعل كالشرح، وذكر الشيء كالجزاء؛ عطف بالفاء دون الواو؛ لأن الفعل يقع في جواب الشرط، فإذا فهم من سياق النص عطف بالفاء لا بالواو، كقوله تعالى: وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا [البقرة:58] يعني: كانوا خارج القرية، فكأن الله سبحانه وتعالى يقول لهم: إذا دخلتم فكلوا منها، يقول: لما كان الأكل ووجود الأكل منها متعلقاً بدخولها ذُكر بالفاء، وكأنه قال: إن دخلتموها أكلتم منها، ففيها معنى فعل الشرط وجواب الشرط، فجاء فيها بالفاء فقال: وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا [البقرة:58]. وقال في الأعراف: اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا [الأعراف:161] بالواو دون الفاء لأنه من السكنى، وهو المقام مع اللبث الطويل، فقوله: (اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ) المقصود هنا: التعبير بالإقامة فيها، فهل الإقامة فيها تستلزم الأكل؟ لا، لا تستلزم أن يظل الإنسان مقيماً في القرية لا يقوم فيها بشيء غير الأكل، فالسكون هنا هو مجرد اللبث في القرية، فلذلك يقول: وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا [الأعراف:161] بالواو دون الفاء لأنه من السكنى، وهو المقام مع اللبث الطويل، ومن دخل بستاناً قد يأكل منه وقد لا يأكل منه، فلما لم يتعلق الثاني بالأول تعلق الجزاء بالشرط عطف بالواو، فلذلك قال في هذه الآية: اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا [الأعراف:161] لكن في الآية الأخرى قال: وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا [البقرة:58]؛ لأنهم كانوا خارج القرية، والمراد: إن دخلتموها فكلوا، أما هذه فالأمر منصب على معنى الاستقرار فيها، ولا يستلزم ذلك الأكل منها. يقول: وإذا ثبت هذا نقول: قد يراد بـ(اسكن) الزم مكاناً دخلته، ولا تنتقل عنه، وقد يراد: ادخله واسكن فيه، فقوله تعالى هنا في سورة البقرة: وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا [البقرة:35] يدل على أن آدم دخل الجنة، وكان موجوداً فيها، فلذلك عطف بالواو، فالمراد هنا: المكث، والأكل لا يتعلق به، فجيء بالواو، وفي الأعراف ورد الأمر قبل أن يدخل الجنة فقال: وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ [الأعراف:19]، والمراد: الدخول، والأكل متعلق به، يعني: إن دخلت فكل، فلذلك وردت بالفاء في الأعراف وبالواو في سورة البقرة. ولم يرد في القرآن الكريم ولا في السنة الصحيحة تعيين هذه الشجرة؛ إذ لا حاجة إليه؛ لأنه ليس المقصود أن تعرف عين تلك الشجرة، وما لا يكون مقصوداً لا يجب بيانه. وقوله: فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ [البقرة:35] أي: الذين ظلموا أنفسهم بمعصية الله تبارك وتعالى.

    سبب أكل آدم من الشجرة

    آدم عليه السلام لم يخرج من الجنة إلا بالتأويل، وإلا فإن آدم لم يقصد المعصية والمخالفة، ولم يقصد أن يكون ظالماً مستحقاً للشقاء، لكن إبليس خدعه، كما أخبر الله عنه بقوله: وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ [الأعراف:21] فآدم عليه السلام كان من طهارة وبراءة قلبه وسلامة نيته لا يتصور أبداً أن مخلوقاً من خلق الله يحلف بالله كاذباً، وهذا يدل على براءة آدم من تعمد المعصية. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: الصواب أن آدم عليه السلام لما قاسمه عدو الله -أي: حلف له أنه ناصح- وأكد كلامه بأنواع من التأكيدات: أحدها: القسم: (وقاسمهما). والثاني: الإتيان بجملة اسمية لا فعلية: (إني لكما لمن الناصحين). والثالث: تصديرها بأداة التأكيد. الرابع: الإتيان بلام التأكيد في الخبر. الخامس: الإتيان به اسم فاعل لا فعلاً دالاً على الحدث. السادس: تقديم المعمول على العامل فيه. ولم يظن آدم أن أحداً يحلف بالله كاذباً يميناً غموساً؛ فظن صدقه، وأنه إن أكل منها لم يخرج من الجنة، ورأى أن الأكل وإن كان فيه مفسدة فمصلحة الخلود أرجح، ولعله يتأتى له استدراك مفسدة المعصية بعد ذلك باعتذار أو توبة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه...)

    قوله تعالى: فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ [البقرة:36]. يقول السيوطي رحمه الله تعالى: (فأزلهما إبليس) أي: أذهبهما، وفي قراءة (فأزالهما) أي: نحاهما. وقوله: (عنها) أي: الجنة، بأن قال لهما: هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى [طه:120] وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ [الأعراف:21]. وقوله: (فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ) أي: من النعيم. وقوله: (وَقُلْنَا اهْبِطُوا) يعني: إلى الأرض. وإذا قلنا: إن الخطاب هنا موجه إلى آدم وحواء فيقصد به آدم وحواء وما اشتملا عليه من ذريتهما. وقوله: (بَعْضُكُمْ) أي: بعض الذرية (لبعض عدو) يعني: من ظلم بعضكم بعضاً. وقوله: (وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ) أي: موضع قرار. وقوله: (وَمَتَاعٌ) يعني: ما تتمتعون به من نباتها. وقوله: (إِلَى حِينٍ) أي: إلى وقت انقضاء آجالكم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم)

    وقوله تبارك وتعالى: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة:37] يعني: ألهمه الله سبحانه وتعالى كلمات، وفي قراءة أخرى (فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ) يعني: جاءته كلمات، أما على هذه القراءة (فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ) يعني: ألهمه الله سبحانه وتعالى إياها.

    وقد بين تعالى سورة الأعراف في قوله: قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ[الأعراف:23] أنه لما تلقى الكلمات دعا بها.

    وقوله: (فتاب عليه) أي: قَبِلَ الله سبحانه وتعالى توبته.

    وهل معنى ذلك أن حواء لم تقبل توبتها؟

    الجواب: كلا! وإنما لم تذكر حواء في التوبة لأنه لم يجر لها ذكر في سياق هذه الآيات، لا أن توبتها لم تقبل، بل توبتها قبلت.

    وقوله: (إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ) يعني: على عباده (الرَّحِيمُ) بهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قلنا اهبطوا منها جميعاً فإما يأتينكم مني هدى....)

    قال تعالى: قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة:38]. قوله: (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا) يعني: من الجنة، (جميعاً) كرره ليعطف عليه: (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى) وهذا فيه إدغام، يعني: أصلها (فإن ما) فأدغمت نون (إن) الشرطية في (ما) الزائدة، فصارت: (فإما). وقوله: (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى) يعني: كتاب ورسول. وقوله: (فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ) أي: فآمن بي وعمل بطاعتي. وقوله: (فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) يعني: في الآخرة بأن يدخلوا الجنة.

    الخلاف في ماهية ومكان الجنة التي أهبط منها آدم عليه السلام

    هناك خلاف كبير جداً بين العلماء في هذه الجنةالتي كان فيها آدم عليه السلام؟ فبعضهم قال: إنها كانت جنة في الأرض على رأس جبل بالمشرق تحت خط الاستواء، وقالوا: الهبوط يعني: الانتقال من بقعة إلى بقعة، كما في قوله تعالى: اهْبِطُوا مِصْرًا [البقرة:61] واستدلوا بأدلة كثيرة. وفريق آخر من العلماء قال: إن هذه الجنة هي جنة الخلد، وجنة المأوى، وليست جنة في الأرض. يقول ابن مفلح رحمه الله: أكثر الناس على أن المراد بالجنة التي أسكنها الله آدم جنة الخلد دار الثواب، ثم قال: قال شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية رحمه الله: وهذا قول أهل السنة والجماعة، ومن قال: إنها جنة في الأرض بالهند أو جدة أو غير ذلك فهو من الملحدة المبتدعين، والكتاب والسنة يرد هذا القول. وقد استوفى الكلام فيهما الإمام العلامة ابن القيم الجوزية رحمه الله تعالى في كتابين هما: مفتاح دار السعادة، وكذلك كتاب حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح. وابن القيم بعدما سرد بالتفصيل أدلة كل فريق من الفريقين لم يرجح، وإنما ختم كلامه ببيت شعر هو: إذا تلاقت الفحول في لجب فكيف حال الغصيص في الوسط يعني: أنه يعتذر عن الترجيح في هذه المسألة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون)

    ثم قال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:39] (بآياتنا) يعني: كتبنا.

    وقوله: (أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) أي: ماكثون أبداً لا يفنون ولا يخرجون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم...)

    لما قدم الله تعالى دعوة الناس عموماً وذكر مبدأهم في الآيات السابقة، تكلم عن بدأ الخلق، وذكر قصة آدم وحواء عليهما السلام، ودعا وخص من كل بني آدم بني إسرائيل بالذات، فخص سبحانه وتعالى بالخطاب بني إسرائيل -وهم اليهود- لأنهم كانوا أولى الناس بالإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ ولأنهم يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة، وقد جرى الكلام معهم هنا من الآية رقم (40) إلى الآية رقم (142)، فكل الخطاب في الآيات المقبلة إلى الآية رقم (142) هو في بني إسرائيل، يعني: أن مائة آية كلها في خطاب بني إسرائيل؛ لأنهم كانوا أولى الناس بأن ينقادوا ويؤمنوا بهذا النبي الأمي العربي صلى الله عليه وآله وسلم. ونلاحظ في هذه الآيات المائة أنه تارة دعاهم بالملاطفة، وتارة بذكر إنعام الله سبحانه وتعالى عليهم وعلى آبائهم، وتارة بالتخويف، وتارة بإقامة الحجة وتوبيخهم على سوء أعمالهم، وتارة بذكر عقوباتهم التي عاقبهم الله سبحانه وتعالى بها، فقال تبارك وتعالى: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ [البقرة:40]. قوله: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ) هم أولاد يعقوب عليه السلام؛ لأن إسرائيل هو يعقوب عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. وقد هيجهم الله تعالى بذكر أبيهم إسرائيل، كما قال لنا في أول سورة الإسراء: ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا [الإسراء:3] يخاطبنا بذلك؛ لأن الأب الثاني للبشرية هو نوح عليه السلام، وذكرنا بنوح؛ لأن نوح عليه السلام كان عبداً شكوراً؛ كان يأكل اللقمة فيحمد الله عليها، ويشرب الشربة فيحمد الله عليها، فهذا تعريض بنا نحن. فقوله: ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ [الإسراء:3] أي: كونوا كأبيكم نوح؛ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا [الإسراء:3] أي: فكونوا أنتم كذلك شاكرين لله سبحانه وتعالى كأبيكم نوح، فهذا هو المقصود بقوله: (ذرية) يعني: يا ذرية (مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا) أي: فكونوا مثله. وهنا خاطب بني إسرائيل باسم أبيهم يعقوب عليه السلام تهييجاً لعواطفهم، وتذكيراً بأن هذا العبد الصالح كان مطيعاً لله، يعني: فكونوا مثله، وكأنه قيل: يا بني العبد الصالح المطيع لله! كونوا مثل أبيكم، كما تقول: يا ابن الكريم! افعل كذا، يا ابن العالم! اطلب العلم، فكذلك هنا المراد: يا بني إسرائيل العبد الصالح المطيع لله! أطيعوا الله كما أطاعه أبوكم إسرائيل عليه السلام. وقوله: (اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ) قال ابن جرير : نعمه التي أنعم بها على بني إسرائيل كثيرة جداً منها: اصطفاؤه منهم الرسل؛ لأن الأنبياء من بعد إبراهيم عليه السلام كانوا جميعاً من ذرية يعقوب عليه السلام، ولم تخرج عنهم إلا إلى محمد عليه الصلاة والسلام الذي هو من ذرية إسماعيل عليه السلام. ومن هذه النعم إنزاله عليهم الكتب، واستنقاذه إياهم مما كانوا فيه من البلاء والضراء من فرعون وقومه إلى التمكين لهم في الأرض، وتفجير عيون الماء من الحجر، وإطعام المن والسلوى، فأمر جل ثناؤه أعقابهم أن يكون ما سلف منه إلى آبائهم على ذكر، وألا ينسوا صنيعه إلى أسلافهم وآبائهم، فيحل بهم من النقم ما أحل بمن نسي نعمه عنده منهم وكفرها وجحد صنائعه سبحانه وتعالى عنده. فالنعم نص الله عليها في كثير من الآيات مثل قوله تبارك وتعالى: وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى [البقرة:57]، ومثل قوله تعالى: وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ [البقرة:49]، ومثل قوله تعالى: ونريد أن نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ [القصص:5]. وقوله: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ العهد هو: الميثاق، وقد أشير إليه في قوله تعالى: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ [المائدة:12] فهذا هو عهده، وهذا هو عهدهم. أما عهدهم هم فهو في قوله تعالى: لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ [المائدة:12] يعني: أن هذا هو حق الله على العباد، كما جاء في حديث معاذ . إذاً: العهد الذي أخذه الله عليهم بينه الله في قوله تعالى: لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا [المائدة:12]. ومن هذا العهد أيضاً ما جاء في قوله تبارك وتعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ [آل عمران:187] فهذا أيضاً داخل في عهدهم. أما عهد الله فهو: لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ [المائدة:12] فهذا عهده، وهذا عهدهم، فعهد الله هو وصيته لهم بما ذكر في الآية، ومنها الإيمان برسله المتناول لخاتمهم عليه السلام؛ لأن الآية: لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي [المائدة:12] ومنهم خاتمهم وسيدهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنهم يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة، وعهده تعالى إياهم هو أنهم إذا فعلوا ذلك أدخلهم الجنة. وقوله: (وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) أي: اخشوني واتقوني أيها المضيعون عهدي من بني إسرائيل! والمكذبون رسولي الذي أخذت ميثاقكم فيما أنزلت على أنبيائي أن تؤمنوا به، وتتبعوه، فإن لم تتوبوا إلي باتباعه والإقرار بما أنزلت إليه أحل بكم عقوبتي.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وآمنوا بما أنزلت مصدقاً لما معكم...)

    قوله: وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ [البقرة:41] يعني: من القرآن، مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ[البقرة:41] من التوراة، بموافقته له بالتوحيد، وإثبات النبوة: وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ[البقرة:41]، يعني: من أهل الكتاب، فهذه أولية نسبية، وإلا فإن أول من كفر بالكتاب هم كفار قريش، وهذا واضح، لكن المقصود هنا: وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ[البقرة:41]، ممن حقهم أن يكونوا أول المؤمنين به؛ لأنهم عندهم خبرة في التوراة من قبل: وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ[البقرة:41] كما ذكرنا من أهل الكتاب، فهذه أولية نسبية، بالنسبة لأهل الكتاب كلهم، أي: لا تكونوا أنتم أول كافر به من أهل الكتاب؛ لأن مَنْ خلفكم تبعٌ لكم، فإثمهم عليكم، كل من يأتي بعدكم ويقتدي بكم في هذه السُّنة القبيحة، وهي التكذيب بالنبي عليه الصلاة والسلام، فيبوء بإثمه وإثمكم: وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي[البقرة:41] يعني: لا تستبدلوا، استعارة كما يقولون، (بآياتي) يعني: التي في كتابكم، من نعت محمد صلى الله عليه وسلم (ثمناً قليلاً) أي: عوضاً يسيراً من الدنيا، أي: لا تكتموها خوف فوات ما تأخذونه من سفلتكم، وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ[البقرة:41] أي: خافونِ في ذلك دون غيري.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون)

    قوله: وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:42]، لا تخلطوا الحق بالباطل، الحق الذي أنزلت عليكم، بالباطل الذي تفترونه وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ[البقرة:42]، عطف يعني: ولا تكتموا الحق، وهو نعت وصفة محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ[البقرة:42]، أي: والحال أنكم تعلمون أنه الحق، الواو هنا (وأنتم تعلمون) واو الحال.

    هنا يذكر القاسمي رحمه الله تعالى تنبيهاً يقول: كثيراً ما يستدل مجادلة أهل الكتاب على عدم تحريف كتبهم بهذه الآية وأمثالها، يقول: أنتم ما بين الوقت والآخر -أيها المسلمون- يوجد في كتابكم عبارات أو نصوص أو آيات تؤكد أن التوراة هي كلام الله، وأن التوراة من عند الله كقوله عز وجل: وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ[البقرة:89]، وآية: وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ[يونس:37] مع أنه ثبت بالبراهين القاطعة ذهاب قدر كبير من كتبهم، واختلاط حقها بباطلها فيما بقي، كما صنفت في ذلك مصنفات عدة بما يرد استدلالهم بهذه الآية وأمثالها.

    يرد استدلالهم بأن معنى كون القرآن مصدقاً لما معهم، لما تحتويه من حقيَّة صدق نبوة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وصحة البشائر عنه؛ لأن التوراة محتشدة بعشرات الأدلة على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وسبق أن تكلمنا فيها من قبل في بحث الإيمان بالرسل، وأدلة صدق النبوة؛ لكن الآن الوقت لا يحتمل التفاصيل، لكن معلوم أن الملائكة منذُ أن أتت بالبشارة إلى إبراهيم وهاجر بشراً أيضاً بخروج هذا النبي من نسل إسماعيل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، كما قال تعالى: وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ[البقرة:101]، أي: أنه جاء صدق ما عندهم في التوراة والإنجيل، بمعنى: أن أحوالهم جميعاً توافق البشائر.

    قوله: وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ[البقرة:41]، أي: لا تكونوا أول كافر به من جنسكم أهل الكتاب، بعد سماعكم بمبعثي، فهذه الأولية نسبية، فإن يهود المدينة أول بني إسرائيل خوطبوا بالقرآن، أو هو تعريض بأنهم كان يجب أن يكونوا أول من يؤمن به؛ لمعرفتهم به ولصفته، ولأنهم كانوا المبشرين بزمان من أوحي إليه، وكانوا يستفتحون على الذين كفروا بخروجه صلى الله عليه وسلم يقولون لهم: نحن ننتظر نبياً عندما يبعث ننضم إليه ونهزمكم ونغلبكم، فلما بعث كفروا به عليه الصلاة والسلام، يقول تعالى: فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ[البقرة:89].

    ثم يقول تعالى: وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ[البقرة:42]، هذا تقبيح لحالهم، لأنهم إن كانوا لا يعلمون فربما عُذِر الجاهل، لكن يصبح بمن هو يعلم أن هذا هو الحق، ويعرض عنه، فلذلك وصفهم الله تبارك وتعالى بقوله: وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ[البقرة:42]، فإذاً: لا يبقى لكم عذر؛ لأن الجاهل قد يعذر، فماذا عن العالم؟! لا يعذر في جحوده هذا الحق.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين)

    ثم قال تبارك وتعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة:43]، هذا دليل على أن كل الأنبياء من قبل خوطبوا بالصلاة، ما خلت شريعة من الشرائع من إقامة الصلاة، وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ[البقرة:43]، وهنا الأمر متكرر في ظاهره: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ[البقرة:43]، فإذاً دار الأمر أو اللفظ بين التأسيس والتوكيد فيحمل أمره على التأكيد؛ لأن فيه معنىً زائداً.

    فإذاً نقول: إن (واركعوا مع الراكعين) ليست تأكيداً لـ(أقيموا الصلاة) وإنما هي أمر زائد على مجرد إقامة الصلاة وهو: أن تكون في جماعة، هذا أمر بصلاة الجماعة، يبقى (وأقيموا الصلاة) تأدية الصلاة، وكما تلاحظون، الأمر بإقامة الصلاة لا يأتي بكلمة (صلوا) ولكن يأتي بـ(أقيموا) يعني: مراعاة حدودها، وآدابها، وخشوعها وحضور القلب فيها، وليس مجرد الصلاة، ودائماً القرآن يمتدح المؤمنين بأنهم يقيمون الصلاة، كما قال تعالى: وَيُقِيمُونَ الصَّلاة[البقرة:3]، وقال: وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ[النساء:162]، وقال: وَأَقَامَ الصَّلاةَ[البقرة:177]، ما ذكر لفظ (صلى) إلا في المنافقين: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ[الماعون:4] * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ[الماعون:5]، إلى آخر الآيات، أما ما جاء في سورة المعارج من قوله تبارك وتعالى: إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا[المعارج:19] * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا[المعارج:20] * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا[المعارج:21] * إِلَّا الْمُصَلِّينَ[المعارج:22]، هذه في المؤمنين فما الجواب؟

    الجواب: أنه أتبعها بمعاني إقامة الصلاة، فوافقت كل ما ورد في القرآن من التعبير عن ذلك بإقامة الصلاة، فإنه لم يقل: (إلا المصلين) وسكت؛ لكن أتى بمعنى إقامة الصلاة بقوله: إِلَّا الْمُصَلِّينَ[المعارج:22] * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ[المعارج:23]، ثم ذكر جملاً من الصفات وختم بقوله: وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ[المعارج:34]، فأضاف نفس معنى إقامة الصلاة إلى وصف المصلين.

    ثم يقول تبارك وتعالى: وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ[البقرة:43]، هذا أمر بالصلاة مع المصلين.

    يقول الإمام السيوطي هنا: محمد وأصحابه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ورضي الله تعالى عنهم، ويؤخذ من هذا: أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، فهنا أمر لهم بصلاة الجماعة مع النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: ونزل في علمائهم، وكانوا يقولون لأقربائهم المسلمين: اثبتوا على دين محمد فإنه دين الحق، كان علماء اليهود يقولون لأقربائهم من المسلمين: اثبتوا على دين محمد صلى الله عليه وسلم فإنه الحق.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم...)

    قال السيوطي رحمه الله تعالى: ونزل في علمائهم، وكانوا يقولون لأقربائهم المسلمين: اثبتوا على دين محمد فإنه دين الحق، أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ [البقرة:44] يعني: يا أيها اليهود! أتأمرون الناس بالبر يعني: بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، (وتنسون أنفسكم) النسيان هنا بمعنى: الترك، والنسيان يأتي بمعنى ضد التذكر، وبمعنى الترك، فهنا: (وتنسون) يعني: تتركون أنفسكم فلا تأمرونها بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، وأنتم تتلون الكتاب، يعني: التوراة، وفيها الوعيد على مخالفة القول العمل؛ لكن إذا قلنا: إن الخطاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم فالكتاب المقصود به هو القرآن الكريم، فإنه يستقيم أن يكون الخطاب لليهود، وذلك إذا قلنا: إن الكتاب هو التوراة، فإذا قلنا: هو القرآن فيعم كل من يخاطب بهذا القرآن الشريف. وقوله: أَفَلا تَعْقِلُونَ [البقرة:44] يعني: أفلا تعقلون سوء فعلكم، وترجعون؟! فجملة النسيان هي محل الاستفهام الاستنكاري أي: كيف يحصل منكم ذلك؟ هذا هو المقصود.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (واستعينوا بالصبر والصلاة...)

    ثم يقول تبارك وتعالى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ [البقرة:45]، هذا أمر بالاستعانة بالصلاة، غير أن الآيات هنا لم تبين نتائج الاستعانة بالصلاة، لكن بينت آيات أخرى نتائج الاستعانة بالصلاة، مثل قوله تبارك وتعالى: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ[العنكبوت:45]، فمن نتائج الاستعانة بالصلاة: النهي عما لا يليق، ومنها: أنها تجلب الرزق، لقوله تعالى: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى[طه:132]، وكان صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمرٌ فزع إلى الصلاة، فلذلك الصلاة أفضل ما يفزع إليها الإنسان عند الكربات: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ[البقرة:45].

    يقول: وَاسْتَعِينُوا[البقرة:45] أي: اطلبوا المعونة على أموركم بالصبر، أي: حث النفس على ما تكره، والصلاة: أفردها بالذكر تعظيماً لشأنها، وفي الحديث: كان صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر بادر إلى الصلاة، وقيل: الخطاب لليهود، لما عاقهم عن الإيمان الشره وحب الرياسة أمروا بالصبر، وهو الصوم؛ لأنه يكسر الشهوة، والصلاة بأنها تورد الخشوع وتنفي الكبر، وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ[البقرة:45] (وإنها) يعني: الصلاة، (لكبيرة) يعني: ثقيلة، إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ[البقرة:45] أي: الساكنين إلى الطاعة.

    الَّذِينَ يَظُنُّونَ[البقرة:46] يعني: يوقنون، والظن من الأضداد، ما الشاهد من القرآن؟ إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ[الحاقة:20]، (إني ظننت) يعني: أيقنت (أني ملاق حسابيه).

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم...)

    ثم قال تبارك وتعالى: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ [البقرة:47] يقول هنا القاضي: محمد بن كنعان في قرة العينين: قوله تعالى: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ[البقرة:40] قد قصت الآيات من الآية أربعين إلى الآية: (123: من سورة البقرة)، أخبار بني إسرائيل، واليهود منهم خاصة مع موسى عليه السلام، وطرفاً من أخبار النصارى، فالتبس على بعض الناس ما فيها من ثناء على بني إسرائيل، وما في آيات أخرى من ذم اليهود ولعنهم، آيات تمدح اليهود، وآيات تلعنهم وتذمهم، وسبب ذلك عدم التفريق بين بني إسرائيل واليهود، والظن بأنهما شيء واحد، وهذا خطأ واضح؛ لأن القرآن الكريم فرق بينهما، فإذا جمعنا الآيات التي تذكر بني إسرائيل في مقابلة الآيات التي نزلت في اليهود، نرى أن إسرائيل هو لقب نبي الله يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام، وأن بني إسرائيل هم أولاده، يوسف وإخوته، وذرياتهم، يعني: يوسف عليه السلام لما انتقل إلى مصر، وكان له مكان من المجد والوزارة والجاه العظيم، واستجلب إخوته ووالديه هنا في مصر، كثروا كثرة عظيمة، فهؤلاء هم بنو إسرائيل، يعني: يوسف وإخوته وذرياتهم، قال تعالى: كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ[آل عمران:93]، إسرائيل هو يعقوب، وإسرائيل وبنوه كانوا مسلمين، فعندما يذكر الله تبارك وتعالى بني إسرائيل بخبر فالمقصود أولاد يعقوب الصالحون، والطالحون من ذريتهم لا اليهود، أما اليهود فهم الذين عبدوا عجل السامري ثم تابوا، واسمهم هذا مشتق من هادَ بمعنى: تاب ورجع، ولكن توبتهم لم تكن صادقة، قال: (إنا هدنا إليك) يعني: رجعنا وتبنا إليك، ويقول تعالى في أمرهم: وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ[البقرة:93]، وهم فئة من بني إسرائيل، وليسوا كل بني إسرائيل، فليس كل إسرائيليٍّ يهودياً، كما أنه ليس كل يهودي إسرائيلياً.

    يقول تعالى: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ[البقرة:47]، يعني: بالشكر عليها بطاعتي وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ يعني: فضلت آباءكم؛ لأن تفضيل الآباء شرف للأبناء؛ ولذلك مع أنه يخاطب اليهود وبني إسرائيل الذين كانوا موجودين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم: وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ يعني: فضلت آباءكم، عَلَى الْعَالَمِينَ[البقرة:47]، هذا عام يراد به الخاص، ما هو الخاص؟ على عالَمِي زمانهم، فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ[البقرة:47]؛ ولذلك اليهود كثيراً ما يتشدقون بهذه الآيات في المحافل الدولية، حتى كانوا في الأمم المتحدة من قبل يأتون بنصوص من القرآن لتثبت أحقيتهم بفلسطين، وبأن القرآن يمدحهم؛ ولذلك كان بعض العلماء لما كان يتناظر مع واحد من هؤلاء اليهود وأراد أن يلزم العالم المسلم بقوله: أنا أقر بنبوة موسى، وأنت توافقني عليها، وفي نفس الوقت لا أقر بنبوة محمد عليه الصلاة والسلام، يعني: يلزمك أن توافقني أنا ولا أوافقك أنت فأجابه العالم: إن كان موسى الذي بشر بمحمد فهذا الذي أوافقك على نبوته، وإن كان موسى الذي ما بشر به فهذا لا أقرك على نبوته، فالشاهد: أن هذه الآيات أيضاً فيها امتنان على بني إسرائيل: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ يعني: فضلت آباءكم عَلَى الْعَالَمِينَ[البقرة:47] أي: على عالمي زمانهم، وليس على الإطلاق، هذا عام أريد به الخاص؛ لأن الله سبحانه وتعالى فضلهم بأن أنزل عليهم الكتب وجعل فيهم أنبياء، وجعلهم ملوكاً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئاً ...)

    قال تعالى: وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنصَرُونَ [البقرة:48]، (واتقوا يوماً) المقصود: اتقوا عذاب يوم (اتقوا) أي: خافوا عذاب يوم، أو اتقوا يَوْمًا لا تَجْزِي يعني فيه: نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ المقصود هنا: نفس كافرة وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا يعني: لا تجزي نفس كافرة عن نفس شيئاً.

    قوله: وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ يعني: لا تجزي نفس كافرة عن نفس شيئاً، وهو يوم القيامة، وهنا قراءتان: وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ [البقرة:48]، أو (لا تقبل منها شفاعة) يعني: لو أن الإمام في الصلاة قال: (ولا يقبل منها شفاعة) لا ترد عليه؛ لأن هذا يدور داخل القراءات المتواترة الثابتة، فلا يرد أحد عليه كما يحصل من بعض الناس الذين لا يعرفون هذه القراءات، وتكون محتملة لقراءة من القراءات، ما ينبغي أن يرد عليه في الصلاة!

    نفي الشفاعة عن الكفار

    قوله تعالى: (( وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ )) أي: لا تجزي نفس كافرة عن نفس شيئاً، ولا يقبل منها شفاعة، وهل يفهم من هذه الآية: أن الكافر له شفاعة؟ لا، وهذا أسلوب من أساليب العرب، فإنه يوجد حذف، لذلك ننظر إلى دقة الإمام السيوطي رحمه الله حيث يقول: لا تجزي نفس عن نفس شيئاً وهو يوم القيامة، ولا تقبل منها شفاعة أي: ليس لها شفاعة فتقبل، وهذا خلاصة بحث كبير، فالمعنى: ليس لها شفاعة أصلاً حتى تقبل، فهو لا ينفي قبول الشفاعة إن وجدت بل ينفي وجود الشفاعة من أصلها، وهذا التفسير من أدق التفاسير لهذه الآية، وهذا الأسلوب له نظائر مثل قول الشاعر: على لاحب لا يهتدى بمناره إذا سافه العود الديافي جرجرا هو يحكي هنا عن الجمل، فمن عادة الجمل أنه إذا طال به البعد عن المكان الذي يقيم فيه فيشم التراب، فهو يميز المسافات عن طريق رائحة التراب، فقوله هنا: على لاحب لا يهتدى بمناره: المقصود لا منار فيه أصلاً فيهتدى به، والصحراء القاحلة لا يوجد فيها منار أصلاً، لكن في الظاهر أن هناك مناراً، لكن هو يقول: على لاحب لا يهتدى بمناره إذا سافه العود الديافي جرجرا (إذا سافه) يعني: شم (جرجرا) يعني: حن إلى الوطن أو إلى الأرض التي يقصدها، فمعنى: على لاحب لا يهتدى بمناره: يعني: لا منار فيه أصلاً. ومن ذلك قول الشاعر: بأرض فضاء لا يسد وصيدها عليّ ومعروفي بها غير منكر الوصيد هو الباب كقوله تعالى: وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ [الكهف:18]، فالشاعر يقول: بأرض فضاء لا يسد وصيدها عليّ ومعروفي بها غير منكر فمعناه: أرض فضاء ليس فيها وصيد أصلاً، لكن الظاهر أن الشاعر يثبت الوصيد.وهذا له نظير في القرآن كقوله تعالى: قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلامِ بِعَالِمِينَ [يوسف:44]، فمعنى ذلك: أن الأحلام الباطلة ليس لها تأويل فنكون بها عالمين، فهنا نفي لأن يكون للأحلام الباطلة تأويل، وليس إثبات أنها لها تأويل ونحن على تأويلها من الجاهلين، لكن قالوا: أضغاث أحلام، وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين، يعني: لا تأويل للأحلام الباطلة فنكون به عالمين. ومنه أيضاً في القرآن الكريم: وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ [النور:60] المعنى: لا زينة لهن أصلاً حتى يتبرجن بها. والشاهد من هذا كله: أن قوله تعالى: (لا تقبل منها شفاعة) يعني: ليس لها شفاعة فتقبل، كما حكى عن الكفار قولهم: فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ [الشعراء:100]، وهذه نكرة في النفي فتفيد العموم (فما لنا من شافعين).

    أقسام الشفاعة المنفية

    الشفاعة المنفية في قوله تبارك وتعالى: وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ [البقرة:48]، هي شفاعة الكفار، وهناك نوعان من الشفاعة المنفية: أولاً: الشفاعة للكفار، ثانياً: الشفاعة لغير الكفار بدون إذن رب السماوات والأرض سبحانه، فدلت الآية على أن هناك شفاعتين منفيتين في الآخرة: شفاعة للكفار، أو الشفاعة لغير الكفار بدون إذن من الله سبحانه وتعالى، أما الدليل على نفي الشفاعة للكفار فقوله تعالى: وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء:28]، وقد دلّت الآيات على أن الله لا يرضى لعباده الكفر، فإذاً: الكفار ليسوا من أهل الشفاعة، ولا يشفع لهم؛ وقد حكى الله عنهم في سياق التقرير أنهم يقولون: فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ [الشعراء:100] فلا شفاعة للكفار أصلاً. أما الشفاعة لغيرهم بدون إذن الله فدليل نفيها قوله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة:255]، وقوله تعالى: يَوْمَئِذٍ لا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا [طه:109]. والشفاعة للكفار مستحيلة شرعاً مطلقاً باستثناء شفاعته صلى الله عليه وسلم في عمه أبي طالب ، لنقله من محل في النار إلى محل آخر منها، فهذه الصورة من صور تخصيص عموم الكتاب بالسنة. وقد تمسكت المعتزلة كعادتهم بهذه الآية على أن الشفاعة لا تقبل للعصاة، واستدلوا أيضاً بقوله تعالى: (( ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع )) فعلم أنها لا تقبل الشفاعة للعصاة، والجواب: أنها خاصة بالكفار، ويؤيده أن الخطاب للكفار من بني إسرائيل، فمعنى الآية: أنه تعالى لا يقبل ممن كفر به فدية ولا شفاعة، ولا ينقذ أحد من عذابه تعالى منقذ ولا يخلص منه أحد. الزمخشري في كتابه الكشاف ينصر مذهب المعتزلة، والكشاف مطبوع مع حاشيته لـناصر الدين الذي دافع فيها عن أهل السنة، وتتبع الزمخشري بكل ضلالاته وعدوانه على أهل السنة. ففي هذا الموضع: بدأ الإمام ناصر الدين بالرد على الزمخشري بعبارة -في الحقيقة- مفحمة، قال رحمه الله تعالى رداً على الزمخشري في هذا الاستدلال: من جحد الشفاعة فهو جدير بألا ينالها، وأما من آمن بها وصدقها -وهم أهل السنة والجماعة- فأولئك يرجون رحمة الله. فهذه سنة الله، أن كل من كذب بشيء يطمع فيه أن يعاقبه الله بأن يحرمه منه، فالذي يكذب برؤية الله في الآخرة لن ينالها، لأنه مكذب بها، كذلك من كذب بالشفاعة فإنه سيحرم منها، والله تعالى أعلم. وقوله في الحاشية: وأما من آمن بها وصدقها -وهم أهل السنة والجماعة- فأولئك يرجون رحمة الله، هذا من الأدب مع الله، حيث لم يقل: هم ينالون، وإنما قال: أولئك يرجون رحمة الله، يعني يطمعون في رحمة الله. قال: ومعتقدهم أنها تنال العصاة من المؤمنين، وإنما ادخرت لهم، وليست الآيات دليلاً لمنكريها؛ لأن قوله: (يوماً) في هذه الآية: وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا [البقرة:48] نكرة، لم يقل: اليوم، ولكن قال: يوماً، أي يوم من الأيام، فهذا تنكيل، يقول: ولا شك أن في القيامة مواطن، ويومها معدود بخمسين ألف سنة، فبعض أوقاتها ليس زماناً للشفاعة، وبعضها هو الوقت المعدود للشفاعة، وفيه المقام المحمود لسيد البشر عليه أفضل الصلاة والسلام، وقد وردت آي كثيرة ترشد إلى تعدد أيامها، واختلاف أوقاتها، منها قوله تعالى: فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ [المؤمنون:101] مع قوله: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ [الصافات:27]. ففيها إثبات للتساؤل فيحمل على أنهم في موضع لا يتساءلون وفي موضع آخر يتساءلون، فيتعين حمل الآيتين على يومين مختلفين، ووقتين متغيرين، أحدهما محل للتساؤل والآخر ليس محلاً له، وكذلك الشفاعة في وقت من أوقات يوم القيامة لا تجزي نفس عن نفس شيئاً، أي نفس حتى ولو كانت مؤمنة، حتى الأنبياء أنفسهم يقولون: نفسي نفسي! ففي فترة من فترات يوم القيامة لا تجزي نفس حتى المؤمنة عن نفس شيئاً؛ لكن في يوم آخر تجزي نفس مؤمنة عن نفس شيئاً بالشفاعة، وأدلة ثبوت الشفاعة لا تحصى كثرة، رزقنا الله الشفاعة، وحشرنا في زمرة أهل السنة والجماعة. إذاً: قوله تبارك وتعالى: (لا تقبل منها) بالتاء والياء (منها شفاعة) أي: ليس لها شفاعة فتقبل كما قال الله عنهم: فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ [الشعراء:100]، (وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ) والمقصود به: الفداء، قيل هنا: (عدل) لأنه يساوي المفدي، والعدل هو: مال يبذل بوزن الشخص الذي تفديه؛ لأنه يعدله ويساويه (ولا هم ينصرون) يعني: لا يمنعون من عذاب الله عز وجل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب...)

    قال تعالى: وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ [البقرة:49].

    قوله: (وإذ نجيناكم) واذكروا إذ نجيناكم، يعني: آباءكم، نجيناكم أنتم المخاطبون في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، وآباءكم، والخطاب به وبما بعده للموجودين في زمن نبينا بما أنعم على آبائهم تذكيراً لهم بنعمة الله تعالى ليؤمنوا، وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ[البقرة:49]، نجينا آباءَكم: مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ[البقرة:49]، يذيقونكم سوء العذاب، يعني: أشد العذاب، والجملة حال من ضمير: نجيناكم.

    يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ[البقرة:49]، هذا بيان لسوء العذاب، فهو يشرح ما هو سوء العذاب، فأتى بأقسى وأشد مظاهره (يذبحون) بيان لما قبله، (أبناءكم) يعني: المولودين، (ويستحيون نساءكم) يعني: يستبقون نساءكم للإذلال والخدمة، كي يُتَّخذن خادمات فلا يقتلونهن؛ لقول بعض الكهنة لفرعون: يولد في بني إسرائيل مولود يكون سبباً لذهاب ملكه، فكان فرعون يقتل الذكور، ويستحيي النساء، والحقيقة الإمام الزجاج له تعليق طيب جداً على عقلية فرعون.

    يقول هنا: فالعجب من حمق فرعون! إن كان الكاهن عنده صادقاً فما ينفع القتل، وإن كان كاذباً فما معنى القتل؟! يعني: فرعون الغبي الأحمق هو الذي يقول في حق موسى عليه الصلاة والسلام: أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ[الزخرف:52]، من حمقه أيضاً أنه سمع كلام الكاهن، فإن كانت هذه فعلاً نبوة وخبر صادق من هذا الكاهن، أنه سيولد ولد من بني إسرائيل يكون زوال ملك فرعون على يديه، فماذا فعل فرعون الأحمق؟ قتل الصبيان، الذكور، فإن كان هذا كائناً ولا محال فما فائدة القتل؟ هل سيمنع ما وقع، وما سبق به قضاء الله؟

    لا يمنع!

    وإن كان الكاهن كاذباً فما معنى القتل؟! فالحالتان تدلان على ضعف عقله تماماً، كما أظلم الله قلبه وأطفأ بصيرته حينما تتبع بجنوده موسى وطارده هو وجنوده، ورأى الآية العظمى من آيات الله سبحانه وتعالى، تخيل أنت أن البحر الأحمر يتحول إلى طرق يابسة، تخيل هذا المنظر!

    قال تعالى: وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا[الدخان:24]، ما معنى رهواً؟ يعني: ساكناً، يتحول الماء إلى أرض يابسة والناس ينظروا إليها، هذا بقدرة الله سبحانه وتعالى لما فلق موسى عليه السلام البحر بالعصا، انفلق فلقتين، فوقف الماء مثل هذا الجدار، (كالطود العظيم) أي: كالجبل العالي، وسكن الماء، (واترك البحر رهواً) يعني: ساكناً، فجدار من ماء، ممسك بقوة الله وبقدرته سبحانه وتعالى، فإنسان والعياذ بالله عمي قلبه أن يرى هذه الآية، ويرى الماء واقفاً، ويرى فرعون موسى ومن معه من بني إسرائيل ينجون ويمرون، والبحر واقف ولا يلتفت إلى هذه المعجزة القاهرة، وهذه الآية العظيمة، حتى يطمع في مطاردة موسى عليه السلام ويدفعه داخل البحر: (واترك البحر رهواً) يعني: اسلكه ساكناً فإنه سينطبق عليهم حينما يدخلون، وكان ما كان، بعدما كان يقول: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي[الزخرف:51]، أنزلها الله من فوقه، يعني: كان يسخر بأن مياه الأنهار تجري من تحته، فعاقبه بجنس عمله، فأجرى المياه من فوقه وأغرقه في هذا اليم.

    يقول تبارك وتعالى: يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ[البقرة:49]، يقول القاسمي رحمه الله تعالى: فرعون لقب لمن ملك مصر كافراً، كل من يحكم مصر وهو كافر يسمى فرعون؛ فكسرى لملك الفرس، وقيصر لملك الروم، وتبَّع لمن ملك اليمن كاملاً، والنجاشي لمن ملك الحبشة، وخاقان لملك الترك؛ ولعتو فرعون اشتق منه (تفرعن الرجل) إذا عتا وتمرد، وسبب سومه بني إسرائيل سوء العذاب من تذبيح أبنائهم على ما روي في التوراة خوفه من نموهم وكثرة تواجدهم، وكانت أرض مصرَ امتلأت منهم؛ فإن يوسف عليه السلام لما استقدم أباه وإخوته وأهلهم من أرض كنعان فلسطين إلى مصر، أعطاهم ملكاً في أرض مصر، في أفضل الأرض كما أمره ملك مصر، وكان لهم في مصر مقام عظيم؛ بسبب يوسف عليه السلام، فتكاثروا وتناسلوا، ولما توفي يوسف عليه السلام، والملك الذي اتخذه وزيراً عنده انقطع ذلك الاحترام عن بني إسرائيل، إلى أن قام على مصر أحد ملوكها الفراعنة، فرأى كثرة الإسرائيليين فقال لقومه: أضحى بنو إسرائيل شعباً أكثر منا، فهلم نحتال لهم لئلا ينموا، فيكون إذا حدث حرب أنهم يحاربوننا ويخرجون من أرضنا، فسلط عليهم رؤساء تسخير كي يذلوهم بأثقالهم وكان كلما اشتد تعبدهم ازدادوا كثرة وشدة، فشق على المصريين كثرتهم وخافوا منهم، فجعل أهل مصر يستعبدونهم جوراً، ويمررون عليهم حياتهم بالعمل الشديد بالطين واللبن وكل فلاحة الأرض، وكل الأفعال التي استعبدوهم بها بالمشقة!

    وأمر فرعون بذبح أبنائهم كما قص الله تعالى، ولم يزل الأمر من هذه الشدة عليهم حتى نجاهم الله بإرسال موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فقوله تبارك وتعالى هنا: وَفِي ذَلِكُمْ أي: في ذلك العذاب أو الإنجاء بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ، كلمة (في ذلك) إشارة إما إلى ذلك العذاب، أو إلى ذلك الإنجاء في قوله: وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ .

    (بَلاءٌ)، كلمة محتملة معنيين، البلاء إما يأتي بمعنى: النعمة، أو بمعنى: النقمة، فإذا قلنا: (وفي ذلكم) الإنجاء (بلاء) أي: نعمة، وإذا قلنا: (في ذلكم) العذاب، (بلاء) أي: نقمة فبلاء بمعنى: ابتلاء، أو بمعنى: إنعام، حسب ما تترتب عليه الإشارة، تشير إلى الإنجاء أم إلى العذاب.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3007986520

    عدد مرات الحفظ

    720897396