إسلام ويب

شرح رسالة تحكيم القوانينللشيخ : سفر الحوالي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • شرع الشيخ -سدده الله- في شرح رسالة تحكيم القوانين للإمام محمد بن إبراهيم آل الشيخ، والتي تعرض فيها لوجوب رد النزاع إلى الله ورسوله، وأقام الأدلة على ذلك، وبيَّن أنه لا أحسن من حكم الله جل وعلا، فهو الشامل الصالح لكل زمان ومكان؛ لأنه صادر عن لطيف خبير سبحانه وتعالى. وبيَّن بعض الحالات التي يكفر فيها الحاكم بغير ما أنزل الله كفراً أكبر مخرجاً من الملة. ونبه على مدى خطر مضاهاة القوانين الوضعية للمحاكم الشرعية ومعاندتها للشرع، ثم نبه على أن الإيمان قول وعمل، وأنها متلازمة لا يغني ركن منها عن ركن، وأخيراً ذكر من القسم الأول -الكفر المخرج من الملة- ما يحكم به كثير من رؤساء العشائر من عادات الآباء والأجداد، وبين أنه لا زال موجوداً، وأنه من الكفر الأكبر المخرج من الملة.

    1.   

    التحاكم إلى القوانين الوضعية

    موضوع هذا الدرس هو في الحكم بغير ما أنزل الله، وفي ذلك رسالة قيمة صغيرة الحجم، كبيرة الفائدة، عظيمة النفع؛ للعالم المجتهد الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله، وسوف نشرحها شرحاً موجزاً إن شاء الله تعالى.

    يقول رحمه الله: ''إن من الكفر الأكبر المستبين، تنـزيل القانون اللعين منـزلة ما نزل به الروح الأمين، على قلب محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ ليكون من المنذرين، بلسان عربي مبين''.

    فهذه أول عبارة بدأها الشيخ لعلمه بالاختلاف الواقع في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله.

    وهل هو مخرج من الملة أو غير مخرج!

    فبدأ بتأصيل الأصل، وهذا من كمال الفقه والحكمة في الدعوة، وهو أن الداعية إذا أراد أن يتكلم في أمر وفي هذا الأمر تفصيل، ومنه -مثلاً- جائز وواجب، وأصل واستثناء، وبعضه مجمل وبعضه مبين، فالحكمة أن يبدأ بتقرير الأصل العام وبتقرير القاعدة الكلية، ثم بعد ذلك يبين ما يستثنى من ذلك، أو ما لا يدخل ضمن هذه القاعدة.

    فيقول رحمه الله: '' إن من الكفر الأكبر المستبين، تنـزيل القانون اللعين، منـزلة ما نزل به الروح الأمين، على قلب محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ ليكون من المنذرين، بلسان عربي مبين، في الحكم به بين العالمين''.

    وهذه حقيقة بدهية!لا يجوز أن يماري فيها أي مسلم، وانطلاقاً منها تأتي التفريعات، فكيف يجعل القانون الذي يضعه البشر بأهوائهم وشهواتهم، ويفترون على الله به الكذب، بمنـزلة ما نزل به الروح الأمين -جبريل عليه السلام- على محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟!

    لا يرضى بذلك مؤمنٌ أبداً.

    يقول: '' في الحكم به بين العالمين، والرد إليه عند تنازع المتنازعين؛ مناقضةً ومعاندةً لقول الله عز وجل: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً [النساء:59]''.

    الأدلة على ذلك

    يقول: '' وقد نفى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الإيمان عمن لم يُحكِّموا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما شجر بينهم، نفياً مؤكداً بتكرار أداة النفي وبالقسم، قال تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ [النساء:65]''.

    أكد سبحانه نفي الإيمان عمن لم يُحكَّموا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما شجر بينهم بأمرين: بتكرار أداة النفي وهي "لا" في قوله: (فلا)، وقوله: (لا يؤمنون)، وبالقسم في قوله: (وربك).

    يقول: ''ولم يكتف تعالى وتقدَّس منهم بمجرد التحكيم للرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى يضيفوا إلى ذلك عدم وجود شيء من الحرج في نفوسهم، بقوله جل شأنه: ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ [النساء:65] والحرج: هو الضيق ''.

    ولهذا يقال: أرض حرجة، أو مكان حرج، أي: كثير الشجر ملتف شجره.

    يقول: ''بل لا بد من اتساع صدورهم لذلك''.

    أي: تتسع صدورهم وتنتفخ وتسر بحكم الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

    ''وسلامتها من القلق والاضطراب''.

    فلا قلق ولا اضطراب من حكم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

    قال: ''ولم يكتف تعالى -أيضاً- هنا بهذين الأمرين -أي: بالتحكيم وعدم الضيق- حتى يضموا إليهما أمراً ثالثاً هو التسليم: وهو كمال الانقياد لحكمه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بحيث يتخلون هاهنا من أي تعلق للنفس بهذا الشيء، ويسلموا ذلك إلى الحُكم الحق أتم تسليم، ولهذا أكد ذلك -أي: التسليم- بالمصدر المؤكَّد وهو قوله جل شأنه (تَسْلِيماً) المُبيِّن أنه لا يُكتفى هاهنا بالتسليم.. بل لا بد من التسليم المطلق ''.

    مراتب الدين بالنسبة لتحكيم رسول الله صلى الله عليه وسلم

    يقول ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين حول هذه الآية:

    '' إن هذه الآية اشتملت على مراتب الدين الثلاث، فالدين مراتب ثلاث كما جاء في حديث جبريل عليه السلام'' أي: إن هذه الآية بالنسبة لتحكيم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولاتباع هديه جاءت على مراتب الدين الثلاث، فمقام الإسلام هو مقام التحكيم، فمن لم يحكم الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فليس بمسلم.

    فإذا حكَّم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكان في صدره ضيق وحرج ولم يسلم تسليماً فهذا ليس بمؤمن، فبتحكيمه للرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرج بذلك عن أن يكون كافراً، ولكنه لم يدخل في عداد المؤمنين؛ لأنه لم ينتف الحرج والضيق من صدره لحكم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

    والله تبارك وتعالى إنما أثنى في القرآن ووعد بالجنة لمن اتصف بمرتبة الإيمان، قال تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُون [المؤمنون:1] وقال: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا [الحجرات:15]، وقال جل شأنه: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا [العصر:1-3] وغير ذلك من الآيات.

    فانتفاء الحرج هو المقام الثاني، وهو مقام الإيمان.

    والمقام الثالث: هو مقام الإحسان؛ فإذا حكَّم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يكن في نفسه حرج، وسلَّم بذلك كمال التسليم فهذا قد بلغ الغاية العظمى، وهي مقام الإحسان.

    ومن حكَّم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولم يكن في نفسه حرج من حكمه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لكنه لم يبلغ الغاية العظمى في ذلك وهو أنه لم يُسلم كمال التسليم، فهذا مسلمٌ مؤمنٌ وليس بمحسنٍ؛ لعدم حصول كمال التسليم منه.

    فهذه الآية اشتملت على هذه المراتب الثلاث، والشاهد هو: أن من لم يُحكِّم الرسول صلى الله عليه وسلم فليس بمسلم.

    ثم يقول الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله: ''وتأمل ما في الآية الأولى وهي قوله تعالى: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً [النساء:59] كيف ذكر النكرة وهي قوله: (شيء) في سياق الشرط، وهو قوله جل شأنه: (فَإِنْ تَنَازَعْتُم) المفيد للعموم، فيما يتصور التنازع فيه جنساً وقدراً ''.

    أي: في أي جنس من أجناس التنازع، وفي أي قدر، وفي أي أمر كان كبيراً أو صغيراً، فيدخل في ذلك كل خلاف ونزاع، سواء في أسماء الله وصفاته، أو في الإيمان، أو في أمور العقيدة، أو الأحكام الفقهية، أوفي الحقوق والدماء والأموال والأعراض وكل شيء.

    قال: '' ثم تأمّل كيف جعل ذلك شرطاً في حصول الإيمان بالله واليوم الآخر بقوله: إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر [النساء:59]''.

    وكلمة (شيء) هي أعمّ كلمة في اللغة كما يقول اللغويون، لأنها تطلق على الكبير والصغير، فكلها يمكن أن تُطلق عليه.

    وهي هنا عامة تماماً؛ لأنها حاءت نكرة في سياق الشرط، ويمكن أن تُطلق على الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، كما في قوله عز وجل: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ [الأنعام:19] فيجوز أن يطلق عليه شيء ولكن أي شيء هو؟

    هو جل وتعالى أعظم وأكبر من كل شيء!

    رأيت الله أكبر كل شيء محاولة وأكثرهم جنوداً

    فالقضية الكبرى المتنازع فيما بين اثنين على ممكلة عظيمة نقول إن هذه القضية شيء، وكذا لو تنازعا على ربع درهم لقلنا إنهما تنازعا على شيء وتحاكما عليه، فكل أجناس وأنواع القضايا تدخل في وجوب التحاكم ورد التنازع فيها إلى الله ورسوله؛ لأنها ضمن كلمة (شيء) في قوله: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ [النساء:59] ولهذا قال في الآية الأخرى: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ [الشورى:10] وفيها (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ) فحكم هذا الشرط (من شيء)، وتقدمها الجار والمجرور لزيادة تأكيد العموم، وهو التحاكم إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ورد التنازع إليه عز وجل في كل شيء، بحيث لا يخرج شيء عن ذلك.

    فشرط الإيمان بالله واليوم الآخر هو رد التنازع في أي شيء إلى الله ورسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولهذا قال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً [النساء:60] فدعوى الإيمان زعم، أما في الحقيقة فليسوا بمؤمنين، ولهذا قال تعالى: وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ [النساء:60].

    قال رحمه الله: '' ثم قال جل شأنه: (ذَلِكَ خَيْرٌ) فشيء يطلق الله عليه أنه خير لا يتطرق إليه شرٌ أبداً، بل هو خيرٌ محض، عاجلاً وآجلاً، ثم قال: (وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) أي: عاقبة في الدنيا والآخرة '' فرُد الأمر إلى الله ورسوله هو أحسن عاقبة في الدنيا والآخرة، وفي الحاضر والمستقبل، وفي كل زمن وعصر ولو كره المنافقون.

    الغفلة عن عواقب التحاكم إلى غير الشرع

    قال: ''فيفيد -أي: هذا الكلام- أن الرد إلى غير الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عند التنازع شر محض وأسوأ عاقبة في الدنيا والآخرة ''.

    وهذا واقع تشهد به أحوال الأمم في هذا الزمان وفي غيره؛ أن التحاكم إلى غير شرع الله والتقاضي إلى غير ما أنزل الله شر في الدنيا، وما ينتظرهم عند الله تبارك وتعالى أعظم من ذلك وأشد، قال تعالى: وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [القلم:33].

    يقول: ''عكس ما يقوله المنافقون''.

    أي: أن هذا الذي قرره الله هو ''عكس ما يقوله المنافقون'' فهم يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، والطاغوت هو القانون وزناً ومعنى، فالطاغوت يعني القانون، والقانون يعني الطاغوت.

    والطاغوت: هو ما تجاوز به العبد حده عموماً من معبودٍ أو متبوعٍ أو مطاعٍ في غير طاعة الله ورسوله.

    فطاغوت كل قوم هو ما يعبدونه من دون الله أو يتحاكمون إليه ويطيعونه في غير طاعة الله، ومن ذلك هذه القوانين الوضعية فهؤلاء المنافقون يقولون: إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً [النساء:62]، وهذه دعاوى قديمة وحديثة، ولهذا فلا يظن أن أحداً يتجرأ على الله عز وجل من غير تأويل ولا شبهة ولا دعوى، فحتى الأصنام لما عبدت لم تعبد إلا بتأويل، مع أنها حجارة صماء بكماء كما يراها العقلاء؛ لكنهم قالوا: هذه الحجارة نحتت على صورة "ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر" وهؤلاء رجال صالحون لهم عند الله مكانة فنحن نحب هذه الصور لكي نتذكر عبادتهم، ثم عبدت من دون الله بعد أن دُرس العلم.

    وهؤلاء المتحاكمون إلى القوانين الوضعية لا يقولون: هذا القرآن ليس بجيد؛ بل يقولون: نحن نحب القرآن والسنة ولا نريد أن نخالفهما؛ لكننا نريد أن نوفق بينها وبين متطلبات القرن العشرين، وبين الإسلام وبين متطلبات الحياة الحديثة، فنتحاكم إلى القوانين ونحن لم نخرج عن الإسلام ونحن نحب القرآن والسنة، فتراهم يعتمرون ويحجون ويطوفون ويسعون، وربما يتصدقون ويصومون ويصلون، لكن يقولون: نحن الآن في القرن العشرين، والعالم قد تحضَّر، والأحوال قد تغيَّرت، والأمور قد تطورت، فلا بد أن نوفق بين الإسلام وبين متطلبات الحياة الجديدة، فنسمح بالأنظمة والقوانين، ونطور موضوع المرأة والحياة الاجتماعية ولا نزال مسلمين!!

    فهم لا يقولون: اكفروا بالله، ولم يوجد أحد قام وقال: اكفروا أيها الناس!

    ولذلك فإن مشكلة الشعوب المغفلة، والأمم التي يحيطها مكر الليل والنهار أنها تنتظر من يقول لها: اكفري بالله حتى تتنبه إلى خطورة المؤامرة، وأعداء الله أذكى من أن يقولوا لهم ذلك، لأن هذه أساليبهم ومهارتهم. فكل عصر فيه تلبيس وكيد يناسبه، ومعلمهم الأول إبليس لم يقل لأبينا آدم عليه السلام: اكفر بالله، بل قال كما قال تعالى عنه: وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ [الأعراف:21]، وقال: قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى [طه:120]، وقال: مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ [الأعراف:20].

    فهؤلاء وأمثالهم وإن تسموا وادعوا أنهم مصلحون وقالو: إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ [البقرة:11] فقد بين الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كذبهم وباطلهم، فقال: أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ البقرة:12].

    ومن العجيب أن كل من يكتب في تنحية شرع الله أمثال جمال الدين الأفغاني وعبد الرحمن الكواكبي ومدحت باشا في اصطلاح المفكرين الغربيين والمستشرقين وأذنابهم يسمونهم: المصلحين أو زعماء الإصلاح حتى أنهم أطلقوا على حركة كمال أتاتورك: (الحركة الإصلاحية)!!

    قال: ''وعكس ما عليه القانونيون من حكمهم على القانون بحاجة العالم، بل ضرورتهم إلى التحاكم إليه، وهذا سوء ظن صِرْف بما جاء به الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ''.

    أي: أن من يقول: لا بد أن نضع القوانين أو نتحاكم إلى القوانين في شئون العقوبات، أو ما يسمونه بقانون العقوبات أو الجزاء، أو في القانون المدني، أو في القانون التجاري، أو في المعاملات التجارية عموماً، أو في المعاملات المالية، أو في أي جانب من هذه الجوانب، من يقولون ذلك فهم إنما يسيئون الظن بما جاء به الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لأن معنى كلامهم ولازمه: أن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إما أنه لم يعلم بأن العصر سيتغير، وأن الأحوال سوف تتطور، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ومن قال أو اعتقد ذلك فقد كفر.

    وإما أن يقولوا: إنه يعلم لكنه لم ينزل لذلك أحكاماً، فيكون - تعالى الله عن ذلك - قد تركنا هملاً في أمور عظيمة نحتاجها، ويكون هذا الكتاب ليس فيه تفصيل كل شيء، ويكون أمره بأن نحتكم إلى الله ورسوله في كل شيء، وأن نرد كل شيء تنازعنا فيه إلى الله لغواً؛ لأنه يأمرنا بالرجوع إليه في كل شيء مع أنه لم ينزل فيه أحكاماً لكل شيء، وهذا تناقض لا يفعله أي عاقل، فكيف بالله -تعالى الله عن ذلك- فهو سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عليمٌ حكيم، وهو الذي أنزل هذا الكتاب مفصلاً: تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل:89] وهو الذي أمرنا أن نجتهد وأن نبحث، وجعل للمجتهد المصيب أجرين وللمخطئ أجر.

    يقول: ''ومحض استنقاص لبيان الله ورسوله، والحكم عليه بعدم الكفاية للناس عند التنازع وسوء العاقبة في الدنيا والآخرة. إن هذا لازم لهم''.

    فلا بد أن يلزمهم ذلك، أو أن يذعنوا لحكم لله ويتوبوا ويعودوا إلى شرع الله وإلى ما أنزل الله.

    قال: ''وتأمل أيضاً ما في الآية الثانية من العموم، وذلك في قوله تعالى: فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ [النساء:65] فإن اسم الموصول -(ما) بمعنى الذي- مع صلته من صيغ العموم عند الأصوليين وغيرهم، وذلك العموم والشمول هو من ناحية الأجناس والأنواع كما أنه من ناحية القَدْر''.

    فمن ناحية النوع: كمال أو دم أو عرض أو حقوق أو بين الدول بعضها مع بعض، أو بين دولة وفرد، أو بين جماعة وجماعة، أو بين فرد وفرد، فكل ذلك داخل في "ما" من حيث النوع. ومن ناحية المقدار: في درهم أو درهمين أو أكثر أو أقل لأنها تدل على العموم.

    يقول: ''فلا فرق هنا بين نوع ونوع، كما أنه لا فرق بين القليل والكثير، وقد نفى الله الإيمان عمن أراد التحاكم إلى غير ما جاء به الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من المنافقين''.

    هذا دليل آخر كما قال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً [النساء:60] وهنا يظهر فقه الشيخ -رحمه الله- ودقة استنباطه؛ فإن قوله: (أَلَمْ تَرَ) أسلوب يستلفت الذهن، فكأنه يقول: انظر وتعجب، أيها المخاطب! وإن كان الأصل في الخطاب أنه للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما في هذه الآية وفي كل آية فيها هذا الأسلوب أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ [الفيل:1] ثم قال: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ [النساء:60] فهم ما آمنوا في الحقيقة ولكنهم يزعمون، والزعم هو الكذب يقوله ولا حقيقة ولا صحة له.

    يقول: ''فإن قوله عز وجل: يَزْعُمُونَ [النساء:60] تكذيب لهم فيما ادعوه من الإيمان، فإنه لا يجتمع التحاكم إلى غير ما جاء به النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مع الإيمان في قلب عبد أصلاً، بل أحدهما ينافي الآخر''.

    وانظروا قوله تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا [النساء:60] فهم لم يتحاكموا إلى الطاغوت، ولم يتبعوه، ولم يتخذوه ديناً، ولم يلزموا الناس به ويردوهم إليه بالقوة؛ بل أرادوا أن يتحاكموا إلى الطاغوت، ويرون أنه لا بأس به، ومع ذلك نفى الله عنهم الإيمان ووصفهم بما وصفهم به.

    وبهذا يظهر أن الأمر يتعلق بالإرادة، فإن الإنسان إذا أراد الكفر قد يكفر بذلك إذا استحله، وإن لم يفعل الكفر، ومثل هذا من لا يمتلك الأموال والبنوك بل هو فقير، لكنه يدافع عن أكلة الربا وعن البنوك؛ فإنه يأثم مثلهم وإن استحل ذلك فيكفر وإن لم يأكل.

    تحاكم إلى الطاغوت

    يقول الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله: '' والطاغوت مشتق من الطغيان، وهو: مجاوزة الحد، فكل من حكم بغير ما جاء به النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو حاكم إلى غير ما جاء به النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقد حكم بالطاغوت وحاكم إليه، وذلك أنه من حق كل أحد -أي: من واجبه- أن يكون حاكماً بما جاء به الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقط لا بخلافه، كما أن من حق كل أحد أن يحاكم إلى ما جاء به النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فمن حكم بخلافه أو حاكم إلى خلافه فقد طغى، وجاوز حده حكماً أو تحكيماً، فصار بذلك طاغوتاً لتجاوزه حدَّه'' .

    وأحياناً يكون طاغوتاً؛ لأنه تجاوز حده وافترى على الله الكذب، وقال: أنا أشرع للناس ما فيه مصلحة لهم، وأضع القوانين لذلك.

    وأحياناً قد يتجاوز بالشيء حده وهو ليس بمتجاوز بذاته كما لو اجتهد مجتهد من الأئمة المجتهدين في مسائل وأفتى فيها، فجاء أناس من أتباعه فقدموا كلامه على كلام الله ورسوله فردوا كل شيء اختلفوا فيه إلى كلامه، وقدَّموا كلامه على كلام الله ورسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإن هؤلاء قد جعلوه طاغوتاً وتجاوزوا به حده، إذ حدَّه أن يكون عبداً صالحاً لله، أو إماماً مجتهداً إن كان كذلك، حتى الملك المقرب جبريل عليه السلام حدَّه أن يكون ملكاً لله، والرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حدَّه أن يكون عبد الله ورسوله، وخيرته من خلقه ... إلى آخر ما ذكر الله تعالى عنه، وأخبر به النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن نفسه.

    لكن أن يعبد من دون الله، أو أن يُدعى جبريل أو محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو غيرهم، ويستعان بهم، ويصرف لهم شيء من الربوبية أو الألوهية؛ فمن فعل ذلك فقد تجاوز بهم الحد، فإن هذا من الكفر الصريح.

    وينبغي أن نفرق بين الطاغوت الحقيقي وبين من يُتخذ أو يُجعل طاغوتاً وليس هو بطاغوت، وإنما جعله طاغوتاً من تجاوز حده الشرعي من الناس.

    ومثاله: عيسى عليه السلام، فقد اتُخذ إلهاً من دون الله، فلا يُسمَّى طاغوتاً وحاشاه، وقد قال فيما ذكره الله عنه: مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ [المائدة:117]، ولكن النصارى غلوا فيه وجاوزوا به حده.

    1.   

    موقف القانونيين من الأحكام الشرعية

    قال: '' وتأمل قوله عز وجل: وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ [النساء:60]'' فبعد أن قال تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ [النساء:60] أكَّد ذلك بقوله: وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ [النساء:60]، وهذا من أصرح الأدلة على أن تحكيم غير الشرع كفر وتحكيم القوانين الوضعيه كفر.

    قال: '' تعرف منه معاندة القانونيين وإراداتهم خلاف مراد الله منهم حول هذا الصدد، فالمراد منهم شرعاً، والذي تُعبدوا به هو: الكفر بالطاغوت لا تحكيمه: فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ [البقرة:59]'' قال تعالى : وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ [النساء:60] قال تعالى: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا [البقرة:256] والعروة الوثقى: هي شهادة أن لا إله إلا الله، وهي نفي الكفر بالطاغوت وإثبات الإيمان بالله.

    فإذا تأمل الإنسان ذلك -كما يقول الشيخ رحمه الله- عرف معاندة القانونيين وإرادتهم خلاف مراد الله، فالله تعالى أمر أن يكفر بالطاغوت، وأن يتحاكم إلى ما أنزل الله، وهؤلاء يوجبون على الناس التحاكم إلى ما يشرعون، ويصرفونهم عن التحاكم إلى شرع الله وإلى دينه.

    اتباعهم لإرادة الشيطان

    قال: ''ثم تأمل قوله تعالى: وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ [النساء:60] كيف دل على أن ذلك ضلال؟!''.

    وهذا حال من يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت.

    فيقول الشيخ: ''وهؤلاء القانونيون يرونه من الهدى''.

    أي: التحاكم إلى الطاغوت، ويقولون: هذا شيء حسن، وهذا رُقي وتطور، بل ربما يفتخرون بقولهم: في عام كذا وضعنا نظاماً وقانوناً للبنوك الاقتصادية، وفي عام كذا وضع القانون المدني، ويرون أن هذا اهتداءً، وأن الأمة قبله كانت في حالة تخلف وفي ضلال، عكس ما قاله الله تبارك وتعالى تماماً!! كما دلت الآية.

    يقول الشيخ: ''كما دلت الآية على أنه من إرادة الشيطان''.

    فالتحاكم إلى الطواغيت أو القوانين هذا من إرادة الشيطان، فهو يريد أن يُضلهم فيتحاكمون إليها.

    يقول الشيخ: ''عكس ما يتصور القانونيون من بُعْدهم من الشيطان، وأنه فيه مصلحة الإنسان، فتكون على زعمهم مرادات الشيطان هي صلاح الإنسان، ومراد الرحمن وما بعث به سيد ولد عدنان، معزولاً من هذا الوصف ومنحىً عن هذا الشأن''.

    فهم قلبوها، فجعلوا الحكمة والرحمة والمصلحة في مرادات الشيطان، وأمَّا ما أنزله الرحمن، وما أراد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهذا فيه-كما يزعمون - التأخر والانحطاط، أو عدم الصلاحية.

    قال: ''وقد قال تعالى منكراً على هذا الضرب من الناس، ومقرراً ابتغاءهم أحكام الجاهلية، وموضحاً أنه لا حكم أحسن من حكمه: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:50] فتأمل هذه الآية الكريمة، وكيف دلت على أن قسمة الحكم ثنائية ''.

    فالحكم حكمان لا ثالث لهما، وأي حكم في الدنيا لا يخرج عن هذين الحكمين.

    يقول: '' وأنه ليس بعد حكم الله تعالى إلا حكم الجاهلية، الموضح أن القانونيين في زمرة أهل الجاهلية شاءوا أم أبوا، بل هم أسوأ منهم حالاً وأكذب منهم مقالاً، ذلك أن أهل الجاهلية لا تناقض لديهم حول هذا الصدد ''.

    والجاهلية المطلقة هي الجاهلية، وإن كانت الجاهلية قد انتهت ببعثة الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إلا أن هناك جاهلية حديثة لكنها مقيدة ببلد أو بجماعة أو بفرد أو بحكم ما كالجاهلية الغربية بأحكامها، ومن يريد التحاكم إلى الطاغوت من أبناء هذه الأمة.

    يقول الشيخ: '' ذلك أن أهل الجاهلية لا تناقض لديهم حول هذا الصدد '' لأنهم لا يؤمنون بالله ولا برسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا يدّعون ذلك، ولا يزعمون أنهم يؤمنون بالقرآن؛ فلذلك تحاكموا إلى خلاف ما جاء في القرآن والسنة فهم ليسوا متناقضين؛ لكن المتناقض هو من يزعم الإيمان ويدعيه ثم يتحاكم إلى أحكام هؤلاء الجاهليين.

    القانونيون وتناقضاتهم

    يقول الشيخ: ''وأما القانونيون فمتناقضون حيث يزعمون الإيمان بما جاء به الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ويناقضون ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلاً'' سبحان الله! وكأنَّ هذه الآيات ما نزلت إلا علينا في هذا الزمن '' وقد قال الله تعالى في أمثال هؤلاء: أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً [النساء:151] '' أي: الذين يفرقون بين الله ورسوله، ويقولون: نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً [النساء:150]، وقال تعالى: كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ [الحجر:90] أي: الذين قسموا القرآن والدين، وكما قال تعالى: الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ [الحجر:91] أي: أجزاءً يأخذون بعضاً ويتركون بعضاً.

    فتجد هؤلاء يؤمنون بالله ويوحدونه، ويقرون أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خاتم النبيين، وأنه نبي للعالمين، وأنه أمرنا بالصلاة والزكاة والصوم و.... إلخ.

    كل هذا يقرون ويؤمنون به؛ لكن إذا ما جئنا إلى الكلام عن الربا مثلاً: تراه يضطرب، ويجادل، ويؤول النصوص ويحرفها، فقائل يقول: نريد الاشتراكية؛ لأنها تمنع الاستغلال، وتساوي في الملكية بين الشعب والحكومة! ومع أنه يصلي ويصوم إلا أنه في الجانب الاقتصادي يريد الاشتراكية.

    وآخر يقول: لا. لا نريد الاشتراكية، نحن نريد الاقتصاد الحر، لأنه ليس فيه قيود بأن هذا حلال وهذا حرام؛ فهو يريد الرأسمالية!!

    وتجد ثالثاً يقول: الدين كله طيب ونؤمن به؛ لكن موضوع المرأة مشكل.. فإن المرأة في بعض دول العالم أصبحت رئيسة للبلاد، وفي بعضها وزيرة... وأنتم لا تزالون تمنعونها من العمل، وتقولون: تبقى في بيتها، ولا تشهد حتى صلاة الجماعة، والرجال قوامون على النساء!! هذا مع أنه يصلي ويصوم.

    وتجد رابعاً يقول: في مسألة معاداة الكفار، وعدم موالاتهم مع كثرة النصوص المبينة، لذلك تجده يقول: كان هذا في السابق قبل النظام العالمي الجديد، أما الآن فقد أصبحنا أسرة دولية، ومجتمعاً دولياً واحداً، ولم يعد هناك عداوات، فتقول له: ونصوص القرآن؟

    فيقول: القرآن صحيح ولا ينكره؛ لكنه يفرغ الآيات عن مقتضاها ويحرفها؛ ولهذا لم ترَ في إذاعات العالم الإسلامي وصحافته وتلفازه من يقول ويصف دول الكفر بأنها دول كافرة، وإنما قد يقولون : دولاً غير إسلامية.

    والأمثلة على ذلك تطول، ونظرة سريعة على أحوال كثير من المسلمين اليوم تبين لك بجلاء أن منهم من يؤمن ببعض ويكفر ببعض، والله المستعان.

    يقول الشيخ رحمه الله: '' أما القانونيون فمتناقضون ''.

    لإنهم يفرقون بين الله ورسله، ويفرقون بين أحكام الله وبين أحكام رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهذا كثيراً جداً، فتجد أن بعض الناس يهتم ويحرص على بعض السنن، مثل: تقديم طعام العَشاء على صلاة العِشاء إذا حضر، لكن لو ذكرت له اللحية -مثلاً- فإنه يأبى أن يلتزم بها، وقس على ذلك، فيأخذ ما يوافق الهوى ويترك منها ما يخالفه، نعوذ بالله من ذلك.

    وتجد ذلك في بعض المسائل الفقهية المختلف فيها؛ فإذا أراد أن يكشف وجه المرأة، قال لك: قال بعض العلماء: إنه ليس بعورة ولا شيء فيه!

    أما إذا كان الكلام عن قريبته، فهو لا يريد أن يراها أحد، ويقول: لا يجوز الكشف، وهذا هو ما سماه الله نفاقاً، وهو النفاق بعينه؛ لأنه جعل القرآن والسنة عضين، يأخذ منهما ما يوافق الهوى ويترك ما يخالفه!!

    يقول رحمه الله: ''ثم انظر كيف ردت هذه الآية الكريمة على القانونيين ما زعموه من حسن زبالة أذهانهم، ونحاتة أفكارهم بقوله عز وجل: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:50]'' قال الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية: ''ينكر تعالى على من خرج من حكم الله المحكم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعَدَل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله؛كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات، مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم'' .

    فهذا هو المثال الأول : وهو أن أهل الجاهلية كانوا يتحاكمون إلى الطواغيت والكهان، فيذهبون إلى الكاهن ليحكم بينهم، أو إلى شيخ القبيلة، أو إلى الأزلام يضربونها.

    قال -والكلام لا يزال لـابن كثير- : ''وكما يُحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكيز خان الذي وضع لهم كتاباً مجموعاً من أحكام، قد اقتبسها من شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه''.

    هذا هو المثال الثاني، وهو يدل على فقه ابن كثير وفهمه للواقع.

    وهذا الكتاب الذي وضعه جنكيز خان هو "الياسق"، وكما قال الشيخ -رحمه الله- : ''وقد اقتبسه من شرائع شتى وكثير مما فيه مأخوذ من الشريعة الإسلامية''.

    فكأن جنكيز خان جعل الشريعة الإسلامية مصدراً أصلياً ولم يجعله احتياطياً، فكيف بمن يجعل الشريعة الإسلامية مصدراً احتياطياً وليس هو أول المصادر الاحتياطية، فغالباً ما يكون الثالث أو الرابع؟!

    يقول: ''فصارت في بنيه شرعاً متبعاً يقدمونها على الحكم بكتاب الله، وسنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فمن فعل ذلك -أي: من تحاكم إلى هذه الأهواء سواء كانت الجاهلية أو أحكام الياسق- فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يُحكِّم سواه في قليل ولا كثير، قال تعالى: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ [المائدة:50] أي: يبتغون ويريدون وعن حكم الله يعدلون: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:50] أي: ومن أعدل من الله في حكمه، لمن عَقَل عن الله شرعه وآمن به وأيقن، وعلم أن الله أحكم الحاكمين، وأرحم من الوالدة بولدها، فإنه تعالى العالم بكل شيء، القادر على كل شيء، العادل في كل شيء'' انتهى كلام ابن كثير.

    فهذه الصفات كلها لله وحده.

    أولاً: علم الله تبارك وتعالى الذي أحاط بكل شيء علماً، وهو كما قال الشيخ الأمين رحمه الله: أنه لا يستطيع أن يشرع إلا من كان علمه محيطاً بكل شيء وليس ذلك لأحد إلا لله وحده تبارك وتعالى.

    وثانياً: قدرة الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى على كل شيء؛ فإن العاجز الضعيف لا يمكن ولا يصلح أن يكون مشرعاً.

    وثالثاً: عدل الله الكامل، فالله هو العادل في كل شيء، ثم هو أرحم من الوالدة بولدها، وعندما قال الله تعالى في حق عبده ورسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107] ظن كثير من الناس أن رحمة الله تعالى بالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مختصة بالمسلمين، والحقيقة أن الله رحم به العالمين، حتى الكفار نالهم من رحمة الله ببعثة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الشيء الكثير، فإن أهل الذمة أمنوا على أنفسهم وعلى أموالهم، والمحاربون الذين يحاربهم المسلمون وجدوا هذه الحرب التي لا نظير لها في التاريخ حرباً إسلامية، فلا مثلة فيها، ولا قتل لصغير ولا لكبير ولا امرأة ولا للرهبان المعتكفين في الصوامع.

    1.   

    وأن احكم بينهم بما أنزل الله

    قال الشيخ رحمه الله: ''وقد قال -عز شأنه- قبل ذلك مخاطباً نبيه محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ [المائدة:48]، وقال تعالى: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ [المائدة:49]، وقال تعالى مخيّراً نبيه محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بين الحكم بين اليهود والإعراض عنهم إن جاءوه لذلك: فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [المائدة:42] والقسط هو العدل، ولا عدل حقاً إلا حكم الله ورسوله، والحكم بخلافه هو الجور والظلم والضلال والكفر والفسوق''.

    يبين الشيخ أن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أمر نبيه محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بها في هذه الآيات الثلاث، وهي: فاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ [المائدة:48]، وفي الأخرى: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ [المائدة:49]، وفي الثالثة: وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ [المائدة:42]، وهذه كلها تدل على أنه لا يجوز لأحد أن يحكم إلا بما أنزل الله، وأن الحكم بما أنزل الله هو القسط والعدل، وأن ما عداه هو الجور والظلم والكفر، أما تخيير النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بين الحكم بين الكفار أو تركه، فبعض العلماء يقول: إن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُيِّر في أول الآيات ثم أوجب الله تبارك وتعالى عليه أن يحكم بينهم بقوله: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ [المائدة:48] فلا تخيير؛ بل يجب على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يحكم بينهم بما أنزل الله، وبعض العلماء يقولون: لا نسخ في الآيات وإنما المقصود بالآية الأولى قوم، والمقصود بالآية الأخرى آخرون، فالذين خُيِّر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بين أن يحكم بينهم أو أن يعرض عنهم قوم ليسوا داخلين تحت حكمه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وليسوا من أتباع الدولة الإسلامية التي رأسها وحاكمها هو النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهذا هو الراجح لأن اليهود منهم من كان داخلاً تحت حكم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومنهم: قبائل أخرى كخيبر لم يدخلوا في حكمه إلا بعد أن جاهدهم.

    والمقصود أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمر في هذه الآيات الثلاث أن يحكم بينهم بما أنزل الله، وأن هذا الحكم بما أنزل الله هو القسط، ثم يقول الشيخ بعد ذلك: ''ولهذا قال تعالى بعد ذلك: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44] وقال: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة:45] وقال: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [المائدة:47] ''.

    فهذه الثلاث الآيات في موضوع الحكم، وهي ضمن الآيات التي سوف نتعرض لها -إن شاء الله تعالى- بالتفصيل، ونبين هل هي أوصاف لموصوف واحد؟

    فالذين يحكمون بغير ما أنزل الله تنطبق عليهم هذه الصفات الثلاث بأنهم كافرون وظالمون وفاسقون؟

    أو أن الكافرين قوم، والظالمين قوم، والفاسقين قوم؟

    ثم من هم هؤلاء:

    هل هم أهل الكتاب خاصة؟

    أو أنهم كل من تشملهم الآية من اليهود ومن المسلمين ومن غيرهم؟

    أو أنّ هناك بعض تفصيل؟

    أو أن المسألة كفر دون كفر؟!

    كل هذا سيرد -إن شاء الله تعالى- وإنما المقصود هنا أن الشيخ يريد أن يبين أن الله تعالى أمر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ثلاث آيات بأن يحكم بينهم بما أنزل الله، وأن يحكم بينهم بالقسط، وأن من لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر ظالم فاسق.

    1.   

    مظاهر الحكم بغير ما أنزل الله

    قال: ''فانظر كيف سجَّل الله تعالى على الحاكمين بغير ما أنزل الله الكفر والظلم والفسوق، ومن الممتنع أن يُسمي الله سبحانه الحاكم بغير ما أنزل الله كافراً ولا يكون كافراً، بل هو كافر مطلقاً، إما كفر عمل، وإما كفر اعتقاد، وما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير هذه الآية من رواية طاوس وغيره يدل أنَّ الحاكم بغير ما أنزل الله كافر، إما كفر اعتقاد ناقل عن الملة، وإما كفر عمل لا ينقل عن الملة''.

    وهذا التفصيل يدل على فقه الشيخ، وما أظن أحداً سبقه إليه.

    جحد أحقيَّة حكم الله

    قال: ''أما الأول وهو كفر الاعتقاد''.

    هذا هو الكفر المخرج من الملة، الذي يكون صاحبه قد ارتد وخرج من دين الإسلام بالكلية ولا يرجع إليه إلا بتجديد الإيمان والتوبة من هذا الكفر.

    قال: '' فهو أنواع، أحدها: أن يجحد الحاكم بغير ما أنزل الله أحقية حكم الله ورسوله''.

    فيقول:لا يجب على الناس أن يتحاكموا إلى ما أنزل الله، فهذا لا ريب ولا شك في تكفيره؛ لأنه أنكر معلوماً من الدين بالضرورة، وجحد أمراً قطعياً في كتاب الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، ومتواتراً في سنة وسيرة محمد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

    يقول: ''وهو معنى ما رُوي عن ابن عباس واختاره ابن جرير أن ذلك هو جحود ما أنزل الله من الحكم الشرعي، وهذا ما لا نزاع فيه بين أهل العلم''.

    أي: إن جَحْدَ أيَّ حكم من الأحكام الثابتة القطعية فلا نزاع بين أهل العلم أنه كفر، فلو أن أحداً جحد وجوب الصلاة أو وجوب الزكاة، أو وجوب صوم رمضان، أو وجوب الجهاد، أو أي أمر من هذه الأمور المعلومة، فإنه يكفر ويخرج من الملة.

    قال الشيخ: ''فإن الأصول المتقررة المتفق عليها بينهم -أي: أهل العلم- أن من جحد أصلاً من أصول الدين أو فرعاً مجمعاً عليه، أو أنكر حرفاً مما جاء به الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قطعياً فإنه كافر الكفر الناقل عن الملة''.

    وهذا النوع هو الذي لا يكون إلا ممن جاهر بالردة، أو ممن لم يلتزم دين الإسلام كاليهود والنصارى وأشباههم، فهم لا يرون أن التحاكم إلى الكتاب والسنة واجب، أو أن الإنسان يجب عليه أن يصلي أو يصوم أو يعف عن الزنى أو الخمر، فهذه الأمور خارجة عندهم عن دائرة الوجوب، لأنهم -أصلاً- جاحدون لما أنزل الله، ومن جحد شيئاً من ذلك فهو كمن جحد كل ما أنزل الله؛ حتى وإن زعم أنه مسلم فإنه يكون جاحداً للكل!!

    وهذا بالنسبة للأحكام موجود فيمن ينتسب إلى الإسلام، ومن ذلك من يقول: إن العصر قد تغير، وإن الزمان قد اختلف، وإن الحكم بما أنزل الله إنما كان واجباً في زمن كانت الإنسانية فيه بدائية، والحياة بدائية، والأحوال أقرب إلى البساطة، أما الآن في عصر الحضارة والتعقيد والتطور فإنه لا يجب، وهذا يقولونه: إما بلسان الحال أو بلسان المقال، وهو كفر مخرج من الملة، فهذا النوع الأول، وقد عده سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز من نواقض الإسلام.

    تفضيل حكم غير الله على حكم الله

    قال: ''الثاني: ألا يجحد الحاكم بغير ما أنزل الله كون حكم الله ورسوله حقاً''.

    وهذا بخلاف الأول الذي جحد وأنكر ذلك.

    يقول: "لكن اعتقد أن حكم غير الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحسن من حكمه وأتم وأشمل لما يحتاجه الناس من الحكم بينهم عند التنازع''.

    وهذا النوع يقع في كثيرٍ من الكتابات أو التعبيرات، فيأتي بعض الناس ويتكلم في التربية أو في القانون أو في النظام الاجتماعي - مثلاً - فيذكر كيف كان الحال عند الرومان، ثم عند اليونان، ثم في الإسلام، ويبين أن الإسلام جاء بتوجيهات في ذلك، ويذكر بعض الأحاديث ثم يذكر النظريات الحديثة ويتوسع فيها، ويبين فضلها ومزاياها وهذا يدلك على أن هذا الكاتب يرى أن هذه النظرية أفضل مما جاء به الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وإن لم ينطق وإن لم يتكلم، لكن عرضه وسياقه للموضوع يشعر ويوحي بذلك، نسأل الله السلامة والعافية.

    يقول الشيخ: ''إما مطلقاً -أي: أن بعض الناس يرى أن حكم غير الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أفضل من حكمه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مطلقاً- أو بالنسبة إلى ما استجد من الحوادث التي نشأت عن تطور الزمان وتغير الأحوال''.

    فتقول بعض الدول: أمَّا ما يتعلق بالأحوال الشخصية كالطلاق، والحقوق، والمعاشرة بين الزوجين، والنفقة، والعدة، فهذه تؤخذ من الإسلام، ويتحاكم إليه، أما في النواحي التجارية وأنظمة العمل والعمال والقوانين المدنية وما إلى ذلك، فلا يرى الرجوع في ذلك إلى الإسلام.

    والبعض يرى أنه لا في هذا ولا في هذا حتى بالنسبة للأحوال المدنية أو الأحوال الشخصية لا يتحاكم إلى الإسلام؛ لأن تغير الإنسان اقتصادياً واجتماعياً يجعله يتغير شخصياً ونفسياً وخلقياً وسلوكياً، فما دام أن ما سبق قد تغيَّر، فإن الدين وحكمه لا يتمشَّى معه، فينكرون بذلك حكم الله في الكل، نسأل الله السلامة والعافية.

    يقول: ''وهذا -أيضاً- لا ريب أنه كفر لتفضيله أحكام المخلوقين التي هي محض زبالة الأذهان، وصرف حثالة الأفكار، على حكم الحكيم الحميد -هذا تعليل من الشيخ رحمه الله في تكفير القائل بهذا القول- ثم قال الشيخ: وحكم الله ورسوله لا يختلف في ذاته باختلاف الأزمان، وتطور الأحوال، وتجدد الحوادث، فإنه ما من قضية -كائنة ما كانت- إلا وحكمها في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نصاً أو ظاهراً أو استنباطاً أو غير ذلك، عَلِمَ ذلك من علمه وجهله من جهله''.

    فحكم الله لا يتغير، والله تبارك وتعالى قد أتمه وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلا [الأنعام:115]؛ فقد أتم الله تعالى الكتاب صدقاً في الأخبار، وعدلاً في الأحكام، وأنزله مفصلاً، وجعله تبياناً لكل شيء، فهو شامل، والحكم الذي فيه حكم معين ومحدد، لا يختلف باختلاف الأزمان، وتغير الأحوال والبيئات أبداً.

    وما من قضية ولا كائنة ولا واقعة تقع إلا وحكمها في كتاب الله وفي سنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إما [نصاً] بآية تدل عليها أو حديث، كما جاء في آيات الدين، وآيات الربا، والأحكام المعروفة، كالصيام والزكاة وما أشبه ذلك، وكذلك في السنة كما هو معلوم.

    [أو ظاهراً]: بأن تدل عليها النصوص دلالة ظاهرة، وتكون الدلالة على غيرها أرجح، لأن النص هو ما لا يحتمل إلا وجهاً واحداً، وأما الظاهر فهو ما احتمل وجهاً آخر؛ ولذلك يختلف العلماء وتتنوع اجتهاداتهم.

    [أو استنباطاً]: فإن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قد جعل هذا الكتاب العظيم مجالاً لأولي الألباب، لأولي النهي، لقوم يعقلون، لقوم يتفكرون، أي: يتفكرون ويستنبطون ويستخرجون من هذا الذكر الحكيم والقرآن العظيم ما يقيمون به حياتهم، فيتحاكمون إليه، وأكثرهم فقهاً هو من وفقه الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فكان أكثر تدبراً واستنباطاً من غيره، فإنه يستنبط ويعلم ما لا يعلمه الآخر ولكل أجره ونصيبه.

    فالاستنباط وجه من وجوه الاستدلال بالكتاب والسنة -وهذا واضح- فإن كثيراً من الأشياء التي استجدت في هذا العصر، يستدل عليها علماؤنا الأجلاء بالآيات من كتاب الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وهذا من فضل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى على العلماء وعلى الناس.

    ومن حكمته تعالى وفضله أن جعل هذا الكتاب بهذه المنـزلة والمكانة، ولو جاءت عصور أخرى، وتغيرت الأحوال، وتجددت بأشكال أخرى؛ فإنه يُقيِّض ويُسخِّر من يستنبط الأحكام ويأخذها من هذا الكتاب، ويتحاكم الناس إليها، ويكونون سائرين على ما أنزل الله بمقتضى هذا الاستنباط الذي أوتيه أرباب الفقه والفكر والتدبر.

    فهم خاطئ

    يقول: ''وليس معنى ما ذكره العلماء من تغير الفتوى بتغير الأحوال ما ظنه من قلَّ نصيبهم أو عُدِم من معرفة مدارك الأحكام وعللها، حيث ظنوا أن معنى ذلك بحسب ما يلائم إراداتهم الشهوانية البهيمية، وأغراضهم الدنيوية، وتصوراتهم الخاطئة الوبية،و لهذا تجدهم يحامون عليها، ويجعلون النصوص تابعةً لها، منقادة إليها مهما أمكنهم، فيُحرفون لذلك الكلم عن مواضعه، وحينئذٍ معنى تغير الفتوى بتغير الأحوال والأزمان مراد العلماء منه: ما كان مُستصْحَبة فيه الأصول الشرعية، والعلل المرعية، والمصالح التي جنسها مراد لله تعالى ورسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ''.

    والشيخ رحمه الله يرد على من أثاروا في هذه الأيام مسألة تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان -وإن كان لما قالوا نصيب من الحق- إلا أن الدين في نظر هؤلاء يتجدد ويتقلب بحسب هذه الإرادات الشهوانية، والأغراض البهيمية كما يشاءون.

    ولذلك ينبغي أن يُعلم أن الأحكام الشرعية ثابتة، وأنها مبنية على العلل الثابتة التي لا يُمكن أن تتغير، فالناس هم الذين يتغيرون، ويجب أن نرد تغيرهم إلى الحق الذي تغيروا عنه، فكل الأحكام جعلها الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى محققة للمصالح ونافية للمفاسد، والخير والشر، والمصالح والمفاسد كلها ثابتة لا تتغير.

    أما مسألة الضروريات أو ما يباح في وقت الضرورة فهذا شيء آخر، فهناك أمور تدخلها الضرورة، وهناك أمور لا تدخلها الضرورة كما بين ابن القيم رحمه الله.

    فمثلاً: كون الميتة تُباح أو يُباح شرب الخمر للمضطر فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ [البقرة:173] وما أشبه ذلك، فهذا يدخل في بعض الأحكام.

    أما مسألة الإيمان والكفر والموالاة والمعاداة بالقلب فلا اضطرار في ذلك أبداً، وإنما نص الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وعفا عن أمر واحد فقط في حال الاضطرار وهو: أن يقول الإنسان بلسانه كلمة الكفر، كما قال تعالى: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَان [النحل:106] فالقلب لا ضرورة فيه، ولا يستطيع أحد كائناً من كان أن يبحث أو يفتش عن قلبك، وأن يعلم ما في داخلك، أما اللسان فيسمعونه، فلهذا إذا اضطر الإنسان في حالة التعذيب الشديد -كما وقع لبعض الصحابة رضوان الله تعالى عليهم في أول الإسلام- أن يقول كلمة الكفر بلسانه، ولكنه في قلبه يعتقد الحق ويؤمن به ولا يتزحزح عنه.

    فتغير الفتوى -حنيئذٍ- حق، ولكن لا تتغير الأحكام، ولا تتغير النصوص، ولا تتغير مقاصد الشارع، والحِكَم التي جعلها الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مناطاً للأحكام، ولذلك إذا تغيَّر الحكم -كما في حالة الضرورة- فإننا نجد أن العلة وأن المناط الشرعي مقصود هناك.

    فمثلاً: لمَّا حرَّم الله تبارك وتعالى الميتة كان ذلك لحكمة ومصلحة مقصودة من ذلك، فإذا أباحها للمضطر لم يتغير الحكم ولم تتغير المصالح، بل هي موجودة وهي حفظ النفس، إذا وصل الحال بالإنسان إما أن يموت وإما أن يأكل من الميتة، وفي هذا الموضع المصلحة أعظم وأظهر لما فيها من الضرر في دينه وفي دنياه، فهنا نقدم مصلحة على مصلحة.

    إذاً: فالمصالح باقية، والحِكَمُ باقية، والنصوص باقية، والأحكام باقية، وإنما تتغير بحسب الأحوال، أما إذا خضع الأمر لأهواء الناس أو لآرائهم أو لشهواتهم، أو كما يسمونه هم [لنمو المجتمع] ومسايرةً للمجتمعات الحديثة والمجتمعات الملحدة الكافرة، فإن ذلك خروج عن هذه الحكم والمصالح جميعاً، ولذلك فلا حجة فيه.

    فهم يقولون نحن ننشر الفساد ونبثه بين الناس؛ فإذا ما انتشر فإنهم سوف يقبلون بالواقع ويفتون بالجواز ولو بعد عشرين سنة، فالمناط في نظر هؤلاء هو رغبة الناس وأهوائهم، بينما نحن نقول: المسألة مرتبطة بأصول وبأحكام شرعية قطعية ثابتة لا تتغير كما ذكر الشيخ رحمه الله.

    فيقول: ''ليس معنى ما ذكره العلماء من تغير الفتوى بتغير الأحوال ما ظنه من قل نصيبهم أو عُدِمَ مِنْ معرفة مدارك الأحكام وعللها، حيث ظنوا أن معنى ذلك بحسب ما يلائم إراداتهم الشهوانية البهيمية، وأغراضهم الدنيوية، وتصوراتهم الخاطئة الوبية، ولهذا تجدهم يحامون عليها، ويجعلون النصوص تابعة لها، منقادة إليها، مهما أمكنهم، فيُحرفون لذلك الكلم عن مواضعه''.

    وما أكثر ما يقع من تحريف الكلم عن مواضعه والاستدلال بالآيات في غير مواضعها.

    يقول: ''وحينئذ معنى تغير الفتوى بتغير الأحوال والأزمان مراد العلماء منه: ما كان مستصحبة فيه الأصول الشرعية، والعلل المرعية، والمصالح التي جنسها مراد لله تعالى ورسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ''.

    وذلك كما لو كثر في الناس شرب الخمر، أكثر من ذي قبل، فقيل: إنه ما دام ذلك قد وقع فلنجعل عقوبة السائق إذا خالف أو عمل حادثاً وهو سكران ضعف ما إذا كان غير سكران في العقوبة المعروفة العادية في النظام أو الحق، ليكون زجراً له عن ذلك، فالمصلحة هنا أن ينـزجر الناس عما حرم الله.

    وهكذا فإن كل ما نراه يخل بهذه المصلحة فإنه يجوز لنا أن نجتهد وأن نحدث ما يمنع ويردع الإخلال بهذه المصلحة من أحكام أو من عقوبات ما دام في ضمن التعزيز الشرعي والضوابط الشرعية.

    قال عمر بن عبد العزيز -رحمه الله تعالى ورضي عنه وأرضاه- ''يُجدُّ للناس من الأقضية مثل ما يُجدُّون من القضايا''.

    فكلما استجد الناس قضية نجد لهم أيضاً نحن من الأقضية، فنقضي على تلك، وهكذا فما دامت المصلحة والحكمة مراعاة فإن تغيير الفتوى جائز، بل قد يكون ضرورياً، وفي ذلك حكمة عظيمة من حكم التشريع، وهو أن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قد جعل هذا الكتاب محكماً، وجعل أحكامه محكمة، ومع ذلك فإنها تتلائم فعلاً مع الأحوال، وتتحقق المصلحة في أي حال كانت، وفي أي ظرف كان، وفي أي زمان وفي أي مكان، ولهذا قال بعض العلماء: حيثما كانت المصلحة فثم شرع الله، وليس معنى هذا أن يتلاعب بالدين باسم المصلحة، فما نص الشرع على تحريمه فهو مفسدة لا مصلحة فيه بحال، لكن المراد بهذا ما كان من الأمور المتغيرة المتجددة الحادثة واجتهد من له الحق في الاجتهاد أن في ذلك مصلحة فثم شرع الله.

    يقول الشيخ: ''ومن المعلوم أن أرباب القوانين الوضعية عن ذلك بمعزل، وأنهم لا يقولون إلا على ما يلائم مراداتهم كائنة ما كانت، والواقع أصدق شاهد''.

    أهل القوانين الوضعية لا ينظرون إلى مسألة المصالح الشرعية والعلل المرعية، وإنما ينظرون إلى أهوائهم وشهواتهم. وبهذا ينتهي الحديث عن النوع الثاني من أنواع الكفر الاعتقادي.

    مساواة حكم غير الله به

    يقول: '' النوع الثالث: ألا يعتقد كونه أحسن من حكم الله ورسوله، لكن اعتقد أنه مثله''.

    وهذا مثلما قال التتار: رجلان عظيمان، محمد وجنكيز خان، ومثلما يقول بعض الناس اليوم: ينبغي للناس أن يتبعوا الأحكام التي جاءت بها الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية وكأنها سواء، فنسأل الله السلامة والعافية.

    فيقول: ''فهذا - أي: من اعتقد أن حكم غير الله مساوياً لحكمه - كالنوعين اللذين قبله، في كونه كافراً الكفر الناقل عن الملة''.

    أي: كمن فضَّل القوانين الوضعية على المنـزل، أو كمن جحد أحقية الحكم المنـزل.

    يقول الشيخ: ''كافر الكفر الناقل عن الملة لما يقتضيه ذلك من تسوية المخلوق بالخالق''.

    كما يقول أهل النار: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:97-98] فهم في ضلال مبين؛ لأنهم سوّوهم برب العالمين في التعظيم والمحبة والإجلال واتباع أمرهم وتقدير كلامهم، وهذا هو العدل الذي قال الله تبارك وتعالى فيه: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام:1] والعدل: هو التسوية في المحبة والإجلال، كما قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ [البقرة:165].

    ولا يشترط أن يسووا بينهم في الخلق والرزق، والإحياء والإماتة والتدبير، بل كان الجاهليون يعتقدون أن الخلق والرزق والإحياء وتدبير الأمر، وإنزال المطر، ونحو ذلك كله هو من فعل الله وحده لا شريك له قال تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ [الزخرف:9]، والآية الأخرى: لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف:87].

    فلم تكن القضية عندهم في الخلق والرزق، وإنما كانت في الإجلال والتعظيم والتوقير، فمن قال: إن كلام الله وحكم الله تعالى مثل حكم ذلك القانون الوضعي الخبيث أو نظيره، فإنه يكون كافراً كفراً أكبر ناقلاً له عن الملة، لأنه سوّى بين الخالق والمخلوق.

    يقول: ''لما يقتضيه ذلك من تسوية المخلوق بالخالق، والمناقضة والمعاندة لقوله عز وجل: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ الشورى:11] ونحوها من الآيات الكريمة الدالة على تفرد الرب بالكمال، وتنـزيهه عن مماثلة المخلوقين في الذات والصفات والأفعال، والحكم بين الناس فيما يتنازعون فيه ''.

    وهذا يُذكرنا بكلام الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله عندما قال: ما صفات من يستحق أن يحكم بين الناس؟

    وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ * فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض [الشورى:10-11] مثلاً.

    فمن هذه صفته فهو الذي يتحاكم إليه، فإذا جاء أحد فقال: حكم الله وحكم غير الله سواء، فمعنى ذلك أنه خلع تلك الصفات التي تفرد الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بها على ذلك المخلوق، الذي لا يمكن أن تكون فيه هذه الصفات، وبهذا تجد التشابه الكبير بين كلام الإمام الشنقيطي والشيخ محمد بن إبراهيم؛ وذلك لأن أهل السنة ينهلون من منهل واحد، ويغترفون من معين واحد، فمهما اختلفت عصورهم أو ألفاظهم أو اجتهاداتهم فإن هنالك تشابه واتفاق فيما يذهبون إليه من الأحكام ومن الآراء.

    تجويز الحكم بغير ما أنزل الله

    الرابع: '' ألا يعتقد كون حكم الحاكم بغير ما أنزل الله مماثلاً لحكم الله ورسوله، فضلاً أن يعتقد كونه أحسن منه، لكن اعتقد جواز الحكم بما يخالف حكم الله ورسوله، فهذا كالذي قبله يصدق عليه ما يصدق عليه، لا عتقاده جواز ما عُلِمَ بالنصوص الصحيحة الصريحة القاطعة تحريمه''.

    وهذا -أيضاً- نوع كالذي قبله نوع من أنواع الكفر الأكبر الناقل من الملة - نسأل الله السلامة والعافية - وكثير من الناس لا يأبهون ولا يتنبهون لهذا، ولو أن المسلمين عرفوا حقيقة العقيدة والتوحيد، وحقيقة تعظيم كتاب الله وتعظيم شعائر الله، وتعظيم حرمات الله، وكانت فيهم الغيرة على دين الله؛ لكان حالهم اليوم غير هذا الحال وإلى الله المشتكى.

    سن القوانين

    يقول الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله: ''الخامس: وهو أعظمها وأشملها وأظهرها معاندةً للشرع، ومكابرةً لأحكامه، ومشاقةً لله ولرسوله، ومضاهاةً بالمحاكم الشرعية، إعداداً وإمداداً وإرصاداً، وتأصيلاً وتفريعاً وتشكيلاً وتنويعاً وحكماً وإلزاماً، ومراجع ومستندات.

    فكما أنَّ للمحاكم الشرعية مراجع مستمدات، مرجعها كلها إلى كتاب الله وسنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلهذه المحاكم مراجع، هي: القانون المُلفق من شرائع شتى، وقوانين كثيرة، كالقانون الفرنسي، والقانون الأمريكي، والقانون البريطاني، وغيرها من القوانين، ومن مذاهب بعض البدعيين المنتسبين إلى الشريعة وغير ذلك''.

    هذا النوع الخامس هو أعظمها وأشملها وأظهرها معاندة للشرع ومكابرة لأحكامه؛ لأن الأنواع الأولى قد تفعل فردياً أو على سبيل الاعتقاد، لكن هذا النوع أعظم وأشد ضرراً وخطراً لأنه عام للأمة، وهو أن يأتي أحد فيفتح المحاكم غير الشرعية ويقيمها في البلاد طولاً وعرضاً، ويجعل لها أنواعاً وتفريعات ومراجع ومستندات...إلى آخر ما ذكر الشيخ رحمه الله، ويلزم الناس بالتحاكم إليها والرجوع إليها عند التنازع وألاَّ يرجعوا إلى سواها.

    فهذا أكبر وأعظم وأشد، في جحد ما أنزل الله تبارك وتعالى وإنكاره وعدم الإقرار به، وإن قالوا بألسنتهم: إنا نقربه؛ لأن الواقع يخالف ذلك تماماً، وفي ذلك -كما ذكر الشيخ- معاندة للشرع حيث يفرض حكم غير حكم الله تبارك وتعالى على الناس، وفيه مكابرة لأحكامه، ومشاقة لله ولرسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأن يتخذ غير ما أنزل شرعاً، وأن يتخذ سبيل غير سبيل المؤمنين، ومضاهاةً للمحاكم الشرعية، وهذه من علامات أنه كفر أكبر، فإن من دلائل ذلك أن في هذه المحاكم وفي بنائها وفتحها وتفريعها مضاهاة للمحاكم الشرعية.

    1.   

    المرجع القانوني

    قوله: ''إعداداً وإمدادا،ً وإرصاداً وتأصيلاً وتفريعاً، وتشكيلاً وتنويعاً، وحكماً وإلزاماً، ومراجع ومستندات''.

    هذا دليل على أن الشيخ رحمه الله لديه خبرة ومعرفة جيدة بواقع المحاكم القانونية، فإنها -كما ذكر- وضعت ورتبت كما لو كانت محاكم شرعية، من حيث المراجع والمصادر والإمداد والسجلات والأنواع، وهذا شيء عجيب جداً!

    فتجد في أكثر بلاد العالم الإسلامي مثل هذه المحاكم، محاكم ابتدائية -كما يسمونها- ثم محاكم النقض! أو المحاكم الاستئنافية التي تستأنف عندها الأحكام، وتنقض أحكام المحاكم التي دونها، وهناك فوق ذلك المحكمة العليا، أو المحكمة الدستورية، أو المجلس الأعلى للقضاء -وبلا شك القضاء غير الشرعي- وهناك محاكم إدارية، ومحاكم تجارية، ومحاكم مدنية، ومحاكم جزائية، ومحاكم عمالية، ولها مراجع ومصادر ويرجعون إلى أصول القوانين التي استمدت منها القوانين.

    فتجدهم يقولون: قد رجعنا إلى ما قاله الفقيه فلان -يسمون أصحابهم فقهاء- وما قاله القانوني فلان وفلان، ورجعنا إلى أصل هذه المادة في القانون الفرنسي، فوجدنا فيها كذا، ثم وجدنا كذا، وبناءً عليه حكمنا بكذا، فيرجعون رجوعاً صريحاً واضحاً إلى ذلك.

    بل إن الأمر تجاوز هذا، فترى الكليات القانونية التي بدأت بفروع وبأقسام صغيرة، ثم في النهاية أصبحت كليات مستقلة للقوانين من بعد المرحلة الثانوية التعليمية إلى الدكتوراه، ولها أساتذة متخصصون، ولها مراجع ولها استمدادات، ثم بعد ذلك يتخرج الطالب من الكلية التي يسمونها كلية الحقوق أو كلية القانون، ويتعين في درجة دنيا من درجات السلم القضائي، ثم يرتفع ويترقى حتى يصبح في المحكمة العليا، أو رئيساً للمحكمة العليا وهو المنصب الأعلى في تلك البلاد التي تحكم بغير ما أنزل الله، نسأل الله العفو والعافية.

    فهذا فيه -كما ذكر الشيخ- مكابرة ومعاندة ومشاقة ومضاهاة لحكم الله، وللمحاكم الشرعية، فكما أن للمحاكم الشرعية مراجع ومستمدات، ومرجعها كلها إلى كتاب الله وسنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلهذه المحاكم -أيضاً- مراجع هي: القانون الملفق من شرائع شتى، وقوانين كثيرة كالقانون الفرنسي، والقانون الأمريكي، والقانون البريطاني.

    وقد سبق أن بينا أن أكثر القوانين في العالم العربي والدول الإسلامية تستمد من القانون الفرنسي وأشباهه كالقانون السويسري؛ لأنها قوانين تعتمد وتقوم على التقنين وهو التشريع المكتوب الذي يفصل في مواد قانونية.

    أما القانون الأمريكي أو الإنجليزي -والأمريكان تبع للإنجليز في هذا- فهو لا يقوم على الكتابة القانونية المفصلة، فالشرع والحكم عندهم يعتمد على نظام السوابق، العرف القضائي، وما تعارفت عليه المحكمة، ولذلك إذا جاءت قضية ينظرون: هل سبق أن حكمت المحكمة ولو قبل ثلاثين سنة أو أربعين أو أكثر في مثل هذه القضية؟

    فإن وجدوا لها سابقة حكموا بمثل ما حكم من قبلهم، وإن لم يجدوا لها سابقة فإنهم يجتمعون ويقررون، ثم يصبح هذا الحكم سابقة لمن بعدهم ويبنى عليه ويقاس عليه في المستقبل.

    يقول: '' ومن مذاهب بعض البدعيين المنتسبين إلى الشريعة، وغير ذلك ''.

    وأيضاً قد يخلطون مع القوانين الوضعية، الأخذ من مذاهب بعض البدعيين المنتسبين إلى الشريعة، فقد ينتسب بعض الناس إلى الشريعة ويأتي ببدع في الأحكام، وهذا -مع الأسف- هو النموذج الذي يراد له الآن أن يظهر وأن ينتشر في العالم الإسلامي، مثل بدعة (الإسلام العصري) وهذه البدعة الخطيرة معناها أن الإسلام يزيد لمصلحة العصر. أو يضفي عليه ثوب العصر، أو يطور ليلائم العصر، أو ما أشبه ذلك من العبارات، وهذه الدعوة الخبيثة لا تنكر النص القرآني، لكنها تفقده قيمته ومعناه بما تحوره ليوافق كما يزعمون "روح العصر".

    فهم ليسوا دعاةً بالضرورة إلى تحكيم القوانين الوضعية مباشرةً، لكن يقولون: الفتوى تتغير بتغير الأحوال والأزمان، فالحدود يمكن أن توقف في بعض الأحيان، وبعض الأحكام لا بد من تعديلها وإعادة النظر فيها، وبعض القضايا لابد من الرجوع فيها إلى أقوال معينة ولا نلتزم بأقوال، حتى قالوا لو وجدنا ما يوافق العصر في أقوال الزيدية أو الهادوية أو الجعفرية الرافضة -لعملنا به، لأننا عندما نلتزم بأن نأخذ برأي الجمهور، أو المجمع عليه، ونترك ما شذ عن هذا الإجماع، فهذا قد يكون فيه تضييع، وربما يكون الإجماع قائماً على شيء لا يوافق العصر ولا يتماشى مع روح الحياة الحديثة، ويكون القول الشاذ أو المرجوح، أو الذي قالت به إحدى الطوائف، أو أحد المجتهدين في عصور التاريخ الطويلة هو الأفضل.

    مثلما يأخذون عن هذا الرافضي الطوفي -والغريب أنه كان حنبلياً أشعرياً رافضياً- وكم فرح هؤلاء القوم بمقولته: إن المصلحة تقدم على النص الشرعي!! فأخذوا بها وظلوا يؤصلون لها ويروجون لها.

    فهؤلاء المبتدعون المنتسبون إلى الشريعة يحسن ويحلو للقانونيين أن يأخذوا منهم؛ لأنهم في الحقيقة لا يختلفون كثيراً عن أصحاب القوانين الوضعية، الذين يريدون أن يوفِّقوا بين هذا الدين وبين لوازم أو متطلبات الحياة الحديثة، فيبقى الدين نصوصاً مكتوبة يقرأها الناس ويتبركون بها لا غير وهو في الواقع يؤوَّل ويحرف الكلم عن مواضعه، فمنها ما يُلغى، ومنها ما يلوى عنقه، ومنها ما يغير عن حقيقته، والمقصود واحد من الجميع وهو الذي ذكره الله تعالى عن المنافقين من أنهم يقولون: إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً [النساء:62].

    حكم سن القوانين

    يقول الشيخ رحمه الله: '' فهذه المحاكم الآن -هذا في زمنه رحمه الله وقد توفي عام (1389هـ)، وألف هذه الرسالة عام (1380هـ)، "في كثير من أمصار الإسلام مهيأة مكملة، مفتوحة الأبواب، والناس إليها أسراب إثر أسراب "، فهم لا يجدون مكاناً يتحاكمون فيه إلا هذه المحاكم بمختلف أسمائها وأنواعها وأشكالها. يقول: يحكم حكامها بينهم، بما يُخالف حكم السنة والكتاب، من أحكام ذلك القانون وتلزمهم به''.

    أي: إلزام السلطة التنفيذية -ممثلة بمجلس الوزراء وما يتعلق به- للناس بأحكام هذه المحاكم.

    يقول رحمه الله: ''وتقرهم عليه، وتحتمه عليهم، فأي كفر فوق هذا الكفر، وأي مناقضة للشهادة بأن محمداً رسول الله بعد هذه المناقضة؟!''.

    أي: وإن زعم أصحابه أنهم مسلمون، وإن صلوا وصاموا وحجوا البيت وهم ما زالوا يتحاكمون إلى هذه القوانين ويلزمون بها الناس، ويحتمونها على الأمة، ويعرضون عن كتاب الله وسنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ويجعلونها وراء ظهورهم.

    فهل هناك كفر أكبر من هذا كما يقول الشيخ رحمه الله؟

    لا كفر أشد من هذا، حتى وإن قال: كلام الله حق وخير، ودينه حق، ورسوله حق، فلا ينفعهم ذلك ولا يكون مؤمناً أبداً.

    ومثلهم كمثل أحبار أهل الكتاب الذين كانوا يشهدون بصدق الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولكن لا يؤمنون به ولا يتبعونه، فما نفعهم ذلك، بل قاتلهم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وسبى ذراريهم وأموالهم، وكذلك هؤلاء، فمن أين جاءهم وصف الإسلام وهم بهذا الحال من المناقضة لشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟!

    الادلة على كفر المشرِّع والمتحاكم

    يقول الشيخ: ''وذِكْرُ أدلة جميع ما قدمنا على وجه البسط معلومة معروفة لا يحتمل ذكرها هذا الموضع!! -الأدلة على أن هذا كفر أكبر مخرج من الملة معلومة معروفة، وقد سبق ذكر بعضها والحمد لله- يقول: " فيا معشر العقلاء! ويا جماعات الأذكياء وأولي النهى!كيف ترضون أن تجري عليكم أحكام أمثالكم، وأفكار أشباهكم، أو من هم دونكم، ممن يجوز عليهم الخطأ، بل خطأهم أكثر من صوابهم بكثير، بل لا صواب في حكمهم إلا ما هو مستمد من حكم الله ورسوله نصاً أو استنباطاً " -وهذا هو الواقع!! كيف يرضى هؤلاء أن يؤلهوا بشراً مثلهم أو أقل منهم ولا خير في أحكامهم-

    يقول: تدعونهم يحكمون في أنفسكم، ودمائكم، وأبشاركم، وأعراضكم، وفي أهاليكم، من أزواجكم وذراريكم، وفي أموالكم، وسائر حقوقكم، ويتركون ويرفضون أن يحكموا فيكم بحكم الله ورسوله الذي لا يتطرق إليه الخطأ، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد''.

    وهنا يخاطب الشيخ رحمه الله العلماء والعقلاء، والأمة عامة التي فرضت عليها هذه الأحكام مستنكراً عليهم رضاهم بها، ولو أن الناس أنكروا هذه المحاكم وهذه الأحكام، لكان الحال غير هذا الحال، لكنهم استمرأوا ذلك، وسكتوا وأخلدوا إليه، وأصبحوا يرونه كأنه أمراً عادياً.

    ولذلك أعداء الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى حريصون أشد الحرص على الوقوف في وجه كل داعية يدعو الناس في أي بلد من البلاد إلى الاحتكام الكامل والكلي إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لأن ذلك يخالف تمام المخالفة ما يريدونه من نشر الفاحشة والرذيلة وإبقاء التبعية، وفرض العبودية على هذه الأمة، لتظل تعيش في ركاب الأمم النصرانية الغربية.

    فالشيخ رحمه الله يستثير النفوس، ويستنفر الهمم؛ لتقف في وجه هذا التيار الخبيث، الذي يريد أن يجعل هذه الأمة تابعاً ذليلاً لتلك الأمم في هذا الكفر والشرك الأكبر والعياذ بالله.

    يقول: ''وخضوع الناس ورضوخهم لحكم ربهم خضوع ورضوخٌ لحكم من خلقهم تعالى ليعبدوه، فكما لا يسجد الخلق إلا لله ولا يعبدون إلا إياه ولا يعبدون المخلوق، فكذلك يجب ألا يرضخوا ولا يخضعوا أو ينقادوا إلا لحكم الحكيم العليم الحميد، الرؤوف الرحيم، دون حكم المخلوق الظلوم الجهول، الذي أهلكته الشكوك والشهوات والشبهات'' .

    فبين الشيخ أن معنى أنكم مؤمنون، وأنكم تعبدون الله، وأنكم مسلمون أن ترضخوا لأحكام الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وأن تنقادوا لها، وإلا كيف تقولون: لا نعبد إلا إياه ولا نسجد إلا له، ثم تتحاكمون إلى غير شرعه، هذا لا يمكن بل هذا هو الشرك، والله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ذكر ذلك في القرآن، فإن مما ذكره الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى من صفات أهل الكتاب الذين أوجب الله تبارك وتعالى على المؤمنين جهادهم، وضرب الجزية عليهم، أنهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله، فإذا كان من يحكِّم التوراة ويتحاكم إليها كافر؛ لأنه يحكم بشريعة منسوخة مع ما فيها من الأحكام التي لم تحرف، كتحريمهم الربا على اليهود فيما بينهم، وتحريم بيع الغرر، والغش، وعند النصارى كل الفواحش ما ظهر منها وما بطن محرمة، فكيف بمن يتبع أقواماً لا صلة لهم بالدين وإنما هم علمانيون لا دينيون، ملحدون كالمشرعين الغربيين اليوم، يحكموا والشرائع والقوانين الوضعية التي وضعتها حثالة الأفكار؟!!

    لا شك أن هذا الثاني أشد كفراً وأعظم جرماً.

    توحيد العبادة وتوحيد الحاكمية

    يقول: ''فكما لا يسجد الخلق إلا لله، ولا يعبدون إلا إياه، ولا يعبدون المخلوق، فكذلك يجب ألاَّ يرضخوا ولا يخضعوا أو ينقادوا إلا لحكم الحكيم العليم، الحميد، الرؤف الرحيم''.

    والقرآن صريح في هذا وواضح، ولو أن الناس يتدبرون كلام الله تبارك وتعالى كسورة الأنعام وهي التي ذكر فيها التشريعات، وذكر فيها ضرورة الحكم بما أنزل الله، وهي سورة التوحيد العظمى في القرآن، فيقول فيها: قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [الأنعام:14].

    ولو أن الناس تدبروا لفهموا من هذه الآية أن من الشرك أن يتخذ الإنسان ولياً من دون الله يخافه ويدعوه ويرجوه ويتقيه كما يفعل عباد الأولياء والصالحين... إلخ.

    وقال أيضاً في آخر السورة: قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ [الأنعام:164] الله تعالى رب كل شيء، فكيف يكون الله تبارك وتعالى رب كل شيء وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً [الرعد:15] وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء:44] ويأتي هذا الإنسان المخلوق الضعيف فلا يتخذه رباً، وإنما يتخذ غيره من الأرباب إما من الأصنام، وإما من الطواغيت من البشر كفرعون وأمثاله؟!

    وهذا -أيضاً- نوع معروف أن من فعله فإنه كافر.

    وقال في نفس السورة : أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً [الأنعام:114] وقال في الآية التي بعدها: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنعام:115-116] فكما أنَّا لا نتخذ غير الله إلهاً وولياً ولا رباً ولا خالقاً ولا رازقاً، فكيف نتخذ غير الله حكماً، وهو الذي أنزل هذا الكتاب المفصل، وقد تمت كلمته صدقاً في الأخبار وعدلاً في الأحكام؟!

    وكيف نطيع البشر في مخالفة أمر الله وإن كثروا! وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّه [الأنعام:116]قال بعد ذلك: وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ [الأنعام:121].

    فالقضية واحدة كما ذكر الشيخ، فاتخاذ غير الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى حكماً، هي مثل اتخاذ غير الله تعالى ولياً وإلهاً ورباً خالقاً رازقاً، لا يختلف هذا عن هذا.

    إذاً: لماذا يستنكر المسلمون أو يستعظمون ويستبشعون أن يعبد غير الله وأن يصلى ويسجد لغير الله، ولايستبشعون أو يستفظعون أن يتحاكم إلى غير الله، وأن يتخذ غير الله تعالى حكماً، وأن يتخذ كتاب الله ظهرياً، ويؤتى بقوانين البشر المتألهين والمتسلطين، وتحكم في الدماء والأموال والأعراض والرقاب؟!

    هذا ما يريد الشيخ رحمه الله تعالى أن يوضحه، وقد سبق الإشارة إلى كثرة الأدلة في ذلك والحمد لله.

    يقول الشيخ: ''دون حكم المخلوق الظلوم الجهول -كما قال تعالى عنه: إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً [الأحزاب:72]، وهكذا حال الإنسان- الذي أهلكته الشكوك، والشهوات والشبهات، واستولت على قلوبهم الغفلة والقسوة والظلمات ''.

    ألا ترى أن المسلم لا يجوز له أن يقلد عالماً من علماء الإسلام أو مفتياً في كل ما يقوله أو يفتي به؟

    لأن هذا لا يكون إلا لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي يؤخذ عنه كل قول يقوله، أما من عداه فيؤخذ من قوله ويرد؛ فإذا كان هذا في حق علماء الأمة وإن كانوا الأئمة الأربعة، أو من هو أفضل منهم ممن تقدمهم من التابعين أو من الصحابة، فكيف في حق أصحاب التشريع والقانون الوضعي الذين لا صلة لهم بالدين ولا بالعبودية؟!!

    إذا كان قد يخطئ العالم المجتهد فكيف بالكافر الملحد المتصف بالظلم، والجهل، والكفر، والطغيان والشكوك، والشبهات، والشهوات، وكلها مجتمعة فيه!

    ولذلك تأتي أحكامهم وشرائعهم بالعجب العجاب من هذه التناقضات -نسأل الله العفو والعافية- حتى إن العاقل منهم لو تأمل لما صدق أنهم يحتكمون إلى هذه الشرائع! ولعجب منهم كيف يؤمنون بها!

    وما ذلك إلا لخفاء وجهل كثير من الناس بحقائق الدين وشرائعه، بسبب سيطرة الإعلام الغربي -ولو من بعيد- من قبل اليهودية والصهيونية والإلحادية والعلمانية والنصرانية، وتوجيه الإعلام توجيهاً خاصاً، فيجهل كثير من الناس حقيقة ما أنزل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ثم تجدهم يعجبون ويندهشون عندما يجدون أحكام الله وما فيها من العدالة والسهولة مما لم يكن يخطر لهم على بال.

    وقد سمعنا برنامجاً في صوت أمريكا عن امرأة مسلمة متخصصة في الدراسات القرآنية والإسلامية في إحدى الجامعات، فتقول: إن المرأة في الإسلام ترث ويحق لها التملك إلى درجة تثير الدهشة عندنا نحن الغربيين!

    ثم تقول: وإن في المملكة العربية السعودية حيث تطبق أحكام الشريعة الإسلامية فيما يتعلق بالميراث تملك المرأة ما يعادل (40%) من الممتلكات فتعجبت!! وقالت: إن هذا شيء عجيب جداً، ولا أدري من أين أخذت الرقم؟

    ونحن لا نستغرب ولا جديد فيه عندنا أن النساء يملكن الأموال العظيمة، لكن الغرب وبسبب جهلهم بدين الله أصيبوا بهذه الدهشة.

    يقول الشيخ رحمه الله: '' فيجب على العقلاء أن يربأوا بأنفسهم عنه، لما فيه من الاستعباد لهم، والتحكم فيهم بالأهواء، والأغراض، والأغلاط، والأخطاء، فضلاً عن كونه كفراً بنص قوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُون َ [المائدة:44] .

    أي: فضلاً عن أن هذا كفر، فالعاقل يربأ بنفسه عن أن يكون عبداً لبشر مخلوق مثله، والله تعالى بعث الرسل في جميع الأزمان يذكرون الناس بهذا، أن كيف تعبدون بشراً أمثالكم؟!

    وكيف تدعون من دون الله من لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً ولا حياةً ولا موتاً؟!

    1.   

    علاقة الظاهر بالباطن ودلالته عليه

    ولابد من الإشارة إلى أنه من الخطأ أن نسأل أصحاب القوانين الوضعية الذين يحكمون بغير ما أنزل الله، ويأصلون ويفرعون، ونقول لهم: هل تقرون بحكم الله أو لا؟

    وهل تفضلون القوانين الوضعية على حكم الله أو لا تفضلون؟

    وبناءً على هذا السؤال نحكم عليهم، فهذا ليس بسديد، لأن الله تعالى قد فطر النفوس على أنها تختار الأفضل وتفعله،ولهذا إذا كان هناك طالب في كلية ما، ثم تركها وانتقل إلى كلية أخرى فهل يتصور أنه يفضل الكلية التي تركها؟

    لا؛ فإن هذا لا يفعله عاقل، ولهذا فلا نحتاج أن نسأله: هل تفضل الكلية التي انتقلت إليها أولاً؟

    بل السؤال الذي ينبغي أن يطرح: لماذا فضلت هذه الكلية على غيرها؟

    هذا سؤال العقلاء، وهكذا من خطب امرأة ثم عدل عنها إلى أخرى... وعلى ذلك فهؤلاء القوم المحكِّمون للقوانين الوضعية لا يُسألون هل هم مفضلون لهذه القوانين اللعينة على شرع الله وحكمه أم لا؟

    فالإقرار اللفظي هنا لا قيمة له.

    ومثالهم -كما قد بينا- مثال اليهود والنصارى المقرون بنبوة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولمَّا ينقادوا له ويتبعوه، فلم ينفعهم ذلك الإقرار، وذلك الاعتراف.

    وهذه المسألة مرتبطة بما يذهب إليه أهل السنة والجماعة، من أن الإيمان قول وعمل، قول بالقلب واللسان، وعمل بالقلب واللسان والجوارح، فلا ينفع قول بدون عمل القلب وعمل الجوارح، فتنبه!

    ومن الجهل بمكان أن نظل نتلمس المبررات والحجج الواهية، لمثل هؤلاء المشرعين للقوانين الوضعية، وشبيه هذا من يقول: عبادة الله أفضل، وليله ونهاره وهو يذبح للأصنام ويدعوها وينذر لها! فلا يعد هذا مؤمناً ولا كرامة.

    والقصد أن هؤلاء الذين يقيمون هذه الأحكام في بلاد المسلمين ويتبعون هذه الشرائع ويلزمون المسلمين بها، خارجون عن الملة، ومهما انتسبوا إلى الإسلام فلا حقيقة لهذا الانتساب، وهذه الأنظمة غير شرعية إطلاقاً -الشرعية بالمعنى الإسلامي لا الشرعية الدولية والشرعية القانونية- فنحن لا نعترف بشرع غير شرع الله، فإذا قلنا: هذه الشرعية، فمعنى ذلك أن الله تعالى أذن بها وشرعها وأنزلها، أما غير ذلك فغير شرعي، وهذا الذي يجب أن يعتقده كل مسلم، وأن يعلم أنه من صميم عقيدة أن لا إله إلا الله التي معناها الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، قال تعالى: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [البقرة:256] والطاغوت هو الذي قال الله تعالى فيه: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ [النساء:60] والشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله لما ذكر أنواع الطواغيت الخمسة، ذكر نوعين من الخمسة، أحدهما: إبليس، وهو خارج عن البشر، والأربعة من الإنس: نوع هو الحاكم بغير ما أنزل الله، والآخر الحاكم الجائر المغير لأحكام الله.

    أي: أن نصف طواغيت البشر هم في طواغيت الحكم والتشريع كما هم في طاغوت العبادة، وادعاء علم الغيب والكهانة، فهذا شرك وذاك شرك، وهذا طاغوت وذاك طاغوت.

    فلا ينبغي للدعاة أن يتحدثوا عن جانب من الشرك، ونوع من الطاغوت، ويهملوا الآخر، وإنما الواجب أن يتكلموا في كل طاغوت، وفي كل نوع من أنواع الشرك بمقدار خطره وانتشاره في البيئة، لكن نحن الدعاة في الجملة يجب أن تكون نظرتنا متوازنة ومتساوية لهؤلاء.

    1.   

    التحاكم إلى الأعراف القبلية

    قال الشيخ: ''السادس: ما يحكم به كثيرٌ من رؤساء العشائر والقبائل من البوادي ونحوهم، من حكايات آبائهم وأجدادهم وعاداتهم التي يسمونها: (سلومهم)، يتوارثون ذلك منهم ويحكمون به، ويحضون على التحاكم إليه عند النـزاع، بقاءً على أحكام الجاهلية، وإعراضاً ورغبةً عن حكم الله ورسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلا حول ولا قوة إلا بالله''.

    هذا النوع قديم جديد، فهو قديم منذ أن انحرف الناس عن التوحيد وعن طاعة الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، واتبعوا أهواءهم، وأطاعوا سادتهم وكبراءهم، وهو جديد، إذ ما يزال إلى اليوم في كثير من أنحاء الأرض.

    والأصل أن القوانين المنحرفة عن دين الله وعن هدى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قوانين عرفية غير مكتوبة، تتعامل بها القبيلة مع أفرادها، والقبيلة مع القبيلة، والمجتمعات القبلية مع المجتمعات القبلية الأخرى، وهذه القبائل تجتمع ويكون بينها نظام طاغوتي يتحاكمون إليه، سواء وضعه شيخ القبيلة أو وضعه الساحر أو الكاهن أو أياً كان واضعه؛ لأنه العادة في تلك القبائل، وهذا موجود إلى الآن في قبائل أمريكا الوسطى والجنوبية، وقبائل المناطق الاستوائية من إفريقيا وفي قبائل آسيا الوسطى والمناطق النائية من آسيا، وكذلك في قبائل جزر الهند الشرقية وغيرها- أن لديها زعيماً للعشيرة أو شيخاً، ولديها - غالباً - الساحر أو الكاهن الذي يقوم بوظيفة التطلع إلى السماء بزعمهم كعادة المنجمين، وإخبار القبيلة بما ينبغي أن تفعله وإخبارها بالأمطار أو بعدم الأمطار، والحكم فيما بينها أيضاً عند الخلاف وما أشبه ذلك، ومع الزمن تتولد وتترسب لدى القبيلة قوانين، ترسخ وتثبت حتى تصبح هي التي يتحاكمون إليها ولا يقبلون حكم غيرها.

    فهذه الأحكام القبلية هي التي نشأت وظهرت منها القوانين المكتوبة، لأنه عندما تتقدم المجتمعات وتترقى أكثر في التمدن والاجتماع والحضارة المادية، فإنها تحول تلك القوانين إلى قوانين مكتوبة، ثم تصبح دستوراً مكتوباً كما ذكرنا ذلك سابقاً.

    النظام الإقطاعي في أوروبا

    ومن جانب آخر نجد أن أوروبا خاصة عاشت نظاماً أبشع وأسوأ من الأنظمة القبلية الأخرى، وهو النظام المعروف بالنظام الإقطاعي، وهذا النظام فيه من الظلم على الإنسان ما لم يشهده أي نظام آخر في التاريخ، وخاصة عندما كانت أوروبا غارقة في ظلمات القرون الوسطى وقبل أن تظهر فيها حركات التحرر، أو حركات العتق التي يسمونها الليبرالية.

    هنالك كان القانون والشرع والنظام يضعه المالك الذي يملك الإقطاعية، والإقطاعية قد تكون قرى ومناطق كبيرة، وقد تكون ما يعادل في هذا الزمان إقليماً، أو إمارة، أو محافظة، فكلها يملكها رجل واحد هو الرجل الإقطاعي، وهذا الرجل هو الذي يشرع كما يشاء ويفعل ما يشاء بكل من هو داخل هذه الإقطاعية، فالكل يحرثون ويحصدون ويجمعون، والسيد يتحكم في ذلك؛ لأنه يملك الأرض ومن عليها، فيتحكم في الثروة ويحوزها كلها إليه، ويتحكم في نسائهم وأموالهم ودمائهم، فله التصرف المطلق في كل شيء.

    ولذلك فـأوروبا لما عانت من هذا النظام الإقطاعي المرارة والألم عممته، وهذا أحد الأخطاء التي يرتكبها المؤرخون في تاريخ التشريع أو التقنين أو تاريخ التطور الاجتماعي أو تاريخ علم الاجتماع.... إلخ.

    فيظنون أن هذا النظام قد عمَّ العالم كله بهذا الشكل، ثم ينظرون إلى العالم الإسلامي اليوم، ويقولون: إنه ما زال يعيش في الإقطاع ويتهمونه بأنه دول إقطاعية.

    ولا شك أن الإقطاع وجد بشكل من أشكاله في أيام الدولة العثمانية، لكنه لم يوجد بشكل كامل كما في أوروبا وهو ليس من الإسلام أصلاً، ثم إنه غير موجود الآن، والشاهد على أن النظام الإقطاعي شهد أسوأ وأشد أنواع التسلط والظلم؛ أن التشريع كان يستمد من المالك الإقطاعي الذي يملك الأرض ومن عليها، وهو الذي يشرع لهم كل شيء، وهذا من أفحش وأشد أنواع الظلم، حتى أنه كان لا يحق لأي رجل من الإقطاعية أن يتزوج أو أن يدخل بزوجته إلاَّ بعد أن يراها السيد المالك الإقطاعي، فإن أعجبته فإنه يدخل بها قبل زوجها ويفعل بها الفاحشة، وإن لم تعجبه تركها، فوصلوا إلى حالات من الظلم قد لا يكون لها نظير.

    ومن المؤلم والمؤسف أن نذكر أن نظام الإقطاع سخَّر كثيراً من المسلمين وجعلهم عبيداً في الأراضي، فدرجتهم أدنى من درجة المزارعين والفلاحين، وهؤلاء العبيد هم من الأندلس الذين هجِّروا وطُردوا، وهم من المسلمين الذين أسروا في الحروب الصليبية وفي غيرها، فأرغموا على أن يتركوا دينهم، وأن يعيشوا عبيداً للأرض، يخدمون المزارعين الذين هم ملك للسيد أو للمالك الإقطاعي، وهكذا دائماً تجد معاملة كل من لا يعرف الله عز وجل ولا يوحده ولا يخافه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فهذا هو حاله مقترن به الظلم والجهل والجبروت والتسلط، وخاصةً من اليهود والنصارى وأمثالهم على المسلمين، وهذه -في جانب من جوانبها- هي عقوبة من الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى على المسلمين، على ما فعلوا وارتكبوا وفرطوا في دينهم.

    النظام العشائري في العالم الإسلامي

    ظل النظام العشائري أو القبلي سائداً حتى في العالم الإسلامي، فما يزال هذا النظام في بلاد الشام إلى اليوم، ففيها: نظام العشيرة، وحاكم العشيرة، وشيخ العشيرة، وأعراف العشيرة تتحكم وتسيطر على الناس ويتحاكمون إليها، والحكومات في بعض الدول تقر أحكام العشيرة؛ لأنها تخلصها من مشاكل الناس من جهة، ولأن الناس أصلاً لا يقبلون إلا حكم العشيرة، فمهما حاولت الدولة أن ترغمهم على أحكامها أو قوانينها فإنهم لا يقبلون ذلك.

    أما في إفريقيا وغيرها من المناطق فمعروف أن الطابع القبلي ما يزال سائداً كما هو سائد أيضاً في المناطق الداخلية من آسيا في شمال باكستان وفي أفغانستان، فالنظام السائد هو نظام القبيلة وعرفها، وما اجتمعت عليه القبيلة.

    وكلام الشيخ محمد رحمه الله لعله مأخوذ من كلام شَيْخ الإِسْلامِ في القبائل أو في أحكام القبائل التي كانت تعيش في أيامه، والتي سُئِلَ عنها وعن حكمها.

    مثال للأعراف القبلية التي تحكم من دون الله

    أحببت أن أعرج على وثيقة قديمة في منطقة غامد وزهران الواقعتان في الجزيرة العربية حتى تطلعوا على شيء مما كان يوضع أو يجعل ليتحاكموا إليه، وربما يوجد في مناطق أخرى ما هو أشد منها، وهذا نموذج فقط للوثيقة المكتوبة، فلم تكن مجرد قانون عرفي وإنما كانت قانوناً مكتوباً.

    وهذه الوثيقة كتبت عام (1260هـ) تسمى (الشدّة) بمعنى: العقد والمعاهدة، وهي تعتبر نموذجاً لفكر يعتبر راقياً، وفيها شيء من الأحكام الشرعية ونوع من حفظ الحقوق بالإضافة إلى مخالفات واضحة كما لا يخفى.

    أولها يقول: ''الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، لقد تحاضر جماعة من المسلمين ممن يأتي أسماؤهم -ثم ذكرت الأسماء- وإنه عهد موروث حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين، ما دام الله يُعبد، والماء يورد، والغراب أسود، والناس تصلي على محمد''.

    وهذا من قوة التأكيد في العهد بين القبيلتين، إلى أن ذكروا بعض الأحكام، وأولها قولهم: ''يعامل المثل بالمثل في كل شيء'' وهذه قاعدة صحيحة ما لم تخالف نصاً شرعياً، أي: بالنسبة للأسواق والمعاملات التجارية يُعامل المثل بالمثل.

    وتقول: ''والسوق من المتكفلات يكفل الجار جاره والسبيل والمتبع والضيف، يكفل كل من يهبط فيه''.

    كان النظام عندهم أن السوق يكفل كل من يهبط فيه، فإذا كانت قرية من القرى سوقها يوم السبت، وقرية سوقها الأحد، فالقرية التي سوقها يوم الأحد يكون كل ما يُراق من دماء أو يقع من مشاكل أو سرقة أو أي مشكلة في حدود هذا السوق وما حوله، فهو في ضمان وكفالة القبيلة التي فيها السوق، أي: عليها أن تحمي الجار والضعيف وتأخذ الحق للمظلوم حتى تخرجه من حدودها إلى حدود القبيلة الأخرى فينتهي دورهم ''إذا هبط إلى سوق آخر'' وهبط بمعني: تسوق.

    والشاهد قولهم: ''والمقروعات والمشتبهات فيها قول عارفة''.

    فكانوا يتحاكمون إذا اشتبهت الأمور إلى قول عارفة، وهو رجل صاحب خبرة، فإذا اشتبهوا في مكيال أو ميزان أو في أمر من الأمور أتوا بهذا الرجل، فإذا حكم بينهم ألزم الناس به، ومضوا عليه.

    إلى أن يقول في هجرة الجار: ''ذنبه على جنبه''.

    كان عندهم نظام الجوار، والإنسان إذا قتل أو ارتكب أي مصيبة في بلده يجار عند قبيلة تحميه، فينزل في هذه القبيلة ويعيش حتى يصبح من أهلها وينسى أصله القديم، فإذا فعل شيئاً فذنبه على جنبه.

    أي: فليس له قبيلة تدافع عنه، ولا أحد يحاكم عنه، لكن لو اعتدي عليه فإن القبيلة تكفله كما لو كان من أبنائها، ثم يقول: '' فالذي يخدم بماله دون رجاله فله (65 ريال) ومآكلها ذبيحة وبيضاء من عراق''.

    أي: بأن الإنسان الذي يخدم ضيفه أو يعطي أي شيء في مناسبة: '' فينشرون له البيضاء'' أي: قماش أبيض يرفعونه في السوق، ويقولون: هذه البيضاء لفلان،علامة على أنه فعل جميلاً وأكرم الضيوف وفعل وفعل، ويتنافس الناس في رفع الراية البيضاء.

    ثم يقول: ''ومن نقى غير علق ولا دعاية فله البيضاء، وهي رأسان من القماش''.

    والرأس هو الطاقة الكاملة، ومعنى هذا الكلام: أنه إذا أجرم شخص وعمل مصيبة من غير ما علق، والعلق هو أن يضع الشخص رهناً أو (معدالاً) كما يسمونه، فإذا جاءت جماعة وشكت من فلان واتهمته فإن هذا الرجل يأخذ أغلى ما عنده، وغالباً أغلى ما عندهم هو السلاح، فيضع ذلك السلاح عند القبيلة وقد تأخذ منه القبيلة أكثر من ذلك أو أقل، ثم بعد ذلك إما أن يحاموا عليه وإما أن يخرج من الفضيحة بريء، فإذا أخطأ أتى أمام الناس -ويكون ذلك غالباً في السوق- فيضرب نفسه بالجنبية أو بأي شيء حتى يعاقب نفسه بنفسه، فتقول له الجماعة: يكفي وقد اعترفت وعَرفْت الحق بنفسك، فإذا فعل ذلك نشروا له البيضاء.

    يقول : ''سبعة رءوس مطابيح'' يحدد القماش، حتى لا يكون فيه فرق بين قبيلة وأخرى أو بين سوق وآخر.

    '' سبعة رءوس مطابيح مردوفة''، من نوع القماش الذي يسمونه المضرم الذي لونه داكن، والذي يفعل منه خرائط الدقيق يذكر اللوازم إذا عزر أحداً وذبح أحد '' وقوانينها سمنها ولبنها وذبائحها تبعها، فالذي يذبح ضيفه لأجل أن يأخذ ماله فلا له وقا '' والوقا هو: الجوار، أي: لا يجاور أحداً، وهذا بخلاف ما لو قتل شخصاً كائناً من كان ثم التجأ إلى واحد من الجماعة فإن له الوقا، والقبيلة تحميه.

    أما إذا نزل بإنسان ضيفُ فقتل الضيف من أجل أن يأخذ ماله، فهذا ما له من وقا، ولا يجوز لأحد أن يحميه، ولا بد أن تعاقبه القبيلة، وهذا من تقديرهم للضيف، وهي عادة عربية قديمة وإسلامية ما تزال والحمد لله.

    يقول: '' ولا له في ماله شيء ''وحكمه أن تأخذ القبيلة ماله الذي أخذه من الضيف، والذي له فتتحكم فيه.

    ''والذي يبيع رفيقه فلا فيه وجه'' الوجه نفس الالتجاء، ومعنى ذلك أنه لو كان هناك اثنان في قبيلة ما ثم جاء رجل من قبيلة آخرى وهجم عليهما فمن لم يقاتل مع رفيقه ويدافع عنه فإنه قد باع رفيقه، فما له وجه عندهم ولا أحد يحميه ولا له قيمة، وفي هذا حكم من أحكام الجاهلية التي كانت موجودة عندهم، إذ أن الرفيق قد يكون هو الظالم أحياناً وهو المعتدي، فهم لا يفرقون في ذلك بين الظالم والمظلوم، والمعتدى عليه في عرضه أو ماله، فإذا قامت الحرب عندهم أو دعى الداعي فيجب أن يكون الرفيق مع رفيقه حتى الموت، وكذلك في أمر الشهادة: فإن الواحد منهم لا يشهد على رفيقه أبداً، وأقل أحواله أنه يسكت، فإن شهد عليه -شهادة حق- فماله وجه عند الجماعة أبداً، فهكذا العرف الجاهلي نسأل الله السلامة والعافية.

    ثم يقول: ''والبير التي على الطريق فعلى راعيها إما دفنها، إلا يهب عليها شهود أقران، وإلا يحمل ضررها'' أي: ضرر البئر التي على الطريق.

    ''والهيماء من الإبل والجمل العادي، والثور النطاح، وليس معه قائد يحمل ضرره، والضمان يلزم لكل شيء''.

    وهذه قاعدة من قواعد العرب، وباب من أبواب الشرع، فلا شك أن الضمان باباً من أبواب الشرع، لكن قد لا يضمن، كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم: '' المعدن جبار، والعجماء جبار''، فهذه لا يضمن فيها شرعاً، فليس على الرجل في الشرع أن يضمن العامل، فلو أنك اتخذت عاملاً يبني لك بناء، فسقط من أعلى البناء، فليس عليك شيء شرعاً، وكذلك لو أنك اتخذت عامداً؛ لاستخراج المعادن، فوقع المنجم على العامل فيه، فمات، فليس عليك شيء.

    ذوالبئر جبار أيضاً، -هدر في الشرع- بمعنى إذا كان لديك بئر، ووقع إنسان فيها، فليس على صاحبها شيء، ما لم يكن هناك تفريط.

    وكذلك العجماء جبار، والعجماء هي الدابة وجبار أي: هدر، ما لم يكن منك تفريط، فلو أن إنساناً لديه دواب وجمال أو ثيران أو ما أشبه ذلك، فوقعت معركة أو مشكلة بين هذا الجمل وبين شخص بين الناس، وأكله الجمل، أو نطحه الثور فمات، أو رفسه الحمار أو البغل فمات، فإنه ليس على صحابه شيء شرعاً، ما لم يكن تعمد الاعتداء أو الإضرار، أو كان هناك تفريط معين.

    إذاً: هذه الأمور في الشرع تعتبر هدراً ليس فيها شيء، فلا يضمن أصحابها، لكن هؤلاء الأعراب كانوا يخالفون، وهذا مثل القوانين الحديثة، فهي تلزم صاحب العمل، وتغرِّمه بذلك.

    يقول: '' وإن ذُبح المستعمل -أي: الشغال الأجير- فعلى الذي استعمله نصف الدية، وإن كان بعيداً من طرف الجماعة، فعليهم -أي: القبيلة- الدية '' أي: إذا قُتل أو ذُبح شخص في داخل القبيلة، فنصف الدية على صاحب العمل الذي أتى به ليعمل عنده، وصاحب العمل ليس له أي ذنب في ذلك، قالوا: وإن كان بعيداً عن طرف الجماعة، فعلى القبيلة الدية.

    ''وإن أخذ أو احتاج دية للجماعة فللجماعة ثلثها، فإذا جاء شخص وأخذ دية شخص أجير قُتل في قبيلة ثانية، فالجماعة -جماعة الذي أخذ الدية- لها ثلثها، إن كان من سد الريع''والريع : هو الذي نسميه الآن: الجبهة، وفي الحدود بين الدول المتقاتلة، والقبائل المتحاربة.

    '' فإن كان من سد الريع''يعني وقع من الجبهة، أي: من المقاتلين الأعداء، هذا الحكم.

    وما كان داخل قبيلة فله حكم آخر، وإن كانت الدية من الجماعة، فلإقاربه الثلث، والثلثين للجماعة.

    ثم يقولون: '' والرجل إذا قتل واجتلى''.

    وهو الذي نسميه الآن لاجئ، أي: ترك دياره ورحل إلى ديار بعيدة، فإن اصطلح على ديته الجماعة أو القبيلة فعليهم الحساب من ثمار بلاده، فيضعوا يدهم على البلاد ويحاسبوا، هذا إذا كانت القبيلة هي التي دفعت الدية لرجل من خارج القبيلة، فيزرعون بلاده، ويجمعون الدية ويعطونها القبيلة، ثم يستردون الدية من ثمار بلاده، باعتباره قد انتقل ولم يعد يعرف ولا يعلم أين هو، أي: لا نستطيع أن نأخذ منه أي شيء.

    '' وإن خلصوا بقتل'' أي: اصطلحوا بقتل '' فثمار البلاد تُحمَّل إلا أن يكون قتل خطأ، فلا لهم حساب ''

    وهذه من أحكام الجاهلية والعياذ بالله، ومن الجور الذي نهى عنه الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وأمرنا بالعدل ولو كان ذا قربى وما ذكرناه هو كمثال فقط.

    وفي هذا شبه بالأحكام الدولية وتعامل الدول بعضها مع البعض، وكذلك هنا تجد الأحكام التي تتعلق بالقبيلة مع القبيلة، والأحكام الجنائية، وأحكام المعاملات وتشمل الأحكام التجارية كما في كلامهم عن السوق وغيره، وتشمل الأحكام العمالية كما في أحكام المستأجر والأجير إذا قتل.

    فأحكام تلك المجتمعات وتقاليدها وقوانينها وقواعدها بحسب عصرها يمكن أن تعتبر قوانين متكاملة، أو مسودات قوانين جاهزة.

    فهذه الوثيقة نموذج من الأحكام التي كانوا يتحاكمون إليها وربما كان عند بعض القبائل ما هو أسوأ وما هو أشد من ذلك، ومما عرفناه من كبارهم أنهم يحكمون في السارق أحياناً بأخذ ربع ماله إذا سرق ولا حدَّ عليه، أو يرهن رهينة معينة، وإذا وقع الزنا من إنسان وثبت عليه فإنه أيضاً يفتدي ببلاد أو بمال من المجني عليهم، وهكذا فحتى الحدود فقد كانت لديهم أحكام وكانت لديهم قوانين يرجعون لها.

    التحاكم إلى السلوم والأعراف القبلية

    فهذه الأحكام والقوانين -كما يقول الشيخ محمد رحمه الله- من جنس الحكم بغير ما أنزل الله المخرج من الملة، لأنه التزام وتحاكم إلى شرع غير شرع الله، وتعاقدهم وتعاهدهم وتعاونهم على تثبيت هذه الأحكام، وإقامتها، ومعاقبة من يخالفها، فهذا النوع يدخل في النوع المكفر، بغض النظر عن الحكم على الأشخاص أو أنهم لا يجدون غير ذلك، فنحن لا نتكلم عن المتحاكمين، وإنما نتكلم عن الحكم في ذاته، أي أن الحكم بغير ما أنزل الله في هذه الصورة -وإن لم يكن على ما سبق من التفصيل- كفر أكبر.

    يقول الشيخ: '' وعاداتهم التي يسمونها سلومهم، يتوارثون ذلك منهم، ويحكمون به، ويحضون على التحاكم إليه عند النـزاع، بقاءً على أحكام الجاهلية، وإعراضاً ورغبةً عن حكم الله ورسوله، فلا حول ولا قوة إلا بالله ''.

    فهؤلاء أناس عندهم حكم الله، وفي إمكانهم أن يتحاكموا إليه، ولكنهم يعرضون عنه ويتحاكمون إلى الطاغوت.

    والدليل على ذلك أنهم كانوا يتحاكمون في الميراث والإرث إلى شرع الله، وفي الدماء إلى غير شرع الله، فلو أرادوا حكم الشرع لعمموه لكنهم لم يلتزموه.

    ولا شك أن الدولة في ذلك الزمن -الدولة العثمانية أو دولة الأشراف- لم تكن تقيم حكم الله عز وجل فيما بينهم، ولم تضبط الأمن، ثم هم أيضاً يتحاكمون إليها رغبة عن حكم الله، وإلا فقد كان في إمكانهم أن يصطلحوا -على الأقل- على ما يستطيعون أن يتحاكموا إليه من شرع الله، ثم الباقي يكون في ضرورات معينة، لكن المشكلة أن التواطؤ قد حصل، والإهمال حاصل من الدول ومن الأفراد، فلا يحتكمون إلى الشرع إلا في أمور الميراث -مثلاً- أو في الأمور الزوجية كالطلاق والزواج وما إلى ذلك، مع ما يدخل ذلك من بدع كثيرة.

    نقول: لكن إذا أعرضوا عن حكم الله ورسوله، وأعرضوا عن الاحتكام إلى كتاب الله، وتعمدوا الإبقاء على هذه الأحكام الجاهلية حتى مع إمكانية الاستغناء عنها، فإنهم بذلك يقعون في هذا النوع الخطير الغليظ، وهو كما ذكر الشيخ نوع يخرج من الملة نسأل الله العفو والعافية.

    وبذلك نعرف خطر التحاكم إلى غير الكتاب والسنة وإلى غير الشريعة، وأنه خطر عظيم سواءً على الدول أو على القبائل أو على الأفراد، فالكل يجب أن يعبد الله وحده وأن يتحاكم إلى حكم الله وحده، ولا يجوز لأحد أن يتحاكم إلى شرع غير شرع الله، كما لا يجوز له أن يعبد أحداً غير الله أو يدعو أحد غير الله، وهذه هي القاعدة العامة.

    ثم ينتقل الشيخ رحمه الله إلى القسم الآخر، وقد سبق وأن قال: '' ومن الممتنع أن يسمي الله سبحانه الحاكم بغير ما أنزل الله كافراً ولا يكون كافراً؛ بل هو كافر مطلقاً، إما كفر عمل وإما كفر اعتقاد، ثم قال: أما الأول: وهو كفر الاعتقاد فهو أنواع...'' وذكر منها الستة.

    1.   

    الحالة الثانية من الحكم بغير ما أنزل الله

    ثم قال: '' وأما القسم الثاني ''.

    و(أما) هذه هنا معطوفة على أما التي في القسم الأول وهو كفر الاعتقاد الأكبر المخرج من الملة الذي ذكر المصنف تحته ستة أنواع، قال: '' وأما القسم الثاني من قسمي كفر الحاكم بغير ما أنزل الله، وهو الذي لا يُخرج من الملة.

    أي: كفر العمل لا كفر الاعتقاد.

    تفسير ابن عباس لآية الحكم

    قال: '' فقد تقدم أن تفسير ابن عباس رضي الله عنهما لقول الله عز وجل: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44] قد شمل ذلك القسم، وذلك في قوله رضي الله عنه في الآية: [[كفر دون كفر]] وقوله أيضاً: [[ليس بالكفر الذي تذهبون إليه ]] ''.

    فهو يشير إلى ما تقدم في كلام المصنف رحمه الله: أن الحكم بغير ما أنزل الله كفر، ومن الممتنع ومن المحال أن يسمي الله تبارك وتعالى ذنباً ما كفراً ولا يكون صاحبه كافراً؛ لكن عند التفصيل ننظر هل هذا الكفر كفر أكبر ينقل عن الملة أم هو كفر أصغر لا ينقل عن الملة.

    فالأول هو كفر الاعتقاد، والآخر هو كفر العمل، وهذا هو المقصود، فهو كفر فعلي، فهو يقول: إن ما قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وغيره من السلف -على ما سنفصل إن شاء الله من أن الآية تشمل الكفر الأكبر فهي كذلك تشتمل على الكفر الأصغر، وإن كانت في الأصل نزلت في الكفر الأكبر.

    مثال توضيحي

    قال: '' وذلك -وهذا تعريفه- أن تَحمِلَه شهوتهُ وهواه على الحكم في القضية بغير ما أنزل الله، مع اعتقاده أنَّ حكمَ الله ورسوله هو الحقُ، واعترافه على نفسه بالخطأ ومجانبة الهدى ''.

    فإذا أردنا توضيح المسألة أكثر، فنقول وبالتعبير السائد الآن أو بشكل أكثر بساطة ووضوحاً:

    إن القاضي سواء كان قاضياً في محكمة أو مجرد قاضٍ يقضي -وكل من قضى في مسألة فهو قاضٍ- إما أن يكون شرعه ودينه وقانونه ونظامه الذي يحكم به هو ما أنزل الله -كما سيأتي في الآثار والنقاش الذي دار بين الخوارج وبين أبي مجلز رحمه الله، وإما أن يكون شرعه وقانونه ودينه شيئاً آخر، كالشرائع المنسوخة في التوراة والإنجيل، أو قوانين موضوعة مثل شرائع التتار أو شريعة نابليون، أو أي قانون من القوانين الوضعية، وهذا هو مفترق الطرق، فهذان قسمان لا صلة بينهما؛ فهذا متبع وملتزم ومنقاد ومستسلم لأمر الله ودينه وشرعه، وهذا يتحاكم ويحكم ويتبع وينقاد ويستسلم لدين غير دين الله، وشرع غير شرع الله فهو شريعته ونظامه، وهو دينه، كما ذكر الله سبحانه في سورة يوسف مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ [يوسف:76] فمعنى في دين الملك أي: في حكمه وفي شرعه، وكل إنسان شرعه ونظامه هو دينه.

    فهذا شيء وذلك شيء آخر.

    القسم الأول: الملتزم بحكم الله

    ونرجع إلى القسم الأول: وهم المنقادون لحكم الله والمؤمنون والملتزمون به، والمستسلمون له، هل هم في كل مرة وفي كل حكم يحكمون بما أنزل الله في الواقع، أو أنهم قد يخالفون أمر الله؟

    تقع المخالفة وتقع المعصية والجهل والخطأ والتأويل، فإن هذه هي مثل سائر العبادات، وسائر شعب الإيمان، فليس كل من يلتزم الإيمان والإسلام يكون مقيماً له كاملاً، بل يقع من أهل الإيمان مخالفة لما آمنوا به، فقد يقع الزنا ممن يؤمن بأن الله قد حرَّم الزنا ويكرهه ولا يريده، ويوجد من يعتقد تحريم السرقة أو الرشوة أو الربا ويفعلها، فهذه معاصٍ تقع من المؤمن.

    لكن يوجد من المؤمنين من هو ملتزم بما أنزل الله كاملاً، أي: يطبقه ويقيمه.

    وهنا نقول: هذا الفرق بين هؤلاء وبين أولئك، فالقاضي الملتزم بما أنزل الله، والذي هو دينه ومنهجه ونظامه الذي يحكم به ويتحاكم إليه ولا يُقر بغيره ولا يعتقد حكماً آخر غيره، هو حكم الله وشرع الله، وهو كتاب الله وسنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وما تفرع عنهما من أنواع الإجماع وأقوال الفقهاء من الصحابة ومن بعدهم.

    فإذا جاء القاضي رجل من قرابته، أو من له عليه مال، أو رجل من أصحاب السلطان أو من أصحاب الشهوات، فحكم في القضية كما قاله المصنف: '' تحمله شهوته وهواه على الحكم في القضية بغير ما أنزل الله ''.

    أي: وهو معتقد في نفسه أن الحكم الحق هو ما أنزل الله، وأن الشرع الحق هو ما شرعه الله واعترف على نفسه بالخطأ، وأن هذا الذي حكم به لم يحمله على فعله إلا الشهوة والهوى وطاعة الشيطان، فهذه الحالة الأولى في هذه القضية.

    أما لو أنه التزم شرعاً غير شرع الله، حتى ولو كان في محكمة شرعية، لكنه التزم أن كل من أتاه في حد زنا أن يحكم فيه بما تحكم به شريعة نابليون -مثلاً- أن هذا هو من حق الزوج، وننظر إلى المرأة هل هي دون عمر الثامن عشرة سنة؟

    وهل هي مغصوبة أو غير مغصوبة؟

    متزوجة أم غير متزوجة؟

    والأمر يرجع إلى الزوج أو يحكم عليه بكذا (جُنيه) أو يسجن، فإذا كان هذا شرعه وهذا دينه فإن هذا غير ملتزمٍ أصلاً بما أنزل الله، لكن هذا الكلام الذي نقوله هو في هذه الحالة التي قضى فيها القاضي بما أنزل الله، وقد يخالف أمر الله عن عمد وعن هوى.

    القسم الثاني: الجاهل والمتأول

    وقد يخالفه عن جهل بحكم الله سبحانه، إذ ليس كل من وليَّ القضاء والحكم بين الناس يعلم جميع ما أنزل الله ويعرف الأحكام، وإن كان الواجب ألاَّ يعين إلا من هو في درجة الاجتهاد، وقد يولى شخص فيحكم في هذه المسألة أو في بعض المسائل بما أنزل الله خطأً منه في ذلك فيظن أن هذا الذي فعل حده.

    القتل أو القطع فيخلط بين الحدين، وقد يقع في الخطأ ويقع منه التأويل، والتأويل له أبواب.

    فبعض القضاة يتأول الآية على غير وجهها، والحديث على غير وجهه ويخالف حكم الله تعالى فيه.

    وبعض القضاة يقول: مذهبنا لا يعتبر هذا الحديث دالاً على ذلك لأنه خالف ظاهر القرآن، ومخالفة الحديث ظاهر القرآن يعتبر نسخاً... إلى آخره، وهناك أمور تفصيلية لا داعي للاستطراد فيها، كالأصول الفقهية في المذاهب الأربعة وغيرها، فقد يَرد الإنسان حكم الله الذي يدين به أهل الحق لأصل من أصول مذهبه التي يتوهم ويظن أنها حق وهي غير كذلك، فيحكم بها، فهذا متأول له اجتهاد وإن كان غير سائغ وغير مقبول.

    المهم أن المخالفة لحكم الله تقع إما خطأً، وإما اجتهاداً وتأولاً، وقد يقع هوىً وشهوة، والكلام هنا هو في المخالف اتباعاً للهوى واتباعاً للشهوة، وهو في بلد يحكم بما أنزل الله، وفي محكمة تحكم بما أنزل الله، وهو مستسلم لأمر الله، معتقد أن من حَكَّم شرعاً غير شرع الله، ومن أحل القوانين الوضعية محل شرع الله، فقد كفر.

    كل هذا موجود لديه، لكنه عدل عن حكم الله في هذه القضية أو في هذه المسألة اتباعاً للهوى وللشهوة أو لأي داعٍ من دواعي معصية الله، كما تعرض للإنسان في كل الأحكام، وكما تعرض له في الزنا وشرب الخمر وكل المعاصي، فهذا هو الذي لا يكون خارجاً عن الملة.

    ولكن كما قال المصنف رحمه الله: '' وهذا وإن لم يخرجه كفره عن الملة، فإنه معصية عظمى ''.

    وكلام المصنف في هذه المسألة سيأتي له إيضاح من أقوال العلماء إن شاء الله.

    قال: '' وهذا وإن لم يخرجه كفره عن الملة، فإنه معصية عظمى'' -أي: هذا الحكم الذي حكم به- أكبر من الكبائر، كالزنا، وشرب الخمر، والسرقة، واليمين الغموس، وغيرها، وهذا الفعل أكبر من بقية الكبائر لأن المعصية التي سميت كفراً، أعظم من المعصية التي لم تسمَّ في لسان الشرع كفراً.

    ''فإن معصية سماها الله في كتابه كفراً، أعظم من معصية لم يسمها كفراً''.

    وهذا تقدم شرحه في أول الكلام، عند ذكر النصوص المبينة لأنواع الكفر.

    قال: '' نسأل الله أن يجمع المسلمين على التحاكم إلى كتابه، انقياداً ورضاءً، إنَّه ولي ذلك والقادر عليه ''.

    وبذلك انتهت فتوى الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله.

    1.   

    فتوى الشيخ ابن باز عن الحاكمية

    وبهذه المناسبة أيضا نجد أن سماحة الشيخ ابن باز حفظه الله، وقد صدرت -والحمد لله- مجلدات من مجموع فتاواه، وسيصدر قريباً إن شاء الله المجلد السابع وهو تحت الطبع.

    وفي المجلد الرابع من مجموع الفتاوى للشيخ صفحة (416) سئل عن حكم من يحكم بغير ما أنزل الله وهذا نص السؤال:

    السؤال: هل يعتبر الحكام الذين يحكمون بغير ما أنزل الله كفاراً، وإذا قلنا: إنهم مسلمون فماذا نقول عن قوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44]؟

    وهذا نشر في مجلة الدعوة العدد (963) في [5/2/1405هـ].

    الجواب: يقول: ''الحكام بغير ما أنزل الله أقسام، تختلف أحكامهم بحسب اعتقادهم وأعمالهم، فمن حكم بغير ما أنزل الله يرى أن ذلك أحسن من شرع الله فهو كافر عند جميع المسلمين، وهكذا من يحكِّم القوانين الوضعية بدلاً من شرع الله ويرى أن ذلك جائزاً، حتى وإن قال: إن تحكيم الشريعة أفضل فهو كافر لكونه استحل ما حرم الله".

    أي: من أجاز الحكم بغير ما أنزل الله من القوانين الوضعية، ولو قال: إن تحكيم الشريعة أفضل -وهذا كمن ذكرنا لكم- مثل من يقول:

    ولقد علمت بأن دين محمد      من خير أديان البرية ديناً

    يقول: ''ولو قال: إن تحكيم الشريعة أفضل فهو كافر لكونه استحل ما حرم الله، أما من حكم بغير ما أنزل الله اتباعاً للهوى أو لرشوة أو لعداوة بينه وبين المحكوم عليه'' .

    أي عداوة شخصية، أو لكونه من غير بلده أو جنسيته، أو لكونه من قبيلة ضد قبيلته، أو على مذهب غير مذهبه، ونحن مأمورون بالعدل لأننا مسلمون، ومن أهم خصائص وعلامات أهل السنة العدل حتى لو جاءك كتابي -يهودي أو نصراني- من أهل الذمة، ممن يعيش بين المسلمين بعقد ذمة، ومسلم من خيار الناس، ومن أفاضل الناس، وأنت قاضٍ، فالواجب عليك ألاَّ تحكم رأساً لهذا التقي البار المجاهد، العلامة إلى آخره على الكتابي، بل لا بد أن تسمع من الطرفين، وتنظر في الحجتين، وتقضي بما أنزل الله، بعد أن تتأمل هل الحق لليهودي أو لهذا العلامة المجاهد، فالعدل هو ديننا لا نحيف ولا نجور.

    فالشيخ حفظه الله يقول: " قد يحكم إما اتباعاً للهوى أو لرشوة أو لعداوة بينه بين المحكوم عليه".

    ولا عداوة أعظم من عداوة الدين، ومع ذلك لا بد أن نعدل في الحكم.

    قال:" أو لأسباب أخرى، وهو يعلم -يعتقد- أنه عاص لله بذلك، وأن الواجب عليه تحكيم شرع الله، فهذا يعتبر من أهل المعاصي والكبائر، ويعتبر قد أتى كفراً أصغر وظلماً أصغر، وفسقاً أصغر".

    لأن الظلم الأكبر هو الشرك، كما قال تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13] والفسق الأكبر هو الكفر بدليل قوله تعالى: إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [الكهف:50] وهذا فسق أكبر أي: كفر مخرج من الملة، فهذا الذي حكم بغير ما أنزل الله في هذه الواقعة وفي هذه القضية، نظراً لهوى أو لعداوة أو لقرابة أو لعصبية...إلخ وهو موقن بشرع الله ومنقاد له ومستعصم به، ويعلم أنه عاصٍ لله، وأنه خالف ما أنزل الله...إلخ هذا يكون كَفَرَ كفراً أصغر، وظلم ظلماً أصغر وفسقاً أصغر غير مخرج من الملة.

    قال: ''كما جاء هذا المعنى عن ابن عباس وعن طاوس وعن جماعة من السلف الصالح وهو المعروف عند أهل العلم والله ولي التوفيق''

    وبهذا ينتهي نقل فتوى الشيخين الفاضلين، محمد بن إبراهيم رحمه الله، وابن باز حفظه الله، في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله.

    1.   

    حكم المجتهد المخطئ

    لعل شخصاً استشكل عليه أمرٌ وهو: هل يوجد من اجتهد ليحكم بما أنزل الله لكن لم يوفق لذلك؟

    الجواب: نعم، نحن ذكرنا أنه ليس كل أحد يصيب في حكم الله، فقد يجتهد فيخطئ وله أجر، ويقول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر) وهذا واضح، وهو من فضل الله على هذه الأمة وعلى أهل العلم والفقه والاستنباط منها.

    وأيضاً لا يفهم أن القاضي المؤهل-معنى كونه مؤهلاً- أنه لا يخطئ في حكم الله في كل قضاء يقضي به، لا يشترط ذلك، لكنه أهلٌ للقضاء، وفيه الشروط التي جمعها بعض العلماء واعتبروها فيمن يكون في هذا المنصب الشرعي، فهذا اجتهد ولكنه أخطأ وما أكثر ما يخطئ الناس! ولو أنا ذهبنا نتتبع أخطاءهم لم يولَّ أحد، فالمخطئ لا يدخل في كلامنا ولا يدخل الجاهل من غير تقصير، ولكن كلامنا فيمن يعصي وهو يعلم أنه عاصٍ، وأنه مخالف لحكم الله وأنه اتبع هواه وشهوته.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3010277996

    عدد مرات الحفظ

    721908117