إسلام ويب

العقيدة الواسطية [17]للشيخ : عبد الرحيم السلمي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يتصل بالإيمان باليوم الآخر الإيمان بالبعث والمعاد, فهو مما يجب على المكلف اعتقاده وتصديقه, كما ثبتت بكيفيته النصوص المتظافرة, وكذلك الإيمان بالموازين, ونشر صحف الأعمال, والحساب, والحوض, وغير ذلك من أمور اليوم الآخر.

    1.   

    مسائل في الإيمان باليوم الآخر

    الخلاف في استمرار عذاب القبر إلى البعث

    بسم الله الرحمن الرحيم

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.

    أما بعد:

    فممن بحث موضوع اليوم الآخر الإمام القرطبي رحمه الله في كتابه (التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة)، وأيضاً الشيخ حافظ حكمي في المجلد الثاني من كتابه (معارج القبول)، فقد بحثا موضوع القيامة الكبرى بحثاً مفصلاً، وذكرا كثيراً من آيات التحدي وغيرها في هذه المسألة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم بعد هذه الفتنة -يعني: فتنة القبر- إما نعيم وإما عذاب إلى أن تقوم القيامة الكبرى].

    في هذا المقطع مسألتان، المسألة الأولى هي مسألة: هل عذاب القبر ونعيمه مستمر إلى القيامة الكبرى أم أنه ينقطع؟

    والحقيقة: أن عذاب الكفار مستمر كما هو معلوم، وأما المسلمين ممن لم يكفروا بالله عز وجل فيعذبون بقدر أعمالهم وبقدر ما يقدر الله سبحانه وتعالى عليهم من العذاب، وعذابهم ليس مستمراً، كما قال بعض الشراح، وقال بعضهم: إن عذاب الكفار ليس مستمراً، وبالتالي يكون عذاب المسلمين أولى من ذلك، ولا يكون مستمراً، واستدل على ذلك بقوله سبحانه وتعالى: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر:46]، ففي هذه الآية إشارة إلى أن الكفار يُعرضون على النار مرتين في اليوم، وقت الغدو، ووقت العشي، ووقت الغدو بعد الفجر، والعشي آخر النهار بعد العصر، وفهم منها بعضهم: أن المقصود من قوله: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا [غافر:46]، يعني: باستمرار، والحقيقة أن هذه الآية تشير فعلاً إلى أن الكفار لا يستمر عذابهم في القبر بشكل دائم؛ ولهذا جاء في قوله سبحانه وتعالى عنهم: قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا [يس:52] فإن بعض العلماء فهم من هذه الآية أن عذاب الكفار في القبر ليس مستمراً، وعلى كل حال ليس هناك كبير إشكال في كونه مستمراً أو غير مستمر، وهذا الأمر عائد إلى الله عز وجل إن شاء عذبهم عذاباً مستمراً، وإن شاء لم يُدم عليهم العذاب، ولكنهم لا ينعمون باتفاق؛ لأن الكافر لا يمكن أن ينعم أبداً.

    القيامة الكبرى والقيامة الصغرى

    والمسألة الثانية: هي في قوله: القيامة الكبرى، فإن الوصف بقوله: الكبرى دليل على أن هناك قيامة صغرى، وهذا صحيح، فإن القيامة تنقسم إلى قسمين: قيامة صغرى، وقيامة كبرى.

    أما القيامة الصغرى: فهي قيامة الإنسان نفسه، ويكون ذلك بموته، فإن الإنسان إذا مات (قامت قيامته)، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.

    والقيامة الكبرى: هي قيامة الناس جميعاً، فإنهم يقومون لرب العالمين سبحانه وتعالى.

    1.   

    الإيمان بالبعث

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فتعاد الأرواح إلى الأجساد، وتقوم القيامة التي أخبر الله بها في كتابه، وعلى لسان رسوله، وأجمع عليها المسلمون، فيقوم الناس من قبورهم لرب العالمين حفاة عراة غرلاً].

    وقيام الناس من قبورهم: هو البعث.

    والبعث متفق عليه بين المسلمين، وليس هناك خلاف بين المسلمين على وقوعه، وكذلك وافق اليهود والنصارى المسلمين في ذلك، فهم يعتقدون أن الناس يبعثون من قبورهم ويحاسبون.

    إنكار الكفار الوثنيين للبعث

    وخالف في البعث طوائف: منهم الكفار الوثنيون، مثل: كفار قريش؛ فإنهم كانوا لا يعترفون بالبعث، بل كانوا يقولون:

    موت ثم بعث ثم حشر حديث خرافة يا أم عمرو

    ولهذا يقول الله عز وجل عنهم: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ [التغابن:7]، وكانوا يقولون: إن لحوم الناس تتفرق، وعظامهم تتفتت، وحينئذ يصبحون ممزقي الأوصال ويكونون تراباً، فكيف يعودون مرة أخرى؟

    والحقيقة: أنه يمكن الاستدلال عليهم بالعودة بما يعترفون به من أن الخلق الأول هو خلق الله عز وجل للناس، كما قال الله عز وجل: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لقمان:25]، فهم يعترفون بأن الله هو الخالق الذي خلق الخلق سبحانه وتعالى، فإذا كان الله عز وجل هو الذي خلق الخلق فهو قادر على إعادته؛ لأن الإعادة أسهل من البدء.

    ولهذا استعمل مع المنكرين دليلاً عقلياً بقدرته سبحانه وتعالى، قال تعالى: وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ [يس:78-79] فهذا برهان عقلي كاف لقطع حجة المنازعة لو أنه فكّر وتأمل.

    إنكار الفلاسفة والباطنية للبعث

    والطائفة الثانية المنكرة هي: الفلاسفة، والفلاسفة كفّرهم علماء أهل السنة لثلاثة أشياء:

    كفّروهم بقولهم بقدم العالم، وبإنكار علم الله في الجزئيات، وبإنكار المعاد الجسماني، حيث قالوا: إن الأجساد لا تعود مرة أخرى، ووافق الفلاسفة من المنتسبين إلى الإسلام كذباً وزوراً الباطنية، أمثال النصيريين والدروز والإسماعيليين، فالإسماعيليون -الذين هم البهرة وغيرهم- وافقوا الفلاسفة في إنكار البعث للإنسان.

    ثم اختلفوا في تفسير البعث فقال بعضهم: إن البعث يكون للأرواح، وهذه الدنيا لا تتغير، ولا تزول ولا تذهب، وإنما هو انتقال للروح من بدن إلى بدن آخر، فيعتقدون أن الأرواح محدودة، والأبدان كثيرة، وروحك أنت الآن كانت روحاً لبدن سابق، فإن كان البدن السابق عاصياً فإن روحه توضع في جسد معذّب، سواء كان إنساناً أو حيواناً، وفي عقائدهم: أن الكافر غير المؤمن تنتقل روحه إلى كلب معذّب مريض بالقروح وبالجروح، مطرود يجوع ويعطش ويذهب ويشقى، وأما الذي كان صادقاً وطيباً وصاحب أخلاق حسنة فإن روحه تنتقل إلى ملك معظّم في الأجيال القادمة، فإذا اشتهى شيئاً وأراده حصل له كما أراد.

    فهم يعتقدون أن هذه الدنيا لا تتغير وأن الناس إذا دفنوا لا يبعثون يوم القيامة من جديد، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فيهم: إنهم أكفر من اليهود والنصارى.

    عقيدة المسلمين في البعث وكيفيته

    وأما عقيدة المسلمين: فهي الإيمان بالبعث كما أخبر تعالى في سورة التكوير بما يحدث لهذا العالم من تغيره وتبديله بعالم آخر.

    ثم ينزل الله عز وجل مطراً مثل مني الرجال -كما جاء في الحديث- فينبت الناس من قبورهم، كما تخرج النبتة الصغيرة من الأرض، فإذا خرجوا اجتمعوا في مكان واحد.

    أرض المحشر

    وأرض الحشر هي بلاد الشام، وقد بين الله في سورة الحشر أن بني النضير طردوا من المدينة إلى أول الحشر، وقال المفسرون: إن أول الحشر بلاد الشام، فإنه لما خرج بنو النضير من المدينة ذهبوا إلى أرض الحشر، وهي بلاد الشام.

    فإن قيل: كيف تتسع بلاد الشام لهذه الجموع الكثيرة المجموعة من الأعصار المختلفة منذ زمن آدم إلى قيام الساعة؟

    فنقول: إن الأرض تتغير وتتبدل ويمدها الله عز وجل، فتدك الجبال، وتصبح قاعاً صفصفاً، لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً، كما أخبر الله عز وجل، فيجتمع الناس في هذا المكان عراة، ليس عليهم لباس، وحفاة: ليسوا منتعلين، وغرلاً: ليسوا مختونين كما كانوا من قبل، ويجتمع الرجال والنساء، قالت عائشة للنبي صلى الله عليه وسلم: ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: (الأمر أعظم من أن ينظر بعضهم إلى بعض) وتدنو منهم الشمس قدر ميل، وسواء كان هذا الميل في السماء ميل المسافة، أو كان ميل المكحلة، فالمقصود: أن الشمس تكون قريبة جداً من الخلق.

    والإنسان في أثناء قراءته عن أحوال الآخرة لابد أن يضع في عقله أن أحوال الآخرة ليست كأحوال الدنيا، ولا تقاس بمقياس الدنيا، وعلماء الفلك اليوم يقولون: إن الشمس لو تقدّمت أمتاراً لأصبحت الأرض جمرة ملتهبة، أو ربما اختفت من شدة الحرارة، ولو تأخرت قليلاً لأصبحت الأرض جليداً واحداً من شدة البرودة.

    وفي يوم القيامة تدنو الشمس حتى تصير قدر ميل ولا تضر، يعني: لا تحرق أجساد العباد، وإنما يجلسون في هذا المكان خمسين ألف سنة كما أخبر الله عز وجل على هذه الحال، في مكان ضيق كثير الزحام، وهذا هو الحشر، ويصيبهم العرق فبعضهم يلجمه إلجاماً، وبعضهم يبلغ العرق منه إلى كعبيه، وبعضهم إلى ركبتيه، وبعضهم إلى حقويه، كما أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك.

    فإن قيل: كيف أن العرق يلجم بعضهم، ويصيب بعضهم إلى قدر الركبة، وبعضهم أقل من ذلك، وهم في مكان واحد؟

    وهل يكون مثلاً الذين يلجمهم العرق في مكان، وغيرهم في مكان آخر؟ فنقول: الله أعلم، فإن أمور الآخرة لا تقاس بمقياس الدنيا.

    1.   

    نصب الموازين يوم القيامة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فتنصب الموازين].

    والموازين: جمع ميزان، والميزان: الآلة التي يوزن بها.

    والموازين عند الله عز وجل توزن فيها أعمال العباد، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا الميزان له كفتان، وذلك في حديث صاحب البطاقة الذي يأتي على رءوس الخلائق فينشر له تسع وتسعون سجلاً كلها ذنوب ومعاص، وتوضع في كفة، ثم يقال: هل عملت خيراً؟ فيقول: لا. فيقال: بلى، إن لك خيراً عندنا، فتخرج له بطاقة مكتوب فيها: لا إله إلا الله، فتوضع في الكفة الأخرى فتطيش هذه الصحائف، وينجو هذا الإنسان، وهذا يدل على أن هذا الميزان له كفتان، وأن الأعمال توزن، كما قال الله عز وجل: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه [الزلزلة:7-8].

    والعمل يوزن كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كلمتان خفيفتان على اللسان، حبيبتان إلى الرحمن، ثقيلتان في الميزان) فأعمال العباد توزن، وكذلك صحفهم توزن، كما في حديث صاحب البطاقة، وكذلك السمين، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يؤتى بالرجل السمين يوم القيامة من أهل النار فيوضع في كفة الميزان فلا يزن عند الله عز وجل جناح بعوضة) وهذا هو ما أخبر الله عز وجل به في قوله: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا [الكهف:105].

    وليس بالضرورة أن يوزن كل الناس، ولكن بعضهم يوزنون.

    وأنكر المعتزلة وزن الأعمال، وقالوا: كيف توزن الأعمال مع أنها أعراض وليست أجساماً؟

    وهذا يدل على ضلالهم، فإن الشرع لا يعترض عليه بالعقل، فإن الله عز وجل يجعل هذه الأعمال أجساماً ثم توزن بعد ذلك.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فتنصب الموازين، فتوزن بها أعمال العباد، فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ [المؤمنون:102-103]، وتنشر الدواوين].

    الدواوين: جمع ديوان، وهو الكتاب المدون، والإنسان يكتب عليه كل شيء كما قال الله عز وجل: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18]، فيكتب عليه كل شيء، ويجده يوم القيامة، وتنشر هذه الدواوين يوم القيامة.

    1.   

    أصناف الناس في أخذ صحائف الأعمال

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وتنشر الدواوين -وهي صحائف الأعمال- فآخذ كتابه بيمينه، وآخذ كتابه بشماله، أو من وراء ظهره].

    والشيخ هنا صنف الناس ثلاثة أصناف: فالأول: آخذ كتابه بيمينه، والثاني: بشماله، والثالث: من وراء ظهره، والحقيقة أنها تعود إلى صنفين: آخذ كتابه بيمينه، وآخذ كتابه بشماله أو من وراء ظهره؛ لأن الذي يأخذ كتابه بشماله فإنه يأخذه بشماله من وراء ظهره.

    فأصناف الناس يوم القيامة تعود إلى صنفين: مؤمن وجبت له الجنة، وكافر وجبت له النار، والمنافق يكون تبعاً للكافر؛ لأنه في الدرك الأسفل من النار، وحينئذ فالكافر يأخذ صحيفته بشماله من وراء ظهره، والمؤمن يأخذها بيمينه.

    قال المؤلف رحمه الله: [كما قال سبحانه وتعالى: وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ.

    والمراد بالطائر: العمل الذي طار منه، فالإنسان إذا عمل عملاً طار منه، سواء خيراً أو شراً.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا [الإسراء:13-14] ].

    وقد أخبر الله عز وجل أن البعض يأخذ كتابه بيمينه، والبعض يأخذ كتابه بشماله من وراء ظهره في سورة الانشقاق كما تعلمون.

    قال: [ويحاسب الله الخلائق] كما في سورة الانشقاق.

    1.   

    كيفية حساب المؤمنين والكفار يوم القيامة

    قال: [ويخلو بعبده المؤمن فيقرره بذنوبه، كما وصف ذلك في الكتاب والسنة، وأما الكفار فلا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته؛ فإنه لا حسنات لهم، ولكن تعد أعمالهم وتحصى، فيوقفون عليها ويقررون بها].

    والحساب ينقسم إلى قسمين:

    حساب المسلمين، ولفظ المسلمين يشمل المؤمنين الصادقين، ويشمل أيضاً الفساق ممن لم يرتفع عنهم اسم الإسلام، وحساب الكفار.

    فأما حساب المسلمين فإنه نقاش وليس فيه محاسبة، وإنما يأذن الله لكل عبد مسلم ويقرره بذنوبه ويقول: هل تعرف ذنب يوم كذا؟ وذنب كذا يوم كذا وكذا؟ ثم يعفو عنه الله عز وجل ويدخله الجنة، ولا ينجو ويخرج من هذا الحساب إلا السبعون ألفاً الذين في حديث ابن عباس ، وفيه: (مع كل ألف)، وفي رواية: (مع كل واحد سبعون ألفاً)، هؤلاء يدخلون الجنة بغير حساب ولا عقاب ولا عذاب.

    وأما حساب الكفار فليس حساب نقاش، وإنما هو بيان لأعمالهم، وليس وزناً لهم، ولا تعداداً للحسنات وللسيئات؛ لأنهم لا حسنات لهم، بل أعمالهم باطلة، كما قال تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ [إبراهيم:18] فهم ليست لهم أعمال صالحة، ولكن حسابهم تقرير لأعمالهم ولذنوبهم حتى يعلموا، ومن أنكر منهم شهد عليه بدنه، ثم يساقون إلى جهنم وبئس المصير.

    ومسألة الفرق بين حساب المسلمين وبين حساب الكفار اختلف فيها العلماء، هل الكفار يحاسبون أم لا؟

    فبعضهم نفى الحساب بإطلاق، وبعضهم أثبته بإطلاق.

    فمن نفاه بإطلاق فقد أخطأ، كما أخطأ من أثبته بإطلاق، وكلام ابن تيمية رحمه الله هنا كلام دقيق محرر.

    قال المؤلف رحمه الله: [وأما الكفار فلا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته].

    لأنهم ليس لهم حسنات حتى توزن حسناتهم وسيئاتهم، وإنما هذا الحساب للمسلمين؛ لأن لهم حسنات.

    قال: [فإنه لا حسنات لهم].

    يعني: الكفار.

    قال: [ولكن تعد أعمالهم وتحصى، فيوقفون عليها].

    وعد أعمالهم السيئة وإيقافهم عليها سماه بعض أهل العلم: حساباً، وسماه البعض الآخر: غير حساب، والحقيقة: أن من جعل معنى الحساب: تعداد الأعمال فقط، فإنه قال: إن الكفار يحاسبون، ومن جعل الحساب: الموازنة بين الحسنات والسيئات قال: الكفار لا يحاسبون.

    1.   

    الحوض المورود

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي عرصات القيامة].

    العرصات: جمع عرصة، والعرصة: هي المكان الفسيح بين المباني، وعرصات القيامة: يعني: المواقف التي تكون يوم القيامة.

    قال المؤلف رحمه الله: [وفي عرصات القيامة: الحوض المورود].

    والحوض ورد وصفه في السنة النبوية بأنه: حوض كبير يكون يوم المحشر، طوله: مسيرة شهر وأكثر، يعني: بالإبل، ولونه: أبيض من اللبن، وطعمه: أحلى من العسل، وعليه أكواب كعدد نجوم السماء، وفي بعض الروايات: أن هذه الأكواب كنجوم السماء.

    وفي هذا اللفظ الثاني زيادة معنى، وهي: أنها منيرة وجميلة وتشبه نجوم السماء من حيث الجمال والهيئة الحسنة، وهذا الحوض من شرب منه لا يظمأ أبداً.

    والذي لا يرده صنفان: الكفار، وأهل البدع، فأهل البدع لا يردون الحوض؛ لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أنا فرطكم على الحوض)، ثم قال: (إنه يذاد عنه بأقوام)، يقول: (أعرفهم) ومعرفته لهم، يعني: أنهم من المسلمين قال: فأقول: (أصحابي! أصحابي!)، وفي لفظ: (أصيحابي! أصيحابي!) فيقال: (إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك). والإحداث هو: العمل بأحكام الشرع على غير طريقة المرسلين.

    وأهل العلم يسوقون هذا الحديث في ذم أهل البدع، وهذا يدل أيضاً على أن الحوض قد يرد عنه طوائف من أهل البدع مع أنهم من المسلمين وليسوا من الكفار.

    وفي حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن لكل نبي حوضاً).

    وقد اختلف أهل الحديث في صحة هذا الحديث، وقد رواه ابن أبي عاصم ، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى بمجموع الطرق، وهو عنده حسن أو صحيح.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3046357456

    عدد مرات الحفظ

    736078017