إسلام ويب

رسالة العبودية [1]للشيخ : عبد الرحيم السلمي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • العبادة مفهومها واسع، فهي تتضمن كل عمل يقوم به العبد سواء بقلبه أو بجوارحه وبالعبودية لله سبحانه يحقق المرء لنفسه سعادة الدارين، وينجو من الاختلاط بمعتقدات المذاهب والفرق الضالة.

    1.   

    أهمية العبودية لله سبحانه وتعالى

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فهذا كتاب العبودية لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وموضوع العبودية موضوع في غاية الأهمية، فالعبودية تعتبر أساس التوحيد.

    وتوحيد الله سبحانه وتعالى مبني على ثلاثة أمور: الأمر الأول: العبودية لله سبحانه وتعالى، والأمر الثاني: ربوبية الله سبحانه وتعالى، والأمر الثالث: إثبات أسماء الله سبحانه وتعالى.

    وهذه الثلاثة هي حقيقة التوحيد الذي لا يتم إيمان أحد إلا به.

    والعبودية هي أساس دعوة الرسل، فإن كل رسول يرسله الله سبحانه وتعالى إلى قومه يأمرهم بعبادة الله عز وجل، وينهاهم عن الشرك، وهي وصية الله سبحانه وتعالى لأنبيائه، وللأولين والآخرين، يقول الله عز وجل: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36].

    ومن يقرأ سورة الأعراف يجد أن كل نبي من الأنبياء يأتي إلى قومه يقول لهم: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:59]، ولا يمكن لأحد أن يدخل الجنة إلا إذا كان عابداً لله عز وجل، مفرداً له هذه العبودية لا يجعل معه شريكاً من دونه.

    والعبودية هي توحيد الألوهية الذي هو أساس الدين وأصل الدين، ولا يستقيم إيمان أحد إلا به، والعبودية أيضاً هي التي توصل الإنسان إلى كمالات الإيمان، وإلى المقامات العلا عند الله سبحانه وتعالى، والعبودية يصل الإنسان بها -إذا استقام عليها وهذب نفسه على منهاجها- إلى سعادة الدنيا والآخرة، فإن سعادة الدنيا مرتبطة بعبودية الله عز وجل، وسعادة الآخرة ودخول الجنة والنجاة من النار مرتبط أيضاً بإفراد الله سبحانه وتعالى بالعبادة، ولهذا يقول الله عز وجل: الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28].

    وقد أخبر الله سبحانه وتعالى عن آثار ترك العبودية في الحياة، وأن من أعظمها الشقاء والهم والتعاسة على المستوى الفردي، والهزيمة والضعف والهوان على المستوى الجماعي، فالعبودية حكمة خلق الله عز وجل للإنس والجن، وهي التي من أجلها أنزل الله سبحانه وتعالى آدم من الجنة، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب، وأمر العباد بأوامر، ونهاهم عن نواه، ولهذا فالعبودية هي حقيقة الإسلام، وهي من أهم الموضوعات في العقيدة، وإذا استقامت عبودية الإنسان لله عز وجل فإن دينه سيكون مستقيماً، وإذا انحرف في العبودية فإنه سيكون في غاية الانحراف.

    وسوف يتبين لنا من خلال دراسة هذا الكتاب المختصر في باب العبودية الأهمية الكبرى للعبودية سواءً كان على مستوى العلم والفهم، أو على مستوى العمل والتطبيق، فإن حاجة الإنسان النفسية، وحاجته الاجتماعية، وحاجته العلمية للعبودية حاجة ماسة سنتبينها من خلال هذا الكتاب، وسيتضح لنا أهمية هذا الجانب من جوانب العقيدة من خلال هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.

    والحقيقة أن هذا الكتاب يغطي جانباً مهماً من جوانب العبودية، إلا أنه بطبيعة الحال لا يمكن أن يغطي كل جوانب العبودية، فإن كتب أهل العلم في باب العبودية كثيرة، من أبرزها كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله فهو كتاب متخصص في العبودية، وكذلك كتاب الأصول الثلاثة، وكشف الشبهات للشيخ محمد بن عبد الوهاب .

    وللمصنف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كتب متخصصة في موضوع العبودية تطرق إليها من جوانب متعددة، من ذلك: كتاب التوسل والوسيلة له، وأيضاً الاستغاثة والرد على البكري ، وأيضاً الرد على الأخنائي .

    و البكري والأخنائي هم من دعاة القبورية الذين دعوا إلى عبودية غير الله عز وجل؛ فرد عليهم المؤلف رحمه الله بهذه الكتب.

    ومن الكتب المتعلقة بالعبودية غير هذا الكتاب لـشيخ الإسلام أيضاً كتاب الواسطة بين الحق والخلق، وله أيضاً كتاب اسمه: الجواب الباهر في حكم زيارة المقابر، وهو من أفضل الكتب فيما يتعلق بموضوع العبودية من هذه الزاوية، وهي زاوية الشرك الذي حصل عند كثير من الناس في موضوع التعبد للقبور ونحوها.

    إذاً: موضوع العبودية موضوع شامل وكبير وواسع، وهو نفسه توحيد الألوهية، وله جوانب متعددة، والمذاهب المنحرفة في العبودية مذاهب كثيرة، ولها تأثير كبير في واقع المسلمين اليوم، وسنعرض شيئاً من هذه المذاهب، والمصنف هنا أشار إلى قضايا كثيرة ومتعددة فيما يتعلق في موضوع العبودية، وتحدث عن فرقة من هذه الفرق التي انحرفت في باب العبودية، وهناك فرق أخرى، ومذاهب أخرى انحرفت في موضوع العبودية، لكن المصنف لم يتحدث عنها بشكل مفصل، ولعل السبب هو أن هذا الكتاب هو عبارة عن فتيا ورسالة جاءت كجواب على سؤال، ولهذا سيأتي معنا في البداية أن أحد الأشخاص سأل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن العبادة، وعن شروط العبادة، وعن أركان العبادة، وعن أثر العبادة، فكان هذا الكتاب بأكمله، وهذا يدل على سعة اطلاعه رحمه الله، وعلى سيلان قلمه وذهنه وفكره وحضوره في كل المسائل.

    1.   

    المذاهب المنحرفة في موضوع العبودية

    مذهب العلمانية

    لن نستعجل الحديث فيما يتعلق بحقيقة العبودية وشروطها وأركانها فهذه ستأتي معنا، لكن أحب أن أنبه إلى أن المذاهب المنحرفة في موضوع عبودية الله عز وجل أنواع: النوع الأول: مذهب العلمانية، فإن العلمانية مذهب منحرف في باب العبودية، فإنهم يفهمون العبودية على أنها أمر روحاني يقوم به الشخص في المسجد أو في بيوت العبادة فقط، وأما سائر الحياة فإنه لا صلة للعبودية بها، فالعبودية عند العلمانيين عبودية منحصرة في القضايا الروحانية في الصلة بين العبد وبين ربه، أما السياسة فلا تحكمها العبودية لله، والاقتصاد كذلك، والتربية كذلك، وكل جوانب الحياة الأخرى كذلك، ولهذا يعتبر هذا المذهب مذهباً مخالفاً لأصل الدين وأساسه، وهو توحيد الله عز وجل، وشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وحكم هذا المذهب هو أنه مذهب كفري يخرج صاحبه من الإسلام، وأن صاحبه لم يفهم حقيقة الإسلام الذي هو الاستسلام التام لله عز وجل، والانقياد له بالطاعة، والخلوص من الشرك، وأن هذا الدين جاء شاملاً لكل جوانب حياة الإنسان، وأنه لا يخلو جزء من حياة الإنسان إلا ولله عز وجل حكم ظاهر وواضح فيه، كما قال الله عز وجل: مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام:38]، وكما قال: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا [المائدة:3]، وكما قال: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:162-163]، وكما قال الله عز وجل: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65].

    مذهب أهل الكلام من المعتزلة والأشاعرة

    المذهب الثاني: مذهب أهل الكلام من المعتزلة والأشاعرة، وهؤلاء حصروا معنى العبودية في اعتقاد أن الله عز وجل هو الخالق الرازق المحيي المميت، وهذا هو توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية والعبودية أوسع من ذلك، فهو يقتضي أن الله عز وجل مألوه ومعبود في أفعال الإنسان، فلا يصلي إلا لله، ولا يصوم إلا لله، ولا يتوكل إلا على الله، ولا يحب إلا الله، ولا يخاف إلا من الله، وهذا ما سيأتي توضيحه وبيانه، أما اعتقاد أن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت فهو جزء من أساس الدين إلا أن هذا غير كاف في الإيمان، ولهذا يقول الله عز وجل: وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [يوسف:106]، فهذه الآية فيها بيان أن من الناس من يكون عنده جزء من الإيمان لكنه جزء ناقص غير كامل، وهو أنه يعرف أن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت، لكنه لا يتعبد لله عز وجل، وهكذا كان حال عامة الكفار من القرشيين وغيرهم، فإن الله عز وجل يقول: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لقمان:25]، فهم يعرفون أن الله عز وجل هو الخالق الرازق المحيي المميت، لكنهم يعبدون مع الله غيره، كما قال الله عز وجل: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:3]، فهم يعرفون الله، ولهذا كان المشركون يعظمون البيت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ويحجون إليه، ويذهبون إلى منى وعرفات، وإلى مزدلفة، وكان القرشيون بشكل خاص يسمون أنفسهم الحمس، ويقولون: نحن حماة البيت لا نخرج من أرض الحرم، ويقفون عند مزدلفة؛ لأن مزدلفة تعتبر من الحرم، ويذهب عامة العرب إلى عرفات، ثم يعودون من عرفات ويلتقي العرب جميعاً في الحج في مزدلفة، ولهذا سميت جمعاً، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (وقفت هاهنا وجمع كلها موقف).

    وكان الكفار يعتقدون أن الله عز وجل موجود، وأنه خالق، ورازق، لكن هذا وحده لا يكفي، ولهذا قال قوم هود لهود، كما قال الله عز وجل عنهم: قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا [الأعراف:70].

    فقولهم: أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ [الأعراف:70]، يدل على أنهم يعبدون الله، لكنهم يعبدون معه أيضاً آلهة أخرى، وهذا يقتضي أنهم كانوا يعرفون الله، ويعتقدون بأن الله هو الخالق الرازق، وهذا لا يكفي في الإيمان والعبودية، بل لا بد أن ينضاف إليه العمل، وأن يكون عمل الإنسان خالصاً لوجه الله سبحانه وتعالى، أما المعتزلة والأشعرية فإنهم يرون أن حقيقة التوحيد الأساسية هي اعتقاد أن الله هو الخالق الرازق، وهذا فهم فاسد لمعنى العبودية، ولهذا فسروا الإله بأنه القادر على الاختراع، فقالوا في شهادة التوحيد لا إلا الله: الإله معناه: القادر على الاختراع والإبداع والخلق، وهذا تفسير في غير موطنه، فإن الإله جاء على وزن فعال بمعنى: مفعول يعني: مألوه، والمقصود: أن الله عز وجل لا مألوه، ولا معبود غيره، ولا محبوب غيره، ولا مخوف غيره، ولا متوكل عليه غيره، وهو الإله وحده دون غيره، وهذا هو المتفق عليه في لغة العرب، فإن أهل العربية متفقون على أن الإله بمعنى: مألوه، يعني: معبود، ولهذا يقول رؤبة بن العجاج :

    لله در الغانيات المده سبحن واسترجعن من تألهي

    فجعل التسبيح والترجيع داخلاً في التأله.

    وهذا المذهب ترتب عليه انحرافات كبيرة جداً في حياة الأمة، منها: تسويغ القبورية والدفاع عن عبادة القبور في العالم الإسلامي، ولهذا انتشرت عبادة القبور من دون الله في البلاد الإسلامية انتشاراً كبيراً، بسبب الانحراف الذي حصل في مفهوم الإله، ومفهوم شهادة أن لا إله إلا الله عند علماء المعتزلة والأشعرية، فسوغوا لبناء المساجد على القبور، وللطواف حول القبور، بل سوغوا للذبح والنذر لها، لكن هذا لا يعني أن كل علماء المعتزلة والأشعرية كانوا كذلك، فإنه يوجد من علماء المعتزلة، ومن علماء الأشعرية من كان ينكر عبادة القبور من دون الله عز وجل، وينكر ما يقوم به الجهال عند القبور من التعبد والتذلل لغير الله عز وجل، لكن أصل المنهج الأشعري والمعتزلي قائم على تفسير الإله بأنه القادر على الاختراع، فترتب على ذلك بأن حقيقة التوحيد هو توحيد الألوهية، وأن توحيد العبودية هو نفسه توحيد الألوهية، ففسروا الألوهية والعبودية بالربوبية وهذا تفسير فاسد، ودمج في غير محله.

    مذهب الصوفية

    الطائفة الثالثة المنحرفة في موضوع العبودية: هم الصوفية، وانحراف الصوفية في العبودية جاء متنوعاً، فهم انحرفوا في وسيلة العبودية لله عز وجل، حيث جعلوا الخلوة والأوراد البدعية والذكر المبتدع بالاسم المفرد والاسم المضمر -كما سيأتي معنا- هي الطريق الموصلة إلى عبودية الله سبحانه وتعالى، وهذه لا شك أنها بدع، والبدع لا توصل إلى الله عز وجل، وإنما تبعد عن الله سبحانه وتعالى.

    وأما بالنسبة للغاية فإن الغاية من العبودية عند الصوفية هو الوصول للكشف، والوصول للكشف عندهم يعتبرونه منحةً قد تحصل للإنسان بعد ملازمة الطريق وقد لا تحصل، والكشف هذا هو خيالات، وأمور تحصل في النفس، وإشراقات -كما يسمونها- وتأملات، هذه الاشراقات وهذه التأملات التي تحصل في النفس يعتبرونها يقينية، وأنها مستمدة من العلم الإلهي، وأنه لا شك فيها، بل إن أبا حامد الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين يرى أن الكشف يمكن أن تؤول النصوص القرآنية والنبوية بسببه؛ لأن الكشف عندهم قطعي، بينما النصوص الشرعية مع الأسف عندهم ظنية.

    وأيضاً جاء الانحراف في باب العبودية من جهة أخرى عند الصوفية، وهو أنهم بنوا على منهج المعتزلة والأشعرية في التوحيد، وجعلوا حقيقة التوحيد هو توحيد الربوبية الذي فنوا فيه، فاشتغال الصوفية بالتعبد هو في حقيقته اشتغال بتوحيد الربوبية وترك للتأله الذي أمر الله عز وجل به، والذي جاءت النصوص الشرعية بالأمر به، مثل محبة الله عز وجل، والتوكل على الله، ومقامات القلوب العظيمة، وجعلوا غاية التعلق هو بمعاني الربوبية كما سنتبين من خلال القراءة في هذا الكتاب.

    ومن جهة أخرى لما بنوا على منهج الأشعرية ومنهج المعتزلة في باب التوحيد، ترتب على ذلك عندهم أن كثيراً منهم صار يمارس الشركيات عند القبور ويستحلها، ولهذا يقول ابن تيمية رحمه الله في غير هذا الكتاب: أكبر من نشر القبورية في العالم الإسلامي طائفتان: الشيعة قبحهم الله، والصوفية، فإن الشيعة والصوفية هم الذين نشروا عبادة القبور في العالم الإسلامي، فأصبحوا يعظمون القبور التي لأوليائهم ولأئمتهم، ويجعلون لها صناديق متخصصة للنذور، ولها مطاف، وهناك مذبح ومنحر، وهناك سدنة أشبه ما يكون بسدنة المعابد -يعني: المخالفة للشرع- هذه الأعمال سوغت للشرك في حياة المسلمين تسويغاً كبيراً، والشيعة أكبر خطر من الصوفية في باب العبودية، فإنهم يعبدون أئمتهم من دون الله عز وجل، ويرون أن كلام أئمتهم معصوم ككلام الله، وككلام الرسول صلى الله عليه وسلم، ويرون أنهم يكملون الدين، ويرون أيضاً أن كلام أئمتهم لا يجوز الاعتراض عليه، وأن من اعترض عليه فهو زنديق كافر، وهذا لا شك أنه خطير على عقيدة الإنسان، هذا فضلاً عن سبهم لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وثلبهم لأمهات المؤمنين، وقدحهم في سادات الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.

    والمصنف في هذا الكتاب لم يتحدث إلا عن طائفة واحدة وهم الصوفية فقط، فالعلمانية لم تكن موجودة في زمانه، وأما المعتزلة والأشعرية فإنه تحدث عنهم في غير هذا الكتاب، والصوفية تحدث عنهم في بعض المواطن، ولهذا يمكن أن نوزع هذا الكتاب إلى مجموعة موضوعات.

    1.   

    موضوعات كتاب العبودية لشيخ الإسلام

    هذا الكتاب تقريباً يدور على ثلاثة موضوعات أساسية لكنها طويلة: الموضوع الأول: حقيقة العبودية الشرعية، تحدث عنها المؤلف في بداية الكتاب في سبع صفحات تقريباً، وشيخ الإسلام رحمه الله -من سعة علمه- كثيراً ما يستطرد، يعني: أحياناً يبدأ في موضوع، ثم يدخل في موضوع آخر، ثم يعود إلى الموضوع الأول الذي بدأ فيه، وهذه الاستطرادات أحياناً تكون متعلقة بنفس الموضوع لكن لها زاوية أخرى، فهو من بداية الكتاب بدأ في بيان حقيقة العبودية الشرعية، ثم انتقل إلى موقف الصوفية من العبودية، وتحدث عنها في أربع عشرة صفحة تقريباً، ثم رجع مرة أخرى إلى موضوع حقيقة العبودية الشرعية وتحدث عنها في ست صفحات، ثم انتقل إلى موضوع جديد وهو العبودية لغير الله وتحدث عنه في ثمان وعشرين صفحة تقريباً، ثم رجع إلى موضوع الصوفية ونقد التصوف إلى أن انتهى من الكتاب.

    إذاً: يلاحظ أن ابن تيمية في جوابه على السؤال المتعلق بالعبودية بدأ في بيان حقيقة العبودية الشرعية، ثم انتقل إلى موقف الصوفية من العبودية، وبالذات في موضوع الإرادة الكونية، والإرادة الشرعية، والعبودية الاضطرارية والعبودية الاختيارية وسيأتي الحديث عنها في مكانها، ثم رجع مرة أخرى إلى موضوع العبودية الشرعية، ثم انتهى إلى قوله: فصل، ولما بدأ بفصل بدأ في العبودية لغير الله، وأخذ يتحدث عن العبودية لغير الله، وذكر دقائق في التعبد لغير الله حتى في أمور مكروهة، يعني: أحياناً التعبد لغير الله عز وجل قد يكون تعبداً تاماً يخرج صاحبه من الإسلام، وأحياناً يكون تعبداً ناقصاً يكون صاحبه آثماً، مثل من يطيع هواه وشهوته في معصية الله عز وجل فهذا نقص في العبودية، هذا اتخاذ للأهواء إلهاً لكنه ليس كفراً مخرجاً عن الإسلام، فالله عز وجل يقول: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ [الجاثية:23].

    الشخص الذي يجعل هواه إلهاً يعني: يطيع هواه، ويعصي الله عز وجل، وهذا نوع من العبودية لغير الله لكنه ليس مخرجاً عن الإسلام كما سيأتي بيانه.

    بل إن ابن تيمية رحمه الله ذكر مسائل في غاية الدقة فيما يتعلق بالعبودية لغير الله حتى في المسائل المكروهة، ولهذا قال: والأصل في مسألة الخلق أنها محرمة واستثنيت للحاجة كما سيأتي بيانه، يعني: حتى لو أن إنساناً مثلاً فقيراً يأتي إلى المسجد ويقف ويسأل الناس ويطلب منهم، ويفتقر إليهم، فإن هذا نوع من الحاجة للخلق، والواجب أن يسأل الله عز وجل، ولهذا أخبر الله عز وجل عن الصحابة أنهم: يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ [البقرة:273]، يظنهم أغنياء وهم من أفقر الناس، قد يمر على الشخص شهر كامل لا يجد ما يأكله، وإنما يكون عنده الأسودان، كما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها، والفقر ليس عيباً في حد ذاته، لكن العيب عندما يكون الفقر سبباً في أن يكون الإنسان ذليلاً للخلق، ولهذا نقل أن السلف كان إذا سقط سوط أحدهم لم يقل لأحد: ناولنيه، بل ينزل بنفسه ويأخذه، وهذه من المقامات الدقيقة في موضوع العبودية، ثم عاد مرة أخرى إلى موضوع موقف الصوفية من العبودية.

    إذاً هذه هي الموضوعات الأساسية الموجودة في هذا الكتاب.

    1.   

    مدخل إلى العبادة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [سئل شيخ الإسلام وعلم الأعلام ناصر السنة وقامع البدعة: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية رحمه الله عن قوله عز وجل: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ [البقرة:21]، فما العبادة؟ وما فروعها؟ وهل مجموع الدين داخل فيها أم لا؟ وما حقيقة العبودية؟ وهل هي أعلى المقامات في الدنيا والآخرة؟ أم فوقها شيء من المقامات؟ وليبسط لنا القول في ذلك.

    فأجاب رحمه الله: العبادة هي: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة. فالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والجهاد للكفار والمنافقين، والإحسان للجار واليتيم والمسكين، والمملوك من الآدميين والبهائم، والدعاء، والذكر، والقراءة، وأمثال ذلك من العبادة، وكذلك حب الله ورسوله وخشية الله والإنابة إليه، وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والشكر لنعمه، والرضاء بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف من عذابه، وأمثال ذلك من العبادة].

    هذا هو تعريف العبادة، وقوله: فالصلاة والزكاة، إلى قوله: وأمثال ذلك هي من العبادة، أي: أمثلة العبادة، وقد قسم الأمثلة كما تلاحظون إلى قسمين: الفقرة الأولى قوله: فالصلاة والزكاة والصيام هذه العبادات الظاهرة، وقوله بعد ذلك: وكذلك حب الله ورسوله، وخشية الله، والإنابة إليه، هذه العبادات الباطنة.

    قال: [وذلك أن العبادة لله هي الغاية المحبوبة لله والمرضية له، والتي خلق الخلق لها كما قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، وبها أرسل جميع الرسل كما قال نوح لقومه: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [المؤمنون:23]، وكذلك قال هود وصالح وشعيب وغيرهم لقومهم.

    وقال تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ [النحل:36]، وقال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25]، وقال تعالى: إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:92]، كما قال في الآية الأخرى: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ [المؤمنون:51-52].

    وجعل ذلك لازماً لرسوله إلى الموت كما قال: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:99]، وبذلك وصف ملائكته وأنبياءه فقال تعالى: وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ [الأنبياء:19-20]، وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ [الأعراف:206]، وذم المستكبرين عنها بقوله: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر:60]، ونعت صفوة خلقه بالعبودية له، فقال تعالى: عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا [الإنسان:6]، وقال: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا [الفرقان:63-64]، الآيات.

    ولما قال الشيطان: رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [الحجر:39-40]، قال الله تعالى: قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ [الحجر:41-42]، وقال في وصف الملائكة بذلك: وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ [الأنبياء:26-28].

    وقال تعالى: وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا [مريم:88-95]، وقال تعالى عن المسيح الذي ادعيت فيه الإلهية والنبوة: إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ [الزخرف:59].

    ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله).

    وقد نعته الله بالعبودية في أكمل أحواله فقال في الإسراء: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا [الإسراء:1]، وقال في الإيحاء: فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى [النجم:10]، وقال في الدعوة: وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا [الجن:19]، وقال في التحدي: وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [البقرة:23] ].

    تعريف العبادة

    هذا المقطع يتضمن ثلاث مسائل: المسألة الأولى: تعريف العبادة، والمسألة الثانية: الأمثلة، والمسألة الثالثة: الأهمية.

    فالمسألة الأولى: تعريف العبادة، جاء في قوله: العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، وهذا التعريف من أدق التعاريف في العبادة، وهذا يذكرنا بكلام ابن القيم رحمه الله الذي فيه أن العلماء كلامهم قليل لكنه كثير البركة، بينما كلام المتأخرين كثير لكنه قليل البركة، وانظروا إلى هذه البركة العجيبة في سطر واحد، فقد استطاع أن يشمل قضية من أوسع القضايا في حياة الإنسان، فقوله: اسم جامع له دلالة كبيرة جداً، وهو أن العبادة مع الإنسان في كل وقت وفي كل حال.

    ولهذا نلاحظ الشمول في العبادة في أمرين: الأمر الأول: فيما أمر الله عز وجل به، والأمر الثاني: في نشاط الإنسان الظاهر والباطن.

    فالعبادة إذاً لها جانبان: الجانب الأول: ما أمر الله به، فالعبادة تشمل كل الواجبات وكل المستحبات، يعني: إذا نظرنا إلى الأحكام الشرعية فإن علماء الأصول يقسمون الأحكام الشرعية إلى قسمين: أحكام تكليفية وأحكام وضعية، الأحكام التكليفية هي الأحكام التي يترتب عليها الثواب والعقاب في فعل الإنسان، والأحكام الوضعية، هي الأحكام التي وضعت على شكل علامات في التعبدات المختلفة.

    فأما الأحكام التكليفية فهي خمسة: الواجب، والمستحب -وأحياناً يسمى المندوب- والمحرم، والمكروه، والمباح، والعبادة تتعلق بالنوعين الأولين: بالواجب والمستحب، فما يحبه الله عز وجل ينقسم إلى قسمين: ما أمر به على شكل الإلزام وهذا هو الواجب، أو أمر به على غير شكل الإلزام وهذا هو المستحب أو المندوب، وكل الواجبات داخلة في العبادة، وكل المستحبات داخلة في العبادة، سواءً التي تتعلق بشئون الإنسان الفردية، أو شئونه الاجتماعية، وسواءً التي تتعلق بعلم الإنسان أو عمله أو خلقه، فهي تشمل كل حياة الإنسان، ونلاحظ هذا الشمول في قول المصنف: من الأقوال والأعمال، فكل الأقوال سواءً أقوال الظاهر أو أقوال الباطن، وكل الأعمال سواءً أعمال الظاهر أو أعمال الباطن داخلة في حقيقة الإيمان، وداخلة في حقيقة العبودية، ولهذا نلاحظ أن العبودية شاملة للدين كله، وهذا ما سيأتي في الفقرة الجديدة من كلام ابن تيمية وهي علاقة العبودية بالدين.

    أمثلة للعبادة

    الأمثلة التي أشار إليها المصنف قسمها إلى قسمين: مجموعة في الأمثلة الظاهرة: الصلاة، الزكاة، الصيام، الحج، صدق الحديث، أداء الأمانة، بر الوالدين، ونلاحظ في الأمثلة تنوعاً فالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج هذه عبادات محضة، وصدق الحديث وأداء الأمانة هذا خلق، وبر الوالدين وصلة الرحم هذه قضايا اجتماعية، والوفاء بالعهود يمكن أن تدخل في القضايا الدولية، وإمام المسلمين إذا كان يحكم دولةً وأعطى أحداً عهداً فإنه يلزمه أن يفي به.

    إذاً: كل حياة الإنسان تدخل ضمن العبادة.

    وكذلك المقطع الثاني من الأمثلة: أمثلة قلبية: حب الله ورسوله، وخشية الله، والإنابة إليه، وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والشكر لنعمه، والرضا بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف من عذابه، وأمثال ذلك، وهي كثيرة جداً.

    ولهذا فإن العبادة أنواع مثل شعب الإيمان، وقد قال بعض أهل العلم: إن شعب الإيمان لا حصر لها، وإن الحديث الوارد في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (الإيمان بضع وسبعون شعبة فأعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)، المقصود بهذا العدد: هو بيان الكثرة، وليس المقصود: التحديد، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ستفترق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة)، ولما قام بعض أهل العلم يعددها قال البعض بأنه ليس العدد: هو المقصود، فإن الشيعة وحدهم افترقوا إلى ثلاث وسبعين فرقة، وإنما المقصود هو بيان الكثرة، ولهذا يقول الله عز وجل: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً [التوبة:80].

    وأيضاً يمثلون له بحديث السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب.

    هذا ما يتعلق بأمثلة العبادة، فأمثلة العبادة كثيرة جداً، وهي داخلة ضمن شعب الإيمان الكثيرة التي لا حصر لها، سواءً الظاهرة أو الباطنة، ويكفي في هذا مقامات العبادة في كتاب مدارج السالكين، ففيه مقامات هائلة ومتعددة، ومختلفة بشكل كبير، وسيأتي الإشارة إلى هذا الكتاب مرة أخرى.

    أهمية العبادة

    ذكر الشيخ ست نقاط تتعلق بأهمية العبادة، الأولى: أن العبادة هي الغاية المحبوبة له، والمرضية له، واستدل عليها بآية الذاريات: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، وهذا يذكرنا بالكلام في توحيد الألوهية.

    والأهمية الثانية: قوله: وبها أرسل جميع الرسل، فموضوع دعوة جميع الرسل هو العبادة، ولهذا أول واجب على المكلف هو العبادة لله عز وجل، خلافاً لقول أهل الكلام أن أول واجب هو النظر أو القصد إلى النظر، أو المعرفة، أو الشك كما قال بعضهم، وكل هذا لا قيمة له؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما أرسل معاذاً إلى اليمن قال: (إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله)، وفي رواية البخاري : (فليكن أول ما تدعوهم إليه: أن يوحدوا الله)، وفي لفظ آخر: (إلى أن يعبدوا الله)، وهذا يدل على أن العبودية أول واجب على المكلف، وذكر مجموعة من الآيات الدالة على هذا الموضوع وهي كثيرة.

    والثالثة قال: وجعل ذلك لازماً لرسوله إلى الموت، فالعبودية ملازمة لأفضل الناس وهو الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الموت، وهذا يدل على أنه لا يمكن أبداً أن يأتي فترة يكون الإنسان فيها قد سقط عنه التعبد، وهذا فيه رد على الصوفية -كما سيأتي بيانه- الذين قالوا: إنه قد يصل الإنسان من خلال التعبد إلى مرحلة تسقط عنه التكاليف، وهذا خطأ كبير، فإن التكاليف لم تسقط عن أفضل الناس وهم الرسل الكرام فضلاً عن غيرهم، يقول الله عز وجل: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:99]، وكل المفسرين يفسرون اليقين أنه الموت إلا الصوفية، فإنهم يفسرون اليقين بأنه بلوغ درجة في التعبد تسقط عنه التكاليف، وهذا قول شاذ مخالف لقول علماء الأمة الإسلامية.

    الرابعة: وصف أفضل الخلق بالعبادة وهم الملائكة والأنبياء، وهذا يدل على أن العبادة وصف شريف، فأشرف المخلوقات وهم الأنبياء والملائكة، بالعبادة وصفوا.

    الخامسة: قوله: وقد نعته الله بالعبودية في أكمل أحواله، يعني: نعت النبي صلى الله عليه وسلم في أكمل أحواله، في مقام الدعوة، وفي مقام التحدي، وفي مقام الإيحاء، وفي مقام الإسراء، وهذه مقامات عظيمة وصفه الله عز وجل بالعبودية في هذه المقامات، وهذا يدل على أهمية هذه القضية من قضايا العقيدة، وأنها تعتبر أساساً من أسس الدين ومن أصوله.

    1.   

    العلاقة بين العبادة والدين

    قال المؤلف رحمه الله: [فالدين كله داخل في العبادة، وقد ثبت في الصحيح أن جبريل لما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم في صورة أعرابي، وسأله عن الإسلام قال: (أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً، قال: فما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: فما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه، فإنه يراك)، ثم قال في آخر الحديث: (هذا جبريل جاء يعلمكم دينكم)، فجعل هذا كله من الدين.

    والدين يتضمن معنى الخضوع والذل، يقال: دنته فدان، أي: ذللته فذل، ويقال: يدين الله، ويدين لله، أي: يعبد الله ويطيعه ويخضع له، فدين الله: عبادته وطاعته والخضوع له، والعبادة أصل معناها الذل أيضاً، يقال: طريق معبد إذا كان مذللاً قد وطئته الأقدام، لكن العبادة المأمور بها تتضمن معنى الذل ومعنى الحب، فهي تتضمن غاية الذل لله تعالى بغاية المحبة له، فإن آخر مراتب الحب هو التتيم، وأوله العلاقة؛ لتعلق القلب بالمحبوب، ثم الصبابة لانصباب القلب إليه، ثم الغرام وهو الحب الملازم للقلب، ثم العشق وآخره التتيم يقال: تيم الله، أي: عبد الله، فالمتيم: المعبد لمحبوبه، ومن خضع لإنسان مع بغضه لا يكون عابداً له، ولو أحب شيئاً ولم يخضع له لم يكن عابداً له، كما قد يحب ولده وصديقه، ولهذا لا يكفي أحدهما في عبادة الله تعالى، بل يجب أن يكون الله أحب إلى العبد من كل شيء، وأن يكون الله أعظم عنده من كل شيء، بل لا يستحق المحبة والذل التام إلا الله، وكل ما أحب لغير الله فمحبة فاسدة، وما عظم بغير أمر الله كان تعظيمه باطلاً، قال الله تعالى: قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ [التوبة:24]، فجنس المحبة تكون لله، ورسوله، والإرضاء لله ورسوله، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ [التوبة:62]، والإيتاء لله ورسوله: وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ [التوبة:59].

    وأما العبادة وما يناسبها من التوكل والخوف ونحو ذلك فلا تكون إلا لله وحده، كما قال تعالى: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران:64].

    وقال تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ [التوبة:59].

    فالإيتاء لله والرسول كقوله: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7]، وأما الحسب وهو الكافي فهو لله وحده كما قال تعالى: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [آل عمران:173].

    وقال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال:64]، أي: حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين: الله، ومن ظن أن المعنى: حَسْبُكَ اللَّهُ [الأنفال:64]، والمؤمنون معه فقد غلط غلطاً فاحشاً، كما قد بسطناه في غير هذا الموضع وقال تعالى: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ [الزمر:36] ].

    هذا المقطع من كلام المؤلف رحمه الله، فيه فوائد كثيرة جداً، فهي في غاية الدقة وفي غاية الضبط؛ لأن موضوع العبادة موضوع حساس جداً، يترتب عليه أن العبادة إذا جعلت لله عز وجل فهي التوحيد، وإذا جعلت لغيره فهي الشرك والكفر والعياذ بالله.

    فمتى يعتبر الأمر عبادة؟ بمعنى: أنه إذا صرف لغير الله فإنه يعتبر شركاً أكبر مخرجاً عن دائرة الإسلام، وهذا هو الضابط الذي سيأتي معنا في كلام المصنف، وهو ضابط عام، وفي كل مثال من أمثلة العبادة هناك ضابط خاص يخصها ويميزها.

    بدأ المصنف ببيان العلاقة بين العبادة والدين، وتوصل إلى أن العبادة هي الدين، وأن الدين هو العبادة، وبين ذلك من زاويتين: الزاوية الأولى: الدليل الذي جاء به وهو حديث جبريل الطويل فقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام وذكر الأركان الخمسة، وسئل عن الإيمان وذكر الأركان الستة، وسئل عن الإحسان وذكر الركن الأساسي للإحسان: (أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، وتأملوا في قوله: (أن تعبد الله)، فلفظ العبادة ما زال مستمراً معنا، وأعلى مقامات الإيمان الإحسان، يعني: إذا جئنا نرتب المقامات بحسب مكانتها عند الله نبدأ أولاً بالإسلام، ثم الإيمان، ثم الإحسان، ويعتبر هو رأس الأمر وهو القمة، فمن وصل إليه فإنه لا بد أن يكون اجتاز هذه المراحل حتى يصل إليه، ولا يتصور أن الإنسان يأتي إليه دون أن يحقق الإسلام والإيمان قبل ذلك.

    هذا الحديث الطويل الذي ذكرت فيه أنواع كثيرة من العبادات ذكر فيه تقريباً اثني عشر نوعاً، فأركان الإسلام خمسة، وأركان الإيمان ستة، والإحسان ركن، هذه اثنا عشر نوعاً من أنواع الإيمان تشمل الدين بأكمله، وجاء في آخر الحديث: (هذا جبريل جاءكم يعلمكم دينكم)، وهذا يدل على أن العبادة التي جاء بها جبريل يعلم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه هي الدين كله، فالعبادة والدين بمعنى واحد، هذه الزاوية الأولى وهي الاستدلال بحديث جبريل على أن الدين والعبادة بمعنى واحد.

    الزاوية الثانية: هو الاستدلال باللغة، فإن الدين كما قال: يتضمن معنى الخضوع والذل، وكذلك العبادة يتضمن معنى الخضوع والذل، فالدين كما يقال: دنته فدان، يعني: ذللته فذل، وأخضعته فخضع، والعبادة يقال: طريق معبد، يعني: ذللته الأقدام بكثرة السير عليه.

    فالدين والعبادة يتفقان لغةً وشرعاً، فلغة: مدلول الدين معناه: الذل والخضوع، ومدلول العبادة معناه: الذل والخضوع، وشرعاً حديث جبريل كأوضح مثال يدل على اتفاق العبادة والدين، وهكذا الاتفاق بين العبادة والإسلام، فإن الإسلام معناه: الاستسلام لله، والاستسلام يتضمن الذل والخضوع.

    فالإسلام معناه: الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والخلوص من الشرك وأهله، هذا هو حقيقة الإسلام، يقال: فلان مسلم، يعني: مسلم لله، راض بحكم الله، راض بخبر الله، راض بدين الله عز وجل، فالعبادة تقف على رأس الدين، وهي أساس العقيدة.

    1.   

    اشتمال العبادة على الذل والمحبة

    عندما ذكر الشيخ معنى العبادة في اللغة وأنها تأتي بمعنى الذل والخضوع، يقال: طريق معبد، يعني: ذللته الأقدام، والعبد هو الذليل الذي في أمر سيده دائماً، زاد في الشرع معنى جديداً، حيث قال: لكن العبادة المأمور بها -يعني: مع وجود الذل والخضوع الذي هو مقتضاها اللغوي- لا بد أن ينضاف إليها أيضاً معنى جديد في المصطلح الشرعي وهو: أن العبادة تشمل الذل مع المحبة، فالمحبة لا بد من دخولها في حقيقة العبادة الشرعية، وهذا كثير في اللغة أصلاً وفي الاصطلاح، فالصلاة أصلاً معناها في اللغة: الدعاء، فجاء الشرع واستعمل كلمة الصلاة -التي معناها الدعاء في اللغة- لأفعال مخصوصة بشكل مخصوص منه الدعاء، ومنه ما هو ليس بدعاء وإنما يتضمن معناه، مثل السجود والركوع ليس دعاءً، وأيضاً فيها دعاء الصلاة، وهكذا كالصيام، فالصيام معناه: الإمساك في اللغة، فاستخدم في الشرع بمعنى: الإمساك عن الأكل والشرب والجماع والمفطرات في وقت محدد.

    فأحياناً الكلمة قد يكون معناها اللغوي عاماً، لكن يستخدم في المعنى الشرعي بنفس المعنى اللغوي أحياناً، يزاد فيه، وأحياناً يضبط بوقت، وأحياناً ينقص منه شيء، لكن لا بد أن يكون هناك ارتباط بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي؛ لأنه لا يمكن استخدام كلمة في غير معناها تماماً، يعني: بدون أن يكون هناك ارتباط لغوي بينهما.

    فالعبادة إذاً في معناها الشرعي تشمل أمرين: الأمر الأول: الذل، والأمر الثاني: المحبة، فالذل بدون محبة ليس عبادة، والمحبة بدون ذل ليست عبادة، ومثال الذل بدون محبة: ذل بني إسرائيل تحت فرعون.

    عندما يكون هناك طاغوت يحكم الناس بالحديد والنار وبالقوة، ويذلهم إذلالاً شديداً، وهم يكرهونه في قلوبهم هل يقال إن المحكومين تعبدوا للحاكم هنا؟ الجواب: لا يعتبرون متعبدين للحاكم؛ لأنهم يبغضونه ويكرهونه، ولو انضاف مع هذا الذل محبة له لصارت عبادة تامة.

    وهنا نعلم بطلان رأي وفكر أصحاب الغلو الذين يكفرون المسلمين، والذين يحكمون من قبل طواغيت بدلوا شرع الله عز وجل، فهناك حكومات طاغوتية بدلت أحكام الله، وحكمت في حياة الناس بالقوانين الوضعية، كالقانون الفرنسي، والقانون البريطاني، والقانون الأمريكي، أو قانون مخلط من هذه القوانين، فبدلوا شرع الله وحكموا الناس لكنهم حكموهم بالقوة، والناس كارهون لهم، فجاء بعض أهل الغلو وقال: الناس كفار؛ لأنهم أصبحوا يعبدون الطاغوت، قلنا: كيف يعبدونه؟ قالوا: حقيقة العبادة هي الذل، والطاغوت أذلهم فذلوا، وهذه هي العبادة، قلنا: لكنهم يكرهون الطاغوت ويبغضونه، ولو كانوا يحبونه ويتعلقون به لهذا العمل الذي يعمله ويقوم به فإنهم يكونوا حينئذ عبدوا غير الله سبحانه وتعالى، لكنهم يكرهونه، ويكرهون عمله، وبعض الناس قد يقول: يوجد بعض الناس يحب بعض الطواغيت، نقول: لا يحبه لأنه بدل الدين، وإنما لأنه مخدوع إعلامياً ومضحوك عليه، وأيضاً مخدوع من بعض الذين يفتون بالباطل من علماء السوء، ومثل هذا لا يصح تكفيره، ولهذا آراء أصحاب الغلو في مسائل التكفير يجب الحذر منها والبعد عنها والرجوع إلى السنة فيما يتعلق بمسائل الإيمان والكفر.

    أيضاً لو أن إنساناً أحب لكن بدون ذل وخضوع فلا يعتبر عبداً لمن أحبه، فأنت تحب ابنك، تحب زوجتك، وأمك، وأباك، وتحب أصدقائك وزملاءك، وتحب من يتعامل معك تعاملاً حسناً، لكن ليس فيه ذل وخضوع، ولهذا لا يكون ذلك عبادة لغير الله عز وجل؛ لأنها تسمى محبةً طبيعية، ولا تكون عبادة إلا إذا كان فيها ذل وخضوع، وانكسار للمعبود، مع محبة وتعلق به، حينئذ يكون الفعل هذا عبادة، مثلما يفعله الشيعة مثلاً عند قبور أئمتهم، فإنهم يشعرون بذل وانكسار وحاجة لأصحاب القبور مع تعلق ومحبة وتعظيم في قلوبهم لهم، وكذلك ما يفعله الصوفية بالنسبة لأئمتهم، فهذا تعبد لغير الله عز وجل، ولا شك أنه يوصل إلى الشرك بالله سبحانه وتعالى.

    ثم ذكر الشيخ مراتب المحبة، وأن المحبة على مراتب من ضمن هذه المراتب: التعبد، فالعلاقة نوع من أنواع المحبة، والتتيم نوع من أنواع المحبة، والعشق نوع من أنواع المحبة، والصبابة نوع من أنواع المحبة، وكل هذه فيها أشعار كثيرة ذكر جملة منها ابن القيم في الجواب الكافي، وسيأتي الحديث عن موضوع العشق -عشق الصور بشكل خاص- وحكمه في مكانه من هذا الكتاب بإذن الله تعالى.

    فقول المصنف: ومن خضع لإنسان مع بغضه له لا يكون عابداً له، ولو أحب شيئاً ولم يخضع له لم يكن عابداً له، هذه قاعدة عظيمة في هذا الباب، يجب أن تحفظ، ثم ما ذكره بعد ذلك هي عبارة عن أمثلة، ثم ختم الشيخ هذا المقطع بأنه لا يستحق المحبة والخضوع التام إلا الله سبحانه وتعالى، ولا يستحق العبادة إلا الله، وكل من أحب لغير الله فمحبته فاسدة، وما عظم بغير أمر الله فتعظيمه باطل، ثم ذكر الآية في المجادلة.

    تنوع بعض الأعمال إلى عبادة وغير عبادة

    ثم ذكر قضية في غاية الأهمية وهي أن بعض الأفعال تنقسم إلى عبادة وغير عبادة، وبعضها ليست منقسمة، فالتي ليست منقسمة لا بد أن تكون لله خالصة، وأما المنقسمة فهي بحسبها، فالمحبة اسم عام منقسم، وأحياناً الإنسان يحب محبة طبيعية فلا يكون عليه تثريب، وأحياناً تكون محبته بذل وخضوع، وهنا يكون تعبد لغير الله عز وجل، فيكون عمله شركاً.

    فمثلاً: المحبة يمكن أن تضاف إلى الله وغيره، لكن هناك نوع من الأعمال لا يمكن أن يضاف إلا إلى الله، مثل الحسب، مثلاً، يقول الشيخ: فجنس المحبة يكون لله ولرسوله، والإرضاء لله ورسوله، فأنت ترضي الله باتباع أمره، وترضي الرسول صلى الله عليه وسلم باتباع أمره، ولهذا يقول: والله ورسوله أحق أن يرضوه، فجمع بين الله والرسول في الرضا، وهذا يدل على أن الرضا يمكن أن يكون لله، ويمكن أن يكون لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن هذا بضوابطه كما سيأتي معنا إن شاء الله.

    والإيتاء لله ولرسوله، لكن العبادة مثل الخوف والخضوع والتوكل هذا لا يكون إلا لله عز وجل، ولهذا لم ترد إلا مضافة إلى الله.

    قال تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ [التوبة:59].

    فالإيتاء يمكن أن يكون من الله ويمكن أن يكون من الرسول صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7]، وقال تعالى: وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ [التوبة:59]، لم يقولوا: حسبنا الله ورسوله؛ لأن الحسب عمل قلبي لا يكون إلا الله: سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ [التوبة:59].

    وهذه الآية فيها من البيان العجيب: إيتاء لله ورسوله في البداية، وحسب لله وإيتاء لله ولرسوله في النهاية، وهذا يدل على أن الحسب لا يكون إلا لله فقط، قال تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ [التوبة:59]، ثم قال: سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ [التوبة:59]، فجعل الإيتاء لله والرسول، لكن في الوسط قال: وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ [التوبة:59].

    ولم يدخل الرسول معه صلى الله عليه وسلم؛ لأن الحسب عبادة، ومعنى الحسب يعني: الكافي، فالكفاية لا تكون إلا من القادر عليها وهو الله سبحانه وتعالى.

    ولهذا يقول: وأما الحسب وهو الكافي فهو لله وحده كما قال: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [آل عمران:173]، فالحسب لله، لكن الإيتاء يمكن أن يكون من الله كالقرآن، ويمكن أن يكون من الرسول صلى الله عليه وسلم كأخبار النبي صلى الله عليه وسلم في السنة وأوامره.

    لكن كيف نخرج هذه الآية: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال:64].

    فهم هذه الآية بعض القبوريين فهماً فاسداً، قال: في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال:64]: إن الله حسب للنبي، والمؤمنين حسب له أيضاً، وهذا فهم فاسد، فإن العطف في قوله: وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال:64] ليس على لفظ الجلالة، يعني: ليس: حَسْبُكَ اللَّهُ [الأنفال:64]، وحسبك من اتبعك من المؤمنين، وإنما عطف على النبي صلى الله عليه وسلم، يعني: الله حسبك وحسب المؤمنين أيضاً، العطف هنا في قوله: وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال:64]، يحتمل أمرين: يحتمل أن يكون العطف على لفظ الجلالة، الله، وهذا يتضمن معنىً فاسداً وباطلاً، وهو أن الرسول حسبه الله وحسبه المؤمنون، وهذا خطأ فإن الحسب وهو الكفاية لا يكون إلا من الله وحده، ويتضمن أن يكون العطف في قوله: وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال:64]، عطفاً على الرسول، فيكون معنى الآية: (يا أيها النبي ومن اتبعك من المؤمنين حسبكم الله)، فيكون الحسب لله، ويكون الله حسباً للنبي وحسباً للمؤمنين أيضاً.

    وهذه القضية ناقشها ابن تيمية في منهاج السنة، وناقشها أيضاً ابن القيم في بداية زاد المعاد.

    وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3046356072

    عدد مرات الحفظ

    735910491