أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
ثم أما بعد: أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا ما زلنا مع نداءات الرحمن لأهل الإيمان، وكان النداء السالف في يومنا الماضي أمس هو قول ربنا جل ذكره: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ [البقرة:267]. فأفادنا هذا النداء ما أراد الله تعالى أن نعلمه، وما أراد الله تعالى أن نفعله، وهو:
أولاً: أمرنا بالإنفاق مما رزقنا، وهذا الإنفاق قد يكون واجباً وجوباً عينياً، وهو الإنفاق على النفس والزوجة والولد والأب والأم؛ إذ هذه النفقة عينية.
ثانياً: إذا فتح الله باب الجهاد وأعلن إمام المسلمين عن التبرع والإسهام لإعداد العدد وتزويد المجاهدين تعين الإنفاق أيضاً مما رزقنا الله.
ثالثاً: الإنفاق هنا بمعنى: وجوب الزكاة، بدليل ما بعده، إذ قال: مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ [البقرة:267]، وعرفنا أن ما نكسبه هو الإبل والبقر والغنم.
وعرفنا أن هذه الزكاة الواجبة العينية يشترط لها شرطان: الأول: النصاب، والثاني: الحول. وعرفنا النصاب وعرفنا الحول.
وأما الخارج من الأرض فيشترط فيه لتجب الزكاة: أن يكون مقتاتاً ومدخراً في نفس الوقت، فما لم يكن مقتاتاً لا زكاة فيه، وما لم يكن مدخراً كالبطيخ وأنواع الخضر والفواكه لا زكاة فيه.
ثم علمنا أنه من الأدب الرفيع ألا نتصدق ولا ننفق من رديء المال وخبيثه، سواء كان من الحبوب والثمار أو كان من غيرها، فقال: وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ [البقرة:267]. في حين لو أعطيتموه أنتم ما قبلتموه إلا في حال الإغضاء وتغميض العين.
وهذا النداء الكريم هو النداء التاسع من نداءات الرحمن، وبه عرفنا وجوب الإنفاق في تلك الميادين التي علمنا، وعلى رأسها هنا الزكاة؛ لقوله: مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ [البقرة:267].. والكسب يكون بأي نوع من أنواع العمل، فيصبح لدى المؤمن قطيع من الغنم .. عدد من الإبل .. من البقر .. يملك دراهم ودنانير أو عملة تقوم مقامهما، وهذا الذي كسبه عبد الله يجب أن يزكيه، وأن ينفق منه، وأما ما خرج من الأرض - والله مخرجه- من أنواع الحبوب والثمار إذا حصد ونضج وجبت الزكاة إن بلغ نصاباً.
ونصاب الحبوب أيها الذاكرون! خمسة أوسق، والوسق ستون صاعاً، والصاع أربعة حفنات أو أمداد، فمن حصد وجنى خمسة أوسق وجبت عليه الزكاة، ودون الخمسة الأوسق لا زكاة واجبة فيها إلا أن يتطوع، والله عز وجل يثيب المحسنين.
الآيات (278 - 279 - 280) من سورة البقرة
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ * وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:278-280] ].
معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا) هذا النداء مصدره الله، فاذكر يا عبد الله! واذكري يا أمة الله! أن الذي نادانا هو الله مولانا، وقد وصلنا هذا النداء بطريق الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالقرآن الكريم أوحي إلى رسولنا صلى الله عليه وسلم وتم إيحاؤه في خلال ثلاثة وعشرين سنة، وقد عرفنا أول آية نزلت فيه: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [العلق:1]. وآخر آية نزلت به: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [البقرة:281].
وقد عرفنا أن هذا النداء شرف لنا، وإلا من نحن وما نحن حتى ينادينا رب الجلال والكمال .. رب السموات والأرض وما بينهما .. رب كل شيء ومليكه؟ ولولا إيماننا ما تأهلنا لهذا النداء، ولا شرفنا به أبداً، فاحمدوا الله على نعمة الإيمان، وملايين البشر بل بلايين البشر ليسوا بأهل لأن يناديهم الله أبداً؛ لأنهم كالأموات، لا يسمعون ولا يبصرون، ولكن من آمن حيي، فإذا أصبح حياً فهو قادر على أن يعي ويفهم .. قادر على أن يعطي ويأخذ، ويفعل ويترك.
والتقوى هي: اتقاء العذاب، فإذا كنت بينك وبين الناس فتتقيهم بالدخول في كهف أو الصعود على جبل، ولكن الله عز وجل معك حيث كنت، وأنت بين يديه ولن تقدر أن تتقيه إلا بشيء واحد، ألا وهو: طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وبهذه الطاعة تتحقق التقوى للمؤمن[ إذ الله تعالى لا يتقى غضبه وعقابه إلا بالاستسلام والانقياد له ] فاستسلم لله واطرح بين يديه واقبل أمره ونهيه، وافعل الأمر وتجنب النهي، وبذلك تكون قد وجدت لنفسك وقاية، فلا تخف عذاباً لا في الدنيا ولا في الآخرة.
والاستسلام بمعنى الإسلام، واستسلم فلان أي: أسلم قلبه ووجهه لله، وأصبح قلبه لا يتقلب إلا في طلب رضا الله، وجوارحه لا تتحرك إلا في رضا الله، وقد شرحنا هذه القضية، فالمسلم الحق طول حياته في طاعة الله، وأنت تمر به والمسحاة في يده يحفر في الأرض وتظنه يشتغل له، وهو يشتغل لله، وتمر به وقد عرض بضاعته في السوق يبيعها وتظن أنه يعمل لنفسه، وهو يعمل لله؛ لأن هذا العامل يريد أن يوفر غذاءه؛ لتبقى بنيته صالحة ليعبد الله عز وجل، ويتزوج لله، ويطلق لأجل الله، ويبني لله، ويهدم لله، فكل حياتنا لله إن عرفنا الله، واقرأ لذلك آية الوقف من سورة الأنعام، وهذه السورة ما تقرأ على الموتى؛ لأنها عالية وكبيرة، ولا يعرفها القراء، قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:162-163]. فلم يبق بعد الحياة والموت شيء، فحياتنا لله ومماتنا لله، فنحن نحيا من أجل الله، ونموت من أجل الله، وهذا وقف، فإذا قلت: أنا مسلم ولم تسلم شيئاً لله فأنت كاذب، وإذا قلت: أنا متصدق ولم تتصدق بشيء فأنت كاذب إذاً، وإذا أسلم قلبه ووجهه لله فهو مسلم [ وذلك بحب ما يحب، وكره ما يكره ] وإذا كان الله يحب ذكره وأنت تكرهه فوالله ما أنت بمؤمن ولا بمسلم، وإذا كان الله يكره أصوات المغنيات والنائحات وأنت تحب ذلك فما أنت بعبد الله ولا بوليه [ وفعل ما يأمر به، وترك ما ينهى عنه ] هذا عبد الله المؤمن المسلم.
فالأمر الأول الذي تضمنه هذا النداء هو تقوى الله، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ [البقرة:278]. وهذا أمر، وقد عرفنا تقوى الله طاعته وطاعة رسوله، وذلك بحب ما يحب، وكره ما يكره، والانقياد والامتثال. وبذلك تتم التقوى.
وإن شاء الله نحقق هذا الأمر، فالله لا يحب الأغاني، وأنت تحبها وتتحرك أمام المغنية، وهذا ليس من الإسلام، فيجب أن نروض أنفسنا حتى نصبح نحب ما يحب الله ونكره ما يكره الله، ويجب علينا أن نعرف محاب الله ومكارهه، فالذي يعيش في دكانه .. في عمله .. في بستانه ولا يجلس جلسة طول عمره كهذه لا يعرف ما يحب الله، ولا ما يكره الله، والذي لا يعرف ما يحب الله ولا ما يكره الله فمن المستحيل أن يتقي الله؛ لأنه لا يعرف.
وعدنا من حيث بدأنا، يا معاشر المستمعين! علة هبوطنا هي الجهل، فقد خدعنا العدو، وعرف كيف يعمل، وأبعدونا عن المساجد، وحولونا إلى المقاهي والملاهي والملاعب، وانتهينا وأصبحنا جهلة، والجاهل لا يعرف كيف يتقي الله.
وأصحاب الرسول تنازلوا عن كل ما كان فوائد ربوية، وما طالبوا إلا برأس أموالهم، وقد انتدبهم الله لأن يتخلوا حتى عن رأس المال؛ إذ قال تعالى: وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة:280]. لا إله إلا الله! وقد فعل هذا أولئك المؤمنين ورب الكعبة؛ ولهذا فازوا وسادوا وسموا وارتفعوا، وفي خمسة وعشرين سنة بلغوا بالإسلام أقصى الشرق وأقصى الغرب بتلك الأنوار التي في قلوبهم، وهذا أعظم برهان، ونحن الآن ما استطعنا أن نخلص حتى إخواننا المضطهدين في فلسطين وفي البوسنة والهرسك كما يقولون، ونحن ألف مليون؛ لأننا لسنا كأولئك، ولا حتى شيئاً يذكر، فبمجرد أن نزلت الآية وضعوا، فإذا كان لك على أخيك دين، والمال متوفراً معك وهو ما عنده فانتظره، وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ [البقرة:280].
و سأبرهن لكم على هذا حتى لا تشكوا: نحن في مجلسنا هذا ألف واحد، والله لأعلمنا أتقانا لربنا، ولا تشكوا، وأي مجموعة من المؤمنين والمؤمنات أعلمهم بالله أتقاهم له، وأجهلهم أفسقهم، والرسول عرض هذا على أصحابه فقال: (أي إيمان يعجب به؟ قالوا: إيمان الملائكة. قال: كيف وهم مع الله؟ قالوا: إيمان الأنبياء، فقال: كيف يعجب من إيمانهم وهم الله يكلمهم؟ قالوا: إذاً نحن؟ قال: وما لكم والرسول بين أيديكم). ففهمنا أن العلم هو الذي يزيل الظلمات، والمسلمون لا يريدون هذا، بل يريدون أن نبقى على هبوطنا حتى تنزل الصواريخ علينا، والمسلمون ظنوا أنهم استقلوا وتحرروا، ووالله إن ربك لبالمرصاد.
فلما عبث أجدادنا بدين الله وفسقوا عن أمر الله، وأخذ القرآن يقرأ على الموتى، وأخذ وأخذ وأخذ، سلط عليهم بريطانيا وهولندا وإيطاليا وأسبانيا وفرنسا، فأذلوهم وسادوهم، وفي الأندلس جنة الدنيا الخضراء سلط عليهم الصليبيين فشتتوهم ومزقوهم ودمروهم، وحولوا مساجدهم إلى كنائس، وأحرقوهم بالنار وأغرقوهم في البحر، وقد كانت أمة أسعد الأمم، وسبب ذلك هو الجهل الذي أنتج الفسق والفجور والتمزق وغير ذلك، فمضت سنة الله فيهم، وإننا تحت النظارة، وها أنتم تشاهدون الأحداث في العالم من بلد إلى بلد.
فإذا عرفت أيها القارئ! عظم ذنب آكل الربا فاعرف ما هو الربا؛ حتى تجتنبه وتدعو المؤمنين إلى اجتنابه ].
وبالأمس عرفنا كيف حرم الله تعالى المن؛ لأنك تؤذي المؤمن بذلك، فلا تؤذيه عندما تعطيه؛ لأنه عبد الله ووليه وأنت أخوه فلا تؤذيه بالصدقة. وكذلك تحريم الربا؛ لأنه يوجد العداوة بين المؤمنين، وبيان ذلك: كأن أعطيك ذهباً لتعطيني ذهباً آخر فلا تقل: اعطني زيادة، فليس لك حق في أخذ زيادة، ولو بعتك تمراً فلا تقل: اعطني زيادة على ما أعطيتك، إذ ليس لك حق في هذا، فلو أعطيته أصبح في قلبك ألم منه، وهو كذلك. وكل عوامل الفرقة والأذى والخلاف والعداوة والبغضاء في الإسلام حرام.
[ الثاني: ربا النسيئة، أي: التأخير ] فأنسأ ينسئ إذا أخر [ وهو أن يعطي المرء لآخر مالاً يسدده بعد عام مثلاً على أن يزيد فيه، فإذا أعطاه ألفاً يردها بعد العام ألفاً ومائة مثلاً، وكلما تأخر السداد زاد في رأس المال، حتى يصبح أضعافاً مضاعفة، كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [آل عمران:130] ] وقد قلنا غير ما مرة: إن ربا الجاهلية أفضل من ربا العالمين اليوم، فربا الجاهلية كان أحدهم مثلاً يأتي إلى أبي جهل عمرو بن هشام فيقول له: أعطني مائة ألف درهم أتجر بها في اليمن أو الشام وأسددها لك في الحج فيعطيه المائة ألف، فإذا جاء الحج ولم يسدد يقول له: تسدد أو أزيد؟ فإن قال: ما عندي زاد، وأما لو سددها لم يزد. أو أن تأتي لـأبي سفيان رضي الله عنه وتقول: من فضلك أعطنا خمسين ألف درهم نشتري بها بضاعة من الشام ونردها في الحج، أي: مدة سنة، فإذا رددتها في الموعد لا يقول شيئاً أبداً، لكن إذا قلت: ما استطعت فيقول: إذاً: نؤخرها ونزيد برضاك فيزيد. هذا هو الربا في الجاهلية. وأما الآن فربا المعاصرين يأخذ الزيادة قبل أن يعطيه، فربا الجاهلية أفضل من ربا العلماء. فأنت الآن لما تأخذ من البنك مائة ألف يعطيك تسعين ألفاً فقط، وإذا لم تسدد زاد أيضاً، حتى يصبح أضعافاً مضاعفة، فربا العرب الجهال أفضل من ربا أوروبا الكافرة.
الأولى: نماء المال، والثانية: عون الفقير على الكسب والربح، ومثل المضاربة المشاركة في الزراعة والصناعة في تنمية المال، وإفاضته بين المؤمنين؛ لذا حرم الله تعالى الربا وأحل البيع. فلله الحمد وله المنة ].
معاشر المستمعين! الآن ندخل في الموضوع، لم يعد الناس يتعاونون، فالمضاربة والمشاركة انتهتا، فالواحد يقول: يترك ماله في البنك أفضل؛ لأنه يقول: أعطيه لفلان سنة يشتغل ثم يقول: مع الأسف ما اكتسبنا شيئاً، وأحياناً يقول: مع الأسف والله خسرنا، فأنا لن أعطيه مالي، أو نتعاون في شركة أو في بناء أو أي شيء ثم بعد عام أو عامين أو ثلاثة لا يوجد عندنا ربح، والذي يديرها يأكل ويشرب، وقد يأتي شخص ويقول: من فضلك أقرضنا ألف ريال لوجه الله، وإن شاء الله بعد شهرين أو ثلاثة آتي بها، فيعطيه الألف، ثم لا يرى وجهه عاماً كاملاً. هذه هي أسباب الربا.
ووالله العظيم لو نرجع إلى ربنا رجوعاً حقيقياً صادقاً لأغلقت البنوك التي في ديار المسلمين أبوابها، وأما التي في ديار الكفر فشأنها.
وأنا أقول: يا عبد الله! لا يراك الله أمام هذا البنك، فلا تبع آخرتك من أجل دنياك، وإذا سألت أحدهم: ماذا تبتغي من هذا البنك؟ قال: من أجل أن نفتح تجارة، فنقول: التجارة يربحك منها الله، فلا تعصه وتطلب ربحه، وإن هو عرف ضميرك وقلبك وأنك معرض عنه فقد يمدك ويزيدك؛ حتى تتمزق مرة واحدة، والحل يا معاشر المؤمنين! هو أن نعود إلى المسجد، ولجنة المسجد في الحي أو القرية في مسجدهم الذي يجتمعون فيه كل ليلة بنسائهم وأطفالهم يفتحون صندوقاً حديدياً في المسجد ويقولون: أيها الإخوان! من زاد عن قوته فيضعه في هذا الصندوق حتى يمتلئ الصندوق فننميه في مزرعة أو في متجر أو في مصنع، والعوائد تعود على أهل القرية أو أهل الحي، ومن ثم لا يوجد سلف ولا قرض ولا سرقة ولا كذب ولا خيانة.
وهذا لن يكون إلا لما نؤمن، ويتحقق الإيمان فينا، ونصبح نراقب الله في حركاتنا وسكناتنا، ولن نصل إلى هذا إلا عندما نعود إلى ما كان عليه رسول الله وأصحابه، ونتعلم الكتاب والحكمة ونزكي أنفسنا ونطهرها، وأما والجهل مخيم والظلمات عاتمة وحب الدنيا والتكالب عليها، ولا صدق ولا وفاء ولا عهد ولا ضمير ولا غير ذلك فلن نكمل ونسعد.
فهيا نتوب إلى الله، وآخر ما نقول: انج بنفسك، فالنجاة النجاة! وإذا كنت ما تستطيع أن تهدي الناس فاهد نفسك، وعش صابراً متحملاً تأكل العيش فقط بدون مرق ولا زيت حتى يتوفاك الله، وعلى الله عز وجل قصد السبيل.
[ وصلى الله وسلم على نبيه وآله وسلم تسليماً كثيراً ].
من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر