إسلام ويب

سلسلة منهاج المسلم - (19)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد أمر الله تعالى عباده بالتقرب والتوسل إليه بما شرع في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وذلك بالأعمال الصالحة، والأفعال الطيبة التي يحبها الله تعالى ويرضاها، وترك المحرمات والمنهيات وقبائح المعاصي والسيئات، بهذا فقط يتقرب المؤمن ويتوسل إلى ربه تعالى، ومما يجوز التوسل به دعاء الصالحين واستغفارهم، كما دل على ذلك الكتاب والسنة، وما ذكره الله تعالى في كتابه من توسل أنبيائه ورسله إليه بالأعمال الصالحة والدعاء والإنابة ونحو ذلك مما هو مشروع.

    1.   

    مكانة العقيدة في الدين

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة..

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ليلة الخميس من يوم الأربعاء ندرس كتاب منهاج المسلم، وها نحن ما زلنا في كتاب العقائد وفصوله، والآن مع الفصل الرابع عشر وهو في الوسيلة.

    أعيد إلى الأذهان مذكراً الناسين، معلماً -إن شاء الله- غير العالمين: أن العقيدة الإسلامية الصحيحة التي مصدرها قال الله قال رسوله صلى الله عليه وسلم هي بمنزلة الروح، صاحبها حي وفاقدها ميت.

    والبرهنة -كما تعلمون- أن أهل الذمة من اليهود والنصارى في ديارنا -إن كانوا- لا نكلفهم بصيام ولا صلاة ولا حج ولا جهاد ولا ولا .. باعتبارهم أموات، وأما المؤمنون فهم الأحياء الذين يجيبون النداء إذا ناديتهم، ويمتثلون الأمر إذا أمرتهم، والنهي إذا نهيتهم، والفرح والبشرى إذا بشرتهم، والخوف والحذر إذا حذرتهم؛ وذلك لكمال حياتهم.

    فمن هنا: يجب أن يكون كل مؤمن ذا عقيدة سلفية كعقيدة رسول الله وأصحابه، وتذكرون ذلك الموقف العجيب، عندما قال صلى الله عليه وسلم: ( لقد افترقت اليهود إلى إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى إلى اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة إلى ثلاثة وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة ففي الجنة، فقام رجل وقال: من هي الفرقة الناجية يا رسول الله؟! فقال: هم الذين يكونون على ما أنا عليه اليوم وأصحابي )، الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه هو الذي يجب أن نكون عليه: عقيدة وعبادة، وقضاءً، وآداباً، وأخلاقاً، فمن كان على ما كان عليه رسول الله وأصحابه كان هو المؤمن الحق الناجي من عذاب النار.

    وأيضاً: إذا لم تكن عقيدة المؤمن سليمة فإنه يعتبر مريضاً، والواقع يشهد بذلك، فإنه يقوى على أن يؤدي واجباً ويعجز عن آخر، ويقوى على أن يترك محرماً ويعجز عن آخر، وسبب هذا مرضه، فعقيدته مخلخلة فيها زيادة أو نقصان، وتقديم أو تأخير، ليست بالسليمة الصحيحة، وهذا هو الواقع.

    وقد علمنا أن أركان العقيدة الإسلامية ستة، وعرف هذا المؤمنون والمؤمنات؛ لأنها جاءت في السنة النبوية موضحة مبينة، وهي في القرآن الكريم أيضاً كذلك، وهي: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه ورسله، واليوم الآخر والقدر خيره وشره، ودرسنا هذا والحمد لله ونحن مع الفصل الرابع عشر في الوسيلة.

    1.   

    الوسيلة والتوسل إلى الله تعالى

    قال المؤلف: [يؤمن المسلم] والمسلم هو من أسلم قلبه ووجهه لله، فقلبه لا يتقلب إلا في طلب رضا الله، ووجهه لا يقبل به إلا على الله، هذا هو المسلم [يؤمن المسلم بأن الله تعالى يحب من الأعمال أصلحها ومن الأفعال أطيبها، ويحب من عباده: الصالحين] فالمسلم يؤمن بأن الله تعالى يحب من الأعمال أصلحها، أم فاسدها فلا يحبه، ومن الأفعال أطيبها، ويحب من عباده: الصالحين.

    إذاً: علمنا أن الله يحب الأعمال الصالحة والأفعال الطيبة والعباد الصالحين [وأنه تعالى انتدب عباده إلى التقرب منه، والتودد إليه] انتدبنا وطلب منا أن نتقرب منه ونتحبب ونتودد إليه بذكره: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، نتملقه؛ لأنه يحب هذه الكلمات فيحبنا، [فهو لذلك] أي: المسلم الذي آمن بهذا [يتقرب إلى الله تعالى ويتوسل إليه بصالح الأعمال وطيب الأقوال] لا نتقرب إلى الله بشيء ولا نتودد إليه إلا بصالح الأعمال وطيب الأقوال، ومن الأقوال الطيبة: لا إله إلا الله، فليس أطيب منها.

    قال: [فيسأله تعالى] أي: فيسأل المسلم الله تعالى [ويتوسل إليه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، وبالإيمان به وبرسوله، وبمحبته تعالى، ومحبة رسوله ومحبة الصالحين وعامة المؤمنين] المسلم يتوسل إلى الله بصالح الأعمال وطيب الأقوال، فيسأله تعالى ويتوسل إليه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى بقوله: يا ألله، يا رحمان! يا رحيم! ويتقرب إليه بمحبة الصالحين وعامة المؤمنين، فالذي يحب عباد الله المؤمنين تقرب إلى الله بحب أناس يحبهم الله فأحبهم [ويتقرب إلى الله تعالى بفرائض الصلاة، والزكاة والصوم والحج وبنوافلها] فكما يتقرب بفريضة الظهر فهو يتقرب بالركعتين قبلها أو بعدها، وكما يتقرب بحج الفريضة، فإنه يتقرب بحج النافلة وهكذا، يتقرب إلى الله تعالى بالفرائض وبنوافلها، كما يتقرب إليه بترك المحرمات واجتناب المنهيات، فغض البصر عن امرأة في الشارع قربة تتقرب بها إلى الله عز وجل؛ تريد منه أن يحبك، لأنه يكره ذلك منك مثلاً [كما يتقرب إليه بترك المحرمات]، فما من مؤمن يترك محرماً إلا وتقرب بذلك إلى الله، فلو سأله حاجته وتوسل إليه بذلك المتروك أعطاه حاجته [ولا يسأل الله تعالى بجاه أحد من خلقه] لا يسأل المسلم ربه بجاه أحد من خلقه [ولا بعمل عبد من عباده، إذ ليس جاه ذي الجاه من كسبه] مثلاً: فلان من الصالحين له جاه عند الله فهل يحق لك أن تقول أنت: اللهم إني أسألك بجاه فلان؟! هل أنت خدمت هذا الجاه؟ هل وفرته؟ هل صنعته؟ كيف يحق لك أن تتوسل بشيء ليس لك؟!!

    قال: [إذ ليس جاه ذي الجاه من كسبه وعمله ولا عمل صاحب العمل من عمله فيسأل الله به، أو يقدمه وسيلة بين يديه، والله تعالى لم يشرع لعباده أن يتقربوا إليه بغير أعمالهم وزكاة أرواحهم بالإيمان والعمل الصالح، وذلك للأدلة النقلية والعقلية التالية] الله تعالى لم يشرع لعباده لا في الكتاب ولا في السنة أن يتقربوا إليه بغير أعمالهم أبداً، فلا تتقرب إليه إلا بعملك، وزكاة روحك؛ وذلك بالإيمان والعمل الصالح.

    الأدلة من القرآن على التوسل المشروع إلى الله تعالى

    أولاً: [الأدلة النقلية] أي: المنقولة من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم [ أولاً: إخباره تعالى عن ذلك بقوله: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر:10]] إليه تعالى يصعد الكلم الطيب مثل: سبحان الله وبحمده، سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر:10]، فلو أن شخصاً يسبح الله مائة مرة ولا يصلي الظهر أو العصر، فمن يرفع له ذلك إلى الله؟

    الأعمال الصالحة فقط هي التي ترفع النوافل، فإذا كنت لا تصوم رمضان ثم تصوم ما شئت من العام، فإن هذا الصيام لا يرفع أبداً إلا أن تصوم رمضان، ولو كنت تسبح الله وتتلو كتابه ثم لم تؤدِّ الفرائض ما يرُفع ذلك العمل إلى الله ولا يقبله.

    إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ [فاطر:10]، ولهذا سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، يرددها العبد ويمتلئ بها الجو كاملاً في السماوات والأرضين، وهذا عرفناه -والحمد لله- بهذه الإلهامات التي ألهمها الله عباده، وأصبحت كلمتك هنا تسمع في العالم بأسره بواسطة الهواء، فلهذا كلمة (لا إله إلا الله) تملأ ما بين السماء والأرض. فهذه الأذكار والأدعية يرفعها ماذا؟ العمل الصالح.

    إِلَيْهِ يَصْعَدُ [فاطر:10] لا إلى غيره: الْكَلِمُ الطَّيِّبُ [فاطر:10] والكلم الطيب: هو التسبيح والذكر بأنواعه، وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر:10] أي: يرفع ذلك القول.

    [وفي قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ [المؤمنون:51]] أمرهم بالتوسل إليه بأن يأكلوا من الطيبات ويتجنبوا المحرمات، من خمر أو خنزير أو كل محرم أو مسروق أو مكذوب، فكلوا من الطيبات التي أباحها لكم من طعام وشراب [ وَاعْمَلُوا صَالِحًا [المؤمنون:51]] تقرباً إلى الله وتزلفاً إليه [وفي قوله: وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا [الأنبياء:75]] لماذا؟ [ إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ [الأنبياء:75]] فسبب إدخاله في رحمة الله كونه صالحاً[ وفي قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ [المائدة:35]] أي: اطلبوا الوسيلة إلى الله، واتقوه بفعل الواجبات وترك المحرمات، فوالله ما يتقى الله إلا بطاعته وطاعة رسوله، وبفعل ما أوجب فعله، وترك ما حرمه ونهى عنه [ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ [المائدة:35]] أي: توسلوا واطلبوا الوسيلة إلى الله ليرفعكم وينزلكم منازل الكرام ويحبكم وينصركم، وتوسلوا إليه أي: تملقوا إليه بالأعمال الصالحة، [وفي قوله سبحانه وتعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ [الإسراء:57]] أي: الذين يدعونهم المشركون ويستغيثون بهم هم أنفسهم يتملقون إلى الله ويدعونه ويتوسلون إليه، فالذين يدعونهم آلهة يرجون منهم العطاء هم أنفسهم يتقربون إلى الله عز وجل، كالذين يعبدون عيسى ومريم والملائكة والأنبياء والأولياء.

    أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ [الإسراء:57] أي: هؤلاء الذين يطلبون التوسل إلى الله أيهم يكون أقرب؟ الَّذِينَ يَدْعُونَ [الإسراء:57] أي هؤلاء الذين يدعونهم يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ [الإسراء:57]، فأيهم يكون أقرب إلى الله من غيره؟

    [وفي قوله: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [آل عمران:31]] هذه بعض آية من سورة آل عمران، وسبق أن علمنا: أن وفد نجران المكون من ستين فارساً نزلوا أضيافاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم يجادلونه في شأن عيسى، فقالوا: نحن ما عبدنا عيسى ولا أمه إلا من أجل أن يحبنا الله عز وجل، فهؤلاء عباده الصالحون ونحن نعبدهم متقربين بهم إلى الله ليحبنا، فقال الله لهم تعالى، قل لهم يا رسولنا: إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران:31]، فليس الشأن أن تحب أنت، وإنما الشأن أن تُحَب، كونكم تعبدون عيسى لتحبوا الله عز وجل، ماذا ينفعكم الحب؟ بل اعبدوا الله ليحبكم الله، فليس الشأن أن تُحِب، ولكن الشأن أن تُحَب، وبينا أن اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم يزكي النفس ويطهر الروح، فإذا زكت نفس العبد وطابت وطهرت أحبه الله، وترك العبادة يبقي النفس خبيثة منتنة عفنة: ( والله طيب لا يقبل إلا طيباً )، فلا يحبها الله ولا يقربها منه.

    قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران:31]، إذا اتبعنا رسول الله أحبنا الله، لأن اتباعنا له ومشينا وراءه يزكي أنفسنا، فنصلي كما يصلي، ونصوم كما يصوم، ونتأدب كما يتأدب، فتطيب وتطهر أنفسنا ويحبنا الله؛ لأننا أطهار طيبون، أما إذا لم نتبعه فعلى أي شيء تزكو نفوسنا وتطيب؟ هل على الباطل واللهو واللعب؟ مستحيل! فالثياب تغسل بالماء والصابون، والأرواح تغسل بعبادة الله عز وجل، فتطيب وتطهر.

    [ وقوله جل جلاله: رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران:53]] يكون التوسل بقول: ربنا! يا ربنا! آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ إذاً: فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران:53]، هذا هو التوسل، فبإيماننا واتباعنا للرسول نكتب في سجل الشهداء، رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران:53]، إننا آمنا بما أنزلت من الشرائع والأحكام التي يحملها القرآن ويحويها، واتبعنا الرسول النبي محمد صلى الله عليه وسلم فاكتبنا مع الشاهدين.

    [وفي قوله تعالى: رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا [آل عمران:193] أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ [آل عمران:193]] هنا توسلوا بالإيمان: إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا [آل عمران:193]، إذاً: فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ [آل عمران:193].

    معشر المستمعين والمستمعات! التوسل هو أن تقدم شيئاً لله وتطالبه بشيء آخر، أما أن لا تعطي ويعطيك فهذا باطل، والذي تعطيه لله هو عمل يزكي نفسك ويطهرها، فإذا زكت نفسك وطهرت قبلك ورضي عنك، وإذا كانت نفسك خبيثة منتنة بالأوزار الشرك والكفر والجرائم فوالله ما يقبل الله هذه النفس، ولا يرفعها إليه.

    وسبق أيضاً أن علمنا من قول الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ [الأعراف:40]، عندما تُؤخذ الروح ويُعرج بها إلى الملكوت الأعلى إن كانت طاهرة فتحت لها أبواب السماء إلى العرش، وإن كانت خبيثة فوالله ما تفتح لها وإنما ترجع.

    ثق بهذا ولا تفكر في غيره!

    إما أن تكون النفس طيبة طاهرة يقبلها الله، أو أن تكون خبيثة منتنة يرفضها، والآية صريحة: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا [الأعراف:40] هل الذين كذبوا بالقرآن يعبدون الله؟! وكيف يعبدونه؟ وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا [الأعراف:40] استكبروا عن آيات الله وترفعوا أن يركعوا أو يسجدوا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ [الأعراف:40]، وهذا تعليق على مستحيل، فكما أن الجمل لا يدخل في عين الإبرة فكذلك هذه الروح الخبيثة لن تدخل الجنة [وقوله تعالى: رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ [آل عمران:193]] أي الرسول [ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا ] الذنوب الماضية [ وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا ] لنطهر ونطيب [ وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ [آل عمران:193].

    [وفي قوله تعالى: وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [الأعراف:180]] لا لغيره [ فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف:180]] أي: اسألوه بها: يا رحمان! يا رحيم! يا حي! يا قيوم! يا ذا الجلال والإكرام! هناك مائة اسم لله ادعوه بها، متوسلين بها لقضاء حاجتكم [ وَذَرُوا الَّذِينَ [الأعراف:180]] أي اتركوا الذين [ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأعراف:180]] فسموا العزى من (العزيز)، واللات من (الله)، ومناة من (المنان)، عابثين بأسماء الله، هؤلاء سيجزون ما كانوا يعلمون [وقوله تعالى: وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ [العلق:19]] (واسجد) أي: ادنُ، إذا كنت تريد أن تقترب من الله فاسجد وذلّ لله، وانكسر واطرح نفسك بين يديه، أما إذا رفعت رأسك ولم تسجد فوالله لن تقرب، وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ [العلق:19] السجود: عبارة عن وضع الرأس على الأرض ذلة وعبادة لله عز وجل، وهو يدل على طاعة الله الكاملة، فتذلل وانكسر لربك حتى يقربك، أما إذا تكبرت كيف تفلح؟

    هذه الآيات كلها تدل على التوسل إلى الله عز وجل بالأعمال الصالحة، والأذكار الطيبة.

    الأدلة من السنة على التوسل المشروع إلى الله تعالى

    الآن مع أخبار النبي صلى الله عليه وسلم وهو كله من المنقول:

    [أولاً: إخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك بقوله: ( إن الله طيب فلا يقبل إلا طيباً )] اعرف هذا عبد الله، واعلم أن الله طيب وهو لذلك لا يقبل من الأعمال ولا الأقوال ولا الاعتقادات إلا ما كان طيباً، والطيب من الأقوال والأفعال هو ما شرعه لنا، وعلمنا إياه رسوله أن نفعله ونقوله فهذا هو الطيب، وليس باختراعنا، فالصلاة عمل طيب لأن الله فرضها، ( إن الله طيب فلا يقبل إلا طيباً )، سواء من الناس أو من الأقوال أو من الأفعال [وفي قوله: ( تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة )] تعرف إلى الله في الرخاء ما دمت قادراً على أن تنفق وتتصدق، وانفق في سبيل الله، فإذا حصلت الشدة أنقذك الله وعرفك، فما دمت قادراً على الركوع والسجود والجهاد وفعل الصلاة فافعل، فإذا حالت الحال وأصبحت عاجزاً فالله لن يتركك وسوف يعرفك.

    أما إذا لم تتعرف إليه في الرخاء وكنت مشغولاً بالأغاني والمزمار والطبال والأكل والكذب وغير ذلك ثم مرضت أو نكبت بنكبة وقلت: يا الله! فما ينفعك هذا، لكن تعرف إلى الله ما دمت في حال الرخاء حتى يعرفك في حال الشدة، أما إذا كنت في الرخاء معرضاً عنه متكبراً لا تذكره ولا تسجد له ثم أصابتك مصيبة في نفسك أو مالك أو غير ذلك وقلت: يا الله، فما يعرفك، وقائل هذا القول هو رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    [وفي قوله فيما يرويه عن ربه عز وجل يقول: ( وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه )]، ما تستطيع أن تتقرب إلى الله بشيء ليقربك ويدنيك منه بأفضل مما فرضه عليك، كفريضة الصلاة والزكاة والصيام والجهاد وبر الوالدين والإحسان .. وما إلى ذلك.

    يا من يريد أن يتوسل إلى الله ليحبه، يا من يريد أن يتوسل إلى الله ليقربه أرشدك إلى أن تقوم بهذه الفرائض على أحسن حال في أوقاتها وعلى هيئاتها، فهذا أحسن ما يقربك إلى الله تعالى، واسمع إلى ما يقول تعالى: ( ما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه )، فالذي يصلي المغرب ثلاث ركعات تُقبل منه، بينما من لم يصلها وإنما أتى ولو بتسعين ركعة نافلة فإنها لا تقبل منه، وكذلك من صلى الصبح ركعتين في وقتها قُبلت منه، بينما لو صلى في الضحى عشرين ركعة وما صلى الصبح ما قبلت منه، فالفرائض أكبر ما تتقرب به إلى الله عز وجل إذا أنت أحسنت أداءها ولاحظت شروطها وأركانها لهذا القول الإلهي: ( وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه )، ومما افترض علينا: الصلاة والزكاة والصيام وبر الوالدين، والإحسان إلى المؤمنين.

    [وفي قوله: ( ولا يزال عبدي يتقرب إليّ)] والتقرب كمن يريد أن يصل إلى جدار فإنه يقرب خطوة خطوة، فالتقرب معروف [( ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه )] أولاً: ما تقرب عبد إلى الله بشيء أفضل مما افترض عليه، فالذي أدى الفرائض ووصل إلى هذه الدرجة وأراد أخرى، فأخذ يتقرب بالنوافل، فما تقرب إليه بأفضل من النوافل بعد أداء الفرائض، ( ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل )، والنوافل: جمع نافلة، والنافلة زيادة عن الفريضة، كنافلة الصلاة، ونافلة في الصيام، ونافلة الحج: كحجة أو حجات بعد الحجة الأولى .. وهكذا.

    [وفي قوله فيما يرويه عن ربه عز وجل: ( وإن تقرب مني شبراً تقربت إليه ذراعاً )] وهذه كناية عن المسافة، إذا تقربت أنت بشبر تقرب الله إليك بذراع [( وإن تقرب إليّ ذراعاً تقربت منه باعاً )] والباع أيضاً كناية عن المسافة، فإن تقربت إلى الله بشيء تقرب إليك بأكثر منه، وهذا بيان واضح [( وإن أتاني يمشي أتيته هرولة )] هنا يحدثنا الله باللغة التي نفهم مراده وكلامه منها، فليس الله يأتي هرولة ولا نحن نمشي إليه، وإنما يكون هذا بالأعمال الصالحة، فإن تصدقت -مثلاً- بريال أعطاك ريالان.

    [وفي قوله في حديث أصحاب الغار الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة، إذ توسل أحدهم ببر والديه] كان هناك جماعة مسافرة آواهم المبيت إلى تحت جبل، فدخلوا في غار من الجبل ليستدفئوا به، فانسلخت صخرة من الجبل على باب الغار فسدته، ولم يكن لديهم فأس ولا مسحاة حتى يتمكنوا من الخروج .. والقصة معروفة، والذي أخبر بها هو نبي الله صلى الله عليه وسلم.

    [إذ توسل أحدهم ببر والديه، والثاني بترك ما حرم الله عليه، والثالث: برد حق إلى مستحقه مع تنميته له بعد أن قال بعضهم لبعض: انظروا أعمالاً صالحة عملتموها لله فادعوا الله بها لعله يفرجها عنكم، فدعوا وتوسلوا ففرج عنهم الصخرة وخرجوا من الغار سالمين] واحد منهم توسل ببر والديه: كان قد جاء في المساء باللبن في يده فوجد أبويه قد ناما، فاستحى أن يوقظهما ليعطيهما شرابهما، فبقي واقفاً حتى استيقظا، فاعتبرها وسيلة من الوسائل إلى الله، وسأل بها فانفرجت الصخرة قليلاً.

    والآخر توسل إلى الله بترك فاحشة، وهي أنه كانت له ابنة عم، وكان يرغب فيها وقد راودها عن نفسها فرفضت، فلما ألجأتها الضرورة والحاجة إليه وطلبت منه مالاً دنا منها فقالت له: أتفتض خاتماً بغير حقه؟! أما تخاف الله؟! فقام ترتعد فرائصه ويصرخ ويبكي وترك لها المال بكامله، فتوسل إلى الله بهذه ففرج الله عنهم.

    والثالث: ترك عنده أحد عماله أجرته، فأخذها ونماها حتى أصبحت وادياً من الغنم، فلما جاء في يوم من الأيام يطلب أجرته لحاجة مسته، قال: خذ هذه الغنم؟ فقال: كيف آخذ هذه الغنم؟! فقال: هي أجرتك نميتها لك، فأخذ الغنم بكامله.

    فدعوا وتوسلوا ففرج الله عنهم الصخرة وخرجوا من الغار سالمين.

    هكذا علمنا الرسول صلى الله عليه وسلم كيف نتوسل وليس بجاه سيدي عبد القادر .

    [وفي قوله عليه الصلاة والسلام: ( أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد )] من أراد أن يقترب من الله لن يطير في السماء بالصواريخ، وإنما يضع وجهه على الأرض، فيكون أقرب ما يكون.

    إذاً: كيف نقرب منه مع هذا البعد؟ بأن نسجد له، أما قال تعالى: وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ [العلق:19]؟ والرسول يقول: ( أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد )، ليس هناك حال يكون فيها العبد أقرب إلى ربه من أن يكون ساجداً، فادع الله في السجود وابك بين يديه واطلب حاجتك [وفي قوله صلى الله عليه وسلم: ( أسألك اللهم بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحد من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي وغمي )].

    يقول صلى الله عليه وسلم: (أسألك اللهم) ومعنى (اللهم): يا ألله! ولكن حذفت الياء واستعيض عنها بالميم، فبدلاً من أن تقول: يا ألله، قل: اللهم، أي: يا ألله، وحذفنا ياء النداء؛ لأن الله معنا، فما نحتاج أن نرفع أصواتنا ونقول: (يا رب) ليسمعنا، ولكن بالشفتين.

    أسألك اللهم بماذا؟ وأطلب حاجتي بماذا؟ (بكل اسم هو لك): الرحمن، الرحيم، القوي، المتين .. كل الأسماء أدعوك بها: ( بكل اسم هو لك، سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك -القرآن أو غيره- أو علمته أحداً من خلقك -من أنبياءك ورسلك- أو استأثرت به في علم الغيب عندك )، فلله أسماء ما اطلع عليها أحد من الخلق، (أن تجعل) وهذا هو المطلوب: ( القرآن العظيم ربيع قلبي )، والربيع هو الخضرة ( ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي وغمي )، هذا من التوسل إلى الله [وفي وقوله صلى الله عليه وسلم: ( لقد سأل هذا باسم الله الأعظم الذي إذا ما سئل به إلا أعطى وما دعي به إلا أجاب )] وهذا الاسم هو: ( اللهم إني أسألك بأنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد )، سمعه الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: ( هذا سأل الله باسمه الأعظم الذي ما سئل به إلا أعطى، ولا دعي به إلا أجاب )، وهذا توسل إلى الله بأسمائه وصفاته.

    كل هذه أدلة نقلية على الوسيلة إلى الله عز وجل.

    توسل الأنبياء عليهم السلام إلى الله عز وجل

    [ثانياً: ما ورد من توسل الأنبياء في القرآن الكريم] ورد في القرآن أنبياء توسلوا إلى الله [وأن توسلهم كان بأسماء الله تعالى وصفاته، وكانت بالإيمان والعمل الصالح، ولم يكن بغير ذلك أبداً فيوسف عليه السلام قال في توسله رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [يوسف:101]] أي: يا فاطر السماوات والأرض: [ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [يوسف:101]].

    لما جمع الله شمل يوسف وحضر أبواه وإخوته، وجلس على السرير -سرير الملك- وحكم الديار المصرية، في هذا الوقت بالذات حيث يعلن الناس عن أفراحهم بالمآكل والمطاعم والزغردة والحفلات! عكس هذا يوسف بـلا إله إلا الله، فقد كان بعيداً عنه أهله أربعين سنة أصابه فيها نكبة السجن سبع سنوات وغير ذلك، فلما جمع الله شمله وخروا له ساجدين استحى من الله، والمفروض بحسب عادة البشر أن اجتماع الشمل يوجب المآكل والمطاعم والأفراح، ولكنه قال: رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [يوسف:101]، والصالحون هم الذين أدوا حقوق الله وافية غير منقوصة، وأدوا حقوق العباد كذلك بلا نقصان، هؤلاء هم الصالحون.

    قال: [وذو النون] والنون هو الحوت، وذو النون: صاحب الحوت [قال: أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:87]، هذا يونس بن متى عليه السلام، لما ملّ الدعوة في قريته وما استجابوا له وضحكوا منه، خرج وتركهم، وكان هذا في مدينة نينوى.

    فلما خرج يريد أن يسافر إلى بلاد أخرى وجد سفينة تريد أن تقلع في الميناء، فلما ركب قال ربان السفينة إن شحنة السفينة عظيمة ولا تستطيع أن تمشي إلا أن تُنزل بعض الركاب أو يهلك الجميع، فقالوا: ما لنا إلا القرعة، فاقترعوا فوقعت القرعة على الهارب يونس بن متى، فما كان إلا أن أخذوه ورموا به في البحر، فأمر الله تعالى الحوت أن يلتقمه، فدخل في بطنه في ظلمات ثلاث: ظلمة البحر، وظلمة الحوت، وظلمة الليل.

    فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:87]، فاستجاب الله له، ولفظه الحوت إلى شاطئ البحر، وأنبت الله عليه شجرة اليقطين، وكانت تأتيه وعلة من بعيد فتنزل عنده ليرضعها حتى شفي ورجع إلى بلاده فآمنوا به كلهم، وما آمنت أمة كلها إلا قوم يونس، وهذه دعوة ما دعا بها مؤمن صادق إلا استجاب الله له: لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:87]، كررها وابك في ظلمات الليل عسى الله أن يفرج ما بك فقراً أو هماً أو عذاباً أو قل ما شئت، بهذا أرشدنا الرسول صلى الله عليه وسلم.

    وقال الحبيب صلى الله عليه وسلم: ( لا تفضلوني على يونس بن متى )، أي: بهذا النقص الذي حصل منه إياكم أن تفضلوني عليه [وموسى] قال متوسلاً: [ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [القصص:16]] توسل إلى الله بقوله: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي بقتله القبطي غير عمد فَاغْفِرْ لِي ، وقال: وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ [الدخان:20]، وهو يواجه فرعون وقومه [وإبراهيم وإسماعيل قالا: رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة:127]، وآدم وحواء قالا: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف:23]]، هذه هي الوسائل أما من يأتي إلى عبد القادر ، أو إلى رسول الله، أو إلى فاطمة أو إلى سيدي مبروك، أو إلى رجال البلاد .. فكل هذه جاهلية عمياء وضلال لا حد له، فالتوسل إلى الله بالضراعة والدعاء والانطراح بين يديه.

    معاشر المستمعين! حسبنا ما علمنا، والله نسأل أن يثبتنا على الحق، وتوسلوا إلى ربكم بجلوسكم هذا، فإذا رجعت إلى البيت فقل: يا ربّ! إني كنت جالساً في الحلقة الفلانية ابتغاء مرضاتك وطلب العلم لأجلك ففرج ما بي، فيفرج الله ما بك إن شاء الله.

    هذا والله تعالى أسأل أن يجمعنا وإياكم على الخير والهدى، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3052337160

    عدد مرات الحفظ

    740043100