إسلام ويب

ميزان السلامللشيخ : صالح بن حميد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الأمة الإسلامية عندما تركت منهج الله، وتخلت عن نصرة دين الله سلط الله عليها الأعداء، فداسوا كرامتها، وكسروا عزتها، واستضعفوها، وهذا جزاء من أعرض عن دين الله، والجزاء من جنس العمل، وكما تدين تدان.

    1.   

    دعوة لقادة العالم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأؤمن به وأتوكل عليه، وأساله من فضله المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وهو على كل شيء شهيد، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، شرَّفه بالعبودية والرسالة، فهو أكرم الرسل وأشرف العبيد، منصور برب العزة قبل العدد والسلاح العتيد، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعـد:

    حُجاج بيت الله .. أيها المسلمون! أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، فتقوى الله أعظم ما تزودتم، وأكرم ما أسررتم، وأجمل ما أظهرتم، وأفضل ما ادخرتم، فاتقوا الله -رحمكم الله- وأعاننا الله على لزومها وكتب لنا ثوابها.

    أيها الناس! من هنا .. من بيت الله الحرام .. من البقاع المقدسة .. بلاد الأمن والإيمان والسلام والإسلام، حيث نزل الوحي على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

    من بلاد الحرمين الشريفين حيث انطلقت مبادئ حقوق الإنسان قبل أن يعرف عالم اليوم حقوق الإنسان، بل انطلقت مع حقوق الإنسان حقوق الشجر والحيوان.

    من الحرم الحرام، والبلد الحرام، وفي الشهر الحرام من مواقع الصلح وحقن الدماء، من مواطن التضحية والفداء، من بلاد العفو والتسامح، حيث أطلق نبينا صلى الله عليه وسلم الطلقاء في هذا البلد الطاهر، ومن أجل كل هذه المعاني هذه دعوة لسكان العالم جميعاً ندعوهم بدعوة قرآننا وبنداء كتاب ربنا: تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران:64].

    إن قادة العالم يُحدثوننا عن نظام يحفظ للعالم أمنه واستقراره وخيره وخيراته، ويمنوننا بعالم سلم وسلام، تجتنب فيه ويلات الحروب والصراعات، هذه الحروب الشمطاء، والصراعات الكريهة، الذي لا ينتصر فيها غالب، ولا يستسلم فيها مغلوب، يبشروننا بعالم يحفه السلام، ويسوده الحب والصفاء والوئام، ندعوكم دعوةً إلى ديننا، فهو إيمان وعمل، وعلم وأمان، ندعوكم للقراءة المنصفة، والاطلاع المتجرد؛ لتروا وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [سبأ:24] ندعوكم لنظر عادل قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ [سبأ:26].

    1.   

    مفهوم السلام بين الزيف والحقيقة

    أيها القادة .. أصحاب القرار .. أيها الناس! دعوة مخلصة وأنتم ترون الصراع في هذا العالم يتفاقم، والاستغلال يتعاظم، والمطامع لا حدود لها، والموازين لا ضابط لها، دعوة صادقة والبصير يرى أن من بيده القرار ورعاية الحقوق يسلك التعسف بالقوة ومد الذراع القوية لتنال كل من لا يوافق على المشروعات المطروحة.

    إن هذا مسلك خاطئ، وظنٌ جائر، فالتعسف في استعمال القوة لن يجلب سلاماً، ولن يسكت مظلوماً، ولكنَّه تفجير لمخزون من الحقد لا يقتصر على منظمة أو حزب أو هيئة أو جهة؛ بل سينال كرامة الإنسان .. كرامة العربي .. وكرامة المسلم، بل الكرامة كلها وعزة أهل الإسلام في كل الأرجاء.

    دعوةٌ من مُنطلق ديننا الحق، ومن بدهيات العقل ومسلَّماته، فمن حق المظلوم أن يدافع عن نفسه إذا سُدَّت أمامه محاولة استعادة الحقوق، لا يُلام مظلوم إذا شك في نوايا خصمه إذا كان الوسيط غير منصف .. لماذا يَصِلُون به إلى نقطة اليأس فيتساوى عنده الموت والحياة، وحينئذٍ لا يبقى عند هذا المسكين شيء يخشى فقدانه؟

    مشاهد مُرعبة من الدماء والأشلاء والتشريد والتقتيل يستحيل أن تمحوها الأيام، بل إنه ليشب عليها الولدان، وترضعها الأمهات مع الألبان، إرهاب عسكري وسياسي واقتصادي يجري تنفيذه ويجري التخطيط لآخر مثله.

    إنها دعوة مشفقة وأنتم تُكافحون الإرهاب، وتستنكرون العنف، وتدعون إلى السلم والسلام.

    دعوة إلى مشاهدة استئصال الأطفال والنساء وهم في الملآجئ الآمنة، وملاذات الحمايات الدولية، من رحم هذه المآسي تتولد كل ألوان العنف والسفك وتفجير الأنفس، منها وفيها تنبت تنظيمات انتقامية التوجه، ومجموعات عدوانية النزعة، كيف تستبعدون أن يتولد من ركم الجثث إرهابيون؟

    ولماذا لا يخرج من بين أنقاض البيوت متطرفون؟

    معانات وتسخُّط وجورٌ وتأسف والقسوة لا يُقابلها إلا قسوة، حرب الحجارة، وتفجير الأجساد، وانتفاضة الأطفال والليالي حبالى مشحونة بالغضب والرفض والإباء، إنها حبالى غضب مكتوم، وقهر محبوس، عناقيد غضب يصبها المعتدون وحقيقتها بذور حقد لا تنبت إلا حقدًا، ولا تزرع إلا نقماً وانتقاماً، غزوٌ واجتياح، وتعديات ومظالم لا تدفع إلا إلى الإحباط وفقدان الثقة في المجتمع الدولي كله بنُظمه ومنظماته، فأي عاقلٍ متجرد يُشاهد المناظر الدامية ثم يرى أصحاب القرار وهم يُدافعون عن المعتدي، ويتلمَّسون المصوغات لتصرفاته، ويُحرمون أصحاب الحق من المقاومة ودفع العدوان؟

    دعوةٌ صادقةٌ للنظر في مفهوم الأمن الذي يسعى إليه الجميع، والسلام الذي يُحبه الجميع، ويؤمن به الجميع، ويدعو إليه الجميع، هل هو يا ترى أمن طرف واحد وسلام شعب واحد؟

    وهل هو حق لجهة دون أخرى؟

    أي سلام لا يكون الحديث فيه إلا عن التفوق العسكري لطرف على حساب آخر؟!

    أي سلام يلتزم فيه قائم على رعاية السلام بتفوق طرف على آخر؟!

    هل هو سلام بمواصفات خاصة وشروط خاصة؟!

    أهو سلام الغلبة والتسلط والتهديد ضد كل من لا يرضى بهذا النوع من السلام؟!

    سلام يَهدم البيوت، ويُشرِّد من في الديار، ويُحاصر الشعوب، ويعتقل المئات، ويجعل رد ظلم من طرف إرهاباً ومن طرف آخر حقاً مشروعاً!

    سلامٌ تكون فيه الدماء رخيصة، والحقوق مهدرة، والأرض مستباحة، والبيوت غير محترمة!

    سلامٌ يتخذ العقوبات الجماعية منهجاً!

    سلامٌ ينتقض السيادة، ويلغي الكرامة، ويهين العزة!

    أي سلام يحول فيه المنطقة إلى منجم عمالة رخيصة وإلى سوق استهلاكية مسلوبة الإرادة؟!

    سلام المراوغة، واقتناص المكاسب الاقتصادية!

    سلام يثمر عنصرية وفقراً، وجوراً منظماً!

    سلام من طرف لا يرضيه سوى فناء الآخر وهدِّه، وهدم اقتصاده، وتقطيع أوصاله!

    إنهم يبنون سلاماً على أعواد من القصب تهتز وتتساقط كما لعبت بها رياح الغضب!

    إنها دعوة إلى توضيح مفهوم السلام.

    وثمة دعوة أخرى مرتبطة بها وقرينتها: إنها دعوة لأن تقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان، أين ميزان الحق؟!

    إذا كان عدوان المعتدي دفاعاً على النفس، وحفظاً على أمنه وأمن شعبه، ومقاومة الشعوب للظلم والاحتلال إرهاباً وعدواناً، وتهديد لأمن الآخر وشعبه.

    كيف ينقطع الظلم؟ ومتى يتوقف العدوان؟ إذا كان حقد العدو غضباً مشروعاً وغضب المظلوم إرهاباً ممنوعاً؟!

    1.   

    مجزرة قانا والصمت العالمي

    يغضب العالم حينما تطلق رصاصة أو تلقى قذيفة على محتل، ويتداعى العالم بصغاره وكباره إلى مؤتمرٍ عالمي للتنسيق من أجل صنع السلام ومكافحة الإرهاب والتطرف، أما مجزرة قانا والمجازر قبلها فتجري على سمع العالم وبصره، ولا أحد من ذوي القرار يدين، ولا يدعو لمؤتمر يزجرها، فبأي ميزان أجيزت مجزرة قانا ؟! وبأي قانون استبيحت دماء أهل قانا ؟! وبأي دستور يمنع أهل قانا ومن حول قانا من مقاومة الاحتلال؟!

    ما حدث في قانا لم تفد فيه مناوشات، ولم توقفه الالتماسات، ولم تقلل من آثاره التأسفات.

    أربعون ألف قذيفة وأكثر من ستمائة غارة في حربٍ شرسةٍ وعناقيد حقدٍ من أجل كسب أصوات انتخابية، يكسبون من أصوات بقدر ما يقدمون من جثث وأشلاء، يسترضون الناخب بنشر المآسي بكثرة الدماء؛ بل بدماء الأبرياء!

    ميزان هذا العالم المتحضر يغرق في المساعدات في طرف بلا حدود، وفي طرف آخر إغماض وإجحاف وتجاهل بلا حدود، ازدواجية مقيتة، ومظالم سافرة، في توجهاتهم السياسية، ومسالكهم الأخلاقية، ومصطلحاتهم الإنسانية.

    ميزان كفة القاتل منهم تمتلئ بالأعذار، وكفة القاتل من غيرهم إرهابي يهدم بيته، ويشرد أهله، وتُحاصر بلدته، ناهيك بميزان الضغط والتعاطف، فالضغط منصب على الضعفاء، والتعاطف يمنح للمعتدين.

    أين مجلس الأمن وهيئة الأمم من شكوى الشاكين، وأنين الأرامل ماذا يقول الضمير العالمي؟!

    وأين هي المقاطعة الاقتصادية على كل من ظلم وامتنع من تطبيق القرارات؟

    يا قادة العالم! ويا أصحاب الرأي! إن مواجهة التطرف تتطلب تعاملاً بعدلٍ وإنصاف، وتجاهل العدل والسكوت على الظلم يُولِّد المزيد من التوتر والعنف والحروب برغم الهدوء الظاهر الممتلئ باليأس والغبن.

    إن التحدي الحقيقي في البطالة والفقر والتجويع وفقدان الأمل، إن سياسات الحرمان والتجريف، والعزل والخنق، والقهر والاستغلال الممتدة على مدى السنين هي التي تُغذي التطرف وحب الانتقام وسلوك مسلك الإرهاب.

    وليعلم أن المؤتمرات الدولية والقوة العسكرية غير قادرة على كبح جماح العنف، وإيقاف توريد الإرهاب، وإنبات التطرف، ولكن الحلَّ -كل الحل- في إعطاء الحقوق، ونشر العدل، وسلوك مسالك الإنصاف والتسامح، وحفظ الكرامة الإنسانية.

    وإذا كان ذلك كذلك .. فكيف يُمكن الإقناع والاقتناع بجدوى مشروعات الصلح وضمان استمرارها إذا كانت الموازين بهذا التقلب والمصطلحات بهذا التلاعب.

    هذا هو النداء، وتلكم هي الدعوة، والله من وراء القصد، والأمر لله من قبل ومن بعد، وهو سبحانه غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ * وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال:60-64].

    نفعني الله وإياكم بهدي كتابه وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم.

    وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    إلى متى الذل والهوان

    الحمد لله ذو القدرة والملكوت، والقوة والجبروت، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وهو حي لا يموت، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، العزة والمجد والمنعة لمن أطاعه واتبعه، والذلة والصغار والشنار لمن عصاه وخالف أمره، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعــد:

    فأوصيكم -أيها الناس جميعاً- ونفسي بتقوى الله عز وجل والعمل الصالح، فاتقوا الله ربكم واعملوا صالحاً إنه بما تعملون خبير.

    أيها الناس! سكوت الشعوب إلى أمد، وصمت المظلوم إلى حين، وما يجري في الساحة لم يبق داراً ولا جداراً، ولم يدع لأصحاب النوايا الحسنة مقالاً، استوى الراضون والرافضون.

    إن عناقيد الحقد والغضب التي انصبت على الديار أثارت تساؤلات واستفهامات:

    هل الناس قد غفلوا أكثر مما ينبغي؟!

    وهل القوم استسلموا لوعود معسولة أكثر مما يجب؟!

    وهل تنازلوا أكثر مما يلزم؟!

    وهل استمرءوا التضليل والمخادعات أكثر مما يسوء؟!

    عناقيد الحقد والغضب رفعت عن المظلوم العتب لينجلي الغبار وتتقشع السحب الظلماء عن رجال يقاومون الضلال بجلد ويرفعون المظالم بمجاهدة، لا يستوحشون جو التخذيل، ولا يتخاذلون لغربة الحق، فهم لا يزالون يُؤدون ما عليهم لربهم ودينهم وأمتهم إلى أن تنقشع الغمة ويحفظ الحق المشروع، ويخرج الإسلام من محنته ناصع الصفحة، بل لعله أن يستأنف زحفه الطهور ليضم إلى قومه قوماً، وإلى رجاله رجالاً، وإلى أرضه أوطاناً.

    إنهم رجالٌ يتأبون على الهزائم النازلة، ويتوكلون على الله في دفعها ومدافعتها حتى تضمحل وتتلاشى.

    إن في حكمهم المأثورة، وآدابهم المسطورة: الجزع لا يُغني من القدر، والصبر من أبواب الظفر، والمنية ولا الدنية، واستقبال الموت خير من استدباره، وهالك معذور خير من ناجي فئور، والأيام حُبلى، والتأريخ له ألف عودة وعودة طالما هناك خصومٌ لا يتعظون ولعبر التاريخ لا يدركون.

    ومن سنن الله المعلومة: أن الشهر -طال أم قصر- سوف يُحاسب الذين يستهترون بالدماء، ويهينون القضايا، إنهم يُساهمون في إحياء تيارات الرفض ونمائها.

    لقد قال قومنا: نعم للسلام! ولم يقولوا: نعم للاستسلام والتنكيل والإهانة والانتقام، وإذا استرخص العدو الدماء فهي عند أهلها غير رخيصة، ولقد علم قومنا كما يعلم غيرهم أن الأمة التي تقبل الخنوع والذلة وتعطي من نفسها الدنية أمةٌ ماتت فيها المواهب الإنسانية العليا، وارتكست فيها الملكات اليقظة.

    أي حياة تعيشها إذا هي عاشت خادمة تابعة ذليلة مهانة؟!

    كل أمة تنتكس عن حمل أعباء الحياة الأبية وتضعف عن الإقدام في ساحة الفداء، وتخشى عواقب المخاطرة والجرأة، فقد حكم عليها بالذلة والموت والهوان، اسمعوا إلى قرآنكم أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمْ اللَّهُ مُوتُوا [البقرة:243]. لقد ماتوا في الديار التي عجزوا عن الدفاع عنها، وعلى الأمم النائمة أن تتحمل أوزار ما تُقاسي وتُعاني، والذي يقبل الذلة يغري الآخرين بالبغي والعدوان، وفي ذلة المظلوم عذر الظالم، وقلَّ ما يقع العدوان على ذي أنفة أو حمية.

    ألا فاتقوا الله -رحمكم الله- واستمسكوا بعزة أهل الإيمان وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ [المنافقون:8].

    ثم صلوا على نبي الرحمة نبيكم محمد رسول الله، فقد أمركم بذلك ربكم فقال عز من قائل إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56] اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين: أبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ، وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واخذل الطغاة والملاحدة، وكل أعداء الدين.

    اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين!

    اللهم وأيد بالحق إمامنا وولي أمرنا، ووفقه لما تُحب وترضى، وارزقه البطانة الصالحة التي تدله على الخير وتعينه عليه، اللهم أيده بتأييدك وأعزه بطاعتك، وأعز به دينك، وأعلِ به كلمتك، واجمع به كلمة المسلمين على الحق يا رب العالمين!

    اللهم ووفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك، وبسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، واجعلهم رحمات لرعاياهم، واجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين!!

    اللهم وأَبرم لأمة الإسلام أمر رُشد يُعز فيه أهل طاعتك، ويُذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر إنك على كل شيء قدير.

    ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.

    ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم.

    ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

    عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان، وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3010593006

    عدد مرات الحفظ

    721977347