إسلام ويب

تفسير سورة الإسراء (3)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • جبل بنو إسرائيل على حب الإعراض، ومقارفة المعاصي والمنكرات، وتكذيب ما جاءهم به الرسل، فكانوا بذلك مستحقين للعذاب المهين المرة تلو الأخرى، فيسلط الله عليهم من يسومهم سوء العذاب كما فعل بهم بختنصر في المرة الثانية، فكان هذا حالهم على الدوام، فمتى عادوا إلى الهداية والاستقامة أنعم الله عليهم واستخلفهم في الأرض، ومتى ما فسدوا واستكبروا أصابهم من الشر والذلة ما يستحقونه، ثم يوم القيامة يرجعون إلى أشد العذاب.

    1.   

    مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة الإسراء

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ) .

    وها نحن مع سورة الإسراء، فهيا بنا نصغي لنستمع تلاوة هذه الآيات المباركة، ثم نتدارسها والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس.

    إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا * عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا [الإسراء:7-8].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! تقدم قول ربنا: وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا [الإسراء:4]، هذا قضاء الله في كتاب المقادير الأزلي، وهو أيضاً إعلامه في كتاب التوراة، وأهل التوراة هم اليهود؛ إذ هو كتاب الله الذي أنزله على عبده ورسوله موسى عليه السلام.

    ماذا جاء فيه؟ جاء فيه ما أخبر تعالى عنه بقوله: وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا [الإسراء:4]، والمراد من الفساد: الفسق والفجور، وتعطيل شرع الله، وتحكيم الهوى، والجري وراء الدنيا وأطماعها، والدنيا والهوى وشهوات النفس ورغباتها، هذا أمر مفروغ منه، وتم بالحرف الواحد.

    فقال تعالى: فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا [الإسراء:5] أولى المرتين: بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا [الإسراء:5]، وقد تقدم أن المرة الأولى كانت على يد جالوت وقومه، وقد أسقطوا مملكة بني إسرائيل، وهدموا بناءها وقتلوا رجالها وسبوا نساءها وأطفالها قروناً.

    ثم شاء الله بعد ذلك أن يعيد إليهم مجدهم وكمالهم ودولتهم فاجتمعوا حول أحد الأنبياء وهو حزقيل، قالوا له: إلى متى ونحن مشردون في الأرض؟ لم لا نجتمع ونقاتل في سبيل الله، ونسترد دولتنا ومملكتنا؟!

    وقادهم طالوت، وكانت معركة فاصلة، حيث داود الشاب ضرب جالوت بحجر فقصم ظهره وقتله، ومن ثم تكونت لهم دولة وسادت وعظمت على عهد سليمان عليه السلام؛ إذ حكم العالم أربعة رجال في ذلك الوقت، كافران ومؤمنان: بختنصر والنمرود كافران، وسليمان والإسكندر مسلمان، الأرض الموجودة في ذلك الوقت، والسكان على الحياة.

    ثم سادوا وعزوا وطابوا وطهروا عاماً بعد عام وقرناً بعد قرن، ثم مالوا إلى الدنيا والأهواء والشهوات والأطماع والفساد والشر، فخبثوا قروناً أشد الخبث، وتنكروا لكتاب الله وقتلوا الأنبياء، وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يقتلون سبعين نبياً في اليوم، والسوق عامرة ما فقدت شيئاً.

    فقال تعالى: فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا [الإسراء:5]، ما قال عبادي؛ لأنهم غير مؤمنين ولا صالحين، بل كفرة فجرة مجوس: أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا [الإسراء:5]، فتم كما أخبر الله تعالى.

    ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا [الإسراء:6] أكثر جيوشاً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم ...)

    ثم قال لهم: إِنْ أَحْسَنتُمْ [الإسراء:7] بعد الآن أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ [الإسراء:7]، تبقى لكم دولتكم وسلطانكم وسيادتكم: وَإِنْ أَسَأْتُمْ [الإسراء:7] فالإساءة لأنفسكم، وقد أساءوا، مرت قرون وهم صلحاء ربانيون، علماء حكماء سائدون حاكمون، فلما هبطوا إلى الفسق والفجور والظلم والشر أنزل الله بهم نقمة شديدة، فقال تعالى: وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ [الإسراء:7]، أي: المرة الأخيرة؛ إذ كتب لهم مرتين في التوراة، المرة الأخيرة: فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ [الإسراء:7] بالكرب والحزن والاسوداد، وهؤلاء هم بختنصر وقومه من أرض بابل ففعلوا فيهم ما فعل جالوت وقومه ببني إسرائيل في المرة الأولى؛ استغلوهم واستعمروهم وعذبوهم ونكلوا بهم وأكربوهم وأحزنوهم، ويكفي قول الله تعالى: لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الإسراء:7] أي: بيت المقدس وفعلوا فيه الأعاجيب، وأخذوا ما فيه من أمتعة أيضاً.

    وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا [الإسراء:7]، ما كان مرفوعاً يضعونه إلى الأرض، ما كان عزيزاً يصبح ذليلاً، ما كان غنياً يصبح فقيراً.. وهكذا تتبيراً كاملاً وهلاكاً بائناً، وتم هذا والله بالحرف الواحد.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا ...)

    ثم قال تعالى: عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ [الإسراء:8]، عسى من الله تفيد الوجوب.

    رحمة الله ببني إسرائيل ببناء دولتهم مرة بعد أخرى

    وقد رحمهم الله، وعادت دولتهم وسلطانهم، ثم بعد ذلك عادوا لما كان عليه أسلافهم، فقتلوا يحيى وزكريا وهما نبيان رسولان، وفعلوا الأعاجيب، فسلط الله عليهم الرومان، فسادوهم وساسوهم، وفعلوا بهم الأعاجيب وشردوهم وطردوهم، حتى نزلت منهم ثلاث قبائل بالمدينة المنورة هاربين من بلاد الشام بلاد الروم.

    عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ [الإسراء:8]، وفعل وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا [الإسراء:8] أيضاً، وإن عدتم إلى الفجور والفسوق والظلم والشر والفساد عدنا بالتسليط عليكم، ولما فجروا في المدينة، وخانوا العهد سلط الله عليهم رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم، فقتل بني قريظة عن آخرهم، وشرد بني النضير إلى الشام، وشرد بني قينقاع كذلك قبلهم.

    وهم مشردون كيف إذاً عادت لهم الدولة والحكم؟

    أولاً: يقول تعالى فيهم: ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا [آل عمران:112] أينما وجدوا في الشرق والغرب، اللهم: إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ [آل عمران:112]، وهو الإسلام، من أسلم من اليهود ما ذل ولا هان، أو وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ [آل عمران:112] معاهدات، وهم بالفعل عرفوا هذا ودرسوه، واستطاعوا أن يرتبطوا بدول عظيمة كبريطانيا، فاستطاعوا أن يتوصلوا إلى السيطرة على أموالهم، وهكذا في فرنسا وأوروبا كاملة، إلا ما كان من ألمانيا، فقد طردهم هتلر -عليه لعائن الله-.

    وها هم إلى الآن أقوياء أشداء يهددون العالم الإسلامي بالحبل الذي لهم من الناس، فانظر إلى أمريكا كيف تدافع عنهم؟ بل العالم الكافر كله يقف إلى جنبهم.

    زمان قتال المسلمين لليهود

    قلت غير ما مرة: لو أن المسلمين فقط أسلموا قلوبهم ووجوههم لله، واتحدت كلمتهم، وطبقوا شرع الله فيهم، أقرب الأسباب أن أمريكا والغرب كله يتخلى عن اليهود؛ فإذا تخلوا عنهم ماذا يكون مصيرهم؟ يأتي أمرهم إلى المسلمين ويمنعوا وجودهم.

    وقد أخبر بهذا الرسول صلى الله عليه وسلم؛ بدليل لما قيل لـهتلر وحزبه: اليهود يتآمرون على دولتكم، سواء بالصدق أو بالكذب، ماذا فعل لهم؟ قتلهم بالآلاف وشردهم، فلو أراد الله بنا أن نسود ونمحي هؤلاء اليهود لتخلت أمريكا عنهم وبريطانيا لسبب من الأسباب، بمؤامرة تكتشف، فيتركونهم يأكلهم العرب، ولكن مادام المسلمون غير مستقيمين حالهم حال بني إسرائيل فيما سبق، فلهذا لا نطمع أبداً في أن نطرد اليهود من فلسطين، بل الذي يتوقع أنهم سوف يحكمون غير فلسطين وهذا أملهم، وإلى متى؟ إلى أن يسلموا؛ وذلكم بتدبير الله عز وجل، ولعله المهدي يوم يبعثه الله، وتلتف حوله أمة الإسلام، وتمشي وراءه كما مشوا وراء رسول الله وأصحابه، حينئذ نقتل اليهود، وهذا حديث مسلم في صحيحه يقول فيه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: ( لتقاتلن اليهود ) هذه الكلمة معناها: أن اليهود أصبحوا أمة يقاتلون، معناه: يقوون ويشتد ساعدهم ويقاتلوننا، ولما حدث الرسول بهذا الحديث يعجب الناس: كيف نقاتلهم؟ ما قيمة اليهود حتى نقاتلهم؟ لكنهم يتجمعون ويقوون ويعظمون يوماً بعد يوم.

    ( لتقاتلن اليهود ثم لتسلطن عليهم ) من يسلطنا؟ الله عز وجل: ( فتقتلوهم، حتى يقول الشجر والحجر: يا مسلم! هذا يهودي ورائي تعال فاقتله، إلا شجر الغرقد فإنه من شجر اليهود )، هذا الحديث من أصح الأحاديث، واليهود درسوه وعرفوه، أحياناً يقال لهم: أما تخافون قول الرسول هذا؟ فيقولون: وأين المسلمين حتى ينطق الشجر والحجر، يقول: يا مسلم! والشجر والحجر لا يكذب؟ وهل شخص تارك الصلاة فاجر يقال له: يا مسلم؟ ما يقول أبداً، ما أسلم لله شيئاً، يا مسلم، بهذا اللفظ: (هذا يهودي ورائي تعال فاقتله)، اللهم ( إلا ما كان من شجر الغرقد )، فإنها شجرة كانت في المدينة موجودة، وموجودة في فلسطين، واليهود يقدسونها ويعظمونها أكثر من أي شجرة إلى الآن، البقيع: يقال له بقيع الغرقد، أي: شجر الغرقد، والغرقد: هو هذا الشجر اليهودي.

    والشاهد عندنا: عندما يسلم المسلمون قلوبهم ووجوههم لله، ويقودهم ولي الله ملتفين حوله تحت راية: لا إله إلا الله محمد رسول الله، يومها ينتهي وجود اليهود؛ ولن يبقى لهم شأن أبداً في العالم؛ لأن الساعة قد قربت، هذا من أشراط الساعة وعلاماتها الكبرى.

    العالم الإسلامي ينتظر متى يسوده الإسلام ويقوده، ويومها تنتهي مشكلة اليهود، أما والمسلمون مفرقون ممزقون معرضون عن كتاب الله وشرعه وهديه -كما تشاهدون وتعلمون- فهيهات هيهات أن ينتصروا على اليهود أو يقتلوهم. هذا وعد الله لهم.

    وعد الله لليهود ووعده للمسلمين بإقامة دولتهم

    قال الله: عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ [الإسراء:8]، وقد رحمهم وتكونت لهم دولة، فبعدما خرج بختنصر ورجاله، كانت لهم دولة، ولما انتكسوا وذبحوا الأنبياء، وقتلوا زكريا رسول الله ويحيى ولده، سلط الله عليهم الرومان، الروم فشتتوهم ومزقوهم حتى لجئوا إلى بلاد العرب شاردين فارين هاربين.

    وهذا الشرود إلى بلاد العرب علمنا أنهم نزحوا أولاً: خوفاً من الروم من التنكيل والتعذيب بهم، وثانياً: من أجل ما عندهم في التوراة من أن نبي آخر الزمان يخرج من بين جبال فاران.. جبال مكة، وأن دار هجرته سبخة ذات نخيل تسمى يثرب، والله في التوراة هذا! فكانوا يتطلعون متى يبعث هذا النبي، فنزحوا ونزلوا بخيبر وبفدك وغيرها بالمدينة وهم ينتظرون، وإذا حصل نزاع بينهم وبين العرب يهددونهم، ويقولون: سيبعث فينا نبي آخر الزمان ونقتلهم قتل إرم وعاد وثمود.

    وجاء هذا في سورة البقرة: وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا [البقرة:89]، ما معنى يستفتحون؟ يقولون: سيفتح الله علينا ونقاتلكم، وننتصر عليكم بنبي آخر الزمان، وفرحوا بظهور النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن ما إن شاهدوا الإسلام في غير هواهم، وعرفوا أنه لا يقود إلى مملكة، ولا يوجد لهم دولة كما يزعمون انتكسوا وعكسوا وحاربوا الإسلام، وخانوا الرسول والمؤمنين، والعياذ بالله!

    عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا [الإسراء:8]، والله عز وجل يقول هذا لبني إسرائيل لشرفهم وعلو مكانتهم، ولكن هل شرفهم يساوي شرف المسلمين؟ ما يساوي أبداً، والمسلمون لم ما يعدهم الله بهذا؟

    والله وعدهم: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [النور:55].

    هذا وعد الله للمسلمين وتحقق، لكن: (وإن عدتم عدنا)، أعرضنا عن كتاب الله، عن هدي رسوله صلى الله عليه وسلم، مزقنا دولة الإسلام إلى أربعين دولة، شتتنا شملها إلى جماعات وأحزاب وطوائف.

    إذاً: فرقة كاملة بأيدي اليهود الذين يفعلون هذا الفعل؛ لنبقى هابطين لسنا أهلاً لأن نسود ونقود.

    معنى قوله تعالى: (وجعلنا جهنم للكافرين حصيراً)

    يقول الله تعالى: وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا [الإسراء:8] عذاب الدنيا لا قيمة له يستمر وينقطع، سعادة الدنيا لا قيمة لها، إنما العبرة بالدار الآخرة، الدنيا تشقى الأمة.. تتعس.. تنتهي فتنتهي مدة سعادتها وشقائها، لكن العبرة بالحياة الأبدية الخالدة التي لا نهاية لها أبداً.

    وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ [الإسراء:8] هذا العالم المسمى بالنار عالم الشقاء، جهنم دركة من دركاته جعلناها (لِلْكَافِرِينَ) بنا.. برسالتنا.. بأنبيائنا.. بديننا.. بما تعبدنا به عبادنا، جعلنا لهم جهنم (حصيراً)، و(الحصير) معروف عند العامة يجلسون عليه، فجهنم هي فراشهم وغطاؤهم، والله لا غطاء ولا فراش لهم إلا النار.

    1.   

    ملخص لما جاء في تفسير الآيات

    مرة ثانية: هذه الآية تحمل العجب، ذكر أحداث الكون بما مر أو لا؟ ولكن العبرة ما هي بالدنيا هذه؟ هذه زائلة وفانية، كانت دولة وسقطت.. كانت دولة وسقطت، لكن العبرة بالدار الآخرة.

    وهذا مما يدل على أن الآية المكية تقرر عقيدة البعث الآخر، بعدما قصت تعالى علينا حالة بني إسرائيل في ظروف متعددة ختم القول فيهم بقوله: وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا [الإسراء:8]، من هم الكافرون؟ ليسوا قبيلة من قبائل تعرف، ولكن كل من أعرض عن ذكر الله، وأدبر عن دينه، ولم يطبقه، ولم يعش عليه، ولم يحكمه؛ فهو كافر معرض، جهنم للكافرين بالله ولقائه، الكافرين بالله وكتابه، الكافرين بالله ورسوله، الكافرين بالله وقضائه وقدره، الكافرين بتوحيد الله؛ عبدوا غيره لهم (جهنم حصيراً) يجلسون عليها وهي غطاؤهم وهي فراشهم.

    وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا [الإسراء:8]، هذا معنى قوله تعالى: إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ [الإسراء:7] هذا عام ما هو لليهود فقط، ونحن إن أحسنا أحسنا لأنفسنا أو لا؟ وإن أسأنا أسأنا عليها أو لا؟ نعم. وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا [الإسراء:7] ذي سنة الله، وجزاء الحسنة حسنة، وجزاء السيئة سيئة.

    مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ [النساء:123]، إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ [الإسراء:7] المرة الثانية الأخيرة: لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ [الإسراء:7]، ما المراد من المسجد؟ بيت المقدس، المسجد الأقصى أحد الثلاثة المساجد التي إذا نذرت لله أن تصلي فيها وجب عليك أن تصلي فيها، وإن نذرت لله صلاة في مسجد صح أن تصلي في أي مسجد، هذه لطيفة فقهية.

    المساجد كم؟ آلاف، أعظمها ثلاثة: المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى، وأول مسجد أنشئ وأوجد هو مكة المسجد الحرام، فقد بنى إبراهيم البيت وبعد أربعين سنة بنى مسجد القدس، والمسجد النبوي كان غير مذكور ولا موجود، لكن الآية الكريمة أشارت إليه؛ إذ قال تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى [الإسراء:1]، إذاً: في قصي، فالمسجد القصي هو المسجد النبوي، والأقصى الأبعد هو مسجد بيت المقدس.

    أجمع العلماء على أن من نذر لله أن يصلي في مسجد من المساجد له أن يصلي في أي مسجد شاء، إذ كلها بيوت الله، إلا من نذر أن يصلي في المساجد الثلاثة وجب عليه أن يصلي فيها، ولو كان سيسافر مسافة عام، فهمتم هذه؟ من نذر أن يصلي في المسجد الحرام، في المسجد الأقصى، في المسجد النبوي يجيب أن يفي بنذره، وحرام عليه أن يخلفه، أما إذا نذر أن يصلي في مسجد من المساجد لأصلين في مسجد، صح له أن يصلي في أي مسجد من المساجد.

    وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا * عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ [الإسراء:7-8]، وعد كريم من الله عز وجل، وفعلاً بعدما هدمت دولتهم على يد بختنصر بقرون تجمعوا وتكتلوا ورفعوا راية: لا إله إلا الله، وكونوا دولة، ولما انتكسوا وقتلوا الأنبياء وعادوا سلط الله عليهم الرومان وانتهى وجودهم.

    وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا [الإسراء:8]، إن عدتم إلى الاستقامة عدنا للوفاء بعهدنا والرحمة، عدتم إلى الشر والفساد عدنا بالتنكيل والتعذيب، هذه سنة الله: وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا [الإسراء:8].

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال: [ هداية هذه الآيات المباركة:

    أولاً: صدق وعد الله تعالى ]، وعد الله صادق أو لا؟ والله وعده لصادق؛ ولا يخلف وعده أبداً؛ لأنه على كل شيء قدير، ليس بعاجز، والذي يخلف الوعد هذا عاجز، أما الله عز وجل فهو على كل شيء قدير، ووعده صادق ناجز، من أين أخذنا هذا؟ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا [الإسراء:8] هذا وعد وعدهم إياه، فأعطاهم الدولة بعد انهزامهم.

    [ ثانياً: تقرير نبوة النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ مثل هذه الأنباء لا يقصها إلا نبي يوحى إليه ]، هذه الأخبار التي درسناها هل يقولها غير نبي؟ لا والله، لو يجتمع العرب كلهم هل يعرفون شيئاً عن هذا؟ كيف يقصها إذاً محمد؟ إذاً: في هذا دلالة على أنه رسول الله ونبي الله، والسورة المكية تقرر النبوة المحمدية والبعث الآخر والتوحيد، قررت أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، لو ما كان رسول الله كيف يتكلم بهذا الكلام، كيف يعرف هذه الأحداث الكونية التي مرت عليها مئات السنين وعشرات القرون.

    [ ثانياً: تقرير نبوة النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ مثل هذه الأنباء العظيمة لا يقصها إلا نبي ]، فكأن السورة تقول: محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    [ ثالثاً: تقرير قاعدة: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا [فصلت:46] ] من؟ رجل.. عشرة مليون.. أمة.. فرد.. ذكر.. أنثى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا [فصلت:46] في هذه الدنيا فثوابه لنفسه، ومن عمل سوءاً فعلى نفسه، سواء كان يهودياً أو كان مسلماً، أو كان عربياً أو أعجمياً. هذه قاعدة عامة.

    مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ [فصلت:46] الجزاء الطيب المبارك، ومن عمل سوءاً فعلى نفسه البلاء والشقاء والعذاب والحرمان والعياذ بالله تعالى.

    [ تقرير قاعدة وهي: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا [فصلت:46] ]، ما معنى عمل صالحاً؟ عبد الله بما شرع؛ إذ عبادات الله من الوضوء إلى الجهاد والرباط.. كل ذلك عبادات تعبد الله بها لتزكية أنفسنا فهي طاعة له، تلك هي الأعمال الصالحة.

    السوء ما هو؟ ما حرم الله على عباده وندد بفعله وتوعد عليه كل ذلك يسمى سوءاً، المعصية لله ورسوله سوء، والطاعة لله ورسوله عمل صالح.

    [ رابعاً: وجوب الرجاء في الله، وهو انتظار الفرج والخير منه وإن طال الزمن ]، هذه للمسلمين الآن (وجوب الرجاء في الله عز وجل وانتظار الفرج) كذا أو لا؟ (وانتظار الفرج والخير منه وإن طال الزمن)، كيف عرفنا هذا؟ ما قال تعالى لليهود بعدما حل بهم ما حل: عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ [الإسراء:8] فتح باب الرجاء أو لا؟ وحقق لهم ذلك أو لا؟ فالمسلمون لا ييئسون ولا يقنطون أبداً من رحمة الله، عسى الله أن يجمع كلمة المسلمين في يوم من الأيام.

    ما المانع؟ خيوط فقط أوهن من خيوط العنكبوت أن يجتمع حكام المسلمين في الروضة الشريفة في يوم واحد يصلون، خبر واحد يصلهم في ساعة واحدة، ويبايعون إمامهم في الروضة ويعلنون عن دولة الإسلام، وفي أربعين يوماً والشريعة تطبق من أقصى الشرق إلى الغرب، ما فيها تارك صلاة ولا شارب خمر ولا زان ولا فيها باطل، حينئذ سادوا العالم يخضع العالم بكامله ويدخلون في الإسلام، وهذا المنتظر.

    قال: (وجوب الرجاء في الله وهو انتظار الفرج والخير منه وإن طال الزمن)؛ لأن الفترات بين دول بني إسرائيل كانت مئات السنين، لما حكم جالوت عشرة قرون، لما حكم بختنصر كذلك، وهكذا ما هو زمان قليل.

    [ خامساً: قد يجمع الله تعالى للكافرين بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ]، وهذا مشاهد، ما كل كافر سعيد، كافر ومريض وفقير ومعذب ومضطهد، (قد يجمع الله تعالى للكافرين بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة)، وكذا الفاسقون من المؤمنين، قد يجمع الله للفاسقين من المؤمنين عذاب الدنيا كما هم مصابون بالهم والكرب وعذاب الآخرة أيضاً سنة الله، (قد يجمع الله تعالى للكافرين بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة)، هذا لا شك فيه، وكذا الفساق من العالم الإسلامي قد يعذبون في الدنيا بالإهانة والجوع والهم كما أصابهم، ويعذبون في الآخرة بفسقهم وفجورهم.

    أهل لا إله إلا الله لا يخلدون في النار، لكن العذاب يعذبون إذا فسقوا وفجروا ولم يتوبوا، والله تعالى أسأل أن يتوب علينا وعلى كل مسلم ومؤمن.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3028208329

    عدد مرات الحفظ

    725839258