إسلام ويب

كتاب التوحيد [8]للشيخ : عبد الرحيم السلمي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الشرك كما يقع بالعمل والاعتقاد يقع كذلك بالألفاظ، وعامة شرك الألفاظ تعتبر من الشرك الأصغر، وهو أنواع كثيرة يدخل فيها الحلف بغير الله، والتشريك بين الله وخلقه في الألفاظ، وإضافة الأشياء إلى غير الله، وعدم تعظيم الله تعالى في الدعاء ونحو ذلك. ومنه الاستهزاء بالله وآياته ورسوله، وهذا من الشرك الأكبر عياذاً بالله.

    1.   

    تعظيم قول اللسان وخطره

    بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين، أما بعد:

    فهذا هو الدرس الأخير الذي به نختم كتاب التوحيد للشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى.

    وهذا الدرس -إن شاء الله- سيكون محوره حول شرك الألفاظ، وقبل أن نستعرض الأبواب الموجودة في شرك الألفاظ أحب أن أنبه إلى مجموعة من القواعد المتعلقة بشرك الألفاظ، وقبل أن نبدأ بهذه القواعد أحب أن أمهد بقضية مهمة جداً، وهي قضية تعظيم قول اللسان وخطره.

    فنحن نعلم أن الإنسان يحاسب على ثلاث جوارح، أولاً: القلب، ثانياً: جوارحه الظاهرة، ثالثاً: قول اللسان، يقول الله عز وجل: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء:36] ويقول الله عز وجل: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18] فكل كلمة يتكلم بها الإنسان هو مسئول عنها يوم القيامة.

    وجاء في حديث معاذ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أخبر بخطر اللسان قال: وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: (ثكلتك أمك يا معاذ ! وهل يكب الناس على وجوههم -أو قال: على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم) فاللسان خطره عظيم، وكثير من الناس يتساهل في كلام اللسان وهذا خطأ، فالنكاح واستحلال الفروج يكون باللسان، والطلاق يكون باللسان، والكفر يكون باللسان، والإسلام يكون باللسان، فالإنسان يقول: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) فيدخل في الإسلام، ولو لم يقلها -حتى ولو كان مصدقاً بقلبه- لما دخل في الإسلام، والكفر يكون باللسان أيضاً، مثل الاستهزاء بالله أو برسله أو بآياته أو نحو ذلك، فهذا كله من الكفر ويكون باللسان، فاللسان شأنه شأن بقية الجوارح يحاسب عليه الإنسان استقلالاً.

    ونقرأ أحياناً بعض الكلمات التي قد يتساهل بعض الناس فيها، فيستغرب الإنسان من اعتبارها من الشرك مع أنها أصبحت عادة كثيرٍ من الناس مع الأسف الشديد.

    ونقول: نعم هذه من الشرك، وسيحاسب الإنسان عليها حتى ولو اتخذها بعض الناس عادة، وأصبحت أمراً مألوفاً في كلامه وخطابه.

    إذاً: لا بد من أن يضبط المرء كلامه كما يضبط جوارحه وكما يضبط أعمال قلبه، فكل هذه الجوارح لا بد للإنسان من أن يضبطها بكلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    قواعد عامة في دراسة شرك الألفاظ

    وهناك مجموعة من القواعد سأشير إليها في محور شرك الألفاظ:

    القاعدة الأولى: تعتبر عامة شرك الألفاظ من الشرك الأصغر؛ لأنه ليس فيه عبادة تصرف لغير الله عز وجل، إلا الدعاء والاستغاثة وما يتبع ذلك من العبادات.

    أما الشرك الذي ستأتي الإشارة إليه، مثل قوله: لولا الله وفلان، وما شاء الله وشئت، ومثل التعبيد بغير الله، كعبد الكعبة وعبد الحسين ونحو ذلك، فكل ذلك لا يصل إلى الشرك الأكبر؛ إذ ليس في ذلك عبادة تصرف لغير الله عز وجل، فهي من جنس الشرك الأصغر، إلا الدعاء بضوابطه التي سبق أن أشرنا إليها، وكذلك الاستغاثة والاستعانة والاستعاذة، فهذه كلها جنس واحد تدخل في عموم الدعاء، فتكون شركاً أكبر بالضوابط التي سبق أن أشرنا إليها.

    القاعدة الثانية: أن شرك الألفاظ أنواع، وقد حاولت أن أحصر الأنواع الموجودة في كتاب التوحيد في أربعة أنواع.

    النوع الأول: الحلف بغير الله، والنوع الثاني: التشريك بين الله وخلقه، والنوع الثالث: إضافة الأشياء إلى غير الله، والنوع الرابع: عدم تعظيم الله سبحانه وتعالى، فهذه الأنواع الأربعة تجتمع حولها جميع الألفاظ التي ذكرها الشيخ في كتاب التوحيد من الألفاظ الشركية، ولهذا سيأتي معنا عند الحديث التفصيلي أمثلة، وسنرد كل مثالٍ من هذه الأمثلة إلى واحد من هذه الأنواع الأربعة، فإما أن يكون حلفاً بغير الله، وإما أن يكون تشريكاً في اللفظ بين الله وبين خلقه، سواءٌ أكان بالواو أم بالتعبيد أم بغيرهما كما سيأتي معنا، وإما أن يكون إضافة أسباب وأشياء إلى غير الله سبحانه وتعالى، وإما أن يكون عدم تعظيمٍ لله سبحانه وتعالى، وعدم معرفة لقدره ومكانته سبحانه وتعالى.

    القاعدة الثالثة: أن الألفاظ الشركية التي ذكرها الشيخ تنقسم إلى قسمين: قسم يمكن اعتباره شركاً بدون النظر إلى قصد قائله، مثل الحلف بغير الله، والاستهزاء بكلام الله أو بكلام رسوله صلى الله عليه وسلم أو نحو هذا.

    وقسم يفتقر إلى معرفة قصد صاحبه، مثل إضافة بعض الأشياء إلى غير الله عز وجل بـ(لولا) أو (لو) أو نحو ذلك، فهذه يُحتاج إلى أن نعرف ما يقصد صاحبها، فهل يقصد تعظيم السبب أم لا؟ وستأتي الإشارة إلى ذلك عند الكلام المفصل.

    القاعدة الرابعة: أن الألفاظ الشركية التي ذكرها الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تدخل في الشرك إذا قالها على سبيل التعظيم، أما من تعود على قولها من غير قصد التعظيم فإن بعضها يكون من جنس يمين اللغو، وهو منهي عنه، ويجب أن ينهى عنه.

    ويمكن أن نختم هذه القواعد بالإشارة إلى أهمية معرفة أن قول اللسان منه ما يكون كفراً أصغر، ومنه ما يكون كفراً أكبر، كما أن أعمال الجوارح منها ما يكون كفراً أكبر، ومنها ما يكون كفراً أصغر، وكذلك أعمال القلوب منها ما يكون كفراً أكبر، ومنها ما يكون كفراً أصغر بحسب نوع القول أو الفعل أو الإرادة الشركية أو الكفرية، ولكن القاعدة الأولى أردت بها الألفاظ الشركية التي ذكرها الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في هذا الكتاب كما سيأتي تفصيله بإذن الله تعالى.

    1.   

    ذكر ما يقع به الشرك من الألفاظ

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب قول الله تعالى: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:22].

    قال ابن عباس في الآية: الأنداد هو الشرك، أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن تقول: والله وحياتِكِ يا فلانة، وحياتي، وتقول: لولا كليبةُ هذا لَأَتانا اللصوص، ولولا البط في الدار لأتانا اللصوص، وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان، لا تجعل فيها فلاناً، هذا كله به شرك، رواه ابن أبي حاتم .

    وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من حلف بغير الله فقد كفر، أو أشرك) رواه الترمذي وحسنه وصححه الحاكم ، وقال ابن مسعود : لأن أحلفَ بالله كاذباً أحب إليَّ من أن أحلف بغيره صادقاً.

    وعن حذيفة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء فلان) رواه أبو داود بسند صحيح، وجاء عن إبراهيم النخعي أنه يكره أن يقول الرجل: أعوذ بالله وبك، ويُجوِّز أن يقول: بالله ثم بك، قال: ويقول: لولا الله ثم فلان، ولا يقول: لولا الله وفلان].

    نلحظ أن ابن عباس رضي الله عنها فسر آية البقرة: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:22] بأن المراد بها الألفاظ الشركية، وهذا التفسير ليس المراد به الألفاظ الشركية فقط، وإنما هذا من باب التفسير بالنوع، فالسلف رضوان الله عليهم كانوا يفسرون بعض الآيات بذكر نوعٍ من أنواع المفسر، ومثال ذلك قول الله عز وجل: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران:103] يقول بعض المفسرين في قوله: (بحبل الله): هو القرآن، وبعضهم قال: هو الإسلام، وبعضهم قال: هو الرسول صلى الله عليه وسلم، وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وبعضهم قال: هو اتباع هذا الدين، وهكذا يفسرون في بعض الأحيان المعنى المجمل بذكر نوع من أنواعه، وهو يدل على غيره، فهذا يسمى التفسير بالمثال.

    فالألفاظ الشركية التي أشار إليها ابن عباس رضي الله عنه هي جزءٌ من قوله تعالى: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:22]، وهذا يدل على أن اللسان يقع منه الشرك كما يقع من الجوارح ومن القلب، وهذا فيه الرد على المرجئة الذين حصروا الشرك في القلب لحصرهم الإيمان والتوحيد في القلب فقط.

    ونلحظ أن الأمثلة التي ذكرها ابن عباس رضي الله عنه داخلة في الأنواع الأربعة السابقة التي أشرنا إليها، فقوله: (والله وحياتِك يا فلان، وحياتي) داخل في الحلف بغير الله، وسيأتي له باب مستقل، وقوله: (لولا كليبة هذا لأتانا اللصوص، ولولا البط في الدار لأتانا اللصوص) يدخل في إضافة الأشياء إلى غير الله عز وجل.

    فهو هنا أضاف النجاة من اللصوص إلى الكليبة، وهي سبب، وأضاف النجاة والابتعاد من اللصوص إلى البط، والبط سبب؛ لأنه إذا دخل اللصوص يرفع صوته ويصيح وينبه أهل الدار.

    ولا يصح أن نطلق على هذه الألفاظ شركٌ مطلقٌ، بل لا بد من التفصيل، فإن كان صاحبها يريد بها السببية المجردة -وهي سبب في حقيقة- فإنها حينئذٍ لا تكون من الشرك، وأما إذا أراد الاعتماد على السبب وتعظيم هذا السبب وبيان أهميته ومكانته فهي داخلة في الشرك الأصغر.

    إذاً: لا بد من التفصيل في مثل هذه المضافات، فإذا أضاف الإنسان شيئاً من الأشياء إلى غير الله عز وجل فإنه ينظر: هل هو سبب في حصول هذا الشيء أم ليس بسبب؟

    فإن كان سبباً فإنه ينظر إلى قصد قائله فهل هو معظم لهذا السبب أم ليس بمعظم لهذا السبب، فإن كان ليس بمعظم لهذا السبب فلا بأس، وإن كان معظماً له فهو داخل في الشرك الأصغر، وإن كان ما أسند إليه ليس بسببٍ شرعاً ولا قدراً فهو داخل في الشرك الأصغر، وهو يدخل فيما سبق التنبيه عليه في باب الرقية والتبرك والتمائم ونحو ذلك.

    وقوله: (وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت) داخل في التشريك بين الله وخلقه بلفظ الواو، والواجب أن يقول: (ما شاء الله ثم شئت) وهذه أيضاً لا يصح أن يطلق عليها أنها من الشرك الأصغر مطلقاً، إلا إذا أضيف إليها شيء من التعظيم لهذا المقرون بلفظ الجلالة، أما إذا لم يكن له مراد إلا مجرد الحكاية اللفظية فإنه لا يدخل في عموم الشرك الأصغر، وإنما يكون من الألفاظ المنهي عنها والمكروهة، ولا من الألفاظ المحرمة والداخلة في الشرك الأصغر.

    فقول الرجل: (لولا الله وفلان) دالٌ على التشريك في اللفظ، يقول ابن عباس : (لا تجعل فيها فلاناً، هذا كله به شرك) وهذا الأثر المروي عن ابن عباس إسناده حسن إلى ابن عباس ، وهو محتج به.

    وأما قوله: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك) فإسناده صحيح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو دليل على أن الحلف بغير الله والإقسام بغير الله عز وجل شرك أصغر؛ لأنه ليس فيه عبادة مصروفة لغير الله، فالحلف ليس فيه عبادة تصرف لغير الله إلا إذا عظم المحلوف كتعظيم الله سبحانه وتعالى، كأن يحلف -مثلاً- بأحد الآلهة التي تعبد من دون الله عز وجل وهو معظم لها كتعظيم الله، فهذا من الشرك الأكبر، وأما إذا لم يكن فيه تعظيم مثل تعظيم الله عز وجل، فهو داخل في الشرك الأصغر، ويكره أن يقول الرجل: أعوذ بالله وبك، ولكن يقول: أعوذ بالله ثم بك، مع أن الاستعاذة هنا قد تكون استعاذة فيما يقدر عليه المخلوق، قال: [ويقول: لولا الله ثم فلان، ولا يقول: لولا الله وفلان].

    الشرك بالحلف بغير الله وقول ما شاء الله وشئت

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب قول: ما شاء الله وشئت.

    عن قتيلة : (أن يهودياً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنكم تشركون، تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم إذا أردوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة، وأن يقولوا: ما شاء الله ثم شئت) رواه النسائي وصححه].

    هذا الحديث إسناده صحيح رواه أحمد أيضاً والحاكم وصححه ووافقه الذهبي ، ووجه الدلالة فيه هو بيان نوعين من أنواع شرك الألفاظ:

    النوع الأول: هو التشريك بين الله وخلقه في اللفظ بحرف الواو، كقوله: ما شاء الله وشئت، وفيه تشريك من نوع آخر، وهو إضافة السببية إلى العبد، وقد تكون على سبيل التعظيم في بعض الأحيان، ولهذا نهى الشرع عن استخدام هذه العبارة.

    والنوع الثاني: الحلف بغير الله، كقوله: والكعبة، فالكعبة مع أنها معظمة لا يجوز الحلف بها، وإنما يكون الحلف بالله سبحانه وتعالى، ولهذا قال: [فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة وأن يقولوا: ما شاء ثم شئت].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وله -أيضاً- عن ابن عباس أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ما شاء الله وشئت، فقال: (أجعلتني لله نداً؟! بل ما شاء الله وحده).

    هذا الحديث رواه النسائي بإسناد لا بأس به، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أجعلتني لله نداً) يدل على أن الشرك يدخل في الألفاظ، فهذا الرجل قال: ما شاء الله وشئت، فقال صلى الله عليه وسلم: (أجعلتني لله نداً؟!) يعني: أجعلت مشيئتي نداً لمشيئة الله سبحانه وتعالى؛ لأنه قال: (ما شاء الله) وكان الواجب أن يقول: (ثم شئت)، أو ما شاء الله وحده، فقوله: (بل ما شاء الله وحده) أفضل من قول: (ما شاء الله ثم شئت)، ولكن قوله: (ما شاء الله ثم شئت) مباح؛ لأنه ليس فيه تشريك، فالمذموم هو (ما شاء الله وشئت)، فكيف بالذي يقول:

    ما شئت لا ما شاءت الأقدار فاحكم فأنت الواحد القهار

    يقول هذا أحد الباطنية لزعيمٍ من زعمائهم، وهؤلاء أكفر من اليهود والنصارى كما قال علماء السنة.

    قال: [ولـابن ماجة عن الطفيل أخي عائشة لأمها قال: (رأيتُ كأني أتيتُ على نفر من اليهود، قلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: عزير ابن الله، قالوا: وأنتم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد، ثم مررت بنفر من النصارى، فقلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله، قالوا: وأنتم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد، فلما أصبحت أخبرت بها من أخبرت، ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته: قال: هل أخبرت بها أحداً، قلت: نعم. قال: فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإن طفيلاً رأى رؤيا أخبر بها من أخبر منكم، وإنكم قلتم كلمةً كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها، فلا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله وحده)].

    هذا الحديث مثل الأحاديث السابقة، فإن لفظة (ما شاء الله وشاء فلان) -سواءٌ أكان المقصود النبي صلى الله عليه وسلم أم غيره- مذمومة من جهتين:

    الجهة الأولى: أنها تشريك مع الله سبحانه وتعالى بلفظ الواو.

    الجهة الثانية: أن فيها إثبات مشيئة الإنسان وإرادته في أمر من الأمور، والواجب أن يُفرَد الله سبحانه وتعالى بها فيقال: ما شاء الله وحده.

    الشرك في سب الدهر

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب من سب الدهر فقد آذى الله، وقول الله تعالى: وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ [الجاثية:24].

    وفي الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر أقلب الليل والنهار) وفي رواية: (لا تسبوا الدهر؛ فإن الله هو الدهر)].

    المقصود بالدهر: الزمان والأوقات والأيام والليالي، فسب الدهر لا يجوز، والسبب في ذلك أن الدهر ليس له من الأمر شيء، ولا يعمل شيئاً بذاته، وإنما الذي يفعل هو الله سبحانه وتعالى، وليس الدهر سبباً في تدبير شيء، فهذا أمر.

    والأمر الثاني: أن الله عز وجل بين كونه سباً مذموماً، فقال: (وأنا الدهر أقلب الليل والنهار)، فمن سب الدهر وهو غير مالكٍ لشيء، فإن السب يعود إلى الله عز وجل المالك الذي دبر، فهو مذموم من ناحيتين.

    الناحية الأولى: أن فيه نسبة لشيء من التصريف للدهر.

    والناحية الثانية: أن هذا فيه سباً لله سبحانه وتعالى؛ لأن الدهر -في الحقيقة- ليس له أي تأثير، فيعود السب إلى المؤثر الذي سُبَّ الدَّهرُ من أجل تأثيره.

    وسب الدهر داخل في نوعين من أنواع الشرك:

    النوع الأول: التشريك بين الله وخلقه، ووجه التشريك في سب الدهر أن من سب الدهر فلا يمكن أن يسبه اعتباطاً، وإنما يسبه لأنه يعتقد أن له تأثيراً في شيء من الحوادث التي آذته والتي أزعجته.

    النوع الثاني: عدم تعظيم الله سبحانه وتعالى؛ لأن سب الدهر هو سبٌ لله سبحانه وتعالى، يقول الله عز وجل: وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ [الجاثية:24] وهذا فيه نفي لوجود الله عز وجل وتأثيره، ولهذا كانوا يقولون: ما هي إلا أرحام تدفع، وأرض تبلع وما يهلكنا إلا الدهر، ولهذا كان يقول شاعرهم:

    أموتٌ ثم بعثٌ ثم حشرٌ حديث خرافةٍ يا أم عمرٍو

    يعني: لا يمكن أن يحصل شيءٌ من هذه الأشياء، ولهذا سموا دَهرية، قال تعالى: وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ [الجاثية:24] فذمهم الله سبحانه وتعالى.

    وجاء في الحديث الصحيح المروي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر)، فلا يؤخذ من قوله: (وأنا الدهر) ومن قوله: (فإن الله هو الدهر) أن الله عز وجل اسمه الدهر، فليس من أسماء الله سبحانه وتعالى الدهر، ومن ظن أن من أسماء الله الدهر فقد أخطأ.

    وممن استدل بهذا الحديث على أن من أسماء الله الدهر ابن حزم الأندلسي رحمه الله.

    وقد أخطأ في ذلك، والسبب يعود إلى أمرين.

    الأمر الأول: أن الدهر ليس فيه مدح وليس فيه ثناء، وإنما هو الزمان والوقت، والزمان والوقت ليس فيه مدحٌ ولا ثناء، والله عز وجل وصف أسماءه بأنها حسنى، إذ يقول عز وجل: وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف:180]، والحسنى على وزن (فعلى) يعني: التي بلغت الغاية في الحسن والجمال والكمال، والدهر ليس كذلك.

    والأمر الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم بين معنى قوله: (وأنا الدهر)، فإنه قال: (وأنا الدهر أقلب الليل والنهار)، فالذي يأخذ من قوله: (وأنا الدهر) أن اسم الله هو الدهر يلزمه أن يعرب (وأنا الدهر) على أنها جملة تامة ليس لها أي ارتباط بالجملة التي تليها، وهي قوله: (أقلب الليل والنهار)، وهذا فهمٌ خاطئ للنص، فإن قوله: (أقلب) خبر ثانٍ، والمعنى: أنا المدبر لأمر الدهر، وليس المقصود أن اسمه الدهر.

    الشرك في التسمي بقاضي القضاة وملك الملوك ونحو ذلك

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب التسمي بقاضي القضاة ونحوه.

    في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن أخنع اسم عند الله رجل تسمى ملك الأملاك، لا مالك إلا الله)، قال سفيان : مثل شاهنشاه، وفي رواية: (أغيظُ رجل على الله يوم القيامة وأخبثه) قوله: (أخنع) يعني: أوضع].

    هذا الباب فيه نهي عن التسمي بقاضي القضاة وما شاكله من الألفاظ، مثل (ملك الأملاك)، و(زعيم الزعماء) وهكذا، وقول سفيان: (مثل شاهنشاه) شاهنشاه لفظة فارسية يقصد بها ملك الأملاك، أي: الملك المطلق الكبير الذي يشرف على الملوك جميعاً، ووجه النهي عن هذه اللفظة، وعلاقتها بشرك الألفاظ هو أن فيها تشريكاً بين الله وخلقه، فمن يسمي ملكاً من الملوك قاضي القضاة فمعنى ذلك أن هذا الملك مشارك لله عز وجل في القضاء المطلق، والله عز وجل وحده هو الذي يقضي بين العباد، ولهذا سيأتي معنا النهي عن التسمي بالحكم؛ لأنه اسم من أسماء الله سبحانه وتعالى، ومعناه أيضاً خاصٌ بالله سبحانه وتعالى.

    والحديث في الصحيح، والمنهي عنه نصاً هو ملك الأملاك، فقاس عليها الشيخ محمد بن عبد الوهاب (قاضي القضاة)، وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم لم ينَه عن هذه اللفظة خاصة، ولهذا قال سفيان : (مثل شاهنشاه) ويقاس عليها غيرها من هذه الألفاظ.

    وقاضي القضاة لفظة كانت تطلق عند علماء المشرق على القاضي الذي يكون مسئولاً عن جميع القضاة، وصارت تردد في كتب التراجم بشكل كبير، ولكن علماء المغاربة وعلماء الأندلس بوجه خاص كانوا يطلقون على القاضي الذي يشرف على القضاة جميعاً لفظاً أحسن من هذا، فقد كانوا يسمونه قاضي الجماعة، وهذا لفظ أحسن وأبعد عن التشريك في موضوع القضاء.

    فهذا النوع داخل في نوع من الأنواع الأربعة، وهو التشريك بين الله وخلقه؛ لأن التشريك بين الله وخلقه قد يكون في التعظيم، أي: قد يكون اللفظ دالاً على التعظيم، وقد يكون التشريك في اللفظ بالواو مثلاً، وقد يكون في التسمية، وستأتي أمثله لهذا كله.

    الشرك في الأسماء

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب احترام أسماء الله تعالى وتغيير الاسم لأجل ذلك.

    عن أبي شريح أنه كان يكنى أبا الحكم ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله هو الحكم وإليه الحكم، فقال: إن قومي إذا اختلفوا في شيءٍ أتوني فحكمت بينهم فرضي كلا الفريقين، فقال: ما أحسن هذا. فمالك من الولد؟ قلت: شريح ومسلم وعبد الله ، قال: فمن أكبرهم؟ قلت: شريح ، قال: فأنت أبو شريح) رواه أبو داود وغيره].

    وإسناد هذا الحديث صحيح، وفيه دليل على تغيير الكنى والأسماء إذا كانت محرمة، وفيه النهي عن التسمي بشيءٍ من أسماء الله سبحانه وتعالى الخاصة، فلو أن إنساناً سمى نفسه الرحمن أو الله أو نحو ذلك فذلك لا يجوز أبداً، فقوله: (إن الله هو الحكم وإليه الحكم) تعليل لنهيه عن التكني بأبي الحكم، وكنوه بذلك لا لأن له ولداً اسمه الحكم، وإنما لكونه كان يحكم بين قومه، وقوله صلى الله عليه وسلم: (ما أحسن هذا) يعني: ما أحسن أن يصلح الإنسان بين قومه، وإلا فإن الحكم لا بد من أن يكون بالشريعة.

    فليس قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما أحسن هذا) إقراراً لما كان يحكم به من الأمور الشركية لا، وإنما المقصود بالحكم هنا: الصلح، يعني: أن يجتهد في الصلح بينهم، ولو أن إنساناً وقال: لا، فالحديث صريح في أن النبي صلى الله عليه وسلم أقره على حكمه السابق، فإننا نقول له: هذا الحديث محتمل، والقاعدة أن أي حديث أو آية محتملة ترد إلى المحكمة، وعندنا عشرات الآيات محكمة في أن الحكم لله، حيث يقول الله عز وجل: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [يوسف:40]، ويقول سبحانه وتعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44]، ويقول تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ [النساء:60] ونحو ذلك من الآيات المحكمة الظاهرة في أن الحكم يجب أن يكون لله عز وجل وبما أنزل الله سبحانه وتعالى، ولا يكون بالأهواء والشهوات.

    الشرك بالهزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب منهج من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول صلى الله عليه وسلم فهو كافر، وقول الله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ [التوبة:65]، وعن ابن عمر ومحمد بن كعب وزيد بن أسلم وقتادة -دخل حديث بعضهم في بعض- أنه قال رجل في غزوة تبوك: ما رأينا مثل قراَّئنا هؤلاء أرغب بطوناً ولا أكذب ألسناً ولا أجبن عند اللقاء، يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه القراء، فقال له عوف بن مالك : كذبت، ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذهب عوف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبره فوجد القرآن قد سبقه، فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ارتحل وركب ناقته، فقال: يا رسول الله! إنما كنا نخوض ونتحدث حديث الركب نقطع به عنا الطريق، فقال ابن عمر : كأني أنظر إليه متعلقاً بنسعة ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن الحجارة تنكب رجليه وهو يقول: إنما كنا نخوض ونلعب، فيقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون) ما يلتفت إليه وما يزيده عليه].

    هذا الباب يدخل في النوع الرابع من أنواع الألفاظ الشركية، وهو عدم تعظيم الله سبحانه وتعالى وعدم إجلاله سبحانه وتعالى، فإن تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم وإجلاله من تعظيم الله سبحانه وتعالى، فمن هزل بشيء من القرآن أو من السنة أو بالرسول صلى الله عليه وسلم أو بالله أو بملائكته أو نحو ذلك فلا شك في أنه كافر كفراً مخرجاً من الملة، والسب أعظم، فإذا كان الاستهزاء مكفراً يكفر به الإنسان، ويكون خارجاً عن دائرة الإسلام؛ لأنه استهزاء واحتقار فالسب أعظم وأشد، فمن سب الله أو سب القرآن أو سب السنة أو سب الرسول صلى الله عليه وسلم أو سب جميع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم دون استثناء فلا شك في أنه كافر كفراً مخرجاً عن دائرة الإسلام، وهو عمل مناقض لأصول الإيمان، وآية التوبة صريحة في هذا الموضوع.

    والقصة التي هي سبب نزول هذه الآية صريحة في هذا الموضوع، فيؤخذ من هذا تعظيم حق الله عز وجل على الناس، وتعظيم حق الرسول صلى الله عليه وسلم، وتعظيم أخبار القرآن والسنة، وأحكام القرآن والسنة، ونحن في زمن تجرأ فيه كثيرون على الله عز وجل، وتجرءوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بشكل ليس له مثيل مع الأسف في كثير من البلاد، ونحن نسمع عن كثير من الكتاب الآن وعن زمرة من الزمر الخبيثة التي ظهرت في العالم الإسلامي، قد اتخذت من الأدب الذي هو في الحقيقة ليس أدباً، وإنما هو قلة أدب، اتخذت وسيلة من الوسائل للطعن في الله أو في أحكامه أو في الرسالات أو في الأديان أو نحو ذلك، وأصبحوا يعتبرون الأديب المتفوق والمتميز والمبدع -كما يسمونه- والمتألق هو الذي يكون أكثر تهجماً على المقدسات، وأكثر استهتاراً بها.

    وقد صدرت عدة كتب من هذا القبيل، مثل كتاب (النص المؤسس ومجتمعه)، ومثل كتاب (وليمة لأعشاب البحر) للكاتب السوري حيدر حيدر ، ومثل الرواية المشهورة (أطياف الأزقة المهجورة) لـتركي الحمد ، فكل هؤلاء كفار، وكلهم زنادقة وكلهم ليسوا من المسلمين؛ لأنه لا يمكن لأي إنسان مسلم أن يسب الله أو يستهزئ به أو يسب الرسول ويستهزئ به، فالكاتب الأخير -وهو تركي الحمد - في (أطياف الأزقة المهجورة) ذكر سباً واستحقاراً للأديان ولله سبحانه وتعالى ولرسوله ولملائكته وللأنبياء بشكل عجيب جداً، فكان كثير من الناس ينتقد تكفير هذا الرجل ويقول: إن تكفيره فيه تشدد، ويقول: السبب في هذا هو أن الأدب والكتابة الأدبية لا يقصد بها الشيء ذاته، وإنما هو خيال وطيف شعري أو أدبي ليس له أي ارتباط بموضوع الواقع ونفس الكاتب، ويقول: لا بد من أن تفصل بين الكتابة الأدبية وبين الكاتب، فالكاتب الأدبي -خاصة كاتب الرواية- قد يتخيل أشخاصاً لا وجود لهم في الواقع، وقد يتكلم على ألسنتهم بكلام لا وجود له في الواقع، فكيف تكفره بناءً على هذا؟! وأنتم تنظرون إلى قصة كليلة ودمنة، وهي كلام على ألسنة الدواب مترجم عن الأدب الفارسي، ونحن نجزم بأن الدواب لا تتكلم بهذا الكلام ولم تتكلم به، فهذه هي طبيعة الأدب، ويدافعون عن هذا الرجل بهذا الكلام، ولكنه صرح بما لا يحتاج إلى أن يناقش فيه، فقد قال: إن المقصود بهذه -يعني الشخصية الموجودة في روايته- هو نفسه، فكل الكلام الموجود في هذه الرواية هو المعني بها، فالسب والاستهزاء بالأديان هو المعني به وهو المقصود، وهذا لا شك في أنه ردة وكفر بالله رب العالمين.

    فإذا كان سب الله وسب الرسول ليس كفراً فماذا يكون الكفر؟ إنه لا يمكن أن يكون هناك كفر بعد هذا، وأنا لا أشك في كون هذا الرجل -إذا لم يرجع وإلى الله عز وجل ويسلم من جديد- كافراً بالله رب العالمين، وأنه يجب أن يطبق عليه حد المرتد ويستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وهذا هو الواجب في الدنيا، وأما في الآخرة فإنه إن تاب فأمره إلى الله عز وجل، وأما إذا مات على عقيدته هذه ولم يتب فلا شك في أنه من أهل النار، أما إذا تاب فأمره إلى الله سبحانه وتعالى، وهو الذي يقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات سبحانه وتعالى.

    الشرك بتعبيد الأسماء لغير الله تعالى

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب قول الله تعالى: فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا [الأعراف:190] قال ابن حزم : اتفقوا على تحريم كل اسم معبدٍ لغير الله، كـعبد عمرو، وعبد الكعبة وما أشبه ذلك، حاشى عبد المطلب، وعن ابن عباس في الآية قال: لما تغشاها آدم حملت فأتاهما إبليس فقال: إني صاحبكما الذي أخرجتكما من الجنة، لتُطيعُنَّني أو لأجعلن له قَرَنْي أيلٍ، فيخرج من بطنك فيشقه، ولأفعلن ولأفعلن -يخوفهما-، سِّمياه عبد الحارث، فأبيا أن يطيعاه فخرج ميتاً، ثم حملت فأتاهما فقال مثل قوله وأبيا أن يطيعاه، فخرج ميتاً، ثم حملت فأتاهما فذكر لهما، فأدركهما حب الولد فسمِّياه عبد الحارث، فذلك قوله تعالى: جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا [الأعراف:190]، رواه ابن أبي حاتم ، وله بسند صحيح عن قتادة قال: شركاء في طاعته، ولم يكن في عبادته، وله بسند صحيح عن مجاهد في قوله: لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا [الأعراف:189] قال: أشفقا أن لا يكون إنساناً، وذكر معناه عن الحسن وسعيد وغيرهما].

    هذا الباب عقده الشيخ محمد عبد الوهاب في مسألة التعبيد لغير الله سبحانه وتعالى في الأسماء، فالأصل في التعبيد هو أن يعبد لأسماء الله سبحانه وتعالى، وأما التعبيد لغير أسماء الله عز وجل فلا يجوز بإجماع العلماء، كما حكى ذلك ابن حزم رحمه الله, والإجماع حجة، والدليل على حجية الإجماع هو قول الله عز وجل: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [النساء:115]، فالإجماع حجة.

    وأما اسم عبد المطلب فاختلفوا فيه، وانقسموا بذلك إلى فريقين، ففريق قالوا: لا يجوز، وهذا هو الصواب، لدخوله في التعبيد لغير الله.

    وفريق قالوا: بل يجوز، واستدلوا على ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب) فرد عليهم الأولون بأن هذا ليس المقصود منه الإباحة، وإنما هو حكاية للواقع، لأن اسمه عبد المطلب فعلاً، فكونه يحكي أن اسمه عبد المطلب ليس فيه إباحة ذلك.

    فالصواب هو عدم جواز التسمي بعبد المطلب، أما ما يتعلق بالآية وسبب نزولها فالصحيح أن الآية معناها عام.

    وقوله تعالى: فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا [الأعراف:190] يعني الذكر والأنثى، وليس المقصود به آدم وحواء، وقوله: (آتاهما) الضمير هنا عائدٌ على الذكر والأنثى من بني آدم، (جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا)، وذلك يكون عن طريق نسبة هذه النعمة إلى غير الله سبحانه وتعالى، أو أنهما ربياه على الشرك أو نحو ذلك مما ذكره المفسرون.

    وأما تفسير هذه الآية بالقصة الواردة هنا في آدم وحواء فلا يصح؛ لأن القصة غير صحيحة لعدة أمور.

    أولاً: أن كل الآثار الواردة فيها -كما قال ابن كثير - هي من الآثار الإسرائيلية، ولم تثبت بسندٍ صحيح.

    ثانياً: أنه لا يصح تصور ذلك في حق آدم عليه السلام، فهو نبي معصوم من الشرك لا يمكن أن يقع منه الشرك كما تصور هذه الرواية.

    وهناك اعتبارات أخرى يمكن مراجعتها في كتاب (القول المفيد) للشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله.

    الشرك بقول: السلام على الله تعالى

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب لا يقال: السلام على الله.

    في الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كنا إذا كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة قلنا: السلام على الله من عباده، السلام على فلان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تقولوا: السلام على الله؛ فإن الله هو السلام)].

    المقصود بهذا الباب هو النهي عن هذا اللفظ: (السلام على الله)، ووجه النهي عن هذا اللفظ هو أن السلام دعاء بحصول السلام والبركة والراحة والبعد عن المشاكل لمن يدعى له، فلا يصح استعمال ذلك مع الله، فإن الله عز وجل هو السلام، وهو الذي يعطي السلام، فهو سبحانه وتعالى لا يحتاج إلى أن تدعو له بالسلامة من الشرور، فهو سبحانه وتعالى سالم منها، واسمه السلام، وهو معطي السلام، فهذا داخل في النوع الرابع من شرك الألفاظ؛ إذ إن هذا اللفظ فيه عدم تعظيمٍ لله سبحانه وتعالى.

    الشرك بعدم تعظيم الله في سؤال المغفرة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب قول: اللهم اغفر لي إن شئت.

    في الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يقول أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ليعزم المسألة؛ فإن الله لا مكره له) ولـمسلم : (وليِّعَظَّم الرغبة، فإن الله لا يتعاظمه شيءٌ أعطاه).

    هذا الباب فيه النهي عن هذه اللفظة (اللهم اغفر لي إن شئت) وهو النهي عن تعليق الدعاء بهذه الطريقة في قضيةٍ معروفة، وهي المغفرة، ووجه النهي عن اللفظة أنه يفهم منها عدم تعظيم الله عز وجل؛ لأنه يفهم من هذه اللفظة: اللهم اغفر لي إن شئت، وإن شئت ألا تغفر لي فلا تغفر لي، وهذا لا يليق بالعبد.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3046353848

    عدد مرات الحفظ

    735658098