إسلام ويب

الأمة الأمل والعملللشيخ : صالح بن حميد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الأمة الإسلامية بحاجة إلى استلهام الدروس وأخذ العبر من القرآن الكريم، والله سبحانه وتعالى قد بيَّن للأمة في القرآن أحوالها مع مخالفيها.

    وهي في حالتها الراهنة تمر بمرحلة ضعف وتشتت وظلام، ومع ذلك فإن المؤمن كلما ازداد الباطل بطشاً وطغياناً ازداد إيمانه بأن هذا هو بداية النهاية لهذا الباطل.

    1.   

    حاجة المسلمين إلى استلهام الدروس من القرآن

    الحمد لله أرشد وهدى، ووفق من شاء من عباده إلى طريق الهدى، ومن أضل فلن تجد له ولياً مرشداً، أحمده سبحانه وأشكره، لا تحصى آلاؤه عدداً، ولا تنقطع فضائله مدداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا أشرك به أحداً، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، كرم رسولاً، وشرف محتداً، صلى الله عليه وسلم وبارك عليه، وعلى آله أنوار الدجى، وأصحابه مصابيح الهدى، والتابعين ومن تبعهم بإحسان صلاةً وسلاماً وبركاتٍ دائمات أبداً سرمداً.

    أما بعد:

    فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله عز وجل، فاتقوا الله رحمكم الله، واحذروا ضياع العمر في غير طاعة، وخافوا من التسويف، فالتسويف بئست البضاعة، فكم من مؤملٍ لم يبلغ ما أمله، وحيل بينه وبين ما كان يرجو عمله، دارت عليه رحى المنون، كم منصوح وهو معرض بات على تفريطه نادما، يتمنى الرجوع فلا يقدر: قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [المؤمنون:99-100].

    أيها المسلمون: شهر رمضان المعظم هو شهر القرآن الكريم، في نزوله ومدارسته وملازمته، وهو شهر انتصارات الأمة، وقوتها وعزتها، انتصارها على شهواتها وأهوائها. إن أمة الإسلام في أوضاعها المعاصرة، بحاجة إلى استلهام الدروس، وأخذ العبر، ومواقف المحاسبة، من أجل هذا كان التذكير بالقرآن: فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ [قّ:45] وكان الإنذار بالقرآن وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [الأنعام:19] وكان الجهاد بالقرآن وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً [الفرقان:52].

    ومن أجل ذلك كان هذا القرآن شرف الأمة، وذكرها وعزها: لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ [الأنبياء:10] .. فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ [الزخرف:43-44].

    أمة الإسلام: والمسلمون يعيشون هذا الشهر الكريم في صيامه وقرآنه، هذه مراجعات قرآنية لأوضاع الأمة، ومعالجات لمشكلاتها وأزماتها.

    1.   

    أحوال الأمة مع مخالفيها في القرآن

    اقرءوا وتأملوا في حديث القرآن عن أحوال الأمة مع مخالفيها: إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً [آل عمران:120] .. قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ * هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ * وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:137-139] .. وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً [النساء:104].

    أيها المسلمون: إن الأمة تمر في حالها الراهنة بأوضاع من الضعف والتشتت، وظلام الطريق، بينما يمر آخرون بموجات من الاستعلاء والقوة، ونزعات التفرد، إن كل ذلك على ظلامه وبأسائه يشير إلى أفقٍ مضيء، وسبيل عامرٍ بالأمل بإذن الله.

    نعم. لئن كان الباطل يزداد بطشاً وطغيانا وغدراً، وصورة ذلك جلية في عدوان اليهود في فلسطين المحتلة، في القتل والهدم والتشريد والصلف والاستكبار، لئن كان الباطل يزداد بطشاً وطغياناً وغدراً بهذه الصورة، فإن ذلك عند المؤمن في إيمانه، وبمعرفته بسنن الله، هو بداية النهاية بإذن الله: حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا [يوسف:110] .. أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة:214] .. مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ [الحشر:2].

    إن المسلم لا يسرف في التعلق بالأماني، وسراب التمنيات، ولكنه في الوقت ذاته، لا يكون منكس الرأس في مستنقعات الهزائم، ومواطن الذل والمهانة.

    أهمية الأمل في حياة المسلم

    إن أمل المسلم ليس مكابرة ولا قفزاً على الواقع والوقائع، ولكنه عقيدة راسخة يؤمن بها ويعمل في إطارها، سندها كتاب الله عز وجل: وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ [يوسف:87] .. وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ [الحجر:56].

    إن اليأس حيلة العاجز الذي يؤثر الانسحاب والعزلة. إن البلاء يحتمل بعظم الرجاء، والفرج طريقه الثقة بالله العلي الأعلى، المؤمن الحق لا تزلزله المحن، ولا تهده المتاعب، بل يزيده ذلك عطاءً وبذلاً وتضحية: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران:146-148].

    معاشر المسلمين: إن من أعظم مهمات أهل العلم والرأي والدعاة والمصلحين أن يشيعوا الأمل الصادق في نفوس الأمة؛ الأمل الذي يدعو إلى الثبات على الدين، والعض عليه بالنواجذ، والعمل على نصرته، والذب عن حياضه، واليقين، لأن نصر الله لن ينزل على أوليائه بمعجزة خارقة، ولكن بسنة جارية، يمتحن فيها العباد ليبلوهم ربهم أيهم أحسن عملا.

    وهذا لا يتحقق بموعظة تتلى، أو خطبة تلقى فحسب، ولكن بقدواتٍ صالحة قوية بإذن الله، ذاقت حلاوة الإيمان، وصدقت بموعود الله لأوليائه المتقين.

    غربة الإسلام بين الأمم

    أيها المسلمون: أمة الإسلام تعيش غربة حقيقية بين الأمم وتنبع غربتها في تميزها وتمنعها عن السير في ركاب الظلم والاستسلام، وقد جر عليها هذا ضغوطاًكبيرة، وأحمالاً ثقالاً، مادية وأدبية، لا تكاد تدركها، مستها فيها البأساء والضراء وزلزلت.

    أيها المسلمون: طغيان القوة وغرورها يجعل صاحبه لا يبالي بمواقف الآخرين، ولا بحقوقهم، بل إنه ليستهين بالأعراف وقواعد التعامل، ويستكثر على غيره أن ينظر في مصالحه، أو يتمسك بحقوقه، أو يعتز بهويته وقيمه.

    فالضعفاء في ميزان الظلم لا حق لهم إلا الخضوع والاستسلام، وحين تضعف الأمم يتفجر الحقد المكبوت، ويظهر الخصوم يناوشون من مكان بعيد.

    إن الإنسانية كلها مدعوة إلى التأمل في الأخطار الرهيبة، التي تنتظرها إذا تجاهلت النذر المتصاعدة من الصدور الحاقدة التي تبث نيران العداوات والصراعات المدمرة، وازدراء الأمم في معتقدها وفكرها وديانتها.

    الظلم هو وقود الصراعات، والعنف لا يولد إلا العنف، وعقلاء البشر وقراء التاريخ يدركون أن قوة الظلم ما هي إلا كضوء شهاب، سرعان ما ينطفئ.

    إن الأمة الحية، ولو كانت مستضعفة، فإنها لن تقبل الظلم، بل قد تكون هذه الضغوط والمتغيرات سبباً من أسباب يقظتها، وحيويتها، فلا تهون عليها عزتها وكرامتها.

    الأمة الكريمة الضعيفة، وإن كانت لا تقوى على المواجهة في مرحلة من المراحل، لكنها لا ترضى بالدنية في عزتها ومبادئها، ولن ترضى أن تنظر للآخرين باستجداءٍِ أو استخذاء.

    ضرورة العمل على إحياء الأمة

    أيها المسلمون: إن من دلائل الرشد والفقه استيعاب الأزمة وتوظيف دروسها لإحياء الأمة، وبنائها بنفسية عزيزة وثابة من غير ضعف أو خور.

    إن من الحق والحكمة الاعتراف بأن الهزائم قد تكون لازماً من لوازم بناء الأمم، من أجل القضاء على سور الاسترخاء، ومظاهر الترف والفسق، ومن أجل الدربة على تحمل الظروف القاسية، وزوال الطبقات الهشة، من أجل الوصول إلى القواعد الصلبة.

    وقد تكون الهزائم أكثر ملازمة عندما تسود في الأمة الأمراض الاجتماعية، ويحكمها الظلم، وتشتد المظالم، وتهمل الحقوق، ويفسق المترفون، ويكثر الخبث، فتكون الهزيمة عقوبة.

    وتسلط الأعداء بلاء لتستيقظ الأمة وتتوجه نحو العلاج فيكون التمحيص، وتكون التنشئة على الفكر والمسيرة مبصرة، وحينئذٍ يستقيم المسار بإذن الله.

    أيها المسلمون: الأمة لا شك بحاجة إلى إعادة ترتيب أمورها، ودراسة أوضاعها بعمق، دراسةً تتفهم المتغيرات، وإنها لمتغيرات كبيرة، طغت على ساحاتها السياسية والاقتصادية والفكرية وغيرها، مدركةً إمكاناتها، مكتشفةً مكامن قوتها وتأثيرها.

    1.   

    الطريق لتصحيح أوضاع الأمة

    ومن أجل تلمس طريق المعالجة -معاشر المسلمين- لا بد من التأكيد على أن أولى الأوليات أن تعلم الأمة علم اليقين أنها لن ترتفع لها راية، أو يعلو لها شأن إلا بصدق الإيمان، ونقاء التوحيد، وصفاء الإخلاص، إيمانٌ يستنير به القلب، وتستقيم به الجوارح، وهذا لا يكون إلا بتربية جادة، وإنك لتحزن حينما لا ترى إلا آثار تربية هشة، وأن طاقات الأمة تستنزف في أمور تذهب بحلاوة الإيمان، وتضعف جذوته، وكيف يتصور التطلع إلى النصر بنفوسٍ لم تذق حلاوة الإيمان: (ذاق حلاوة الإيمان من رضي بالله رباً وبمحمدٍ صلى الله عليه وسلم رسولاً، وبالإسلام ديناً ).

    كما يجب التأكيد: أن الطريق الصحيح ومنهج التصحيح، في مواجهة ضغوط الخارج وتحدياته، ليس بالاشتغال بالرد عليها؛ مما قد يجر أو جر إلى معارك خاسرة، ولكن الإصلاح الحقيقي، والتصحيح الجاد، يتمثل في التوجه نحو الداخل وتصفيته وتنقيته: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً [آل عمران:120].

    ولا ريب أن التصحيح من الداخل شاقٌ على النفس، وثقيلٌ في الممارسة؛ لأن الإنسان في هذه الحالة سوف ينقد نفسه، وسوف يصلحها، أي أنه: يجعل من نفسه الحجر والنحات في آنٍ واحد.

    وإن أصحاب الطريق المسدود والمتأزمين، هم الذين يسلطون سياط نقدهم دائماً نحو الخارج.

    وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً [آل عمران:120] آية كريمة، ومعلمٌ بارز، وراية مرفوعة، في رسم الطريق لهذا الإصلاح الداخلي، ويقترن بهذه الآية آية أخرى توجه إلى مواجهة الخارج بالنقد الداخلي والإصلاح والتحسين، واقرءوا في خبر غزوة أحد : أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ [آل عمران:165].

    إنه ليس من الحكمة تضخيم شأن العدو إلى الحد الذي يجعل تصور هزيمته شيئاً بعيداً، فالعدو بشر له حساباته، وله موازناته، وله مشكلاته وإمكاناته: وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ [النساء:104].

    إن النصر العام لا بد أن يسبقه نصر خاص.

    إن الأمة المنتصرة على أعدائها؛ هي أمة قد حققت قبل ذلك نصراً داخليا.

    ومما يجب التأكيد عليه أخيراً: سلاح الصبر، والمراد بالصبر هنا: احتمال المشاق والديمومة في تأدية التكاليف مهما كانت قسوة الظروف.

    إن الصبر لا يعني الاستسلام للأحوال السيئة والظروف القاسية، ولكنه يعني عدم اللجوء إلى الحلول السريعة.

    إن الجري وراء الحلول السريعة لمشكلات مستعصية مآله الإحباط واليأس، أو الاندفاع والتهور، مما يزيد المشكلات تعقيداً ويجعل الحل الحقيقي بعيد المنال.

    إن الصبر توظيفٌ صحيح للوقت والزمن؛ لحل أوضاعٍ لا يُستطاع حلها في الوقت القريب.

    وبعد أيها المسلمون: (فإن النصر مع الصبر، وإن الفرج مع الكرب، وإن مع العسر يسرا ) وإن في رحم كل ضائقة أجنة انفراجها، ومفتاح حلها، وطريق ذلك -بإذن الله- دينٌ صحيح، وعقلٌ مستنير، ومبضع جراح، وحرقة والدة، وعلى الله قصد السبيل، وهو الغالب على أمره: لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [آل عمران:186].

    نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    أهمية المراجعة والاعتراف بالأخطاء

    الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، أحمده سبحانه وأشكره، ليس لفضله منتهى، ولا لإحسانه حد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إرغاماً لمن كفر به وجحد، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، بالفضائل تشرف، وبالكمالات انفرد، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، كانوا للدين أعظم مستند، والتابعين ومن تبعهم بإحسان.

    أما بعد:

    فإن من صعاب الأمور قيادة الأمم أعقاب الهزائم، وإحياء الأمل بعد الانكسارات، ولكن الرجال يستسهلون الصعب، ويصابرون الأيام حتى يجتازوا الأزمات.

    نعم. إن الأمة الحية اليقظة لا تكف عن مراجعة أمرها، وقياس أدائها في أصولها وأساليبها، كما لا تمل البحث عن المعوقات والحلول.

    إن الأمة بحاجة إلى امتلاك الشجاعة الكافية للاعتراف بالأخطاء، والتقصير في مسيرتها، وهي بحاجة إلى التفريق الدقيق بين الأعراض والأمراض، حتى لا تعالج المظاهر والأعراف، وتهمل الحقائق والأدوار.

    لقد كشفت الأحداث المتوالية على الأمة اضطراباً في الفهم، واهتزازاً في قراءات الأحداث، واستسلام كثير للتضليل الإعلامي الذي يدير آلته العدو، مما أثار اللبس، وأشاع الشبهات، فأنتج -مع الأسف- استسلاماً في بعض المواطن لأهواء الأقوياء، ولضغوطٍ إعلامية على صوتها.

    أيها المسلمون: الإصلاح يبدأ بالنفس، وليس بضجيج الإعلام، ولا هتاف الجماهير، ولا اندفاع الجمهور: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ [الرعد:11].

    إن الإصلاح يكمن في صلاح القلوب، وارتباطها بعلام الغيوب. خضوعٌ تامٌ لله الواحد القهار، عبادةً وتذللاً، وانقياداً وتسليماً.

    إن أهل الإسلام -وهم يعيشون أيام هذا الشهر المبارك- أولى ما يكونون في التوجه نحو الإصلاح، وأولى الأولويات البدء بإصلاح النفس، فلتكن -يا عباد الله- هذه الأيام المباركة مواقف صدق، ولا سيما هذه العشر الأخيرة، إنها من أرجى الأوقات، وأحرى ما يؤمل المسلم من خيرٍ وفضلٍ وصلاحٍ وإصلاح، وإن لكم في نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم لأسوة حسنة؛ فقد كان يخلط العشرين بصلاة وصوم، فإذا كان العشر شمر وشد المئزر، وحسبها فضلاً ما يرجى فيها من ليلة القدر: وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ [القدر:2-3] .. (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ) حديثٌ مخرج في الصحيحين .

    أيها المسلمون: إن شهركم قرب رحيله، وأزف تحويله، وقوضت خيامه، فبادروا بالتوجه، واجتهدوا في حسن الختام، ودعوا شهركم بالتوبة إلى الله، والإنابة إليه: (وكل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون ) ومن خير أعمالكم: إخراج زكاة الفطر: فهي طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، من أداها قبل صلاة العيد فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات، فأخرجوها رحمكم الله طيبة بها أنفسكم.

    عباد الله: هذا شهركم قد أذن بالرحيل، وفي بقيته للعابدين الجادين مستمتع، فهل من قلبٍ يخشع، وعينٍ تدمع، وعملٍ صالح يرفع؟

    ويا ويح قلوبٍ خراب بلقع، تراكمت عليها الذنوب فهي لا تبصر ولا تسمع!!

    ألا فاتقوا الله رحمكم الله، وسارعوا إلى مغفرة من ربكم، ثم صلوا وسلموا على نبيكم محمدٍ رسول الله فقد أمركم بذلك ربكم فقال في محكم تنزيله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56].

    اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ، وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واحم حوزة الدين، واخذل الطغاة أعداء الملة والدين، وانصر اللهم عبادك المؤمنين.

    اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، ووفق إمامنا وولي أمرنا بتوفيقك، وأيده بتأييدك، وارزقه البطانة الصالحة، وأعز به دينك، وأعلِ به كلمتك، واجعله نصرة للإسلام والمسلمين، واجمع به كلمتهم على الحق يا رب العالمين.

    اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك، وبسنة نبيك محمدٍ صلى الله عليه وسلم، واجعلهم رحمة لعبادك المؤمنين، واجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين.

    اللهم وأبرم لأمة الإسلام أمر رشد يعز فيه أهل الطاعة، ويهدى فيه أهل المعصية، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى عن المنكر، إنك على كل شيءٍ قدير.

    اللهم اجعلنا ممن صام هذا الشهر وقامه إيماناً واحتسابا، اللهم تقبل صيامنا وقيامنا، اللهم وفقنا لقيام ليلة القدر، واكتب لنا فيها عظيم الثواب، وجزيل الأجر يا رب العالمين.

    اللهم انصر المجاهدين الذين يجاهدون في سبيلك لإعلاء كلمتك، وإعزاز دينك، اللهم انصرهم في كل مكان، يا رب العالمين! اللهم انصرهم في فلسطين وفي كل مكان يا رب العالمين، اللهم سدد سهامهم، وآراءهم، واجمع كلمتهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم.

    اللهم عليك باليهود الغاصبين المحتلين فإنهم لا يعجزونك، اللهم وأنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين.

    اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم إن بالبلاد والعباد من البلاء واللأواء ما لا يكشفه إلا أنت، اللهم إنا خلقٌ من خلقك فلا تمنع عنا بذنوبنا فضلك.

    ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.

    ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

    ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم.

    عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3010610056

    عدد مرات الحفظ

    721980971