إسلام ويب

منهج الأنبياء في الدعوةللشيخ : سفر الحوالي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بدأ الشيخ حفظه الله ببيان أهمية الموضوع؛ ثم تكلم عن قوله تعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي)[يوسف:108] من حيث اشتمالها على منهج الدعوة وغايتها، وبين أن وجهي القراءة في هذه الآية يؤديان إلى معنيين صحيحين، وبين أن كل أساليب الدعوة المشروعة تحقق هدفاً واحداً. موضحاً خطر التنازل عن الحق، وأعقب ذلك ببيان أساليب الدعوة التي اشتملت عليها آية سورة النحل، وأصناف الناس من حيث استخدام الأسلوب الأمثل معهم؛ مع بيان حقائق هذه الأساليب والفهم الخاطئ لها من قبل بعض الناس.

    1.   

    اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم في الدعوة

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى جميع الأنبياء الذين دعوا إلى الله، وجاهدوا في الله حق جهاده، وتحملوا في سبيل ذلك كل أذى، وصبروا على كل ابتلاء، حتى قتل منهم من قتل، وأوذي منهم من أوذي، فأقام الله تبارك وتعالى بهم الدين، وأقام الحجة على العالمين, ورضي الله -تبارك وتعالى- عن الصحابة الكرام، الذين اقتفوا نهج نبيهم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هم ومن اتبعهم من السلف الصالح بإحسان، فكانوا خير دعاة إلى خير منهج، ونسأله -تبارك وتعالى- بأسمائه الحسنى أن يلحقنا بهم على طريق الدعوة الصحيح، وأن يجعلنا ممن يدعو إليه على بصيرة، فلا يدعو إلى غيره أبداً، ولا يدعو إليه على ضلالة أبداً.

    أما بعد:

    فموضوع منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله ليس بالموضوع الهين، فإنه أمر جلل، والأمة الإسلامية اليوم، وهي تشهد صحوة وتوبة وأوبة إلى الله، وتشهد -في الوقت نفسه- مناهج وطرقاً مختلفة في الدعوة إلى الله.. هي أحوج ما تكون إلى معرفة منهج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومنهج الأنبياء الكرام في الدعوة إلى الله؛ فليس هناك منهج يقتدى به في الدعوة والعلم والعمل إلا منهج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومن تبعه من الصحابة الكرام والسلف الصالح.

    ولا يصلح آخر هذا الأمة إلا بما صلح به أولها وبما أصلح أولها، فيجب أن نعي هذه الحقيقة وهذا البرهان الذي بينه الله في كتابه أجلى بيان، وليس في قدرة الإنسان أن يعرض عامة منهج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الدعوة إلى الله، فضلاً عن سائر الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ولكننا نأخذ من كتاب الله ما نص الله فيه نصاً على غاية الدعوة ومنهجها، وما طبقه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي كان خلقه القرآن، والذي عمل بما أنزله الله عليه وبلغه غاية العمل والبلاغ.

    أولاً:- المنهج النبوي في الدعوة إلى الله:-

    إن الله تبارك وتعالى في الذكر الحكيم والقرآن المبين، الذي أعجز الجن والإنس أن يأتوا بمثله؛ ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً، قد ذكر منهج الدعوة وحدده في آية واحدة موجزة من كتابه كاملاً غير منقوص، ولو تأملها كل الدعاة، ولو تدبرها كل من يقرأ كتاب الله؛ لما وُجِد هذا الاختلاف والافتراق في ساحة الدعوة إلى الله.

    ومن هنا نعرف قيمة القرآن، ونعرف قدر القرآن، ونعرف مدى تفريطنا في كتاب الله عز وجل.

    فإذا أردنا الهدى، والحق، والخير، فهو في كتاب الله، وفي سنة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فلا نذهب ونتخبط في التجارب يميناً وشمالاً، والله في آية واحدة جامعة قد بيَّن لنا كيف ندعو إليه؛ وفي آية أخرى بيَّن لنا أساليب الدعوة وطرائقها.

    فكأن موضوع الدرس سيتركز على شرح هاتين الآيتين، وليتنا نستطيع أن نشرح هاتين الآيتين، فما بالكم ببقية الآيات والقصص، التي أنزلها الله وقصها علينا في الدعوة إليه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى؟!

    أما الآية الجامعة الأولى فهي قول الله في آخر سورة يوسف -عليه السلام-: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يوسف:108] فهذه الآية فيها منهج الدعوة كاملاً، وفيها غاية الدعوة، وفيها إشارة إلى الأسلوب الأمثل في الدعوة، على ما سنبينه إن شاء الله.

    وجوه قراءة الآية:

    وفي الآية وجهان، لا بد أن نبينهما قبل أن نشرع في بيان تفصيل الآية، لأن المعنى يترتب عليهما:

    الوجه الأول: أن تقرأ: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ [يوسف:108] ثم تقول: عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يوسف:108].

    والوجه الثاني في قراءتها تقرأها: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يوسف:108] ففي كل وجه معنى يختلف عن المعنى الآخر على ما سنورده إن شاء الله تعالى.

    فالله يقول لنبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو إمام الدعاة، وهو الذي دعا إلى ربه خير دعوة، وبعث بأعم الرسالات وأكملها يقول له: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي [يوسف:108] أي: قل للناس جميعاً للمؤمنين والكافرين: هَذِهِ سَبِيلِي [يوسف:108] والإشارة هنا للتعظيم وللفت الأنظار؛ أي هذه سبيلي وطريقتي ومنهجي، وهذا شأني، وهذا حالي، وهذا عملي، وهذا ديدني، وهذا شغلي الشاغل وهو أن أدعو إلى الله.

    ولو وقفنا عند كلمة أدعو، حيث كان شأنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حياته كلها: الدعوة إلى الله، والجهاد من أجل الدعوة إلى الله، كما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن نفسه: (بعثت بالسيف بين يدي الساعة، حتى يعبد الله وحده لا شريك له).

    فالجهاد إنما هو من أجل الدعوة إلى الله، ومن أجل إعلاء كلمة الله قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) وليس هنالك من هدف آخر.. وكل هدف مشروع فهو تبع لهذا الهدف الأسمى (وهو أن يعبد الله وحده لا شريك له).

    ففي أي بلد، وفي أي موضع، وفي أي وقت.. الجهاد إنما يكون لتحقيق هذا الهدف؛ قال سبحانه: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ [الحج:41] وهذه الآية بعد قوله تعالى لنبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ [الحج:39] فجعل الله الإذن بالجهاد مرتبطاً بتلك الغاية، وهي: أن يقام الدين، وأن تقام الصلاة، وأن يؤمر بالمعروف وأن ينهى عن المنكر.

    فجهاده صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو من أجل الدعوة، وحياته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع أصحابه وهو يعلمهم ما أنزل الله عليه من الكتاب والحكمة هي دعوة إلى الله؛ وما كان صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يلقي المعلومات لتحفظ أو ليصبح الناس علماء، ولا كان الصحابة الكرام يتلقونها لمجرد أن يكونوا علماء أيضاً وإنما هي دعوة إلى الله، فما يأمرهم به من أمر كانوا يمتثلونه ويتقربون به إلى الله ويبلغونه إلى من خلفهم، وهو صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا أمرهم بأمر؛ فهو أتقاهم لله، وأول من يعمل به صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فكله من أجل الله ولذات الله.

    وكذلك حياته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع زوجاته الطيبات الطاهرات كانت دعوة إلى الله؛ لتتعلم الأمة كيف تعاشر أزواجها.

    ثانياً: حياته:

    وكذلك حياته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع أعدائه، ومع جيرانه، ومع كل من عاشره كانت دعوة إلى الله؛ لنعرف كيف نحارب كما حارب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكيف نحب كما أحب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكيف نعامل المسلمين كما عاملهم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

    فشأنه في كل حياته دعوة إلى الله، حتى وهو يمشي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فمشيته دعوة إلى الله، حتى كان الصحابة الكرام يعرفون أيهم أكثر شبهاً في هديه وسمته بالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كما قال عمرو بن ميمون الأودي: "إن ابن مسعود كان كذلك، ثم كان بعده حذيفة"، فكانوا يتشبهون به صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في هديه الظاهر، فما بالكم بهديه الباطن وإيمانه القلبي؟!

    هكذا كانت نظرتهم إليه، فقد بعثه الله لنا قدوة، وجعل لنا فيه أسوة، كما قال تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ [الأحزاب:21] وكل مؤمن من أتباعه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فهو على حظ من ذلك، فليكثر أو يقل! فإذاً: حياته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كلها دعوة.

    أَدْعُو إِلَى اللَّهِ [يوسف:108] فالرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه والسلف الصالح؛ كانوا يدعون إلى الله وحده لا شريك له، ورحم الله الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب حين قال تعليقاً على هذه الآية، عندما أوردها في كتاب التوحيد، في باب الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله: وفي قوله: إِلَى اللَّهِ : '' التنبيه على الإخلاص؛ لأن كثيراً الناس لو دعا إلى الحق؛ فهو يدعو إلى نفسه '' -عافنا الله وإياكم- وهذا من أخطر الأمراض وأدقها، نسأل الله أن يعافينا وإياكم أجمعين من أمراض القلوب.

    فمرض القلب: أن يدعو الإنسان إلى غير الله، ويظن أن دعوته هي إلى الله، وإن كان لا يدعو إلا بالكتاب والسنة، ولكن مرض القلب هذا يأتي، فيوهن دعوته، ويوهن إيمانه؛ حتى تصبح كلماته مثل الهواء جوفاء لا معنى لها ولا قيمة؛ لأنها ليست إلى الله وليست خالصة لوجه الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

    وأما الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً ومنهم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ ما دعوا إلا إلى الله؛ ولهذا نجد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يكلمه عمه، ويساومه قومه فقالوا له: ((إن كنت تريد الملك ملكناك، وإن كنت تريد الزوجة زوجناك، وإن كنت تريد المال أعطيناك)) فعرضوا عليه كل شيء؛ حتى عرضوا عليه أن يعبدوا إلهه سنة، ويعبد هوآلهتهم سنة، وكل ذلك ليصرفوه عن هدفه، وهو لا يرضى بذلك مطلقاً؛ فربه يأمره أن يظل مستقيماً، قال تعالى: فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ [الشورى:15] وألا يقبل المداهنة في دين الله، لا بملك ولا بجاه ولا بدنيا ولا بزوجة ولا بأي متاع من المتاع الفاني؛ لأنه يدعو إلى الله.

    فلو كان يدعو إلى الملك لقبل الملك، ولو كان يدعو إلى دنيا أو متاع لأخذها؛ ولكن حاشاه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو الذي بعث كما قال: (أنا النذير العريان) والنذير العريان: هو الذي ينذر قومه بالخطر الكبير القادم؛ فكانت العرب في الجاهلية، إذا وقع اعتداء على قبيلة، أو إذا داهمها جيش يريد أن يغزوها، وأن يستبيح حرمتها، فأول من يراه من القبيلة، يرقى إلى مكان عالٍ ويمزق ثيابه ويصرخ؛ فيعرفون أن هذا هو النذير العريان، وهو منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم، فيعرفون ذلك، فيلجئون إلى السلاح ويستعدون.

    والنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو النذير العريان بين يدي الناس، لما أمامهم من أهوال وموت وبعث وحساب وجنة أو نار، وهذا أمر عظيم غفل عنه الناس، فكان الأميون بل كان أهل الكتاب غافلين عنه؛ فأحيا الله تبارك وتعالى القلوب بمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فعرفوا الله وعرفوا الدار الآخرة، وعرفوا طريق الجنة من طريق النار، فهل هذا يقبل أن يساوم على دينه؟! لا يمكن أبداً.

    ثم اقتفى ذلك أصحابه من بعده، ومن سار على نهجهم من الدعاة إلى الله على بصيرة؛ فما كانوا يدعون إلا إلى الله.

    1.   

    من أسس منهج الدعوة إلى الله

    ومن لوازم ذلك ومما يبين ويدل على أن الدعوة إنما هي إلى الله :

    أولاً: أن تكون الموالاة والمعاداة في الله؛ فإذا إذا أحببت رجلاً؛ فلأنه أطاع الله، وعبد الله.. من أي بلد كان أو من أي لون كان أو على يد أي إنسان اهتدى؛ فإذا فعلت ذلك فأنت تدعو إلى الله بإذن الله.

    وأما إذا كنت تواليه لنفسك، أو تعاديه لنفسك، أو تحب أن تكون هدايته على يدك من أجل نفسك ومن أجل طائفتك، ومن أجل منهجك الذي ارتضيته أنت في الدعوة إلى الله، أو ما أشبه ذلك، مما يصرف الدعوة عن أن تكون إلى الله؛ فهذه الدعوة ليست لله.

    وعلامة ذلك: أن من يدعو إلى الله يذكر بالله، ويذكر بسنة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهذا ما تأتلف عليه القلوب وتجتمع عليه الأمة جميعاً، وأما من يدعو إلى غير الله؛ فإنه إنما يذكر بالرأي أو الإمام أو الشيخ أو المنهج الذي يرتضيه! فلهذا تجده دائماً يدعو إلى ذلك الشيء، ويثني عليه ويدندن حوله, ويتكلم به.

    فهذه علامة، وكل إنسان منا عليه أن يقيس قلبه وينظر إليه؛ فإن أول ما يجب لتصحيح مسار الدعوة إلى الله في العصر الحاضر، أن نتجرد جميعاً من كل غرض، وهوى، وهدف؛ إلى أن تكون دعوتنا إلى الله وحده لا شريك له.

    فالمحبة والموالاة والمعاداة لا تكون إلا في ذات الله ومن أجل الله.

    ثانياً ومن لوازم ذلك ونتائجه ألا يحرص الداعية على كثرة الأتباع.

    نحن نريد الهداية للناس جميعاً كما كان الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- فكانوا يدعونهم إلى الحق الجلي الصحيح؛ فيقبله من يقبله، ويأباه من يأباه؛ وبهذا كانوا دعاةً إلى الله وحده.

    يقول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما في الحديث الصحيح: (ورأيت النبي ومعه الرجل والرجلان، ورأيت النبي ومعه الرهط أو الرهيط، ورأيت النبي وليس معه أحد) سبحان الله! أنبياء وليس معهم أحد! فهل الأنبياء لا يعرفون أسلوب الدعوة؟

    لا. والعياذ بالله، بل هم أعلم الناس بأسلوب الدعوة إلى الله؛ ولكنهم دعوا إلى التوحيد؛ فرفضته القلوب الغافلة، ورفضته الأهواء؛ كما قال سبحانه عنهم: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ [الزخرف:22]، وقال عنهم: أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ [الصافات:36].

    فالأنبياء لم يساوموا قومهم ولم يداهنوهم ولم يتنازلوا لهم عن شيء؛ بل أعلنوها دعوة واضحة صريحة، كما أمر الله وكما يجب أن تكون.

    فَمَْن منَّ الله عليه بالإيمان كما أخبرنا الله عن بعض أتباع أنبيائه؛ فهؤلاء آمنوا ودخلوا في دين الله (في التوحيد)؛ فكانوا مؤمنين حقاً، ومنهم من أعرض فلا يبالي بهم الله وإن كثروا، ومن لم يتبعه أحد فلا شيء عليه ولا حرج عليه؛ المهم أن يلقى ربه يوم القيامة وقد بلغ رسالته... وهذا هو ما قاله الله لنبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ [الشورى:48] أي: فإذا بلغت الحق كاملاً، وجاهدت في الله حق جهاده بالحكمة وبالموعظة الحسنة وبالمجادلة -على التفصيل الذي سيأتي إن شاء الله في آية سورة النحل- ولم يستجب لك أحد؛ فلا شيء عليك ولا حرج عليك، المهم ألا تتنازل وألا تتبع الأهواء من أجل أن يكثر الأتباع، وأن يتجمع الرعاع؛ فهذا ليس من منهج الدعوة إلى الله، ولا مما سلكه أنبياء الله.

    فإن رغبات الناس وشهواتهم وميولهم لا تتناهى ولا تحد.

    فبعض الناس -مثلاً- يقول: ادع إلى الله ونحن معك؛ لكن لا تتعرض لموضوع النساء والتبرج... فهذا شيء لا نستطيع أن نلتزمه (نحن نتبعك ونصلي ونتعلم الخير ونتبرع ونبني المساجد، وفي كل شيء؛ لكن موضوع المرأة وألا نرى النساء ولا نجلس معهن؛ فهذا شيءٌ خاص؛ فنرجوك ألا تقترب من هذا الموضوع).

    والآخر يريد أن تدعو إلى الله وتتكلم عن الحجاب، وتنهى عن السفور والتبرج، وتحث على كل شيء؛ لكن لا تتعرض للربا؛ لأن الرجل صاحب بنك، فقل ما شئت إلا هذا الشيء.

    فإذا اتبعنا أهواء الناس ليكثر الأتباع ويتجمع الرعاع؛ فقد تركنا ما أمر الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى؛ وللأسلوب تفاصيل ستأتي ولكن الأصل أن ندعو إلى دين الله كاملاً غير منقوص، وألا نبالي بنتيجة الدعوة، وألا نبالي بمن اتبع أو من لم يتبع.

    أما في الأسلوب فهذه وسيلة سيأتي الحديث عنها إن شاء الله تبارك وتعالى.

    وتحقيقاً لكون دعوة الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- إلى الله، تجدون أنهم يصرحون لأقوامهم بذلك؛ فهذا نوح -عليه السلام- يقول لقومه: وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ [هود:29]، ويقول هود عليه السلام: يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي [هود:51] ويقول الله للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ [سبأ:47] وهكذا الأنبياء دائماً لا يبتغون مالاً، ولا أجراً، ولا يراعون مدحاً ولا ذماً؛ وإنما يريدون وجهه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أن يطاع الله ويتبع أمره.

    وعلى هذا المنهج سار الدعاة إلى الله بحق، فنشر الله دينه ونصره بأمثالهم.. ابتداءً من الصحابة الكرام، وانتهاءً بمن جدد الله به الدين من أئمة الدعوة المستقيمين؛ فليس هنالك غرض من أغراض الدنيا الفانية.

    أما بعض الدعاة -مع الأسف- لو عرض عليه منصب لترك الدعوة إلى الله، ولو عرض عليه مرتب ضخم لترك الدعوة إلى الله، ولو عرضت عليه قضية من قضايا الدنيا التي لا تساوي عند الله جناح بعوضة؛ لسال لعابه وترك الدعوة إلى الله.

    فهذا لا يدعو إلى الله ولو كان يدعو إلى الله؛ لما رضي بدلاً عن دعوته بشيء من ذلك، وإنما هي دعوة إلى ما تحقق له، وهذا هو الذي قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيه وفي أمثاله: (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه).

    وأول من يؤتى يوم القيامة -كما ثبت في الحديث الصحيح- بثلاثة: (القارئ المرائي- والمجاهد المرائي- والمنفق المرائي)، فيقال لكلٍ منهم: لم تعلمت؟ لم جاهدت؟ لم أنفقت؟ فيقول: من أجلك يا رب، فيقال له: كذبت؛ إنما فعلت ليقال: تعلمت، أو دعوت، أو قرأت، وليقال: داعية أو عالم؛ فلا يقبل منه ذلك، وكذلك المجاهد، وكذلك المنفق.

    فتحقيق الإخلاص: أن تكون الدعوة إلى الله، هو أعظم أمر يجب أن نعرفه جميعاً، فندعو إلى الله، لا إلى رأي ولا منهج ولا فكرة ولا طائفة ولا فرقة ولا مذهب ولا شيخ ولا إمام ولا أي مخلوق كائناً من كان، فالله لم يرض لنا أن ننتسب إلى رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى ننتسب إلى غيره، فقال تعالى: هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا [الحج:78] فلو قال أحد: نحن محمديون، قلنا: لا! نحن مسلمون.

    فلا ننتسب حتى إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وإنما ننتسب كما علمنا ربنا بقوله: وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ [آل عمران:79] فنحن نسبتنا واسمنا وانتماؤنا إنما هي إلى الإسلام كما أنزله الله، وكما أمر الله؛ وهذا مما يحقق أن تكون الدعوة إلى الله.

    نعود إلى الآية فنقول:

    الوجه الأول: (أي: بالوقف) في قراءة الآية: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ [يوسف:108] فيكون المعنى: أنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدعو إلى الله، وأنه على بصيرة هو ومن اتبعه.

    والوجه الثاني من قراءة الآية: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [يوسف:108] (بالوصل) فيكون المعنى: أن دعوته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على بصيرة هو ومن تبعه، وكلا المعنيين صحيح.

    1.   

    الدعوة إلى الله على بصيرة

    قوله تعالى: عَلَى بَصِيرَةٍ أي: ليست الدعوة إلى الله انفعالات ولا عواطف ولا صرخات ولا تأوهات؛ وإنما هي بصيرة؛ فيجب أن ندعو إلى الله على بصيرة.

    وقوله تعالى: أَدْعُو إِلَى اللَّهِ [يوسف:108] أخرج الذين يدعون إلى غير الله؛ فبقي المخلصون الذين يدعون إلى الله، وهؤلاء حالهم بين من يدعو إلى الله على بصيرة، وبين من يدعو إلى الله على غير بصيرة (وكلاهما يدعو إلى الله).

    إذاً: لا بد أن نعرف هذا المعنى الثاني، الذي يخرج طائفة من طوائف الدعاة إلى الله، وهو (البصيرة في الدعوة) فما هي البصيرة؟

    أولا: حقيقة البصيرة

    أما البصيرة فهي كما قال ابن القيم -رحمه الله-: "إن البصيرة هي أن يتعلم ويتفقه في الدين؛ حتى يصبح في قلبه من النور لرؤية الحق مثلما ترى العين المرئي".

    فالبصيرة أن يصبح قلبك يرى الحق مثلما ترى عينك الشيء المرئي، وهذه درجة عظيمة؛ فليس لكل إنسان أن يزعمها أو يدعيها؛ ولهذا فعند تفسير الحكمة، في قوله تعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ [النحل:125] يتبين لنا ذلك.

    فالبصيرة هذه لا تكون إلا بالعلم، وأساسها العلم، والبصيرة أيضاً تجمع صفات كثيرة، منها: الحكمة؛ فهي إن لم تكن مرادفة للحكمة؛ فهي تشمل معنى الحكمة؛ لأن الذي يدعو إلى الله... إن دعا بالحكمة، أو بالموعظة، أو بالمجادلة، أو بالقتال؛ فكل ذلك -إذا كان على مثل ما دعا إليه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لا بد أن يكون على بصيرة؛ فتكون على بصيرة في كيفية الدعوة، وإلى أي شيء تدعو.

    ألا ترون أن بعض الناس قد يدعون إلى فضائل الأعمال، وينسون الدعوة إلى التوحيد، فأين البصيرة؟! ألا ترون أن بعض الناس قد يدعو رجلاً قريباً من الخير فينفره... فيبتعد عن الخير بالمرة، فأين البصيرة؟! ألا ترى أن إنساناً قد يدعو شخصاً إلى ترك منكر، فينتج عن دعوته حصول منكر أكبر، فأين البصيرة؟!

    ثانياً : أهمية الدعوة إلى على بصيرة.

    فلو أن البصيرة موجودة، لحصلت النتائج الحسنة بإذن الله، أو قامت الحجة على من يريد الله أن يقيمها عليه من المعاندين والمستكبرين.

    لكن بعض الناس إن دعا إلى طلب العلم، فقد يدعو إليه على غير بصيرة، وإن أمر بالمعروف أو نهى عن المنكر فقد يفعل ذلك على غير بصيرة، وقد يدعو إلى الجهاد في سبيل الله؛ ولكن على غير بصيرة، (إما إلى غير راية أو إلى راية عمِّية)، والمقصود: أنها على غير بصيرة.

    وحتى التوحيد فقد يدعو إلى توحيد الله، وإلى المنهج الصحيح الذي بعث الله به رسله، ولكن على غير بصيرة.

    إذاً: البصيرة أمرها عظيم، وأسأل الله أن يجعلنا وإخواننا المسلمين ممن آتاهم الله البصيرة والحكمة في الدعوة إليه، إنه على كل شيء قدير.

    فلابد إذاً من الأسلوب الحسن ومن العلم، ولابد من معرفة المصلحة من المفسدة؛ ولهذا يقول شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية رحمه الله: "ليس الفقيه أو المتبحر الذي يقول هذا حلال وهذا حرام! -ومعرفة الحلال والحرام فقه عظيم ولا يستهان به- ولكن أفقه من ذلك والفقيه الكامل هو الذي يعرف أرجح المصلحتين وأقل المفسدتين.

    وكما نلاحظ في عصرنا الحاضر، فنحن اليوم في عصر غربة، انتشر فيه الفساد، وأهدرت المصالح.

    فلا بد من بصيرة في أي أمر من الأمور؛ لنعرف ما هو أرجح المصلحتين، وأقل المفسدتين، فإن كان أمامك مفسدتان، ولا بد أن تقع إحداهما، فتتجاوز الكبرى وترتكب الأخف، فهذه هي البصيرة، وهذا هو الفقه الذي نريد أن يكون عليه الدعاة إلى الله وطلاب العلم جميعاً.

    وهذا المنهج ليس خاصاً بالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقد قال الله في الآية: عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [يوسف:108] أو معناها على الوجه الآخر: أنا ومن اتبعني ندعو إلى الله على بصيرة.

    فهذا أمر الله، ونحن أتباع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلا بد أن ندعو إلى الله على بصيرة؛ فإذا دعا داعٍ إلى غير الله أو على غير بصيرة من الله، فهذا ليس متبعاً لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهذا كلام الله: أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [يوسف:108] فإن كنت من أتباعه، فلا بد أن تقتفي أثره في الدعوة إلى الله، بأن تكون دعوتنا على بصيرة، وأن نكون على بصيرة من أمرنا في تعلم كتاب ربنا وسنة رسولنا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والتفقه في الدين والصبر واليقين.

    ثالثاً : الصفات التي يجب أن تتحقق في أتباع الأنبياء حتى تكون لهم الإمامة في الدين

    إن الله سبحانه جعل في أتباع الأنبياء الذين يدعون إلى الله صفتين؛ إذا تحققتا كان لهم الإمامة في الدين، يقول الله تعالى: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ [السجدة:24] فبالصبر واليقين؛ تتحقق الإمامة في الدين، ويتحقق اتباع المرسلين صلوات الله وسلامة عليهم أجمعين؛ فهم كانوا الغاية في الصبر، وكانوا الغاية في اليقين، وحسبكم أن تعلموا أنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يفارقه الصبر واليقين في كل المواقف الصعبة التي مرت به (وهو طريد في الغار يطمئن صاحبه -وأثناء الهجرة يبشر سراقة بن مالك بسواري كسرى- وهو يحفر الخندق والخوف يحيط به من كل ناحية، فيضرب بالفأس ويقول: الله أكبر! الله أكبر! ويبشر أصحابه بملك كسرى وقيصر) فلم يفارقه اليقين والصبر -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أبداً، وكان أصحابه مثلاً في الصبر واليقين، يقتدى بهم ويسترشد بطريقتهم، وكانوا خير حواريين لخير نبي.

    فباليقين وبالصبر وبالاتباع تتحق البصيرة، ونكون على المنهج الصحيح في الدعوة إلى الله تبارك وتعالى.

    1.   

    أهمية تنزيه الله في منهج الدعوة

    ثم يقول الله: وَسُبْحَانَ اللَّهِ [يوسف:108] وكلنا نقول: سبحان الله؛ إما بعد الصلاة وإما نافلة؛ فهي من أفضل الذكر ومن الكلمات التي هي خير الكلمات وأفضلها بعد القرآن، نقول: (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر) ولكن أين حقيقة هذه الكلمة من قلوبنا؟! وأين تحقيق كلمة سبحان الله في حياتنا؟! فليست هي كلمة تقال باللسان فقط، فالله لم يذكرها في آية الدعوة وفي منهج الدعوة لمجرد أنها قول باللسان؛ بل هي كلمة لها مدلولها العظيم والعميق، وخاصة عندما تأتي في منهج الدعوة إلى الله.

    فإن معنى الدعوة إلى الله، كما قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (حتى يعبد الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وحده لا شريك له)، فكل نبي جاء ليقول لقومه: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:59] وكل الأنبياء جاءوا يدعون إلى التوحيد، والتوحيد هو تنـزيه الله عن أن يكون له ند أو يعدل به أحد أو يسوى به أحد، في المحبة والإجلال والخوف والرغبة والرجاء والطاعة والإنابة والخشية وجميع أنواع العبادة.

    فسبحانه أن يكون له شريك، وسبحانه أن يكون له ولد، أو أن تكون له صاحبة، أو أن يكون له نظير، أو مثيل سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

    فهذه هي غاية الدعوة إلى الله! أن ننـزه الله سبحانه عن الشريك والنظير والند والمثيل.

    فمعنى سبحان الله أي: أنزه الله عما لا يليق به.

    فذكر التسبيح في مقام الدعوة وفي آية الدعوة أدل وأوقع ما يكون على أن الغرض من الدعوة هو أن ينـزه الله عما لا يليق به.

    فلو عرفنا الله حق معرفته ما عصاه منا أحد أبداً؛ ولكن لما لم نقدر الله حق قدره، ولم نعرف الله حق معرفته؛ وقعت هذه المعاصي والذنوب وهذه المخالفات التي ضجَّت منها الأرض والسماوات، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

    حقيقة التنزية:

    فأين تنزيه الله؟! كم من الناس من يشرك بالله ويدعو غير الله! وكم من الناس من ينبذ كتاب الله وراء ظهره، ويتحاكم إلى القوانين البشرية وإلى الطواغيت التي وضعها طواغيت البشر! وكم من الناس رفضوا سنة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واتبعوا آراء الرجال! وكم من الناس يعصون الله جهاراً نهاراً على علم ومعرفة بأن هذا حرام!

    فكل هؤلاء لم ينزهوا الله ولم يسبحوه، حتى لو كانوا ممن يقولون: (سبحان الله) ألف مرة في اليوم؛ لكنهم في الحقيقة لم ينزهوا الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

    وكذلك المعترضون على أقدار الله لم ينزهوا الله؛ إن وقع القدر وكان فيه خير لأحد من المسلمين؛ اعترض بعضهم على قدر الله لأنه لم يقع له، سبحان الله! فهذا الذي يعترض على قدر الله لا ينزه الله، فيقع الخلل في القدر كما وقع الخلل في التوحيد.

    وإن كان له الخير قال: إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي [القصص:78] أي: باجتهادي وجهدي -كما قال قارون وأمثاله- فأين تنزيه الله سبحانه؟! فهذا ملكه وهذا خلقه! وهذا المعترض ليس له من الأمر شيء، قال تعالى: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [الأعراف:54] فليس لأحد الحق في أن يعترض على الله؛ ولهذا يقول الله: سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ [الصافات:159-160] فعباد الله المخلصون والمصطفون الأخيار، هم الذين ينـزهون الله، فهم الذين يرتضون حكمه الشرعي ولا يخالفونه، ويرتضون حكمه القدري، ويصبرون عليه إن كان شراً، وإن كان خيراً حمدوا الله وأثنوا عليه، وردوا الأمر والفضل كله إلى الله، وأما ما يصفه به غيرهم فليس فيه تنزيه لله.

    فالدعوة التي لا يكون هدفها أن ينـزه الله وأن يعرف الله وأن يقدر الله حق قدره.. ليست دعوة صحيحة سليمة، ولا خير فيها ولن تنتج مهما كثر الأتباع وتجمع الرعاع؛ فإن هذا ليس هو الأسلوب الصحيح ولا هو ما أمر الله به من المنهج الذي يرتضيه.

    1.   

    البراءة من المشركين أصل في منهج الدعوة

    وأما قوله تعالى: وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يوسف:108]، فهنا أيضاً قاعدة عظيمة في هذه الآية يجب على كل مؤمن وبالأحرى على كل داعية أن يقف عندها: وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يوسف:108] فالمنهج الصحيح والمنهج النبوي في الدعوة إلى الله من ضرورياته وأصوله، البراءة من المشركين، فالمشركون لسنا منهم في شيء، حتى إن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (لا تتراءى نارهما) فلا يرى المؤمن نار المشرك، ولا يرى المشرك نار المؤمن.

    فإذا كان هذا في جبل وهذا في جبل، ورأى أحدهما نار الآخر، فعلى المؤمن أن يذهب بناره بعيداً في جبل آخر؛حتى لا يرى نار المشرك ولا يرى المشرك ناره، (فهذه المجانبة الحسية والمعنوية).

    وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يوسف:108] أي: في عبادتهم لغير الله، وفي تعظيمهم لغير الله، وفي اتباعهم لغير شرع الله، وفي استهزائهم بدين الله، وفي استهانتهم بأوامر الله.

    فلا أقول: إنني أدعو إلى الله؛ ثم أقف في صف أعداء الله! فهذا هو التناقض الذي ليس بعده تناقض؛ ولهذا فكل داعية يداهن المجرمين والملحدين والمشركين فقد أخرج نفسه من صفوف الدعاة الذين يدعون إلى الله على منهج أنبياء الله؛ وليسمِ نفسه بعد ذلك ما شاء.

    فالبراءة من المشركين حتى في أحوالهم الظاهرة، أو حتى في لباسهم المختص بهم، أو في مظهرهم المختص بهم، أو حتى في السفر إلى بلادهم، فلا يذهب المسلم إلى بلاد المشركين إلا لضرورة؛ لقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لا تتراءى نارهما) إلا لضرورة لا يمكن العدول عنها أبداً.

    فأهل التوحيد وأهل الشرك صنفان متمايزان وعدوان متحاربان، ولا يمكن أن يلتقيا.

    فالدعوة إلى التقريب بين الأديان وإلى الحوار بين الأديان، ليست من الدعوة إلى الله في شيء.

    فهؤلاء الذين يدعون إلى التقارب يريدون أن نتقارب مع من؟! مع عبدة الأبقار؟ أم مع عبدة العجل (اليهود)؟ أم مع عبدة عيسى وعبدة الصليب (النصارى)! مع من يكون التقارب؟!

    إن المنهج الرباني: وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يوسف:108] فهي البراءة الكاملة، التي لا التقاء معها.

    فالدعوة إلى الله لا تؤمن بهذه القضية أبداً، بل إن دعوتنا إلى التوحيد، وأعدى عدوٍ لنا هو: الشرك والمشركين.

    فـالروافض وأصحاب الشرك وأصحاب الأضرحة والقبور من الصوفيين، وكل من خرج عن التوحيد وعبد غير الله، ودعا غير الله، وألحد وأشرك بالله؛ أنحن وإياهم نتقارب ونكون يداً واحدة ونتعاون؟! فعلى ماذا؟! ولماذا؟! وأين المنهج الرباني والنبوي: وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يوسف:108]؟!

    فلا بد فيه من البراءة من الشرك وأهله كما فعل إبراهيم -عليه السلام- مع أبيه وقومه؛ وإلا فلسنا دعاة إلى الله، ولا يتقارب ويواد المشركين إلا أحد رجلين، إما رجل لا يبالي بمنهج الدعوة إلى الله، سواء اتبع فيه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو اتبع شيخه أو قائده أو رأياً فكرياً.

    وإما: رجل جاهل لا يعرف أعداء الله، ويظن أنه إذا مد اليد لأعداء الله ووالاهم وتقارب معهم أنه لم يأتِ بشيء، ولم يخرج عن الملة القويمة، وينسى أن الله تعالى أمر رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يقول حال الدعوة إليه: وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يوسف:108] فليتبرأ من الشرك كما تبرأ الخليل عليه السلام، وكما أمر الله نبيه محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [النحل:123] أي: فتبرأ من المشركين ولو لم يتبعك أحد.

    فلا مناصفة ولا التقاء في وسط الطريق بين المؤمن الموحد وبين المشرك المعاند، ولا يكون ذلك أبداً.

    فالله لما قال لنبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يوسف:108] قد بين (في هذه الآية) منهج الدعوة إلى الله، والأصول التي يجب أن تراعى، والأركان التي يجب أن تتحقق، لكي تكون الدعوة حقيقة، ولكي يكون المسلم من بعده صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على منهجه في ذلك.

    1.   

    أساليب الدعوة إلى الله

    وأما الآية الأخرى التي تبين منهج الدعوة؛ لكن فيما يتعلق بالأسلوب المتخذ في الدعوة، فهي قوله تبارك وتعالى في آخر سورة النحل: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125]، فالله أمره هناك أن يقول: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي [يوسف:108] وأن يبين للناس ما هي سبيله، وما هي طريقته، وما سبب خصومته مع أولئك البشر.

    وهنا يأمره الله أن يدعو إليه: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ [يوسف:108] نلاحظ أنه عند ذكر المنهج وذكر الأسلوب لا يتغير الهدف وهو الإخلاص، وأن يكون الأمر لله، ولكن لأن الكلام هنا عن الأسلوب فجاء السبيل أو الطريقة التي يسلكها الداعية، الذي نعبر عنه بكلمة الأسلوب، فنقول: أسلوب الدعوة، فأمر الله نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة.

    والناس بالنسبة إلى الحق وإلى اتباعه على ثلاثة أصناف :

    الدعوة إلى الله بالحكمة

    الصنف الأول: صنف مؤمن راغب في الحق، يريده ويحبه ويضحي من أجله ويجاهد في سبيله؛ فهؤلاء الذين أمر الله رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يصبر نفسه معهم، فقال سبحانه: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [الكهف:28] وهؤلاء هم الذين كان منهم الصحابة الكرام، وكان منهم أيضاً من كان في زمن نوح عليه السلام وهم من آمن به، فجاءه قومه، وقالوا: وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ [هود:27] وأصروا عليه أن يطردهم، فقال: وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا [هود:29].

    فهؤلاء أمر الله وأرشد إلى أن نتخذ معهم في الدعوة (الحكمة) فهذا الإنسان هو في يدك تربيه وتدعوه وهو مستسلم مذعن للحق؛ فالحكمة تكون في تربيته ليأخذ الحق، كما قال عبد الله بن عباس -رضي الله عنه- وغيره من السلف في قوله تعالى: وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ [آل عمران:79]، قال: [[ الرباني هو الذي يعلم الناس صغار العلم قبل كباره ]] فأي شخص تراه مقبلاً على الخير ومحباً له وراغباً فيه؛ فهذا لا بد أن تدعوه بالحكمة، وتكون بالرفق، والقوة معاً، والترغيب والترهيب.

    وكلمة الحكمة أعظم وأشمل من أن تحصى؛ ولهذا كما يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: الحكمة لم توصف بأنها حسنة؛ لأنها لا تكون إلا حسنة، فلو لم تكن حسنة ما سميت حكمة، حتى في كلام العرب إذا قيل هذا الشيء محكم أي: لا عيب فيه، وأحكمت الشيء: أي وضعته في الوضع الصحيح بلا عيب كما قال الله في حق القرآن العظيم: كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ [هود:1] وحتى أن العرب تسمي الشيء الذي تجعله في اللجام لتضبط به الدابة بالحَكَمَة.

    فالأتباع الراغبون في الخير، المحبون للحق، تكون دعوتنا لهم بالحكمة، أي: بصغار العلم قبل كباره، وبالقدوة التي يرونها، كما كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فقد سئلت أم المؤمنين عن خلقه فقالت: {كان خلقه القرآن}.

    فأتباعه وأحبابه المؤمنون به يرون القرآن متمثلاً في خلقه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فيحبونه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكان صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يزكيهم ويربيهم ويسوسهم بأفضل وأرقى أنواع التعليم والتربية والتزكية والسياسة حتى يستقيموا على أمر الله وعلى دين الله.

    فلا تقل هذا راغب وهذا محب للحق؛ فتأمره وتنهاه وتشدد عليه بدون أي اهتمام ومراعاةٍ لأساليب التربية النبوية؛ فهذا قد يسبب له تخبطاً وإرباكاً؛ فهذا الأسلوب ليس من الحكمة.

    وإن كان راغباً، وإن كان محباً، وإن كان طالباً للحق، فلا بد معه من الحكمة.

    الدعوة إلى الله بالموعظة الحسنة

    ثم الصنف الثاني: وهو من وقع في الغفلة؛ إما غفلة أصلية لازمة كغفلة المنافقين، فيكون غافلاً عن ذكر الله لا يريد الله ولا رسوله ولا الدار الآخرة؛ وإما غفلة تعرض للمؤمنين بسبب الشهوات، ونتيجة لحب الدنيا، ونتيجة لإغواء الشيطان.

    فعلاج هذا النوع الذي تعتريه الغفلة هو: الموعظة الحسنة، قال سبحانه: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ [النحل:125]، فمثلاً رجل فاتح دكانه والصلاة تقام؛ فتقول له: يا أخي جزاك الله خيراً.. الصلاة! فهو يسمع جزاك الله خيراً ويتذكر، كما قال تعالى: تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ [الأعراف:201] فهو إنسان يحب الخير ويحب الحق ويرغب فيه؛ لكنه في غفلة عنه؛ فليس هو جاهلاً لكنه غافل.

    ونلاحظ أن الموعظة قيدت بالحسنة، أما الحكمة فلم تقيد؛ لأنه إذا كان التصرف غير سليم فليس من الحكمة أصلاً.

    لكن المواعظ نوعان: موعظة حسنة، وموعظة غير حسنة؛ فقد تقف وتقول: قال الله وقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ ولكن هذا الكلام في غير موضعه الصحيح، فتكون موعظة ولكنها ليست حسنة، وليست هي المنهج أو الأسلوب الذي أمر الله تبارك وتعالى به.

    إذاً: لا بد من الحكمة مع من يستحق الحكمة، ولا بد للغافل من الموعظة، حتى أن الله قال في حق المنافقين: وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً [النساء:63] وهذا من الموعظة التي يكون لها وقع وتأثير في النفوس، حتى تنـزجر، لأنها نفوس مريضة أو ضعيفة الإيمان، وكما هو معلوم كان المنافقون منهم من هو صريح في الكفر المحض، ومنهم من كان مريضاً يتردد بين الكفر والإيمان، ومنهم من كان غافلاً أو ضعيف الإيمان؛ فهؤلاء تجدي وتنفع معهم الموعظة الحسنة والأسلوب الحسن، وهنا لا بد أن نقف عند قضية الحكمة والموعظة الحسنة.

    فكثيراً ما يساء فهم معنى الحكمة في الدعوة إلى الله؛ ولهذا تخبط الناس فأخذ بعض الناس بشق، وأخذ آخرون بشق آخر، فتفرقوا وفرقوا أمر الدعوة، وكانوا شيعاً.

    فالحكمة لا بد فيها من تحقق المصلحة وانتفاء المفسدة، والمصلحة قد تتحقق بالرفق واللين، فقد كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غايةً في الرفق والرحمة واللين؛ حتى إنه ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما، وكان يأمر أصحابه بذلك ويقول: {يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا}.

    ولكن هنالك في الجانب الآخر مصلحة لا تتحقق إلا بالحزم والقوة والشدة، ومن أجل ذلك جعل صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أساليب الدعوة إلى الله الضرب، فقال: {مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر}.

    وبعض الناس يقول: (يا أخي الدعوة بالحكمة، والحكمة ألَّا تضربه).

    فإلى متى اللين؟ لا يمكن أن تُرَّبيه ثلاث سنوات بالدعوة وجانب اللين، ثم لا يصلي!! فهذا يكون ممن يستحق الضرب، ثلاث سنوات وهو لا يسمع الكلام، ثم لا يستحق الضرب بعدها! وخاصة أنها سن التوجيه لدى الطفل؛ فإذا لم يتوجه في ثلاث سنوات، إذاً فنفسه عاتية، ولا بد أن تزجر وأن يستأصل دافع الشر منها.

    ولا ينسى الإنسان جانب اللين والرفق والموعظة نهائياً، حتى يكبر الابن، ثم يأتي يضربه مباشرةً؛ فهنا يكون الخطأ، وليس الخطأ أنه استخدم الضرب، فالضرب أسلوب أقره النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأمر به؛ ولكن الخطأ أنه استخدم جانباً فقط من جوانب الأسلوب الحسن، ومن جوانب الحكمة، فبعض الناس إذا ضُرب يصلي، وبعض الناس إذا أُمر وذُكِّر صلَّى؛ لأن بعض الناس يكفيه جانب من الحق؛ ولكن ليس كل الناس هكذا؛ فبعض الناس لا بد له من الأمرين معاً (الموعظة والتوجيه)، فإذا لم ينـزجر (فالضرب).

    فإنسان تقول له: الصلاة! فقد أذن المؤذن، فتعال إلى الصلاة، فيستجيب لك، فهذا ينبغي أن تكون معه رفيقاً رقيقاً.

    أما الذي تكون المرة الثانية، والثالثة، والعاشرة، وأنت تدعوه وتنصحه، والرجل لا يبالي لا بأذان ولا بإقامة، ولا بصلاة.. حينئذٍ: إذا اتخذت معه الشدة، فمن الخطأ أن يقال عنك: هذا ليس عنده حكمة.

    فكل إنسان يعرف أن الصلاة واجبة، وهذا الرجل يسمع المؤذن يؤذن، والمسجد يمتلئ، وجيرانه يغلقون محلاتهم، فإذا جاء أحدٌ لينصحه قيل له: أين الرفق؟ وأين أسلوب الدعوة الصحيح؟.

    لا. هذا خطأ، فالدعوة الصحيحة والحكمة أن هذا لا بد أن يردع، وليس فقط مجرد التعهد، هذا أضعف مما شرعه الله.. فليس هناك (بعد التوحيد) أعظم من الصلاة؛ فإذا استهين بها بهذا الشكل المجاهر؛ فأسلوب الدعوة والحكمة في الدعوة هو أن يردع ردعاً زاجراً يرتدع به كل من سمع ذلك.

    فكل إنسان مثل هذا، إذا أراد أن تشرح له وتبين له، فالعشرات من الناس سيكونون هكذا.

    فلو أن كل واحد يفتح محله يريدك أن تلقي له محاضرة عن أهمية الصلاة؛ فليس هذا من الحكمة.

    وكذلك الزوجة، قال تعالى: فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ [النساء:34] فإن هذا من الحكمة وهو مما أنزل الله.

    إذاً لابد أن نعرف أن الحكمة هي تحقيق المصلحة والتزكية والتربية بغاية القوة مع غاية الرحمة.

    وهذه هي ميزتنا، فالجهاد في سبيل الله في غاية القوة، وقوة الأمة في الجهاد، وأشجع من حارب هو رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه؛ لكنهم كانوا أرحم الناس.

    فكان يعلمهم ويقول: {لا تقتلوا المرأة، ولا الرجل الكبير، ولا الصغير، ولا أصحاب الصوامع ولا تحرقوا نخلاً، ولا تمثلوا} فكانوا في غاية القوة مع غاية الرحمة، إذاً فليست الدعوة مجرد جانب واحد؛ بل لا بد من الجانبين، وإن أنتجت الدعوة نتيجة استخدام جانب واحد؛ فهو لأنه جانب من الحق، وليس لأنه الحق كله، فبعضهم يقول: أنا جرَّبت فوجدت أن أسلوب اللين ممتاز؛ فقد استجاب لي عدد كبير.. فنقول له: هذا لأنك على جانب من الحق.

    والثاني يقول: لا أريد إلا القوة، فإذا قلت لأحدهم: هذا حرام وهذا شرك، خاف واتبع الحق.. فنقول له أيضاً: لأن هذا جانب من الحق، فأصبت أنت في هذا الجانب، وذاك في ذاك الجانب، لكن لو جمعتما الجانبين، لكانت النتائج أكبر وأعظم.

    ولهذا إذا نظرت إلى من خالفك، وإلى من نفر بسبب أسلوبك، أو نظرت إلى من لم يأت ويتبعك، لأنك لم تنتهج المنهج الذي أمر الله به، والذي كان عليه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فسترى أن الفارق كبير بين استخدام جانب واحد من الحكمة، وبين استخدام الجانبين.

    الدعوة إلى الله بالمجادلة

    ثم الفقرة الثالثة من موضوعات الدعوة، ومن طرق الدعوة، وهي قوله تعالى: وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125].

    فقد تقدم أن الأصناف ثلاثة.

    الأول: المقبل المؤمن الراغب المقتنع بالحق.

    والثاني: الغافل الذي يذكر بالحق.

    والثالث: وهو المعاند المحاجج المعرض، فالأسلوب الأمثل مع مثل هذا في الدعوة هو قوله تعالى: وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125].

    فلم يقل بالجدل الحسن ولا بالمجادلة الحسنة؛ بل قال: (بالتي هي أحسن)، فالحكمة جاءت مجردة من أي وصف، وأما الموعظة فقد جاءت موصوفة بأنها حسنه، والجدال جاء موصوفاً بالتي هي أحسن.

    إذاً: هناك عبر ودقائق في كلام الله؛ فلا بد أن نتدبر كلام الله، وأن نتفطن له؛ فليس منه لفظة ولا كلمة إلا ولها مدلول.

    فقوله: بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125] لأن الجدال: الأصل فيه أنه لا يؤدي إلى ثمرة في الدعوة، لأنه لا يكون إلا بين متخاصمين متنافرين لا يقبل أحدهما من الآخر؛ ولهذا يكون بالتي هي أحسن، (ليس بالحسنة)؛ بل بالتي هي أحسن، أي: اختر أيسر الطرق وأفضل الطرق في البداية، وليس الطريق الحسن، وليس الطريق الصواب فقط، بل ما هو أفضل أنواع الصواب، وأفضل أنواع الحق.

    إن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قال: وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125] والتي هي أحسن: درجة أعلى من مجرد أن تكون حسنة، وهي إشارة إلى الجدال الأمثل؛ فعندما نكون في حالة جدال، يكون الاحتياط أكثر، والتدقيق في العبارات وفي المواقف وفي كل شيء يكون أكثر وأشد؛ لأنك مع خصم، ومع معارض ومخالف؛ فإن جئت بلفظة أو كلمة أو تصرف قد لا تكون قصدته ولا أردته فإنه يحسبه عليك ويعرض، ويكون في ذلك فتنة وصدُّ عن سبيل الله دون أن تشعر؛ وهذا يقع كثيراً.

    فلا بد في منهج الدعوة من أن يكون الجدال بالتي هي أحسن، وهكذا فعل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ بل هكذا فعل كل الدعاة إلى الله.

    والقرآن كله في الحقيقة من أوله إلى آخره، عندما يقص شأن المشركين ودعوتهم ويرد شبهاتهم؛ فهو من المجادلة بالتي هي أحسن.

    فتجد أنه يجادلهم ويبين لهم حقارة آلهتهم، وأنها لا تنفع ولا تضر ولا تغني، وأنها لا تقربهم إلى الله، وأنهم إن فعلوا ذلك فإن مصيرهم إلى النار؛ يذكرهم بما جرى للأمم قبلهم لما كفرت ولما عصت الله وما سلط الله تبارك وتعالى عليها من العذاب، ويذكرهم بنصره لعباده ولأنبيائه ولأوليائه الماضين؛ ليعتبر هؤلاء المخاطبون، فكل ذلك من نوع المجادلة بالتي هي أحسن... وكما قال حبر الأمة عبد الله بن عباس: [[ ما من شبهة يأتي بها مبتدع أو داعية أو ذو شبهة -إلى أن تقوم الساعة- إلا وجوابها في القرآن، علمه من علمه، وجهله من جهله ]] ولهذا فأفضل أنواع المجادلة: هو أن تستخدم الأسلوب القرآني في الدعوة إلى الله.

    والجدال في أصله ليس المقصود به أن تجذب الناس إلى الحق وإلى الخير؛ بل هو لإقامة الحجة على المعاند؛ ولهذا صاحب المرحلة الثالثة، لو كان ممن نريد أن نجذبه إلى الحق والخير لكان حالنا معه هو الوعظ، أي: الموعظة الحسنة، لكن هذا المعارض المخالف المصر الجاحد، حالنا معه أن نقيم عليه الحجة، ولا نيأس من أن الله قد يهديه فيستجيب؛ ولهذا يكون بالتي هي أحسن... طمعاً لعل الله أن يهديه؛ ولكن مع ذلك لا يجوز أن يغلب علينا الطمع، فنجعله منهجاً للدعوة.

    فإذا قابلت إنساناً وجادلته وحاججته؛ فاعرف أنك قد هدمت ما بينك وبينه من جسور، وغاية ما في الأمر -إن كنت موفقاً في الدعوة- أنك أقمت عليه الحجة فقط، وإن حصل غير ذلك فاحمد الله؛ لأن هذا من فضل الله، فهو بخلاف الأصل، وإلا فالرجل كان ممن يستحق الموعظة، وأنت أخطأت وجئته بالجدال ولكن الله فتح عليه، فاهتدى ورجع.

    أما لو كان فعلاً وحقاً لا ينفع معه الوعظ؛ ففي هذه الحالة لا يكون الجدال إلا إقامةً للحجة؛ ولهذا فالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يبعث أصحابه الدعاة إلى ملوك الأرض ليجادلوهم، وهذه قاعدة كثير من الناس يخالفها، فتجدهم يقرءون في الكتب، ويتفقهون في بعض الأمور، وينتهجون مناهج في الدعوة؛ فإذا قلت لأحدهم: لماذا؟ قال لك: حتى نجادل أولئك الناس، وحتى نجادل الملحدين واليهود، النصارى.

    وهذا ليس هو المنهج الصحيح في الدعوة إلى الله.

    فالمنهج الصحيح في الدعوة: أن نعرض الحق؛ فالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كتب إلى ملوك الأرض بآيات بينات، وأرسل رسله مبلغين عنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأن الله قد بعث رسولاً يدعو إلى الله وحده لا شريك له، فكان يبعث بالرسالة إلى أحد الملوك، فإن قرأها وآمن فالحمد لله، كما كتب صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لـهرقل قوله تعالى: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران:64] فهذه آية كتبها النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أي: فإن أردت الإسلام فأسلم، وإن لم ترد الإسلام فاشهد بأنا مسلمون، والأمر بيننا وبينك هو ما شرعه الله من الجهاد أو الجزية، فليست مناظرات أو مجادلات قلتم وقلنا فهذا ليس من منهج الدعوة، وإنما يكون ذلك إذا احتجنا إلى إقامة الحجة.

    حتى مع المشركين، فالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يطْمئن نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأن الأمر ليس نقصاً في البينات، ولا خللاً في الدعوة، ولا قصوراً في الحجة؛ وإنما الأمر عناد واستكبار، فقال سبحانه: وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطاً يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ [الطور:44] أي: فلا يقولوا: هذا عذاب جاء من عند الله، وقال سبحانه: وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا [الأنعام:25].

    فالمسألة ليست قضية آيات ولا حجج كما بين سبحانه في قوله: وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الأنعام:111].

    فلو أرسل الله لهم رسولاً وأيدَّه بجميع المعجزات، لقالوا كما في الآية: وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ [الحجر:14-15].

    إذاً: فالذي ليس عنده استعداد لأن يؤمن؛ لن يؤمن مهما عرضت عليه من الحجة إلا أن يشاء الله؛ لأن مشيئة الله فوق كل شيء؛ لكن منهج الدعوة في هذه الحالة هو إقامة الحجة كما أقامها النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على مشركي قريش والعرب، وكما أقام نبي الله موسى الحجة على فرعون، فجادله ثم أراه الآيات التي أعطاه الله إياها آية بعد آيه، وهو يؤمن إذا اشتد عليه الوباء من الجراد والضفادع، والطوفان ثم إذا ذهب ذلك رجع وقومه إلى ما كانوا عليه من الكفر.

    فإذاً: يجب علينا أن نعرف أن المنهج الذي أمر به الله، والذي انتهجه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ورسل الله صلوات الله وسلامه عليهم هو ما بيناه في الآيتين، سواءٌ ما تعلق بالأسلوب أو الغاية.

    فيجب علينا أن تكون حياتنا كلها دعوة، وأن تكون دعوتنا إلى الله وحده لا شريك له، وأن تكون على بصيرة وعلم وفقه وحكمة وتحقيق للمصلحة، وأن ننـزه الله؛ فنجعل هدف الدعوة هو تنـزيهه عن الند والنظير والشريك والمثيل، وأن نتبرأ من المشركين.. فلا نوادّهم أبداً.

    وأما في الأسلوب: فيجب أن ندعو بالحكمة مع ذلك الذي يحب الحق ويرغبه؛ لنربيه ونزكيه عليه؛ ومع الغافل ندعوه إلى الله بالموعظة الحسنة؛ فنذكره بربه فيعود ويؤوب إليه، ومع المعاند بالمجادلة بالتي هي أحسن؛ حتى تقام الحجة عليه؛ فنكون شهداء عليه بما أنزل الله، ويكون الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شهيداً على هذه الأمة؛ لأنه قد بلَّغها.

    وبهذا نكون بإذن الله -تبارك وتعالى- قد دعونا إلى الله، وقد سلكنا المنهج الأمثل في الدعوة.

    نسأل الله أن يرزقنا وإياكم ذلك، وأن يجعلنا من المقتدين بنبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والمقتفين لنهجه ونهج أصحابه الكرام في دعوتنا وأمرنا ونهينا وعلمنا وجميع شئوننا، وأن يوفق الله -تبارك وتعالى- دعاة الإسلام جميعاً إلى أن يتوحدوا على كتاب الله وسنة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ويذروا التفرق والابتداع؛ وأخذ بعض الدين أو جانب منه وترك الجانب الآخر، إنه سميع مجيب الدعاء.

    والحمد لله رب العالمين.

    1.   

    الأسئلة

    أساليب الدعوة بين الاجتهاد والتوقيف

    السؤال: هل الدعوة إلى الله مقتصرة على هدي النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأصحابه والسلف الصالح، أم كل أسلوب محبب إلى الناس ندعو عن طريقه إلى الله؟

    الجواب: لا بد أن يكون كل أسلوب في الدعوة إلى الله موافقاً لما كان عليه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وما كان عليه السلف الصالح، أو ما أرشد إليه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو أقره... ولا تعارض بين أن يكون هنالك أساليب جديدة أو محببة ندعو بها إلى الله وبين أن يكون على ما كان عليه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لأن اتباع منهج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الدعوة إلى الله ليس مجرد أن نقول نفس الألفاظ التي قالها، أو نتصرف نفس التصرفات التي فعلها؛ وإنما نقتفي منهجه.

    فمن أمور الدعوة ما هو موسع فيه؛ فنحن أُمرنا بالبصيرة، وأُمرنا بالحكمة، وأُمرنا بالمجادلة، وهذه أمور موسعة؛ لأن الوقائع لا تنتهي، والزمان يتغير، والأحوال تختلف؛ ولكن في حدود ذلك المنهج المرسوم، فلا نتعداه ولا نخرج عنه؛ فنجدد ولكن في حدوده، ونغير ولكن في إطاره، ولا نخرج عن ذلك أبداً.

    فإذا جاء إنسان بمنهج فيه بدعة، قلنا له: هذا المنهج مخالف لمنهج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لما فيه من البدعة، لا لأن فيه أسلوباً ما دعا به النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كأن يكون هناك وسائل إعلام تختلف عما كانت عليه في زمن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، من صحافة أو إذاعة مثلاً، أو كأن يكون هناك نوع من تجمع الناس يختلف عما كان في عهد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

    فهذه الأمور التي هي تبع للأزمان ولاختلافها تدور مع المصالح؛ ولهذا يسميها العلماء المصالح المرسلة؛ أما الصميم والهدف، حتى في الأسلوب أي: في الأساسيات، فلا خروج عما جاء به النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بحال من الأحوال، وليس تحبيب الناس هو الهدف؛ ولكن الهدف هو أن يقبلوا على الحق؛ سواء كان هذا بطريق يحبها الناس أم فيها بعض المشقة.

    فما دمنا منتهجين منهج الحكمة؛ فهذا -إن شاء الله- سيؤدي إلى ما نريد؛ أما منهج التحبيب أو التحبب؛ فكلمة عامة؛ فقد يتحبب بعض الناس إلى الناس بالتساهل بأمرٍ من الأمور، أو بالتظاهر بأنه لا يتمسك بالسنة كاملة ولا يطبقها؛ حتى يقول هؤلاء الناس: هذا يألف ويؤلف، وأمثال ذلك مما قد يكون فيه شيء من التنازل عن الحق.

    ارتباط الجهاد بالدعوة

    السؤال: هل الجهاد في سبيل الله مرتبط بالدعوة إلى الله؟ أم أن هذين العملين الصالحين منفصلان؟

    الجواب: إن الجهاد إنما يكون لأجل الدعوة، وهو أحد وسائل الدعوة، فإذا تجرد الجهاد عن ذلك، كأن كان الجهاد من أجل الأرض -عياذاً بالله- أو من أجل التسلط والحكم والتحكم، أو من أجل أي غرض آخر؛ فإنه يخرج عن صفة الجهاد الشرعية بمقدار ما يخرج عن المنهج الصحيح؛ وهو أن يكون لإعلاء كلمة الله، ولا يكون فيه غرض لذوات المجاهدين؛ فإذا كان الغرض لذات المجاهد، كأن يجاهد ليحكم -مثلاً- أو ليصبح زعيماً أو يجاهد ليحوز مالاً؛ فهذا الذي ذكر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه المجاهد المرائي، الذي يؤتى به يوم القيامة فيقال له: لم جاهدت؟ فيقول: فيك يا رب، فيقال: كذبت؛ إنما فعلت ليقال كذا وقد قيل، ويؤمر به فيسحب إلى النار.

    وكما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحديث القدسي عن ربه عز وجل: {أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي غيري تركته وشركه} فحتى الجهاد -مع أنه تضحية بالنفس وتقديم لها- لا بد أن يكون خالصاً لوجه الله، ومن أجل توحيد الله، وإقامة دين الله ولا حظ للنفس فيه؛ وإلا فإن الشيوعيين والملحدين والقوميين وكل أنواع المجرمين في الأرض، يقاتلون ويقتلون من أجل المبادئ التي يدعون إليها، وكل أنواع المحتلين يقاتلون ليرفعوا الاحتلال عن بلادهم فإذاً: لا بد من الإخلاص لله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

    وهدف الجهاد هو هدف الدعوة، فهو كما قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له} فهو يدعو إلى أن يعبد الله وحده لا شريك له، ويجاهد من أجل أن يعبد الله وحده لا شريك له، ولهذا لا يرتبط الجهاد الذي هو جهاد الطلب وجهاد الدعوة، بأرض معينة، ويجب أن نفرق بين جهاد الدعوة والطلب، وجهاد الدفع.

    أما جهاد الطلب والدعوة فهو كما قال تعالى: وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ [البقرة:191] فالمؤمن يجاهد في سبيل الله كما جاهد الصحابة الكرام في أي مكان؛ لإقامة دين الله ومن أجل الدعوة إلى الله.

    فلما ضاقت الحيلة بالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه في مكة، هاجروا إلى المدينة؛ ففي أي بلد يمكن أن تقيم فيه دين الله، فلتكن دعوتك وليكن جهادك، ولا يرتبط بجهة معينة.

    أما جهاد الدفع: فهو إذا احتل الكفار بلداً من بلاد المسلمين وسيطروا عليه؛ فإنه يجب على أهل ذلك البلد أن ينفروا لدفعهم، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم وهذا جهاد آخر غير جهاد الدعوة والطلب.

    اختلاف أسلوب الدعوة بسبب اختلاف الأحوال

    السؤال: كيف يدعو الإنسان في بيته، وبين والديه، وبين أقربائه، وفي مدرسته؟

    الجواب: الدعوة لا تختلف في مكان عن مكان إلا بحسب اختلاف البيئة؛ فالهدف لا يختلف، والأسلوب لا يختلف؛ لكن من شخص إلى شخص ومن مكان إلى مكان تختلف الدعوة بحسب ذلك الإنسان؛ فدعوتك مع الوالدين، تختلف عن دعوتك مع غيرهما؛ لأن الوالدين لهما حق علينا؛ كما بين سبحانه: وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً [لقمان:15] فلا يجوز الإعراض الكامل عنهما.

    فلو أن شاباً من الشباب أبوه من أهل الشرك والضلال والدعوة إلى البدع والشر والإجرام؛ فعلى هذا الشاب أن يدعوه وأن ينصحه، لكن مع ذلك لا بد أن يعاشره بالمعروف، كما قال سبحانه: وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً [لقمان:15] فلا جفوة كاملة؛ بل يظل يتودد ويتقرب إليه ويحسن عشرته ويعامله بالحسنى، ويدعو الله له، ويبذل كل وسيلة، حتى يهديه الله كما حرص إبراهيم الخليل -إمام الموحدين- على أن يهدي الله أباه، وكيف كان يدعو له كما بين القرآن الكريم.

    والزميل أو الجار يختلف عن أي إنسان عادي تقابله في مكان ما؛ فهذا الجار أو الزميل لا بد أن يكون هنالك من الحكمة ومن المداراة ومن سياسة الدعوة معه... ما يختلف عن ذلك الذي التقيت به لقاءً عابراً قد يكفي فيه أن تبين له الحق بالهدوء والأسلوب الطيب، ثم تدعه يذهب كما يشاء.

    فالتفرقة في الدعوة لا تكون إلا بحسب الأحوال.

    توجيه في أسلوب دعوة أهل البدع والضلال

    السؤال: لدي قريب يتعامل مع المشعوذين، فنصحته ولكن دون جدوى، فتركته ولم أزره ولم أدخل بيته. فما رأيك في ذلك؟

    الجواب: إن التعامل مع الدجالين والمشعوذين من الظواهر السيئة، ومع الأسف فقد بدأت تنتشر؛ وليس ذلك إلا نتيجة لغياب الدعوة إلى العقيدة الصحيحة من وسائل الإعلام والمنابر الخاصة والعامة.

    فإذا قصرنا نحن الدعاة في دعوة الناس إلى العقيدة الصحيحة وبيان التوحيد وبيان الشرك وخطر الخرافات والبدع؛ فلا نستغرب أن يقع في الناس ما يقع.

    ولهذا كَثُرَ الذهاب إلى المشعوذين والدجالين مع أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد حسم هذا الأمر، فقال: {من أتى عرافاً أو كاهناً فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد}لأن مما أنزل على محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ [الأنعام:59] فلا يعلم الغيب إلا الله، أو من أطلعه الله -من رسله- على شيء من الغيب.

    فأمَّا الذي يذهب لا بقصد أنه يصدق الكاهن؛ لكن كما يفعل بعض الناس، يذهب إلى بلد من البلدان للسياحة؛ فيجد أُناساً يقرؤون الفنجان أويجد سحرة؛ ومن جملة السياحة في تلك البلاد، أنه يذهب إليهم، ويعرض لهم مشكلته، ويعطيهم مبلغاً من المال على سبيل الاستهزاء ولا يبالي بأي جواب يقولونه... فهذا يقول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيه: {من أتى عرافاً أو كاهناً لم تقبل له صلاة أربعين يوماً} فأعظم الأعمال وأزكاها عند الله -إذا حسنت وصلحت- هي الصلة بين العبد وبين الله..، تنقطع أربعين يوماً إذا ذهبت إلى أي كاهن وما صدقته ولا اعتقدت صدقه، إنما من أجل الفرجة أو السياحة أو لتنظر ماذا يقول؛ فيأتي إلى الكاهن إنسانٌ جاهل ويصدقه؛ فإذا قلت له: لماذا ذهبت إلى الكاهن وصدقته؟ قال لك: رأيت فلاناً يذهب إليه.

    فنيتك أنت لا يدري بها الناس وهكذا؛ فتكون أنت ممن كَثَّرَ سواد أهل الشر.

    وأقول لصاحب السؤال: لا تهجره، وزره وانصحه ونوّع في النصيحة؛ وإن رأيت أنها لا تجدي معه نصيحتك؛ فأرسل إليه من ينفعه الله بنصيحته كأي إنسان مستقيم أو صاحب خير، كقريبٍ لك يعرفه ويثق فيه.

    المهم أن تبذل الوسيلة؛ فإن بذلت وعجزت... فإن ابن نوح عليه السلام كفر، وامرأة لوط عليه السلام كفرت، وأبا إبراهيم عليه السلام كفر، وعم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كفر؛ وقال تعالى: ِإنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [القصص:56].

    فتجتهد في الدعوة وتصبر، والعاقبة للمتقين، والهداية من الله رب العالمين.

    علاقة الدعوة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

    السؤال: هل الدعوة والتبليغ هي نفسها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمعنى "هل هما أمران متلازمان لا يفترقان" أم أن هناك فرق بينهما؟

    الجواب: هما متلازمان، أو نقول: بينهما عموم وخصوص، فالدعوة إلى الله، كما قال الله: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ [يوسف:108] فكل عمل عمله النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دعوة إلى الله، فإن أمر بالمعروف فقد دعا إلى الله، وإن نهى عن المنكر فقد دعا إلى الله، وإن جاهد فقد دعا إلى الله، وإن علم الناس العلم فقد دعا إلى الله، وهكذا كل ذلك دعوة إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

    فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سهم عظيمٌ من سهام الإسلام، وهو شعار هذه الأمة كما قال تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110] فأية دعوة لا تأمر بالمعروف ولا تنهى عن المنكر، فقد أخرجت نفسها عن الخيرية التي جعلها الله في هذه الأمة واختصها بها، ولهذا قال تعالى: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المائدة:78-79] فلما لم يتناهوا عن المنكر لعنوا، وهذا الأمة لما كانت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر كانت خير أمة أخرجت للناس.

    فلا بد في الدعوة إلى الله من ذلك، فالمنكر الأكبر هو الشرك، والأنبياء جميعاً إنما جاءوا يدعون إلى التوحيد، ونبذ الشرك، فالمعروف الأكبر هو: التوحيد، والمنكر الأكبر هو: الشرك؛ فالذي يدعو إلى الله، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؛ ثم بعد ذلك تأتى الكبائر من زنا وربا وتبرج وفواحش، ما ظهر منها وما بطن، والفواحش الباطنة مثل: الغفلة والقسوة وعدم الإيمان الصادق بالله والغش للمسلمين والحقد عليهم والأعمال القلبية الباطنية التي هي من الكبائر كالحسد والشح، فكل هذه الأعمال القلبية من الكبائر وإن كانت قلبية؛ ولكن لا بد أن يظهر أثرها على صاحبها عافنا الله وإياكم منها.

    المعيار الذي تقاس به الجماعات الإسلامية

    السؤال: بعض الجماعات في الدعوة، هل هي على منهج الأنبياء أم على غير ذلك؟

    الجواب: نحن لا نريد أن نقول فلان وفلان؛ بل نبين منهج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الدعوة، والمخالفون لا يتناهى عددهم في كل زمان ومكان، ولكن الحق واحد؛ ولهذا قال الله تعالى: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام:153] فالسبل كثيرة لا نهاية لها، لكن الحق واحد وواضح؛ فاحرص على أن تعرف الحق، فإذا عرفته فاجعله معياراً تقيس به جميع الناس وجميع الأحوال.

    حكم الرغبة في كثرة المستجيبين للدعوة

    السؤال: إذا كان الأخ له جماعة في المسجد، أو في البيت يذكرهم بالله، ويتذاكرون في كتاب الله والدعوة إلى الله ويحب أن يكثروا، فهل هذا يدخل في قولكم لا يحرص الداعي على كثرة الأتباع؟

    الجواب: حتى لا يُفهم الكلام خطأً، أقول: إننا نحب أن كل المسلمين يأتون إلى الصلاة في المسجد، وإذا قام واعظ يعظ فإنه يحب أن كل الناس يجلسون ويستمعون إليه.

    إذاً فالداعية إلى الله سواءٌ كان مدرساً في مدرسته، أو إماماً في مسجد، أو داعية في جماعته أو في قبيلته، كل من يدعو إلى الله على بصيرة وبالأسلوب الأمثل؛ هذا لا شك أنه يحرص على أن يستجيب له أكبر عدد، وهذا يحمد عليه؛ ولكن الذي تحدثنا عنه بأنه مذموم هو أنه من أجل الكثرة يراعي جانب الناس وجانب الاستكثار منهم؛ فيتهاون ويداهن ويجامل في شيء مما شرعه الله.

    فالمذموم هو المداهنة والمجاملة في أمر من أمور الدين؛ أما أن الإنسان يريد الخير لكل الناس، فنحن نطمع ونرجو ونتمنى أن يدخل اليهود في الإسلام، وأن يدخل عُبَّاد الأبقار في الإسلام، بل ونحرص على ذلك، ويجب أن نبذل الجهود لذلك، لكن لا نتنازل عن ديننا، ولا نلتقي معهم في منتصف الطريق، فنقرهم على كفرهم وعلى إلحادهم وعلى ضلالهم؛ فهذه مسألة، وتلك مسألة أخرى.

    حكم التحذير من كتب أهل البدع

    السؤال: بعض الناس يقولون لا تحذروا الناس من المبتدعين ومن كتب المبتدعة، وأن هذا ليس بأسلوب دعوة، فما قولكم في ذلك؟

    الجواب: أما أسلوب الدعوة فقد جعل الله من أساسياته: تنـزيه الله والبراءة من المشركين.. وكل الأنبياء ما أتوا إلى أممهم إلا ليقولوا: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:59].

    فالتحذير من كتب البدع والضلالة هو أوجب من التحذير من الزنا والربا وشرب الخمر والمخدرات وأمثالها من الجرائم؛ لأن المعاصي درجات، وأعظم المعاصي وأعلاها وأشدها هو الشرك والكفر بالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى؛ ثم يلي ذلك الابتداع في الدين؛ ثم يلي ذلك الكبائر.

    ولهذا فأصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قاتلوا الخوارج؛ بل هو صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي أمر بقتالهم وأخبر عن ذلك؛ ففرح الصحابة -رضي الله عنهم- لما كان ذلك على أيديهم لما سمعوا من بشرى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى قال: { خير قتيل من قتلوه } وحين قال عنهم: { هم شر قتلى تحت أديم السماء } وغير ذلك مما وردت فيه أخبار الخوارج، وهي ثابتة عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعن الصحابة الكرام، ولم يقل الصحابة شيئاً من ذلك إلا عن علم من النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لأنه من أمر الغيب.

    فالصحابة الكرام قاتلوا الخوارج لأنهم ابتدعوا في الدين، فكيف نتهاون مع أهل البدع ومع كتب البدع؟! والصحابة -رضي الله عنهم- توعدوا القدرية الذين ابتدعوا في القدر فقط، وهو جانب واحد من جوانب العقيدة، وليس هو جانب الشرك، بل إن البدعة في القدر قصد أصحابها هو المحافظة على التوحيد.

    فأنكروا القدر حتى لا يحتج العصاة به، فيقولون: قدر الله، ويفعلون المعاصي.

    فكان قصدهم زيادة تمسك الناس بالأمر والنهي، ومع ذلك يقول عبد الله بن عباس -رضي الله عنه-: [[لو أمكنني الله من أحدهم لدققت عنقه]] وكان قد كبر سنه وعمي، وعبد الله بن عمر -رضي الله عنه- لما بلّغة بعض التابعين عن القدرية الذين ظهروا في البصرة، قال: [[أبلغوهم أنني منهم براء وأنهم مني براء]] فتبرأ منهم رحمه الله، ثم بيَّن أنه لا يقبل لهم عمل؛ ولو أنَّ أحدهم أنفق مثل أُحدٍ ذهباً لم يُقبل منه حتى يُؤمن بالقدر، ثم ذكر لهم حديث جبريل الذي رواه عن أبيه عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

    فانظروا كيف وقف الصحابة الكرام من أهل البدع ومن أهل الضلال! وانظروا إلى تهاوننا معهم الذي أدَّى إلى أن تُباع كتب الدجالين وتوزع والله المستعان، وهذا من أسباب تفرق المسلمين، ومن أسباب تقهقرهم!! لأن المؤمنين وخاصة من الشباب المقبلين على الدين؛ لو لم يروا إلا طريقاً واحداً لاتبعوه.

    فعندما يترك أحدهم المخدرات والخمر والزنا، ويحافظ على الصلاة؛ ويريد الهداية، فيجد طرقاً كثيرة؛ فإنه يحتار أيها يتبع؛ فقد يقع في أحد سبل الضلال، فيخرج إلى الشر؛ بل قد يكون قد خرج من كبائر وجرائم وفواحش، فيقع في البدع ثم في الشرك عياذاً بالله؛ فيكون حاله قبل أن يعرف هؤلاء القوم ويقرأ كتبهم أهون وأخف من حاله بعد ذلك.

    نسأل الله أن يعافي هذه الأمة وأن يقيها شر هؤلاء المبتدعة.

    حكم مخالطة أهل المعاصي

    السؤال: إذا جلست عند جماعة ودعوتهم إلى صلاة الجماعة، ولكنهم رفضوا الذهاب إلى المسجد؛ لأنهم مشغولون بلهو كالنظر في مباراة كرة القدم في تلفاز أو ورقة لعب، ثم صلوا جماعة في مجلسهم؛ فهل يجوز أن أرجع إليهم وأجالسهم وأتحدث معهم، أم أعتزلهم نهائياً؟

    الجواب: كِلا طرفي قصد الأمور ذميم، فلا تكون الجفوة النهائية ولا ينبغي هذا، وخاصة إذا كانوا زملاء أو أقرباء، والاحتكاك بينك وبينهم وارد، ولا ينبغي أيضاً أن ترجع إليهم -وكأنهم لم يفعلوا أي شيء- فتجلس معهم؛ بل لا بد أن تنكر عليهم وأن تحثهم على الذهاب إلى المسجد؛ ثم تعيد لهم الكَّرة بعد رجوعك إليهم؛ ثم تبين لهم الخسارة التي لحقت بهم؛ لأنهم صلوا هنا ولم يصلوا في المسجد، وتبين لهم حكم صلاة الجماعة، وتذكر لهم أحاديث النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التي توعد فيها المتخلفين عن صلاة الجماعة.

    فصلاة الجماعة أمرها خطير لا كما يقول بعض الناس: صلاة الجماعة سنة، أو فرض كفاية، وأضرب لكم مثالاً من الواقع؛ حتى تعرفوا أهمية صلاة الجماعة:

    في بعض الدول التي ينتشر فيها مذهب من المذاهب التي تقول: إن صلاة الجماعة سنة، تهاون الناس بالأذان وصلاة الجماعة، وحتى المساجد لم يعد لها ذلك الوقع والاهتمام -كما حصل في تركستان والأندلس وغيرها- فجاء أعداء الله إلى هذا البلد، فهدموا المساجد، ومزقو المصاحف، -وأكثر الناس لا يعلم ذلك فانقطع الأذان في المسجد، وأكثر الناس لا يهتم لذلك؛ لأن الأصل عندهم أن صلاة الجماعة سنة.

    لكن الأمة التي تعرف أهمية صلاة الجماعة وأهمية المسجد، لو جاءت في يوم من الأيام والمؤذن قد أضاع المفتاح؛ تجدها تتعجب لماذا المسجد مغلق؟! ولماذا لم نُصلِّ اليوم؟! فهذه أحست أن هناك شيئاً فُقد، وهو أنهم لم يصلوا في المسجد.

    فتجد أنهم يبذلون كل جهدهم ليبنوا مسجداً أو ليوسعوا مسجداً، ويهتمون به وبنظافته وبإمامته وبكل شيء؛ وذلك لأنهم يقدرون أهمية المسجد وأهمية صلاة الجماعة؛ ولهذا اقتطعت أطراف بلاد الإسلام التي تهاونت بصلاة الجماعة وبسهولة؛ لأن الناس لا يجمعهم جامع ولا تربطهم رابطة؛ ولأن شعائر الإسلام الظاهرة محيت رويداً رويداً حتى اضمحلت.. نسأل الله العفو والعافية.

    من أسباب ضعف الإيمان وعلاجه

    السؤال: عندما أكون في حلقة ذكر أو خطبة، أحس بعلو الإيمان، وبالحماس للدعوة، وعندما أخرج من مكان الذكر، أحس بنقص كبير وكسل. فما الدواء؟

    الجواب: هذا ما شكاه أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعضهم لبعض، ثم شكوا ذلك إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

    فنحن نحتاج دائماً إلى التذكير والمناصحة، فالقلوب لا تثبت على حال... ولو أنها تثبت على حال واحد؛ لاجتهد الإنسان يوماً من الدهر أو أسبوعاً أو شهراً وعبأ هذا القلب إيماناً ويقيناً؛ ثم انطلق وهو آمن مطمئن.

    ولكن الحقيقة أنك ما بين لحظة ولحظة، ويوم ويوم، وفريضة وفريضة؛ ترى التغير وتحس النقص في قلبك؛ ولهذا لا بد من التعاهد، ولا نيأس ولا نقنط إذا حصل لنا هذا -كما أوصى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أصحابه ألا ييأسوا ولا يقنطوا- فهذا أمر نسبي؛ لكن لا بد من التذاكر والتناصح، واتخاذ كل الوسائل لتقوية الإيمان من ذكرٍ لله وقراءةٍ للقرآن وزيارةٍ للمقابر وتذكر لأحوال الناس الذين مضوا إلى ربهم عز وجل، وكل ما من شأنه أن يجعل هذا القلب ليناً مطمئناً بذكر الله نسأل الله أن يجعل قلوبنا جميعاً كذلك!

    حكم الإنكار على أهل البدع

    السؤال: أليس من الدعوة أن ننكر على أهل البدع بدعهم، إذا كانت الاستطاعة موجودة؟ وهذه البدع منها الاجتماع على قراءة القرآن في بيت الجنازة، وكذلك ما يقومون به قبل الدفن من السير به خطوات معدودة وهم يحملون الجنازة على أكتافهم، ويزعمون أن السير بها هكذا وعلى ثلاث منازل فيها أجر عظيم، وأيضاً وضع ورق شجر سدر تحت العيون أثناء إجراء الكفن، ووضع أشجار حشيش أو برسيم عند وضعه في القبر، فما حكم الشرع في كل ذلك؟

    الجواب: بلى! هذا من الدعوة وهذا مما يجب علينا، ولا يجوز أن نسكت على ذلك، إنما نحاول بما نستطيع وبالأسلوب الأمثل أن ننكر.

    فما يقع عند الموت من هذه التختيمات وبدع الجنائز، مثله مثل كثير من البدع، وهو مما لا يجوز أن يقرَّ في المجتمع، وإن لم يمكن إلا الأخذ على أيديهم بالقوة، فلا بد أن تبلغ الجهات المختصة بذلك، ثم تتخذ منهم الموقف الصحيح بالقوة أيضاً، وإذا كان الإنسان له ولاية على شيء من هذه الأمور؛ فلا بد أن يغيرها باليد، كما لو كانت الجنازة لابنه أو لزوجته أو لمن يستطيع أن ينكر عليهم، أو كان الاجتماع في بيت أحد ممن يستطيع أن ينكر عليهم ويغير باليد، فلا يجوز له أن ينتقل إلى التغيير باللسان، إلا بعد أن يبذل جهده للإنكار والتغيير باليد.

    كيفية دعوة أصحاب المناصب والعوام

    سؤال: كيف ندعو أصحاب المناصب، أو المتكبرين إلى الله؟ وكيف ندعو العوام إلى الله؟

    الجواب: لا يوجد فرق من حيث أهداف الدعوة؛ وإنما الفرق أن صاحب الموكب الكبير أو صاحب الشأن أو صاحب المال، ينبغي أن يُدعى بما لا يشعر أن فيه احتقاراً له؛ لأن غرور الدنيا والمنصب والمال، وكثرة النفاق والمنافقين.. يجعله دائماً يشعر أنه فوق الناس.

    فإذا جاءه داعية ودعاه إلى الله وخاطبه بأي خطاب؛ فإنه ينفر؛ فالإنسان المؤمن المسلم الذي فيه معاصي وفيه تقصير، ينبغي أن يخاطب بالحسنى وبما يليق بمثله، ويذكر بالله، ويؤتى له من الباب الذي يقتنع به؛ فإن كان صاحب منصب فيذكر بنعمة الله عليه بهذا المنصب، وأنه إذا اتقى الله فسيهتدي من تحت إدارته أو سلطته؛ وإن كان صاحب مال يذكر بنعمة الله عليه بهذا المال، وأنه لو أنفقه في سبيل الله فسوف يحصل له الخير، وهكذا...

    أما العوام فلهم أسلوبهم وهو: الرفق بهم، وأن نأخذهم بالأسلوب الحسن؛ لأنهم أشبه بالقطيع من الدواب -وأكثر الناس هذا حاله- ولهذا فأهل البدع يحتوشونهم ويجتالونهم بمثل هذا الأسلوب.

    فلا بد أن نخاطب كل واحد منهم بما يناسبه.. مع أننا في الحالين نخاطبهم من منطلق أصول الدعوة وأساسياتها، والأهم فالأهم، فلا نتساهل ولا نتهاون ولا نقدم غير الأهم على الأهم.

    حيلة شيطانية لصرف الدعاة عن الدعوة إلى الله

    السؤال: أريد أن أكون داعية إلى الله، وأن أكون خطيباً وواعظاً في المساجد، ولكن يوسوس الشيطان لي، وأحس ضعفاً من ناحية الإخلاص، فما الحل؟

    الجواب: توكل على الله، فالشيطان يقول: لو دعوت إلى الله فربما لا تخلص؛ فهذا مثلما لو جاءك الشيطان وقال: إن صليت فقد ترائي في الصلاة، إذاً: لا تصلِّ فهل تطيعه؟ قطعاً لن تطيعه، وهذه هي نفس تلك، والشيطان له أساليب.

    فهذا الخبيث والعدو اللدود -من عهد آدم إلى اليوم- عنده هذه الخبرة الطويلة، وعنده هذا التمكين الذي أعطاه الله إياه؛ فهو يجري من ابن آدم مجرى الدم، ويوسوس له، وكل هذا التمكين يسخره من أجل الإغواء.

    فيأتي إلى أحدنا فيقول له: أنت افعل الفواحش والموبقات، ولا تُصلِّ ولا تصم، ويطمئن إلى جانبه، ويأتي إلى الآخر ويقول له: اجتهد في الإخلاص وفي ترك الرياء، واجتهد في كذا؛ لأنك مراءٍ، فلا تحبط عملك؛ فإذا أقره واستيقن بذلك، قال لك: لا تقم وتدعو إلى الله؛ لأنك لو دعوت فسيكون ذلك من الرياء، ولا تظهر طاعة من الطاعات أمام الناس -وهي من الطاعات التي أمر الله أن تظهر- لأن هذا قد يكون فيه الرياء..!

    فيمنعه من الدعوة إلى الله؛ بل ويخرجه عن الصراط المستقيم الذي كان عليه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه.

    فإياك وهذا العدو، وتوكل على الله، وجاهد نفسك على الدعوة، وجاهدها أيضاً على الإخلاص في الدعوة، فحياتنا كلها جهاد.

    حكم الدعوة إلى الله بالأحاديث الضعيفة والموضوعة

    السؤال: هل الذين يدعون إلى الله سبحانه بالأحاديث الضعيفة والموضوعة، موافقون لمنهج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟

    الجواب: كيف يكونون موافقين، وقد قال الله: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [يوسف:108]؟! فليس من البصيرة الدعوة إلى الله بالجهل، أو بالأحاديث الموضوعة والضعيفة، والنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: {من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار}، وفي رواية: {من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار} وقال: {ومن حدث بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبَين أو الكاذبِين}.

    فلا يجوز أن تدعو إلى الله بأحاديث لا تعرف صحتها، أو قصص وحكايات مما هب ودب؛ ففي كتاب الله وسنة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من العبر والمواعظ والقصص ما يغنينا.

    فالصحابة الكرام اتعظوا موعظة كبرى -كما في الحديث الصحيح- لما أنزل الله عليهم: أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ [التكاثر:1-8] وما أعظمها من موعظة؛ فنحن نسمعها ونقرأها؛ ولكن أين هذه القلوب من تلك القلوب؟ وكم في القرآن والأحاديث الصحيحة من مواعظ عظيمة! أفنترك هذا ونأتي بأحاديث مختلفة أو واهية وقصص وحكايات لا أصل لها؟! فهذا لا يجوز، وليس من منهج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الدعوة إلى الله.

    العلاقة بين صحة المقصد وصحة الأسلوب

    السؤال: كيف تكون الدعوة إلى التوحيد -في بعض الأحيان- على غير بصيرة؟

    الجواب: هذا قد يكون؛ لأن صحة المقصد لا تعني صحة الأسلوب.

    فقد يكون هناك إنسان يدعو إلى توحيد الألوهية والعبادة، وإلى توحيد الأسماء والصفات؛ لكنه على غير بصيرة، ولا يدري ما الفرق -مثلاً- بين ما يخرج من الملة وما لا يخرج من الملة، ولا يدري ما هو الأسلوب الأمثل في الدعوة إلى الله، وأين يضع الحكمة، وأين يضع الموعظة الحسنة، وأين يضع المجادلة بالتي هي أحسن، وقد يكون جاهلاً بحال المدعو، فيكلمه عن التوحيد من أحد جوانبه، وهذا المدعو واقع في شرك آخر؛ فحتى الدعوة إلى التوحيد لا بد أن تكون على بصيرة، والله تبارك وتعالى قال: أَدْعُو إِلَى اللَّهِ [يوسف:108] وهذا هو توحيد الله، وقال أيضاً: عَلَى بَصِيرَةٍ [يوسف:108] مع أنها إلى الله، فلا بد أن تكون على بصيرة.

    كيفية تجديد العزيمة والإيمان

    السؤال: في بداية الهداية كنت أدعو إلى الله بقوة، ولا أخاف أحداً، وبعد سنة أو أقل قل عزمي؛ حتى أني لم أعد أقوم لصلاة الفجر في بعض الأحيان، فماذا أفعل حتى أستعيد القوة في ديني؟

    الجواب: هذا الحال كحالنا جميعاً، تعترينا القوة ويعترينا الضعف والمرض، ولا بد أن نقوي إيماننا.

    فعليك بتلاوة كتاب الله عز وجل، وأن تجلس مع أهل الخير الذين يقربونك من الله، وأن تحرص على أن يوجهوك، وأن يدعوك، وأن يوقظوك، واحرص على مجاورتهم، أو السكن معهم؛ لأن هؤلاء هم خير عون لك على هذا الشأن، ولا تيأس أيضاً، فقد يكون في بعض التراخي خير.. من جهة أن الإنسان يجدد العزم والهمة مرة ثانية، ويراجع تلك الهمة وتلك العزيمة وتلك القوة؛ فربما أنها لم تكن على بصيرة؛ لأن لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة، فبعض الناس في بداية الدعوة، وأول ما يهتدي يندفع اندفاعاً شديداً، وبعد ذلك تكون له فترة، وهنا يكون الافتراق، إما أن تكون الفترة إلى السنة، فيرجع من الاندفاع إلى الاقتصار والاعتدال كما هي السنة؛ وإما أن يرجع إلى المروق -والعياذ بالله- أو إلى بدعة من البدع؛ وهذا يخرج عن الطريق المستقيم، وهذا ما قاله النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في هذا المقام.

    حكم قول المدعو: التقوى هاهنا

    السؤال: كيف أفعل إذا أردت أن أدعو؟ فبعض الناس يقول: التقوى في القلب، التقوى هاهنا؟

    الجواب: صحيح أن التقوى في القلب، وهذا ما قاله النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كما في الحديث الصحيح: {وأشار إلى صدره ثلاثاً} ولكن ما معنى ذلك؟ كثيراً ما انعكست المفاهيم في حياة الأمة؛ حتى أصبحوا يضعون الشيء في غير موضعه.

    ففي الحديث ينبهنا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى عدم الاكتفاء بالموافقة الظاهرة، وأنه لا بد من الخشوع الباطن، ولا بد من الانقياد الباطن؛ فأصل كل انقياد وإذعان وإنابة وإخبات ويقين وتوكل وصبر هو القلب؛ لأنه الذي يرشدنا إلى ذلك، وأما نحن فنعكس ذلك ونجعل ظاهرنا فاسداً؛ لأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول التقوى في القلب، وهذا عكس ما أمر الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو من التلاعب ومن التحريف.

    وقد يدخل فيما أخبر عن اليهود بأنهم يحرفون الكلم عن مواضعه؛ بل أمرنا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن نصلح ظاهرنا وباطننا، وأن نهتم بالباطن؛ فقد يقف الإنسان في الصلاة وقفة الخاشع المنيب والقلب لا خشوع فيه؛ فيقال له: إنما الخشوع خشوع القلب.

    لكن كإنسان معرض لا يريد أن يصلي أو أن يعبد الله، ويقول: التقوى هاهنا ويذهب.. فنقول له: أين أثرها؟ وأين حقيقتها؟ نعم! التقوى هاهنا! ولهذا نقول لك: أنر قلبك بذكر الله، ولو اتقيت الله في قلبك ولان وخشع لذكر الله؛ لجعل الجوارح تنقاد، وتأتي بك إلى بيت الله، وتأتي بك إلى حيث أمر الله، وتبعدك عن كل ما نهى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فهذه هي الحقيقة التي لا بد أن نعرفها.

    حكم الدعوة إلى عدم نشر العقيدة الصحيحة

    السؤال: كثيراً من الناس بل من الدعاة، يدَّعون أن الحكمة هي ترك الأمور المختلف فيها، ويعنون بذلك الأمور العقدية سواءً في توحيد الألوهية، أو ما يتعلق بتوحيد الأسماء والصفات، فما رأيكم في ذلك؟

    الجواب: إذا أخذنا بهذه القاعدة -كما ذكرها السائل- فإنه لن يبقى من ديننا شيء؛ لأن بعض الناس يقول: ادع إلى كل شيء لكن لا تتعرض للشرك، وآخر يقول: ادع إلى كل شيء ولكن لا تتعرض للبدعة، والآخر يقول: ادع إلى كل شيء إلا الربا والرابع يقول: إلا الزنا، وآخر يقول: يا أخي! نحن وإياك نتفق على أن ندعو هذا الإنسان إلى الصلاة ونترك عقيدته أياً كانت؛ فدعوناه.. فجاء يصلي، وجاء واحد من أهل البدع فأدخله في صلاة بدعية، ثم صلوات بدعية، لا أول لها ولا آخر، وقال: نلين قلبه -فقط- لله، فإذا لان قلبه لله؛ فليفعل ما يشاء.

    فلان قلبه للدين والإيمان والآخرة، وإذا به لا يتورع عن أي بدعة، إما عن جهل، وإما عن تبعية لأصحاب الضلال، فما الفائدة؟!

    فإذا كان الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- قد أقام الخلاف بين أهل التوحيد والإيمان -كما في الآية: وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يوسف:108]- وجعله أساساً من أساسيات الدعوة، وهو البراءة من المشركين؛ أفنأتي نحن ونقول: نريد دعوة من غير خلاف؟! والله تعالى يقول: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً [الأنعام:112]، وفي الآية الأخرى: وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً [الفرقان:31]؟!

    فالدعوة لا بد لها من عدو.

    هل قرأتم أن نبياً دعا إلى الله ولم يعارضه أحد؟ وهل سمعتم أن رجلاً دعا إلى السنة ولم يخالفه أهل البدع؟! فلو تركنا الناس وأهواءهم لما استقامت لنا دعوة ولا دين.

    وأما بعض الأمور الخلافية الفرعية التي اختلف فيها الصحابة الكرام؛ فإنها لا تفرق عن الصراط المستقيم، ولا ينبغي أن نتفرق فيها وأن نختلف عليها؛ وهذا حق.

    أما التوحيد فهو الأساس، فإذا ضيعناه وقبلنا الخلاف فيه؛ فلا خير في دعوتنا على الإطلاق! وإلام سوف ندعو الناس إذا تركوا توحيد الله وأقررناهم عليه؟! فهذا غاية الجهل بحقيقة الدعوة إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

    والحمد لله رب العالمين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3010569396

    عدد مرات الحفظ

    721973071