إسلام ويب

تأصيل علم العقيدة [4]للشيخ : عبد الرحيم السلمي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يجب على كل مسلم معرفة الرسول عليه الصلاة والسلام بالأدلة، ويعتقد أنه عبد الله ورسوله، أرسله ليخرج الناس جميعاً من الظلمات إلى النور، ويدعوهم إلى عبادة الله وتوحيده، فمن أطاعه دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار.

    1.   

    من آداب طالب العلم

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مزيداً إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فإن طالب العلم في طلبه وتحصيله للعلم يقوم بعبادة عظيمة من العبادات الشرعية، فطلب العلم عبادة شرعية عظيمة، وهو إما واجب عيني وإما واجب كفائي، فالإنسان عندما يشتغل في طلب العلم فإنه لا يضيع وقته وإنما يتعبد لله عز وجل كما يتعبد له بالصلاة والصيام والحج والزكاة وغيرها من الأعمال الصالحة، ولهذا جاء ذكر فضل العلم الشرعي كثيراً في القرآن، فقد جاء فضل العلم الشرعي في آيات كثيرة وفي أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فينبغي على طالب العلم وهو يقوم بهذه العبادة أن يتأدب بآدابها، وأن يعتني بأخلاقها، وأن يعرف حقها، وأن يدرك الواجب المترتب عليها، فإن لطلب العلم آداباً عظيمة: آداباً تتعلق بطالب العلم في نفسه، وآداباً تتعلق بطالب العلم في درسه، وآداباً تتعلق يطالب العلم في تعامله مع مجتمعه، وآداباً تتعلق بطالب العلم في علاقته مع شيخه ومع زميله وصديقه، وهناك آداب فيما يترتب على تحصيله للعلم ومعرفته لهذه الأحكام الشرعية العظيمة سواء كانت في باب الاعتقاد أو في باب العمل والأحكام العملية.

    ومن أعظم آداب طالب العلم الذي يتحدث عنه أهل العلم كثيراً، وهو أمر مهم في كل عبادة من العبادات الشرعية: إخلاص النية لله سبحانه وتعالى، أن يبتغي الإنسان في عمله وجه الله سبحانه وتعالى؛ لأن البعض قد يعمل العمل الصالح ويجتهد فيه، وقد يبذل من العمل والجهد والتعب والنصب والمشقة الشيء الكثير لكنه هباء منثوراً لا قيمة له، وهذا إذا كان العمل لغير الله عز وجل، والحقيقة أن من أخوف ما يخاف على الصالحين بالذات الرياء، والسمعة، والجاه، والشهرة.. وغير ذلك من الأمراض والفتن والشهوات الخفية التي لها مسارب دقيقة جداً في النفس الإنسانية وقد لا يتنبه لها كل أحد، فإن عمل المشرك سواء كان شركه تاماً مثل شرك المشركين أو كان شركه جزئياً مثل من يعمل العمل لغير الله عز وجل شرك أصغر هذا عمله لا قيمة له، وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان:23] لا قيمة له، وجاء في الحديث القدسي: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه).

    والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)، فكل إنسان له ما نوى، فمن نوى الصدق والعمل الصالح، ومن نوى أن يكون صالحاً في نفسه مصلحاً لغيره مبتغياً وجه الله عز وجل نال تلك المكانة ونال الشرف العظيم، ولهذا كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وكان عامة أهل العلم يحرصون غاية الحرص على تجديد النية في كل لحظة وفي كل وقت؛ لأن الإنسان قد يطرأ عليه طارئ، يتلاعب به الشيطان، وقد يعبث به، وقد يدخل عليه كثيراً من الأمور وهو ليس من أهل الرياء والسمعة، ولهذا ينبغي دائماً أن يجدد الإنسان نيته، يقول بعض السلف: طلبنا العلم لغير الله فأبى الله إلا أن يكون له. فهذا العلم الشرعي علم شريف عظيم مهم ينبغي أن نجتهد في إخلاص النية لله سبحانه وتعالى في طلبه.

    الثاني من أخلاق طالب العلم الذي ينبغي أن يحرص عليه هو: الاجتهاد في أن يعمل بعلمه، فيجتهد في العمل بعلمه في سلوكه وأخلاقه، وأن يجتهد أن يعمل بعلمه في عبادته وفي حياته كلها، وقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: العلم يهتف بالعمل فإن أجاب وإلا ارتحل.

    وقد صنف الخطيب البغدادي رحمه الله كتاباً عظيماً سماه: اقتضاء العلم العمل، فليس المقصود من طلب العلم جمع المسائل وحفظها، وإكثار المحفوظات وكثرة المسائل، وأن يشار إلى الإنسان بالبنان، فهذا كله مما لا قيمة له، وإنما القيمة الحقيقية هي خشية الله سبحانه وتعالى، كما قال الله عز وجل: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28]، ولهذا قال السلف: العلم خشية الله. إذا رأيت الإنسان يخشى الله عز وجل فاعلم أنه عالم، وإذا رأيت الإنسان لا يخشى الله عز وجل حتى لو كانت محفوظاته كالبحر، وحتى لو كانت المسائل التي يدركها مثل الرمل في العدد فإنه لا قيمة لها في الحقيقة ما لم تكن مرتبطة بخشية الله سبحانه وتعالى.

    وهناك قضية مهمة جداً ينبغي أن يتنبه لها وهي الحرص على التقوى وتزكية النفس قال تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10]، ولهذا كانت تزكية النفس أحد الأمور المهمة التي بعث النبي صلى الله عليه وسلم من أجلها، قال تعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الجمعة:2]. فمن أهداف بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ومن مقاصدها: تزكية النفوس، ومعنى تزكية النفوس: تهذيبها، فالنفس تشتهي الحرام، والمعصية، والخطأ، وقد تكون تربت على أمور غير صحيحة، فقد يكون الإنسان تربى على الكذب أو على السرقة، وقد يكون الإنسان تعود على أي صفة من الصفات والخلال السيئة، فينبغي عليه أن يبدأ بإعادة برمجة نفسه من جديد، فيزيل أي عادات سيئة موجودة فيه، فيجتهد ألا يكذب، وأن يضبط نفسه ضبطاً تاماً في ألا يحصل منه الكذب، وإذا كانت عنده عادة السرقة أو غيرها فيجب عليه أن يضبط نفسه ويضبط سلوكه ويعيد برمجة نفسه بحيث يكون بعيداً عن هذه المعاصي، ويبدأ بتربية نفسه على خلال الخير، فيجتهد في الإيمان، والصلاة، وفي قراءة القرآن.

    ذكر ابن القيم رحمه الله في كتاب الفوائد فائدة عظيمة جداً وهي: أن العادة أول ما تنشأ في ذهن الإنسان تكون فكرة، ثم مع كثرة التفكير فيها تصبح إرادة نفسية، ثم مع العزم النفسي تصبح عملاً، ثم مع تكرار العمل تصبح عادة يتعود عليها الإنسان. ولهذا فالإنسان بحاجة ماسة دائماً أن يعود نفسه على خلال الخير وخصاله.

    أسأل الله عز وجل أن يوفقنا وإياكم لكل خير إنه على كل شيء قدير.

    درس اليوم سيكون في الأصل الثالث وهو الأصل الأخير من هذا الكتاب المختصر الوجيز في العقيدة عموماً وتوحيد الألوهية خصوصاً.

    1.   

    الأمور التي تتضمنها معرفة الرسول صلى الله عليه وسلم

    معرفة الرسول صلى الله عليه وسلم تتضمن مجموعة من الأمور:

    الأمر الأول: معرفة رسالته، فيجب أن يعرف الإنسان رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه جاء بالتوحيد، وإفراد العبادة لله سبحانه وتعالى، والكفر بالطاغوت، وأن النبي صلى الله عليه وسلم جاء يعلم الناس، ويميز بين المسلم والكافر، والمؤمن والمنافق، والطائع والعاصي.. وهكذا.

    الأمر الثاني: طاعته صلى الله عليه وسلم، وطاعته تكون في أمرين: بالتصديق عند الخبر، وتكون طاعته بالامتثال عند الأمر وذلك بالفعل، أو النهي وذلك بالترك؛ لأن مقتضى الأمر الفعل، ومقتضى النهي الترك، ومقتضى الخبر التصديق.

    الأمر الثالث: اتباع سنته صلى الله عليه وسلم، فإن اتباع سنته من أعظم الأمور الواجبة وهي من حقوق النبي صلى الله عليه وسلم، وهي من مقتضيات معرفة الرسول وشهادة أن محمداً رسول الله، ولهذا يقول الله عز وجل: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65]، ويقول الله عز وجل: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا [المائدة:92]، ويقول سبحانه وتعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:63]، ويقول سبحانه وتعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7]، والآيات الواردة في طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم كثيرة في القرآن.

    إذاً من مقتضيات معرفة الرسول: الانقياد لسنته، وعلم الرسول صلى الله عليه وسلم توجيهاته وأقواله وأفعاله هي المعيار في معرفة الحق من الباطل، والصواب من الخطأ، والصحيح من الفاسد، فيجب أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم هو الموجه للإنسان، وهو الذي يسلك الطريق ونحن نتبعه، قال تعالى: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام:153]، وارتبط التفرق بالابتداع في الدين، فكلما ابتدع الإنسان في الدين زاد التفرق، والعياذ بالله.

    الأمر الرابع من مستلزمات الإيمان بالرسول: معرفة دلائل نبوته، فإن معرفة دلائل النبوة لها أهمية كبيرة في الثقة بالنبي صلى الله عليه وسلم وبما يقوله عليه الصلاة والسلام، وهي من أعظم الأمور التي تساعد على تحقيق الثلاثة السابقة: على تحقيق معرفة الرسالة، وعلى تحقيق الطاعة، وعلى تحقيق اتباع السنة، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه دلائل نبوته حتى بعد استقرار الإيمان في قلوبهم وحتى بعد جهادهم، ففي يوم الخندق ظهرت فيه من دلائل النبوة الشيء الكثير، وبعد الخندق مع استقرار إيمان الصحابة ومع تربيته عليه الصلاة والسلام لهم، ومع إيمانهم الجازم بصدقه إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبين لهم دلائل نبوته بياناً كثيراً ومتعدداً لما في ذلك من غرس اليقين في النفس، وزيادة الإيمان في القلب، فعندما ضرب الحجر يوم الخندق وقال: (الله أكبر! فتحت فارس، وقال: فتحت اليمن، وإني أرى أبواب صنعاء)، وعندما دعاه جابر إلى الشاة ودعا أهل الخندق جميعاً وأكلوا جميعاً من هذه الشاة وبقي منها، وهذه ألوان متعددة من دلائل نبوة النبي صلى الله عليه وسلم مما يدل على أهميتها حتى بعد استقرار الإيمان في النفس.

    الأمر الأخير من لوازم معرفة الرسول صلى الله عليه وسلم: معرفة سيرته، وهي من الأمور المهمة، ومن لوازم ذلك معرفة نسبه، ومعرفة بعثته، ومعرفته مكان البعثة، ومعرفة الهجرة، ومعرفة غزواته وأيامه، ومعرفة حياته، ومعرفته هديه، ولهذا ألف ابن القيم رحمه الله كتاباً عظيماً جمع فيه الفقه مع العقيدة مع السيرة العملية مع الأحكام مع الفوائد في السلوك والأخلاق، وكل هذه أخذها من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسماه زاد المعاد من هدي خير العباد، وبين فيه ماذا كان يعمل إذا استيقظ من نومه؟ وإذا صلى؟ وكيف يصلي؟ وإذا انتهى من صلاته ما يفعل؟ وكيف كان يتعامل مع أصحابه؟ وكيف كان يتعامل مع زوجاته ومع الناس من حوله؟ وإذا قاتل كيف كان يقاتل؟ وإذا عقد صلحاً كيف يعقده؟ وحياة النبي صلى الله عليه وسلم اليومية هي تشريع رباني يتعلم الإنسان منه الهدي والسمت والخلق والحكمة والعقيدة والفقه وكل الأمور المتعلقة بهذا الدين.

    ولا بد أن نحدد ما هي المصادر الصحيحة التي نستخرج ونعرف من خلالها سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، فالمصدر الأول القرآن، فقد ذكر من أخبار النبي صلى الله عليه وسلم، وأيضاً كتب الحديث ومصنفات العلماء في الحديث فقد جعل البخاري في كتابه الصحيح أبواباً كثيرة، مثل كتاب المغازي، وكتاب المرتدين، وكتاب بدء الوحي.. وغيرها من الكتب، وهذه كلها تتحدث عن أيام النبي صلى الله عليه وسلم، وأيضاً كتب المغازي والسير ودلائل النبوة مثل دلائل النبوة للبيهقي ، وأيضاً كتب الشمائل مثل كتاب الشمائل للإمام الترمذي رحمه الله، فهذه الكتب هي مصادر سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يصح للإنسان أن يأخذ سيرة النبي صلى الله عليه وسلم من كتب الأدب والأخبار ونحو ذلك، فكتب الأدب والأخبار لا تعتني بالصحة، وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم يترتب عليها أحكام، ولهذا ينبغي أن نفرق بين الصحيح والضعيف، فإنه لا يبنى حكم إلا على دليل صحيح لا يقبل الشك.

    1.   

    الأصل الثالث من الأصول الثلاثة: معرفة الرسول صلى الله عليه وسلم

    يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب : [الأصل الثالث - يعني من الأصول الثلاثة -: معرفة نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم، وهو محمد بن عبد الله].

    والنبي صلى الله عليه وسلم له أكثر من اسم، ومن أسمائه: أحمد، وطه، ولكن اسمه الأشهر والأبرز هو محمد صلى الله عليه وسلم.

    [محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، وهاشم من قريش، وقريش من العرب، والعرب من ذرية إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام].

    أجمع المؤرخون على أن نسب النبي صلى الله عليه وسلم إلى عدنان نسب صحيح، وأجمعوا أيضاً أن عدنان من ولد إسماعيل لكن الأسماء النسبية من عدنان إلى إسماعيل لم يتفقوا عليها، وقد وقع فيها اختلاف كبير.

    وإسماعيل هو ابن إبراهيم، فنسب النبي صلى الله عليه وسلم متصل بإبراهيم عليه السلام، ولهذا جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله أصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من بني إسماعيل كنانة، واصطفى من كنانة قريشاً، واصطفى بني هاشم من قريش، واصطفاه عليه الصلاة والسلام من بني هاشم فهو خيار من خيار).

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [انتقل إلى الرفيق الأعلى وله من العمر ثلاث وستون سنة منها أربعون قبل النبوة وثلاث وعشرون نبياً ورسولاً. نبئ بـ اقْرَأْ [العلق:1]، وأرسل بالمدثر، وبلده مكة وهاجر إلى المدينة].

    هذه المعلومات الأولية ضرورية، وقد سبق أن ذكرت أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله كتب هذا الكتاب لعوام المسلمين من أجل أن يؤسس قاعدة للناس في هذا الباب العظيم وهو باب الاعتقاد سواء في معرفة الله أو معرفة الدين أو معرفة الرسول الذي نتحدث عنه الآن؛ لأن الشيخ محمد بن عبد الوهاب بدأ دعوته في مجتمع مليء بالجهل والخرافة والشرك، وتغيرت فيه المفاهيم الشرعية، بل وتغيرت الأخبار والأحوال؛ ولهذا سيأتي معنا أنه يقرر مسائل بالنسبة لنا بديهية لكن بالنسبة لمن كان في زمانه ليست بديهية ولهذا سنذكر بعض الأشياء التي تدل على ذلك.

    قال: نبياً ورسولاً، وهناك خلاف بين العلماء في مسألة: هل النبي والرسول بمعنى واحد أو هناك فرق بين النبي والرسول؟ الصحيح: أن هناك فرقاً بين النبي والرسول، ولكن اختلف العلماء أيضاً في تحديد الفرق بين النبي والرسول، فقيل: النبي هو من نبئ برسالة ولم يؤمر بالتبليغ، والرسول من نبئ وأمر بالتبليغ، وقيل: النبي هو من أرسل إلى قوم ليسوا أهل جاهلية، وليسوا مشركين، والرسول هو من أرسل إلى قوم مشركين، وقيل: النبي هو من يأتي مجدداً لرسالة رسول قبله، والرسول هو من يأتي برسالة جديدة، والصحيح هو ما اختاره شيخ الإسلام رحمه الله في كتابه النبوات: أن الرسول هو من يبعث إلى قوم كفار أهل جاهلية، وأن النبي هو من يبعث إلى قوم ليسوا من أهل الجاهلية وإنما هم يحتاجون إلى تعليم وتجديد كما حصل في أنبياء بني إسرائيل، والحديث في هذا الموضوع يطول وليس لنا فيه حاجة الآن.

    دعوة النبي صلى الله عليه وسلم إلى التوحيد وتحذيره من الشرك

    يقول: (نبئ بـ اقْرَأْ [العلق:1]) كما جاء في الحديث الشهير عندما جاءه جبريل في الغار وضمه وقال في آخر الحديث: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [العلق:1].

    (وأرسل بالمدثر)؛ لأن فيها: قُمْ فَأَنذِرْ [المدثر:2].

    و(بلده مكة)، يعني: الذي ولد فيه، وهاجر إلى المدينة وهذه كلها سيأتي بيانها.

    [بعثه الله بالنذرة عن الشرك ويدعو إلى التوحيد].

    يعني: بعثه الله عز وجل منذراً للناس من الشرك وأيضاً داعياً إلى التوحيد، وهذا هو حال كل الأنبياء، قال تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوت [النحل:36].

    [والدليل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ [المدثر:1]].

    النداء هنا للنبي صلى الله عليه وسلم.

    [قُمْ فَأَنذِرْ [المدثر:2]].

    أنذر يعني: أنذر الناس من خطورة الشرك وأمرهم بالتوحيد.

    [وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ [المدثر:3]].

    يعني: ادع إلى التوحيد.

    [وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ [المدثر:4]].

    ذكر العلماء في معنى: وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ [المدثر:4] معنيين:

    المعنى الأول: هو تطهير اللباس الحقيقي.

    وقيل: وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ [المدثر:4] يعني: نفسك طهرها من أدران الذنوب والمعاصي والشرك والبدع.. ونحو ذلك.

    [وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ [المدثر:5-7]، ومعنى: قُمْ فَأَنذِرْ [المدثر:2] ينذر عن الشرك ويدعو إلى التوحيد، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ [المدثر:3] أي: عظمه بالتوحيد، وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ [المدثر:4] أي: طهر أعمالك عن الشرك، وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ [المدثر:5] الرجز: الأصنام، وهجرها: تركها والبراءة منها وأهلها.

    أخذ على هذا عشر سنين يدعو إلى التوحيد].

    فرض الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم

    وأول ما أمر به وفرض من الأعمال الصلاة، وقد فرضت بعد عشر سنين، وكانت هذه العشر السنين كلها دعوة إلى التوحيد، وإلى التعلق بالله سبحانه وتعالى، وإلى ربط كل الحياة بتوحيد الله سبحانه وتعالى، وهذا يدل على أهمية التوحيد في الدعوة، وأن كثيراً من الناس الذين يهونون من شأن الدعوة إلى التوحيد وإلى العقيدة الصحيحة لم يفقهوا دعوة النبي صلى الله عليه وسلم بصورتها الصحيحة، وهذا لا يعني أنهم لم يكونوا يتعبدون، فقد كان يصلي عليه الصلاة والسلام، وكان يتصدق، لكنها لم تكن مفروضة على الناس، فقد كانوا يصلون، وكانوا يتصدقون، وكانوا يعملون كثيراً من الأعمال الصالحة، مثل: بر الوالدين، والإصلاح، والدعوة.. ونحو ذلك، لكنها لم تكن فرائض إلزامية للناس، وأول عمل فرض على الناس وألزموا به الصلاة، وكان ذلك بعد عشر سنين من الدعوة.

    [وبعد العشر عرج به إلى السماء].

    ومن المعلوم أن حادثة الإسراء والمعراج من الحوادث الشهيرة في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وفيها دلالات عقدية، ومسائل فقهية كثيرة.

    [وفرضت عليه الصلوات الخمس].

    أي: عندما عرج به إلى السماء، وهذا يدل على أهميتها؛ لأنها فرضت في مكان خاص ليست كغيرها من الأعمال التي كان يأتي الملك وينزل بالقرآن على الرسول الكريم، وإنما فرضت عليه في مكان خاص مما يدل على منزلتها ومكانتها، ولهذا أول ما يحاسب عليه العبد من العمل بعد التوحيد هو الصلاة، فإذا استقامت استقام دينه، وإن لم تستقم فإن دين الإنسان يكون فيه خلل.

    هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وبيان بعض ما يتعلق بالهجرة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفرضت عليه الصلوات الخمس وصلى في مكة ثلاث سنين].

    أي: كانت الصلوات التي كان يصلونها دون أن تكون فريضة، وإنما يصلون في أوقات مختلفة ومتعددة دون أن تكون قد فرضت عليه، ثم فرضت عليهم الصلوات الخمس وبعدها أمر بالهجرة، والهجرة: مأخوذة من الهجر، والهجر: هو الترك والابتعاد، وهجرته صلى الله عليه وسلم: هي انتقاله من مكة إلى المدينة، وقد أمر بالهجرة قبل ذلك إلى الحبشة عندما أوذي أصحابه، والهجرة تكون واجبة من بلد الكفر إلى بلد الإسلام إذا لم يستطع الإنسان أن يقيم دينه في بلاد الكفر، فإن استطاع أن يقيم دينه فتكون مستحبة وليست بواجبة.

    [والهجرة: الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام].

    وكلمة بلد الشرك وبلد الإسلام عبر عنها الفقهاء بدار الكفر ودار الإسلام، وهذه المصطلحات ليست مصطلحات واردة في القرآن والسنة، وإنما هي مصطلحات ذكرها الفقهاء وتعارفوا عليها لبيان البلاد التي توصف بأنها بلاد إسلام، والبلاد التي توصف بأنها بلاد كفر، والضابط الشرعي في مثل هذا الأمر هو بالنظر في مجمل الأحوال، والأحكام الموجودة في هذه البلاد، فإذا كانت هي أحكام الإسلام، الناس أكثرهم مسلمون، والشعائر الإسلامية ظاهرة كالصلاة والصيام والحج والاستسقاء والكسوف.. ونحو ذلك من الشعائر، فإن كان هذا حاله فهو بلد إسلام، وإن لم يكن كذلك فإنه لا يعتبر بلد إسلام، وإذا كانت شعائر الكفر هي الظاهرة والأحكام التي يحكم بها هي أحكام الكفر فإن هذا يكون بلد كفر، وهذه المسألة واضحة وليست محل اشتباه وفيها أشياء محل اشتباه، من الأمور الواضحة التي ليست محل اشتباه هو أن البلاد التي يحكم فيها بما أنزل الله والناس يقومون فيها بالأعمال الصالحة حتى لو وقع فيها ذنوب ومعاصٍ فبالإجماع أنه دار إسلام، وأن البلاد التي هي من بلاد الكفار والأحكام التي فيها أحكام الكفر وأغلب أهلها من الكفار فإنها بلد كفر دون إشكال، ووقع الإشكال في حالات معينة وهي: إذا كان حكام البلد من المسلمين وغلب على أهله أنهم كفار من أهل الذمة يدفعون الجزية، فيعتبر هذا بلد إسلام كحال خيبر التي حكمها المسلمون وعامة أهلها من اليهود وكانوا يدفعون الجزية، وهي بلد إسلام لأن الحكم فيها للإسلام، والإسلام يعلو ولا يعلى عليه.

    وهناك حالة ثانية معاكسة وهي أن يكون أغلب أفراد البلد من المسلمين، لكن تسلط عليهم حاكم غير مسلم وحكم فيهم بغير ما أنزل الله، فتكون بحسب الأعمال، فإذا كانت المساجد منتشرة وموجودة والناس تصلي وتقوم بالأعمال الشعائرية الواجبة فهذه بلاد إسلام حتى ولو كان هناك قوانين وضعية تطبق على الناس؛ لأن العبرة بالأغلب، والأغلب هو وجود المسلمين، علماً أنه لا يترتب على هذه الأوصاف أحكاماً شرعية إلا في حالات قليلة.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [والهجرة فريضة على هذه الأمة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام].

    والضابط في كون الهجرة واجبة إذا لم يستطع أن يقيم دينه فيها، فلو أن بريطانياً أسلم فلا نوجب عليه الهجرة إلى بلاد المسلمين؛ لأنه يستطيع أن يقيم دينه فيصلي ويصوم ويحج دون إكراه، فهي ليست واجبة وإنما هي مستحبة، ولا تكون واجبة إلا إذا ما استطاع أن يقيم الدين، وهذا مثل حالة البلاد الشيوعية في زمن الاتحاد السوفيتي عندما كانوا يحاسبون الناس على أعمالهم، فالذي يصلي يقتل، والذي يقرأ القرآن أو يحتفظ بنسخة منه يسجن.. وهكذا، فهؤلاء كان يجب عليهم أن يهاجروا من هذه البلاد التي لا يستطيعون أن يقيموا فيها دينهم، لكن إذا كانت البلاد تتيح الحريات بحيث إنه يستطيع أن يمارس دينه فلا نوجب عليهم الهجرة إلى بلاد المسلمين، أما حكم الهجرة من بلاد الإسلام إلى بلاد الكفر فالأصل الشرعي هو أن المسلم يبقى في بلاد المسلمين مع ما فيها من الخلل ومع ما فيها من الذنوب والمعاصي، ويجتهد في الدعوة والإصلاح لترتفع الأمة وتنمو، لكن إذا ما استطاع وأوذي في دينه فيجوز له أن يهاجر حتى ولو كانت الهجرة إلى بلاد كفر، والدليل على هذا أن الصحابة هاجروا من بلاد كفر وهي قريش إلى بلاد كفر وهي الحبشة لكن يدل على أنه يجوز للإنسان أن يذهب إلى بلاد كفر يستطيع فيها أن يقيم دينه إذا لم يستطع أن يقيمها في بلاده، لكن الواقع هو أن كثيراً من الأقليات الإسلامية التي تخرج من البلاد الإسلامية إلى الدول الغربية تخرج بدافع تحسين وضعهم الاقتصادي وليس الهدف المحافظة على الدين وهذا هو الغالب، فنقول: إذا استطاع أن يحافظ على دينه، وإذا استطاع أن يكون بعيداً عن الشهوات المحرمة والشبهات المضلة وكان ممن يستطيع أن يدفع الشبهة ويدفع عن نفسه الشهوة المحرمة واستطاع أن يحافظ على أسرته، فإذا كانت هذه الضوابط موجودة فإنه يجوز أن يذهب إلى تلك البلاد الكافرة للعمل، لكن لا يبقى فيها بشكل دائم ومستمر إلا إذا كان هناك أهداف أخرى كالدعوة والإصلاح والعمل الخيري فإن هذا لا شك أنه يكون من العمل الفاضل والعمل المبارك، وهناك مبحث للشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله في شرحه للأصول الثلاثة في مسألة الهجرة المعاكسة من بلاد الإسلام إلى بلاد الكفر.

    قال: [وهي باقية إلى أن تقوم الساعة].

    أي: أن الهجرة باقية إلى أن تقوم الساعة، ما دام أنه يوجد بلاد إسلام ويوجد بلاد كفر والعلاقة مستمرة فهي قائمة كحال الجهاد، وما دام أنه يوجد بلاد إسلام وبلاد كفر والصراع مستمر بين الحق والباطل فالجهاد مستمر إلى قيام الساعة ولا يوقفه دعاية كاتب ولا عمل منظمات ولا مؤسسات ولا دول وسيستمر إلى قيام الساعة.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [والدليل قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا [النساء:98-99].

    وقوله تعالى: يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ [العنكبوت:56] قال البغوي رحمه الله: سبب نزول هذه الآية في المسلمين الذين في مكة لم يهاجروا ناداهم الله باسم الإيمان ]، والهجرة مرتبطة بمسألة القدرة على إقامة الدين في حالة الوجوب.

    [والدليل على الهجرة من السنة قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها)].

    هذا الحديث صحيح رواه أبو داود في سننه والإمام أحمد في مسنده.

    تشريع بقية شرائع الإسلام بعد الهجرة إلى المدينة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [فلما استقر - أي: النبي صلى الله عليه وسلم- بالمدينة أَمر -أو أُمر- ببقية شرائع الإسلام مثل: الزكاة، والصلاة، والحج، والجهاد، والأذان، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.. وغير ذلك من شرائع الإسلام].

    الصلاة فرضت قبل هجرته بثلاث سنين وقد فرضت في المعراج وكان ذلك قبل الهجرة، وأما الحج ففرض في السنة التاسعة، والزكاة فيها خلاف بين العلماء فقيل: إنها فرضت قبل ذلك؛ لأنها وردت بعض السور المكية فيها الأمر بالزكاة، وقيل: إنها فرضت في السنة الثانية من الهجرة، والحج فرض في السنة التاسعة، والجهاد فرض بعد الهجرة، والأذان وصلاة الجمعة أيضاً فرضا بعد الهجرة في السنة الثانية، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك من شرائع الإسلام، وهذا يدل على أهمية ترسيخ العقيدة في النفوس؛ لأن العقيدة هي الموجهة، فقد ظلَّ عشر سنين يدعو فيها إلى العقيدة فقط وهذا يدل على أهميتها، وأن ترسيخ هذه العقيدة في النفوس هو الذي يضمن استمرار الإنسان على هذا الدين، وهو الذي يضمن ثبات الإنسان عليها، وهو الذي يضمن ألاّ تؤثر في الإنسان الفتن، ولهذا شبه النبي صلى الله عليه وسلم المؤمن بأنه مثل النخلة، ومن العلاقة التي ذكرها أهل العلم بين المؤمن والنخلة الثبات، فالنخلة ثابتة قوية جداً وهي من أقوى الأشجار في ثباتها، وأحياناً لا يستطيع أحد أن يقتلعها بسهولة بل إنه يحتاج إلى أدوات حتى يقتلعها بعكس الأشجار الضعيفة التي لا جذور لها.

    وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وبقاء دينه وكماله

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخذ على هذا عشر سنين وبعدها توفي صلوات الله وسلامه عليه ودينه باق].

    هناك مجموعة من الصوفية يقولون: النبي صلى الله عليه وسلم حي في قبره حياة دنيوية كحياته في الدنيا، وأنه لا فرق بين حياته في الدنيا وحياته في قبره، ولهذا يطلبون منه ويستغيثون به على هذا الأساس مع أن الله عز وجل يقول: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر:30]، فالنبي صلى الله عليه وسلم قطعاً أنه مات، وأنه انتقل من هذه الدار إلى دار أخرى وهي دار البرزخ، لكن الصوفية يصرون على أنه لا يزال حي حياة دنيوية في قبره.

    قال: [ودينه باق].

    هناك بعض المفكرين والمشتغلين بما يسمى تجديد الفكر الإسلامي وأكثرهم ملاحدة في الحقيقة وهم يقولون: إن الدين كان مرتبطاً بظروف زمنية تاريخية محددة، ويجب أن يفهم على هذا الأساس، وأما في هذا الزمن فينبغي أن نأخذ المعاني العامة للدين وأما التطبيقات فنحن نطبقها حسب الظروف المعاصرة؛ لأننا نعيش حداثة ليست موجودة في العصور السابقة، ولهذا يبيحون الحكم بغير ما أنزل الله، والانقطاع والانفصام التامين بين المسلم وبين الدين؛ لأن الدين كان في ظروف معينة تاريخية وقد انتهى مع هذه الظروف.

    [وهذا دينه لا خير إلا دل الأمة عليه، ولا شر إلا حذرها منه].

    وهذا يوجب اتخاذه مصدراً في التلقي في معرفة الخير ومعرفة الشر.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [وهذا دينه لا خير إلا دل الأمة عليه، ولا شر إلا حذر الأمة منه].

    وأعظم الخير التوحيد، وأعظم الشر الشرك.

    [بعثه الله إلى الناس كافة].

    وفي هذا رد على طائفة من النصارى الذين يرون أن بعثته كانت للعرب فقط، وهذا خطأ فقد كانت بعثته للناس كافة إنسهم وجنهم.

    [وافترض الله طاعته على جميع الثقلين الجن والإنس، والدليل قوله تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [الأعراف:158]].

    وهذا خطاب لكل الناس، وكما قال الله عز وجل: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ [سبأ:28] للناس كلهم، فلا يخرج أحد عن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم.

    [وأكمل الله به الدين].

    فلا يحتاج إلى إتمام، وفي هذا رد على الرافضة المشركون الذين يقولون: إن الشريعة لم يكملها النبي صلى الله عليه وسلم وإنما أعطى الناس ما كانوا يحتاجونه في تلك الفترة، ثم أودع البقية عند علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأعطى علي بن أبي طالب رضي الله عنه الناس ما يحتاجونه في زمانه ثم أعطاها للأئمة إماماً بعد إمام حتى العصر الحديث عندما زعموا أن محمد بن الحسن العسكري دخل سرداباً ولم يخرج إلى الآن، ثم نصبوا أنفسهم وسطاء بين الناس وبين محمد بن الحسن العسكري ، علماً أنه لا يوجد شخص حقيقي اسمه محمد بن الحسن العسكري ، فأبوه الحسن العسكري مات ولم يخلف، ومع هذا يدعون أن له ابناً كان يختبئ عن النواصب الذين يبحثون عنه لقتله، ثم دخل في سرداب وهو حي موجود إلى الآن، فلماذا لا يخرج من السرداب؟ قالوا: إنه سيخرج من السرداب عندما يأذن الله عز وجل، وسيتبدل وجه الأرض بعد ذلك، ولهذا فإن المجرم مقتدى الصدر الذي يذبح إخواننا أهل السنة في العراق يزعم أنه التقى بـالمهدي وأنه أباح للناس الحشيشة، والعجيب أنه يكذب ويعرف أنه يكذب ويصدقه آلاف مؤلفة من البشر ويبنون دينهم على كذبه هذا، وقد ذكر شيخ الإسلام أن دين هؤلاء هو الكذب، فهم يتدينون لله عز وجل بالكذب، وهم يقولون: نحن نكذب للدين وليس على الدين أي: لمصلحته.

    1.   

    البعث والحساب

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [والناس إذا ماتوا يبعثون، والدليل قوله تعالى: مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى [طه:55]].

    وهذه الآية فيها تقرير لثلاث حقائق، قوله: مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ [طه:55] فيه تقرير أن الله عز وجل الخالق، وقوله: وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ [طه:55] فيه تقرير الحقيقة الثانية وهي الموت والانتقال إلى دار البرزخ، وقوله: وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى [طه:55] فيه حقيقة ثالثة وهي البعث.

    [وقوله تعالى: وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا [نوح:17]].

    هذه تشبه مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ [طه:55].

    [ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا [نوح:18]].

    هذه تشبه وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ [طه:55].

    [وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا [نوح:18]].

    مثل وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى [طه:55]، والقرآن مثاني يصدق بعضه بعضاً.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [وبعد البعث محاسبون ومجزيون بأعمالهم، والدليل قوله تعالى: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى [النجم:31]، ومن كذب بالبعث كفر].

    لا ريب أن المكذب بالبعث كافر؛ لأنه مكذب للقرآن، فالقرآن أخبر بأن الله عز وجل يبعث من في القبور، وهو ينفي ذلك، والدليل قوله تعالى: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [التغابن:7].

    وقد قرر الله عز وجل حقيقة البعث في القرآن بأدلة عقلية برهانية لا تقبل الشك، ومن ذلك الاستدلال بالخلق الأول، وأن الله عز وجل خلق الإنسان فهو قادر على إعادته.

    ومنها: خلق السماوات والأرض، قال تعالى: لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ [غافر:57]، فإذا كان خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ونحن نعترف بأنه خالق السماوات والأرض فإعادة الناس وخلقهم مرة أخرى للبعث ليس أمراً صعباً، فمن قدر على الكبير قدر على الصغير.

    من الأدلة أيضاً: إحياء الأرض بعد موتها، وهذه كثيراً ما تستخدم في القرآن، ومنها قوله تعالى: أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ [فصلت:39]، والمقصود إثبات البعث في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى [فصلت:39].

    ومن الأدلة: الوقائع التاريخية الثابتة في إحياء بعض الموتى الذين ماتوا في الدنيا مثل: إحياء الإسرائيلي الذي قتل عندما ضرب بجزء من البقرة، ومثل: إحياء عزير أيضاً بعد أن أماته الله مائة سنة، ومثل: إحياء الطير عندما أمر إبراهيم بتقطيع الطير ووضعه على ثلاثة جبال كما هو معلوم في سورة البقرة، وإحياء عيسى عليه السلام للموتى.

    والنوع الخامس: الاستدلال بصفات الله تعالى، فإن الله حكيم، لا يمكن أن يترك الخلق في هذه الدنيا يتفاوتون تفاوتاً تاماً فهذا غني وهذا فقير، وهذا قوي وهذا ضعيف، وهذا ظالم وهذا مظلوم، وهذا خلقه مريضاً سقيماً متعباً ظروفه صعبة، وهذا له مال وجاه وصحة، وهذا عاص وهذا طائع، فلا يمكن أن تكون هذه الدار الموجود فيها كل هذا التفاوت هي دار المستقر النهائي، ونحن نعرف من معايشتنا للحياة أن طبيعة هذه الحياة لا يمكن أن تكون نهائية؛ لأن الفناء موجود في كل شكل من أشكالها، فهو موجود في بقاء الإنسان؛ لأنه يفنى ويموت، وموجود في هذه الحياة التي تتبدل وتتغير بشكل كبير، فحكمة الله عز وجل تقتضي أن يبعث الناس ليوم يجازي فيه المحسن بإحسانه، ويجازي فيه المسيء بإساءته، ويعوض فيه من فقد شيئاً من أهل الإحسان.

    1.   

    الحكمة من إرسال الرسل

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأرسل الله جميع الرسل مبشرين ومنذرين، والدليل قوله تعالى: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء:165]، وأولهم نوح عليه السلام].

    والدليل على أن أولهم نوح هو حديث الشفاعة وهو أقوى من الدليل الذي ذكره المصنف.

    قال المصنف رحمه الله: [وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم، والدليل على أن أولهم نوح عليه السلام قوله تعالى: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ [النساء:163]].

    ووجه الدلالة من هذه الآية يكون من وجهين:

    الوجه الأول: قوله: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ [النساء:163]، فبدأ بنوح، فدل على أنه هو الأول، ثم قال: وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ [النساء:163]، فقوله: وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ [النساء:163] يدل على أنه هو الأول والنبيون جاءوا من بعده، كما جاء الحديث عن النبيين بشكل مجمل، أي: أنهم كلهم بعده وهو قبلهم، لكن الدليل الصريح في ذلك حديث الشفاعة؛ لأنهم إذا أتوا إلى نوح يقولون - كما جاء في الحديث -: أنت أول رسول، ففيه تصريح بالأولية.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [وكل أمة بعث الله إليها رسولاً من نوح إلى محمد يأمرهم بعبادة الله وحده وينهاهم عن عبادة الطاغوت].

    ونحن نلاحظ أن الشيخ دائماً يركز على موضوع رسالات الأنبياء، وهو الأمر بالتوحيد، وعبادة الله عز وجل، والكفر بالطاغوت.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [والدليل قوله تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36].

    ويلاحظ أيضاً كثرة ربط كلام الشيخ بالأدلة في كل مسألة من المسائل.

    1.   

    معنى الطاغوت ووجوب الكفر به

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [وافترض الله على جميع العباد الكفر بالطاغوت والإيمان بالله].

    هذا هو موضوع وحقيقة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه بعث بالأمر بالكفر بالطاغوت، والكفر بالطاغوت يقتضي بغضه ويقتضي معاداته ويقتضي اعتقاد بطلانه وبغض أهله، والإيمان بالله.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال ابن القيم رحمه الله تعالى: معنى الطاغوت: ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع].

    (من معبود) مثل: التعبدات المختلفة التي يعملها الإنسان كالصلاة والزكاة ونحو ذلك من الأنساك، (أو متبوع) مثل: الذي يتبع إماماً أو رجلاً يجعله هو المصدر الأول والأخير في دينه، (أو مطاع) مثل: الذين يطيعون أصحاب الرئاسات والملوك والأمراء في معصية الله سبحانه وتعالى.

    والقاعدة التي تجمع مفهوم الطاغوت هي: كل ما عبد من دون الله وهو راض. فكل ما عبد من دون الله بأي نوع من أنواع العبادة سواء كانت عبادة نسك أو عبادة طاعة أو عبادة اتباع، أو عبادة محبة كحال طواغيت التصوف، أو عبادة التزام في الأمر والنهي كحال طواغيت الرافضة وأئمتهم الذين يعبدونهم من دون الله؛ فذلك طاغوت.

    رءوس الطواغيت

    يقول المصنف رحمه الله تعالى: [رءوسهم خمسة].

    يعني: رءوس الطواغيت خمسة، وقد أتى الشيخ رحمه الله بهذه الرءوس الخمسة من تفسير أهل العلم للطاغوت، وأتى بها من آيات أخرى توضح مفهوم الطاغوت، فقد وردت أكثر من ثمان آيات فيها لفظ الطاغوت.

    يقول المصنف رحمه الله تعالى: [إبليس لعنه الله].

    وقد أخذه من قول عمر رضي الله عنه في تفسيره للطاغوت قال: الشيطان. وهذا أخرجه البخاري رحمه الله في كتاب التفسير تعليقاً، وأخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ومن عبد وهو راض].

    وقد أخذه الشيخ من قول مالك رحمه الله في تفسيره للطاغوت قال: كل ما عبد من دون الله.

    [ ومن دعا الناس إلى عبادة نفسه].

    وهذا أخذها الشيخ من تفسير بعض الصحابة للطاغوت بأشخاص بأسمائهم كقول بعضهم مثلاً: الطاغوت هو حيي بن أخطب ؛ لأن هذا الرجل نصب نفسه مقابلاً للدين وجمع الناس حوله، فنصب نفسه للتعبد، وكحال طواغيت الروافض والتصوف الذين يعبدون من دون الله، وحال طواغيت الحكم وسيأتي الحديث عن هذا الموضوع.

    [ومن ادعى شيئاً من علم الغيب].

    وقد أخذه الشيخ أيضاً من كلام جابر رضي الله عنه في تفسير هذه الآية قال: الطواغيت كهان كانوا موجودين في الجاهلية ينزل عليهم الشياطين.

    [ ومن حكم بغير ما أنزل الله].

    وقد أخذه الشيخ من آية النساء وهي قول الله عز وجل: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ [النساء:60]، كل من حكم بغير ما أنزل الله ونصب نفسه حاكماً أو مشرعاً بغير ما أنزل الله فهو طاغوت.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والدليل قوله تعالى: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى [البقرة:256]].

    العروة الوثقى: لا إله إلا الله.

    [وهذا معنى لا إله إلا الله، وفي الحديث: (رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله)].

    وختم المصنف كتابه ببيان حقيقة شرعية عامة كبيرة، والمقصود بقوله: (رأس الأمر) يعني: أعظمه وأساسه وسبب حياته؛ لأن الرأس إذا زال مات الإنسان، فرأس الأمر الإسلام.

    (وعموده الصلاة)، فهو لا يقوم إلا على الصلاة، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: (من تركها فقد كفر).

    (وذروة سنامه) يعني: أعلاه وأكمله: (الجهاد في سبيل الله)؛ لأن المجاهد في سبيل الله يتجشم الصعاب وقد يموت، ولا شك أن النفس غالية عند صاحبها، وهذا من أعظم الجود.

    يجود بالنفس إن ظن البخيل بها والجود بالنفس أعلى غاية الجود

    1.   

    الأسئلة

    حكم جلوس الحائض في مكان قريب من المصلى

    السؤال: ما حكم جلوس المرأة الحائض في مكان قريب من المصلى؟

    الجواب: إذا كانت خارج المسجد فلا بأس.

    بيان كذب وافتراء بعض السحرة الذين يقولون إن كلامهم من القرآن

    السؤال: ما رأيكم في بعض السحرة الذين يظهرون على بعض القنوات الفضائية ويتلقون اتصالات الناس، ويقولون إن كلامهم كله من القرآن؟

    الجواب: هؤلاء دجالون وكذابون يتلاعبون بالناس، وقد بدأت المسألة عند بعض من كان يكلم الناس في موضوع الرؤى، وتوسع فيها توسعاً كبيراً وأصبح يجيب الناس من أي مكان في العالم على ما يرونه في المنام، وكأن رؤى الناس كلها حق، وكأن الشيطان لا يتخبط بهم ولا يعبث بهم، ثم يتكلم أمثال هؤلاء وكأنهم يعلمون الغيب والعياذ بالله! فجاء المفسدون الحقيقيون الذين يريدون إفساد دين الأمة، واستغلوا هذه الظاهرة، وأصبحوا يأتون بساحر أو كاهن يعلم الناس حظوظهم ومستقبلهم، وكيف يعيشون، وهل يتزوج فلان فلانة، وهل يسكن في البيت الفلاني أم لا يسكن، وهل ينتقل من وظيفته وإلا سيبقى فيها، ونحو ذلك من الأمور التي هي من علم الله عز وجل، ولا شك أنه يجب علينا جميعاً أن ننكر على مثل هذه القنوات، ونطالب بحجبها وإيقافها عند حدها؛ لأن هؤلاء يتلاعبون بالناس، والناس اليوم -مع الأسف- يصدقون كل شيء يتعلق بأمور لا يعرفونها.

    سبب التفريق بين الإسلام والإيمان في الدعاء المأثور: اللهم من أحييته منا..

    السؤال: جاء في الدعاء: (اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان)، فلماذا جاء الإسلام في الحياة، ولم يذكر الإيمان ثم ذكره أثناء الموت؟

    الجواب: المقصود بالإسلام في هذا الدعاء أن يعيش الإنسان على الأعمال الظاهرة من أعمال الإسلام كالصلاة والصيام والحج والزكاة ونحوها، والمقصود بالإيمان: الإيمان الذي يشمل الاعتقادات القلبية، فإذا عاش الإنسان على الإسلام ومات على الإيمان فإنه يكون قد استجمع الدين كله وبأكمله.

    عمل الجوارح داخل في أصل الإيمان

    السؤال: هل عمل الجوارح داخل في أصل الإيمان أم هو ركنه أو كماله؟

    الجواب: عمل الجوارح بشكل عام داخل في أصل الإيمان بمعنى: لو أن إنساناً لم يعمل من أعمال الجوارح أي شيء، وترك أعمال الجوارح بالكلية فهذا يدل على عدم وجود إيمان قلبي كاف عند مثل هذا الشخص؛ لأن عمل الجوارح يشمل الفعل والترك، فيشمل ما أمر الله عز وجل به من المأمورات كالصلاة، والصيام، والحج، والزكاة، وبر الوالدين.. إلى آخره، ويشمل المتروكات كترك الزنا، وشرب الخمر.. ونحو ذلك، فمقتضى ذلك والصورة المفترضة في ترك أعمال الجوارح: أن يفعل كل أعمال المحرمات ويترك كل الأعمال الصالحة، ولا يتصور حصول الإيمان مع هذا.

    إرادة ومشيئة العبد مختلفة عن إرادة ومشيئة خالقه

    السؤال: يعمل العبد العمل بمشيئته كما هو معلوم، ومشيئته تابعة لمشيئة الله، فالله عز وجل أراد وشاء عمل العبد قبل خلقه بعلمه أم أن العبد هو الذي يعمل هذا العمل، فهل يقال: إن مشيئة الله سبحانه تابعة لما أراده العبد بما علم الله أنه سيفعله؟

    الجواب: تصوُّر المسألة هذه ببساطة: هو أن الله عز وجل ليس كالمخلوق، فأنت إذا فهمت وأيقنت أن الله عز وجل ليس كخلقه، وأن علمه ليس كعلم خلقه، وأن إرادته ومشيئته ليست كإرادة خلقه؛ زال عنك الإشكال، ولهذا دائماً مرد مسائل القدر إلى العلم، يقول الشافعي رحمه الله: ناظروا القدرية بالعلم، فإن أجابوا خصموا، وإن أنكروا كفروا. فمردها إلى معرفة الله عز وجل معرفة تامة، والله عز وجل قبل أن يخلق العبد يعلم ماذا سيعمل، فإذا جاء العبد واختار الفعل، واختياره هذا لا يتم ولا يحصل إلا باختيار الله عز وجل، وبإرادة الله سبحانه وتعالى، واختيار العبد هذا ليس مجبوراً فيه؛ لأنه هو المختار حقيقة، لكن لكون العبد عبداً، ولكونه مخلوقاً، ولكونه غير خالق، ولكونه لا يمكن له أن يريد ويفعل دون التعلق بخالقه الذي خلقه سبحانه وتعالى، فلا بد أن تكون إرادته بعد إرادة الله عز وجل، فلا يمكن تصور تعارض بين إرادة العبد وإرادة الله سبحانه وتعالى، وفعل العبد وعلم الله سبحانه وتعالى، إذا تصور الإنسان هذه الحقيقة زالت عنه هذه المشكلة.

    طاعة النظام طاعة مطلقة توقع صاحبها في الشرك

    السؤال: كيف يكون الإنسان مشركاً بتعبده للنظام؟

    الجواب: بأن يطيع نظاماً طاعة مطلقة تامة لا يخالفه في شيء، فإذا أمره بترك الصلاة تركها، وإذا أمره بالزنا فعله، وإذا أمره بالخضوع لأي أمر خضع له، هذه الطاعة المطلقة التامة عبادة، فيكون مشركاً بذلك.

    معنى قوله تعالى: (وما تدري نفس بأي أرض تموت)

    السؤال: وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدْاً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ [لقمان:34]، أليس الملائكة يكتبون أجله فيعلمون متى يموت، ويكتبون رزقه وهو في بطن أمه؟

    الجواب: المقصود بالآية: وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ [لقمان:34]، هي حالة العبد ولهذا قال: تَمُوتُ [لقمان:34]، الملك الذي يكتب أجله ليس هو الذي يموت، فالمقصود: العبد، وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا [لقمان:34]، فكلمة (تموت) و(تكسب)، تدل على أن الحديث عن العبد وليس عمن يكتب وينفذ هذا كملك الموت.

    المفاضلة بين الملائكة والبشر

    السؤال: من أفضل الملائكة أم البشر؟

    الجواب: هذه المسألة ليست ذات أهمية فهي من فضول المسائل عند أهل العلم، والتحقيق ما ذكره ابن القيم رحمه الله في بدائع الفوائد من أن التفضيل أمر نسبي، فإذا كان المقصود العموم في البشر فلا شك أن الملائكة أفضل، وجنس الملائكة أفضل من جنس البشر، لكن المسألة التي بحثها العلماء هي مسألة: هل الملائكة أفضل من صالحي البشر؟ فباعتبار أن الملائكة يعبدون ولا يعصون فهم أفضل بهذا الاعتبار، وباعتبار أن العبد معرض للفتنة ومع ذلك يجاهدها ويطيع فهو أفضل؛ لأن الملائكة ليسوا كذلك، وهذه الأفضلية تعرض في مسائل كثيرة، وقد ذكر ابن القيم هذه القاعدة وهي: أن التفضيل يكون بالنسبة، وهناك تفضيل مطلق مثل: أن أفضل الصحابة أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ثم العشرة المبشرون بالجنة، ثم من هاجر من قبل الفتح وهذه أفضليات نُصَّ عليها، لكن هناك أمور لم ينص عليها، ولهذا يكون الحديث في التفضيل إنما هو بالنسبة.

    العلم والكتابة سابقتان للمشيئة

    السؤال: في مرتبة الإيمان بالقدر كيف تكون كتابة الله قبل مشيئته؟ أليس الأولى أن تكون المشيئة قبل الكتابة؟

    الجواب: الله عز وجل علم ماذا سيفعل العبد قبل أن يخلق العبد، ثم كتب ما علمه من فعل العبد قبل أن يخلق العبد، والمشيئة مرتبطة عندما يفعل العبد، فلا شك أن الكتابة والعلم سابقة للمشيئة.

    أهمية التوبة من الوقوع في الذنب

    السؤال: شخص يعصي الله سبحانه وتعالى وبعد الفراغ من المعصية يشعر بالذنب، فهل هذا مرتبط بالقدر؟

    الجواب: لا شك أن الذي يعصي الله سبحانه وتعالى ثم يشعر بالذنب بعد ذلك ويتوب أن هذا على خير، وتوبته إن كانت صادقة وإن اجتهد في إصلاح نفسه فهي صحيحة؛ لأن الإنسان يقع في الخطأ وهو معرض للزلل، وأهم شيء هو ألا يصر على المعصية وأن يضبط نفسه عن المحرمات، وقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (لو أنكم لم تذنبوا وتتوبوا لأتى الله عز وجل بأقوام يذنبون ثم يتوبون ويستغفرون ثم يغفر الله لهم).

    حكم إطلاق كلمة مرجعية أو رجل دين على العلماء

    السؤال: إطلاق كلمة: مرجعية أو رجل دين على العلماء هل هو صحيح؟

    الجواب: تختلف من شخص إلى شخص، لكن بشكل عام ارتبطت كلمة مرجعية بالشيعة الذين يجعلون أئمتهم معصومين من الخطأ، وارتبطت كلمة رجل دين بالنصارى الذين يجعلون رجل الدين شخصاً يملك شيئاً من أحوال الربوبية، ولا شك أن هذا خطأ كبير، لكن أحياناً بعض الناس قد يطلق كلمة رجل دين ويقصد بذلك: أنه متخصص في الدين، كأن يكون متخصص في الفقه، أو في الأحكام.. وهكذا، فإذا كان بهذا الغرض فتصبح صحيحة لكن الأولى تركها فإذا كان هناك كلمة استخدمت في معانٍ معينة وكان لها سلبيات فينبغي الحذر منها حتى لا نقع في الإشكال.

    حكم قول الرجل: توكلت على الله ثم عليك

    السؤال: ما حكم قول الرجل: توكلت على الله ثم عليك، واعتمدت على الله ثم عليك؟

    الجواب: إذا كان في أمر يقدر عليه فهذا مما لا بأس به، وإن كان الأولى الحذر من إطلاق لفظ التوكل على البشر؛ لأنها في الغالب تربط بالتوكل على الله عز وجل.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3015487911

    عدد مرات الحفظ

    723657152