إسلام ويب

العقيدة الواسطية [9]للشيخ : عبد الرحيم السلمي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من مسائل العقيدة المهمة الإيمان بصفات الله تعالى الخبرية كالوجه والعينين واليدين, وصفات الله تعالى الاختيارية, ومن جملتها المجيء والنزول والضحك, وكذلك الإيمان بصفة المكر والكيد وما شابههما من الصفات الاختيارية التي يجب إثباتها لله تعالى على سبيل المقابلة والتقييد دون الإطلاق, والإيمان بصفات العفو والمغفرة والعزة والقدرة, ونفي الصفات السلبية التي نفتها النصوص عن الله عز وجل نفيًا مجملا مع اعتقاد كمال ضدها في حق الله تبارك وتعالى.

    1.   

    الصفات الاختيارية والصفات الخبرية

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.

    أما بعد:

    فالصفات الاختيارية هي الصفات القائمة بذات الله عز وجل، وهي متعلقة بمشيئته سبحانه وتعالى يفعلها متى شاء كيف شاء.

    وأما الصفات الخبرية فهي الصفات التي لا تنفك عن الله عز وجل، وليست متعلقة بالمشيئة.

    وهنالك أمثلة للصفات الاختيارية فمنها: نزول الله عز وجل، والمجيء والإتيان، والضحك، وكلام الله عز وجل.

    وأمثلة الصفات الخبرية هي: الوجه، واليدان، والعينان، والقدمان، والأصابع، والساق، والعلم، والقدرة، والإرادة، والحياة.

    1.   

    ذكر بعض الصفات الاختيارية

    صفة المكر والكيد

    ومن الصفات أيضاً صفة المماحلة والمكر والكيد، يقول الله عز وجل: وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ [الرعد:13]، يقول ابن كثير رحمه الله تعالى: أي: شديد الأخذ بالعقوبة.

    والأزهري رحمه الله من علماء اللغة ومن أهل السنة والجماعة، فقد نقل في كتابه تهذيب اللغة قول القتيبي في قوله تعالى: وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ [الرعد:13] أي: شديد المكر والكيد.

    ونقل أيضاً قول سفيان الثوري : شديد المحال: شديد الانتقام، وكذلك قول أبي عبيد : المحال الكيد والمكر، ونقل أيضاً قول الفراء : المحال المماحلة.

    فمعنى وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ [الرعد:13] أي: شديد المكر والكيد، والعقوبة مقتضى المكر والكيد، وهذا فيما يبدو هو رأي المصنف رحمه الله تعالى؛ ولهذا بدأ في الآيات الواردة في المكر والكيد قبل غيرها من الآيات، فكأنه يفسر المحال بالمكر والكيد.

    ويقول الله عز وجل: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [آل عمران:54]، ويقول: وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [النمل:50]، ويقول: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا [الطارق:15-16].

    ضابط وصف الله تعالى بالمكر والكيد

    فهذه الصفات وهي: المحال والمكر والكيد يوصف بها الله سبحانه وتعالى على سبيل المقابلة والتقييد، ولا يصح أن يوصف بها مطلقاً، والسبب في ذلك هو أن المكر والكيد يكون في موضع من المواضع مدحاً وكمالاً، ويكون في موضع من المواضع ذماً ونقصاً.

    فلا يصح أن يطلق الوصف بأن الله عز وجل ماكر أو يمكر أو نحو ذلك، وإنما يطلق مقيداً، فيقال: يمكر بالكافرين، لأن الله تعالى قال: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [آل عمران:54]، وقال: وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [النمل:50]، فإن المكر والكيد عندما يكون في مقابلة أولئك الماكرين يكون قوة، ويكون صفة مدح وكمال، وأما إذا كان المكر ابتدائياً فإنه لا شك أنه يكون مخادعة وخيانة ونقصاً.

    فالمكر أو الكيد هو التوصل بالطرق والأسباب الخفية التي لا يتنبه لها الخصم لإيقاعه، والمكر والكيد والمحال صفات فعلية يفعلها الله عز وجل متى شاء، وكيف شاء، ويفعلها في مقابلة مكر الكافرين أو الكائدين أو نحو ذلك.

    ومن هنا لا يسمى الله عز وجل ماكراً ولا كائداً، وقد نقل ابن القيم رحمه الله في بدائع الفوائد قاعدة عظيمة وهي: أن المعنى الذي ينقسم إلى مدح وذم لا يسمى الله عز وجل به، وهذا مقتضى قول الله عز وجل: وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [الأعراف:180].

    صفة العفو والمغفرة والعزة والقدرة

    ثم ساق الشيخ بعد ذلك جملة من الآيات في العفو والمغفرة والعزة والقدرة، يقول الله عز وجل: إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا [النساء:149]، ففي هذا إثبات صفة العفو والقدرة، ووجه الدلالة التي فيها إثبات العفو والقدرة من اسم الله عز وجل العفو والقدير، وأسماء الله عز وجل تؤخذ منها الصفات، فاسمه العفو يؤخذ منه صفة العفو، واسمه القدير يؤخذ منه صفة القدرة.

    ويقول الله عز وجل: وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [النور:22]، فهذه الآية مشتملة على إثبات صفة المغفرة والرحمة، أما قوله تعالى: وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا [النور:22] فإن فيها الأمر للمخلوق بالعفو والصفح.

    الفرق بين العفو والمغفرة

    قال بعض العلماء: الفرق بين العفو والمغفرة هو أن العفو يكون في ترك الواجبات، والمغفرة تكون عن فعل المحرمات، والأبلغ هو المغفرة؛ لأن المغفرة فيها محو، والعفو فيه تجاوز، فالمغفرة فيها محو للسيئة، كأنها لم تفعل، وأما العفو فهو التجاوز عنها مع كونها باقية.

    فالله عز وجل عفو ورحيم وغفور لذنوب عباده سبحانه وتعالى، وفي هذا يمكن أن نأخذ منه أثراً تربوياً عظيماً وهو سعة رحمة الله عز وجل ومغفرته، وعفوه سبحانه وتعالى، فلا ييئس المفرط والعاصي الذي عصى الله عز وجل، والذي أسرف على نفسه بالذنوب، لا ييأس فالله عز وجل عفو يتجاوز، وهو سبحانه وتعالى غفور يمحو الخطايا.

    فالواجب على الإنسان دائماً أن يلتجئ في كل لحظة إلى الله سبحانه وتعالى في مغفرة ذنوبه وستر عيوبه، لا سيما وأن الإنسان في كل يوم وليلة تقع منه الذنوب الكثيرة التي لا يشعر بها.

    فلو أخذنا ذنوب اللسان مثلاً، فما أكثر آفات اللسان كالغيبة والكذب والنميمة والكلام في الباطل، ونحو ذلك.

    وذنوب العين: النظر إلى ما حرم الله عز وجل، أو ترك قراءة القرآن أو نحو ذلك، فالإنسان يمارس كثيراً من الذنوب والمعاصي في يومه وليلته، فهو بحاجة ماسة إلى عفو الله عز وجل وإلى مغفرته ليصفح الله عز وجل عنه.

    معنى العزة وبيان المراد بها في وصف الله عز وجل

    ويقول الله عز وجل: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون:8]، والعزة هي القوة والغلبة، فالله عز وجل له العزة التامة سبحانه وتعالى، مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم له عزة، وللمؤمنين عزة، إلا أن عزة الله تعالى تختلف عن عزة الرسول صلى الله عليه وسلم وعزة المؤمنين، وذلك أن عزة الله عز وجل لا يخدشها أدنى ذلة، بينما قد تحصل للبشر ذلة حتى ولو كانوا أنبياء أو صالحين، ولهذا ذكر الله عز وجل عن المؤمنين يوم بدر أنهم كانوا أذلة، فكان عددهم قليلاً، وموقفهم ضعيفاً، وليس المقصود بالذلة هنا الذلة النفسية، وإنما الضعف وعدم القدرة على مقاومة العدو الذي هو أكبر، وإلا فإن العزة النفسية هي في نفوسهم حتى ولو غلبهم العدو، فهم أعزة وأقوياء بدين الله سبحانه وتعالى.

    ويمكن أن نأخذ صفة العزة من اسم الله العزيز، وهو كثير في القرآن الكريم، يقول الله سبحانه وتعالى عن إبليس: قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [ص:82]، ثم استثنى: إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [ص:83]، فإبليس يعرف أن لله عز وجل عزة لائقة به، ومع هذا لم تنفعه هذه المعرفة، وهذا يدل على معنى مهم جداً، وهو أنه ليس بمجرد انتساب الإنسان إلى الإسلام، أو معرفته ببعض أحكامه أنه يكون مسلماً، بل لا بد من الإتيان بها، وترك النواقض، فالإسلام مبني على وجود شرط وعلى انتفاء مانع.

    أما الشرط الذي يجب أن يوجد فهو فعل أحكام الإسلام والالتزام بها عملياً، كالصلاة والصيام والحج والزكاة ونحو ذلك من إقامة شعائر الله عز وجل، والتحاكم إلى شرع الله عز وجل، وكذلك موقوف على انتفاء مانع وهو ألا يوجد في الإنسان ناقض من نواقض الإسلام، فإذا وجد فيه ناقض من نواقض الإسلام فإنه يكون كافراً حتى ولو صلى وصام وقال: لا إله إلا الله، وهذا لا ينتبه له كثير من الناس؛ ولهذا قد يستغرب العوام عندما يكفر أهل العلم السحرة، ويقولون: هؤلاء يصلون معنا، وبعضهم يصفه في هيئته، وأنه ملتح ومقصر ثوبه، وأنه في الصف الأول، وهذا يدل على ضعف فهم حقائق الدين، فإن الإنسان إذا ضعف فقهه في دين الله عز وجل قد يستغرب مثل هذه الأشياء، لكنه إذا فهم دين الله عز وجل لا يستغرب.

    فلا يكفي أن يكون الإنسان مسلماً لكونه يصلي ويصوم ويحج ويزكي ويقول: لا إله إلا الله، بل لا بد أن يكون مع هذا تاركاً لنواقض الإسلام؛ لأنه لو فعل ناقضاً من النواقض فإنه يكفر، وللجهل بهذه الحقيقة الشرعية المهمة وجد في زماننا من يسمي نفسه بأنه علماني مسلم، أو ديمقراطي مسلم، أو شيوعي مسلم، أو حداثي مسلم، أو امبريالي مسلم.

    فينتسب إلى مذهب من مذاهب الكفر ثم ينتسب في نفس الوقت إلى الإسلام، فلو قال رجل أنه يهودي مسلم، أو نصراني مسلم، لا يقبل كلامه؛ لأنه يجمع بين النقائض، وهكذا إذا قال أنه علماني مسلم، أو يحكم بغير ما أنزل الله وهو مسلم، أو نحو ذلك، فهذه كلها من النقائض التي لا تجتمع؛ ولهذا ينبغي أن تعرف هذه القاعدة من قواعد الإسلام.

    القدرة على الممتنع والمعدوم

    بقي معنا مسألة إثبات القدرة لله سبحانه وتعالى، وهناك رسالة لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله اسمها قدرة الرب عز وجل، وهي موجودة في مجموع الفتاوى في المجلد الثامن في كتاب القدر، فالله عز وجل على كل شيء قدير، وقد بحث بعض الناس مسائل ما كان لها أن تبحث لولا إثارة مثل هؤلاء لها، فإن الله عز وجل قدير سبحانه وتعالى، وهو على كل شيء قدير كما أخبر عن نفسه.

    بحث بعض العلماء مسألة: هل يقدر الله عز وجل على الممتنع؟ أي: الشيء الممتنع الذي لا يمكن أن يكون.

    والجواب عن هذا: أن الممتنع لا وجود له في الواقع، فلا يسمى شيئاً، والله على كل شيء قدير، وأما الشيء الذي يفرضه الذهن أو العقل، فإن الذهن يفرض المحال، ويفرض الأمور المتناقضة الغريبة، وهذا لا يصح أن تعلق صفات الله عز وجل بها، فالممتنع إذاً ليس داخلاً في هذا الباب.

    أما تعلق قدرة الله عز وجل بالمعدوم، والمعدوم في الحقيقة ينقسم إلى قسمين: معدوم في الواقع ومعدوم في الذهن.

    والمعدوم إذا كان معناه أنه ليس موجوداً في الواقع فإن قدرة الله عز وجل تتعلق به، فهو سبحانه وتعالى إذا أراد شيئاً فإنما يقول له: كن فيكون، وهو قبل أن يقول له: كن فيكون كان معدوماً، وتعلقت قدرة الله عز وجل به.

    قدرة الله على أفعال العباد

    وهناك أيضاً مسألة وهي: هل الله عز وجل قادر على أفعال العباد؟

    والجواب: أن أهل السنة والجماعة يقولون: إن الله عز وجل قادر على أفعال العباد، وأنها مخلوقة من مخلوقاته.

    والمعتزلة قالوا: إن الله عز وجل لا يقدر على أفعال العباد، وإن العباد ينشئون أفعالهم من ذواتهم، والمتقدمون منهم نصوا على أن العبد يخلق فعل نفسه، وأما المتأخرون فإنهم لطفوا اللفظة وقالوا: إنه يحدث فعل نفسه، والحقيقة أنه خلاف في اللفظ والمعنى واحد، فإنهم يقولون: إن الله عز وجل لا يقدر أن يخلق فعل عبده قبل أن يوجد وإنما العبد هو الذي يختار الفعل بنفسه.

    ويقول الله عز وجل: تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:78]، فالجلال والإكرام صفتان لاسم الله عز وجل، وفي هذا إثبات الاسم لله عز وجل، ويدل على هذا قول الله سبحانه وتعالى: وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف:180].

    1.   

    الاسم وصلته بالمسمى

    هناك مسألة وهي: هل الاسم هو المسمى أو غير المسمى؟

    هذه المسألة واضحة عند أهل السنة، فإن الاسم للمسمى، وقالت المعتزلة: إن الاسم غير المسمى، والسبب في هذا أنهم قالوا: الاسم مأخوذ من القرآن، والقرآن كلام الله، وكلام الله مخلوق، فإذا قلنا: الاسم هو المسمى فمعنى هذا أن الله مخلوق، فقالوا: إن الاسم غير المسمى، وإن أسماء الله التي سمى بها نفسه مثل الرحيم والرحمن والعزيز والجبار هي من القرآن ومن كلام الله عز وجل فهي مخلوقة كما أن القرآن مخلوق.

    ولهذا قال الشافعي رحمه الله وغيره من أهل السنة: من قال: إن أسماء الله مخلوقة فقد كفر، فالأشاعرة اتفقوا مع المعتزلة في الحقيقة، حيث يعتبر الأشاعرة أن القرآن الذي بين أيدينا مخلوق، وأنه عبارة عن معنى قائم بنفسه، وأن الحروف والأصوات والعبارات الموجودة في القرآن ليست من كلام الله وإنما معناها من كلام الله وفهمه جبريل أو محمد صلى الله عليه وسلم وعبروا عنه بهذا القرآن!

    فهم وافقوا المعتزلة في أن القرآن مخلوق، حتى إن بعض الأشاعرة كـالبيجوري في تحفة المريد في شرح جوهرة التوحيد قال: يصح أن يقال: القرآن مخلوق في مقام التعليم، أي: لأجل تقريب المعلومات إلى الناس، لكن المعنى هو كلام الله عز وجل؛ ولهذا نفوا أن يتكلم الله عز وجل بحرف وصوت.

    فعندما وافقوا المعتزلة في الحقيقة خالفوهم في هذه المسألة، وقالوا: إن الاسم هو المسمى، فالألف والسين والميم هو حقيقة المسمى نفسه؛ لأنه من كلامه وهو صفة من صفاته، وسموا العبارات الموجودة في القرآن مخلوقة، لكن الاسم هو حقيقة المسمى، أي: هو الله نفسه.

    والمعتزلة عندما قالوا: الاسم غير المسمى، قصدوا بالاسم التسمية عند الأشاعرة، فاتفقوا في الحقيقة واختلفوا في العبارة، وأهل السنة يقولون: أسماء الله عز وجل ليست مخلوقة؛ لأن أسماء الله عز وجل من كلام الله عز وجل، وكلام الله عز وجل صفة من صفاته ولا يمكن أن تكون مخلوقة، فالاسم للمسمى، وقد سمى الله عز وجل نفسه بهذه الأسماء، وهذه الأسماء له، ولا يصح أن يقال: الاسم هو المسمى أو الاسم غير المسمى.

    وقد بينا مقاصد من قال: إن الاسم هو المسمى، أو إن الاسم غير المسمى، ولـشيخ الإسلام رحمه الله رسالة مستقلة في هذا الموضوع موجودة في الفتاوى.

    1.   

    الصفات السلبية وموقف أهل السنة وأهل البدع منها

    الصفات السلبية هي الصفات المنفية، وهي ما نفاه الله عز وجل عن نفسه، وطريقة القرآن في الصفات التي نفاها الله عز وجل عن نفسه أنه نفاها نفياً مجملاً مع اعتقاد كمال ضدها.

    وأما أهل البدع فطريقتهم النفي التفصيلي، يقول الله عز وجل: فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم:65] أي: هل تعلم له مماثلاً ونداً؟

    وهذا الاستفهام إنكاري يتضمن النفي، يعني: لا سمي له ولا ند له، والكمال المثبت لله عز وجل هنا هو الكمال المطلق، فإنه لا ند له مطلقاً، فهو كامل كمالاً مطلقاً سبحانه وتعالى، ويقول تعالى: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:4]، ويقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:21]، ثم ذكر في آخر الآية التي تليها فقال: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:22]، والأنداد: هم المثلاء والنظراء، والمقصود بالأنداد هنا الأنداد في العبادة.

    فكل آية من الآيات السابقة قصد بها نوع معين، فقوله: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم:65] يعني: لا مثيل له في أسمائه، وقوله: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:4] يعني: لا كفء له ولا مماثل له في صفاته، وقوله: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا [البقرة:22] يعني: لا ند له في ألوهيته وعبادته، فهو المعبود وحده لا شريك له.

    1.   

    الفرق بين التشابه والتماثل وبيان المنفي منهما في نصوص الوحي

    هناك مسألة يذكرها بعض أهل العلم وهي: هل التشابه هو التماثل؟ وهل هما بمعنى واحد أم هناك فرق بينهما؟ وما هو الذي نفاه الشرع؟

    والجواب على هذا نقول:

    الآيات الواردة في النفي عن الله عز وجل يراد به نفي التماثل والأنداد والسمي.

    وهل التشابه والتماثل بمعنى واحد؟

    هذه المسألة فيها قولان مشهوران:

    القول الأول: أن التشابه والتماثل بمعنى واحد، وهذا قول المعتزلة والأشاعرة والماتريدية.

    القول الثاني: أن التشابه ليس هو التماثل، بل بينهما فرق، وهذه المسألة مبنية على مسألة مختلف فيها وهي: هل يمكن أن يشبه الشيء الشيء من وجه دون وجه، أو أنه لا بد أن يشبهه من كل الوجوه؟

    فمن قال: يمكن أن يشبه الشيء الشيء من وجه دون وجه قال: هناك فرق بين التشابه والتماثل.

    ومن قال: لا يمكن أن يوجد شبه للشيء بالشيء من وجه دون وجه قال: لا يمكن أن يكون هناك تماثل.

    والصحيح الذي تدل عليه اللغة ويدل عليه الشرع والعقل هو: أن التماثل يختلف عن التشابه، فالتماثل هو التوافق في حقيقة الصفات أو في حقيقة الذات.

    وأما التشابه فهو ما يمكن أن يشبه الشيء من وجه دون وجه، فالألوان جميعاً تتشابه من وجه وهو أنها ألوان، لكن لا يمكن لأحد أن يقول: إنها متماثلة؛ لأن الأسود لا يماثل الأبيض.

    والأشياء القائمة بنفسها أنواع متعددة، فهي تتفق في كونها قائمة بنفسها لكنها تختلف، فالنار قائمة بنفسها وتختلف عن الماء وهو قائم بنفسه، والإنسان قائم بنفسه ويختلف عن النباتات وهي قائمة بنفسها، والنباتات قائمة بنفسها وهي تختلف أيضاً عن الحيوانات، فلا يصح أن يقال إن المشابه من وجه دون وجه مماثل له في كل الخصائص والصفات.

    وفائدة هذا الكلام: هو أنه لما كانت هناك موافقة بين أسماء الله وصفاته وبين أسماء بعض مخلوقاته وصفاتهم، ورد التشابه في الأسماء، والقدر المشترك أن الاتفاق في الأسماء لا يقتضي التماثل والاتفاق في المسميات.

    فهذه خلاصة المسألة، ويمكن أن نختمها بأن التشابه ليس هو التماثل، بل يمكن للشيء أن يشبه الشيء من وجه دون وجه، ولا يقال: إنه مثله؛ لأن الأشياء بينها قدر مشترك وقدر مميز، والقدر المشترك لا يستلزم القدر المميز، بل هناك فرق بينهما.

    1.   

    آيات في توحيد الله تعالى ونفي الشرك

    يقول الله عز وجل: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ [البقرة:165]، والشاهد من هذا هو قوله: (أنداداً) يعني: مثلاء.

    ويقول الله عز وجل: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا [الإسراء:111]، ففي هذه الآية إثبات صفة الحمد والألوهية والملك لله عز وجل، وقيد الله تعالى لفظ الولي بقوله: (من الذل)؛ لأن لله عز وجل أولياء، فالله عز وجل يقول: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62].

    فقوله: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ [الإسراء:111] أي: ليس له ولي يحتاجه؛ لأنه ذليل، أو هذا الولي يكون مساعداً أو معاوناً، ولهذا يقول الله عز وجل: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [سبأ:22-23].

    فهاتان الآيتان ذكر ابن القيم رحمه الله أنهما تجتثان عروق الشرك من أساسه.

    ويقول الله عز وجل: يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [التغابن:1].

    ويقول: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا [الفرقان:1] و(تبارك) بمعنى: تعاظم، وبمعنى أنه سبحانه وتعالى ذو الجلال والإكرام، والفرقان هو القرآن، والمقصود بعبده هو محمد صلى الله عليه وسلم نبيه، قال: الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا [الفرقان:2].

    ويقول الله عز وجل: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [المؤمنون:91-92]، فهذه الآية تدل على إثبات الوحدانية لله عز وجل، وهي تتضمن دليلاً عقلياً في إثبات الوحدانية لله سبحانه وتعالى، وتقرير ذلك أن الله عز وجل قال: وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ [المؤمنون:91] يعني: ليس معه إله معبود على الحقيقة، أي: معبود بحق؛ لأن هناك آلهة معبودة بالباطل، ولا يشترط أن يقام الدليل على إثبات الوحدانية بإبطالها؛ فإنها هي باطلة في نفسها، وإنما الدليل هنا في تقرير أنه لا يوجد إله بحق مع الله عز وجل، ففيه إبطال الاثنينية، أن يكون هناك إله مع الله سبحانه وتعالى معبوداً بحق، وأنه مثل الله عز وجل في صفاته وفي كونه إلهاً معبوداً بالحق.

    والدليل قوله تعالى: إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ [المؤمنون:91]، ومعنى هذا أنه لو كان هناك إله آخر، وهذا الإله الآخر حقيقي فإنه لا بد أن يكون له خلق؛ لأنه لا يمكن أن يكون إله بدون خلق، فإذا كان له خلق فإنه حينئذ سيذهب بهذا الخلق، وسيذهب الإله الآخر بخلقه الآخرين، وحينئذ يكون كل إله من هذين الإلهين عاجز عن القدرة على خلق غيره، فهذا من جهة.

    ومن جهة ثانية فإن الواقع المشاهد هو أن العالم متصل بعضه مع بعض، فليس هناك عالم يدار بإرادة أخرى غير إرادة الله عز وجل، فدل هذا على أنه ليس هناك إله آخر ذهب بخلقه، فإنه إذا كان هناك إلهان، فسيكون لكل إله إرادة تختلف عن إرادة الإله الآخر، فإذا اختلفوا في أمر من الأمور، فإما أن تنفذ إرادة أحدهما فيكون هو الإله الحق والثاني عاجزاً، وإما ألا تنفذ إرادة الاثنين فيكونان جميعاً عاجزين، وهذا غير صحيح وغير واقع، وإما أن تنفذ الإرادتين سواء، وحينئذ يقع التناقض، وهذا غير موجود.

    فدل هذا على أن نظام الكون واتساقه واتصاله بعضه مع بعض، دليل على أن مدبره واحد وهو الله سبحانه وتعالى، وهو المعبود بحق سبحانه وتعالى.

    ولهذا قال: سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ [المؤمنون:91]، يعني: عندما يعبدون مع الله إلهاً آخر، ويعتقدون أن هذا الإله حقيقي، عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [المؤمنون:92]، وقد سبق الحديث عن صفة العلم.

    ويقول الله عز وجل: فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:74]، والمقصود لا تضربوا لله الأمثال في صفاته، ولا تقولون: إن صفات الله عز وجل تماثل صفات خلقه.

    ويقول الله عز وجل: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [الأعراف:33]، فالصفة الموجودة في هذه الآية هي صفة التشريع، وهو أن التشريع حق لله عز وجل، فالله عز وجل هو الذي يحرم، وغيره ليس له حق التشريع حتى يحرم.

    يقول الله عز وجل: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ [الأعراف:54]، فأما الخلق فهو معروف، وأما الأمر فينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: الأمر الكوني، ويكون موافقاً للخلق، ويدل على ذلك قول الله عز وجل: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82].

    القسم الثاني: الأمر الشرعي، ويقصد به تشريعات الله عز وجل من الأوامر والنواهي، وهذا حق لله عز وجل، والدليل على وجود الأمر الشرعي قول الله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ [النحل:90]، إلى آخر الآية.

    وقوله تعالى: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [الأعراف:33]، فالتشريع صفة من صفات الله عز وجل، وهي خاصة به سبحانه وتعالى.

    وفي اللقاء القادم إن شاء الله سنتحدث عن الاستواء والعلو، وهي من الموضوعات الطويلة؛ولهذا سنفرد لها لقاءً مستقلاً.

    1.   

    الأسئلة

    حكم القسم برب العزة

    السؤال: ما حكم القسم برب العزة؟

    الجواب: إذا كان يقصد بالعزة عزة الله عز وجل فلا يجوز، وإذا كان يقصد عزة العباد المخلوقة فلا بأس بهذا.

    الفرق بين العفو والصفح

    السؤال: ما الفرق بين العفو والصفح؟

    الجواب: الفرق بينهما هو أن العفو معناه الترك، والصفح معناه الإحسان، فالصفح أفضل من العفو.

    وقفة إيمانية مع صفات الله عز وجل

    السؤال: حبذا أن تذكر بعض الوقفات الإيمانية مع صفات الله عز وجل؟

    الجواب: لا شك أن صفات الله عز وجل تشتمل على معان عظيمة جداً يستفيد منها الإنسان في حياته، معان عظيمة جداً، وهي من الأمور الثابتة في الشرع، فينبغي على الإنسان أن يتصف فيما يمكن الاتصاف به، فيتصف بالرحمة والعزة والقوة وهكذا، إلا ما لا يمكن أن يتصف به مثل الخلق، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الله جميل يحب الجمال)، وصفة العزة تدل على أن الإنسان إذا ارتبط بالله عز وجل فهو مرتبط بعزيز، فهو سبحانه وتعالى عظيم قوي الجانب، وهو سبحانه وتعالى يعين المستضعفين والمؤمنين الصادقين، فحاجة الدعاة إلى الارتباط بالله عز وجل لا سيما في وقت الاستضعاف، وفي وقت كثرة أهل الباطل وظهورهم وانتشارهم في الأرض، وقوتهم وغلبتهم، وارتباط الإنسان بالله عز وجل في مثل هذه الأوقات مهم جداً، ولهذا يحتاج أن يرتبط الإنسان بالله عز وجل دائماً وأبداً.

    الفرق بين الصفات الذاتية والفعلية

    السؤال: ما الفرق بين الصفات الذاتية والصفات الفعلية؟

    الجواب: الصفات الذاتية هي التي لا تنفك عن الله عز وجل وليست متعلقة بالمشيئة، مثل علم الله عز وجل، وصفة اليدين والقدرة والحياة ونحو ذلك، ولو كانت صفة العلم مثلاً مرتبطة بمشيئة الله إن شاء فعلها وإن شاء تركها؛ فلو تركها يكون جاهلاً، ولا يمكن هذا أبداً.

    أما الصفات الفعلية فهي المتعلقة بمشيئة الله، إن شاء فعلها وإن شاء تركها.

    صلة السمع والبصر بالعلم والإدراك

    السؤال: هل السمع والبصر في حق الله لا يتضمن العلم والإدراك أم أن العلم والإدراك شيء زائد عن السمع والبصر؟

    الجواب: السمع والبصر زائدان عن العلم والإدراك.

    السؤال: لماذا لا يتضمن سمع الله وبصره العلم؟

    الجواب: السمع والبصر يتضمنان العلم، ولا يفسران به؛ لأن تفسيرها بالعلم إلغاء لصفة السمع والبصر، وهذه هي مسألة لوازم الصفات، فصفة السمع أو البصر تتضمن العلم، لكن ليست هي العلم؛ لأن السمع والبصر صفتان زائدتان على مجرد العلم، فيمكن من لا يسمع ولا يبصر أن يكون عنده علم.

    الصفات الثبوتية والسلبية

    السؤال: صفات الله عز وجل تنقسم إلى قسمين: ثبوتية وسلبية، ما هو الصحيح منها؟

    الجواب: كلها صحيح، فالثبوتية هي الصفات التي أثبتها الله عز وجل لنفسه، فأثبت لنفسه العلم والحياة والإرادة والسمع والبصر والنزول والضحك ونحو ذلك.

    والسلبية هي التي نفاها عن نفسه كالأنداد المماثلة والجهل والتعب ونحو ذلك.

    نصيحة في الزهد في الدنيا

    السؤال: في هذه الأيام وهذا الزمان كثر من اشتغل بالدنيا واهتم من أجل الدنيا على حساب دينه وأخلاقه، فنرجو منكم ترقيق القلوب من أجل الزهد في هذه الدنيا.

    الجواب: التعلق بالدنيا مشكلة يعاني منها كثير من الناس، حتى الطيبين من طلاب العلم والمشتغلين به، فتجد أن تعلقهم بالدنيا تعلق قوي جداً إلى درجة أن كثيراً من الصالحين ينسى الموت والدار الآخرة، وينسى أنه يعمل في هذه الدنيا لأجل البقاء، إما جنة عرضها السماوات والأرض، أو نار عظيمة محرقة مؤلمة.

    والتعلق بالدنيا يضعف الإنسان في دينه وأخلاقه، ولهذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم بين أن سبب الذلة التي تقع على المسلمين هو ترك الجهاد في سبيل الله والتعلق بالدنيا، فالجهاد في سبيل الله هو التضحية بالنفس والفداء بها، والإنسان الذي يجاهد في سبيل الله يكون تعلقه بالدنيا بسيطاً وضعيفاً؛ ولهذا يكون عزيزاً دائماً، فالمجاهدون في سبيل الله هم أعز الناس.

    يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم بأذناب البقر وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى تراجعوا دينكم).

    فالتعلق بالدنيا يسبب الذلة للإنسان، والحاجة والافتقار إلى الناس في المال ونحو ذلك، حتى إن بعض الناس يحصل له افتقار وحاجة إلى الآخرين في طلب شيء من حطام الدنيا!

    والسلف رضوان الله عليهم كانوا أصحاب عفة وبعد عن طلب الناس وسؤالهم، فهم أهل العزة الذين تعلقوا بالله عز وجل، ولم يتعلقوا بالناس أبداً.

    موقف أهل السنة والجماعة من علماء الإسلام الذين أولوا بعض الصفات

    السؤال: ما هو موقف أهل السنة من العلماء الذين وقعوا في تأويل بعض الصفات مثل النووي وابن حجر ؟

    الجواب: الذين وقعوا في البدع أنواع: فمنهم من وقع في البدعة وأصّل لها وجاهد من أجلها، واشتهر وعرف بها، مثل أهل الكلام من المعتزلة ومتكلمي الأشاعرة، فهؤلاء يجب الرد عليهم وبيان باطلهم، وتوضيح الحق للناس، وعدم السكوت عنهم، والتحذير من قراءة كتبهم المليئة بالباطل من العقائد الضالة.

    ونوع آخر قد يكون مشتغلاً بالفقه أو بالحديث أو بأي علم من العلوم مثل النحو، ولكن طبيعة العصر الذي عاش فيه أنه كان فيه رواج لفرقة من الفرق مثل الأشاعرة، فيكون قد تأثر بمعتقدات هذه الفرقة، مع أنه ليس متخصصاً أصلاً في هذا الباب، فيؤخذ ما عنده من العلم في التاريخ والحديث والفقه، ويترك ما عنده من الباطل في تأويل صفات الله عز وجل أو في القول بالقدر أو نحو ذلك من الأقوال الضالة، ولا يصح أن يستغنى عما عنده من العلم.

    فالحافظ ابن حجر رحمه الله إمام كبير في علم الحديث، وفي التاريخ، وخدم سنة النبي صلى الله عليه وسلم خدمة عظيمة، وكان العلماء الذين يدرسون الناس أشاعرة، فدرس عليهم وحفظ هذه العقيدة، وفي أثناء طلبه للعلم تبين له كثير من الباطل الذي عندهم، ولهذا تجد أن الحافظ ابن حجر رحمه الله يرد على الأشاعرة باسمهم في موطن، ويقلدهم في موطن آخر، مع أن هذا الإمام ليس مشتغلاً بعلم تأويل الصفات أو بنحو ذلك من العقائد الفاسدة، وأكثر علمه هو في الحديث والفقه والتراجم والتاريخ ونحو ذلك، فمثل هذا العالم يؤخذ ما عنده من الحق، وهو عالم من علماء المسلمين، وأما في باب الصفات وغيره من أبواب العقائد فينبغي للإنسان أن يكون حذراً في قراءة كلامه وأن ينقد ما عنده من الخطأ.

    حكم الترحم على أهل البدع

    السؤال: هل يجوز الترحم على أهل البدع؟

    الجواب: مسألة الترحم على أهل البدع مبنية على انقسام أهل البدع، فأهل البدع ينقسمون إلى قسمين:

    بدع مكفرة تخرج عن الإسلام، مثل بدع الفلاسفة والباطنية والقرامطة والحلولية وعباد القبور ونحو ذلك، فهؤلاء لا يترحم عليهم ولا يصلى خلفهم ولا كرامة.

    النوع الثاني من البدع: البدع التي لا تخرج الإنسان عن دائرة الإسلام، فإن صاحبها يكون مسلماً، وحينئذ فإن مقاطعة أصحاب البدع من هذا الصنف مبنية على المصلحة، فإن كانت هناك مصلحة من مقاطعته أو ترك السلام عليه أو ترك الصلاة على جنازته فإنه يفعل ذلك، إذا كان الذي يفعله عالم مشهور، فإذا فعل هذا الفعل ترك الناس هذه البدعة.

    أما إذا فعلها إنسان عادي فإنه يترحم عليه، ويسلم عليه، ويشمت إذا عطس، ونحو ذلك من حقوق المسلم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (حق المسلم على المسلم خمس) حتى لو كان مبتدعاً لكنه مسلم، ولا يصح لإنسان أن يترك هذا الحق لأجل أنه مبتدع، مع أنه ليس هناك فائدة من الترك.

    فالمبتدع إذا كانت بدعته غير مكفرة فإن له حقوق المسلم، إلا إذا كان في تركها فائدة للناس، كأن يهجره عالم مشهور أو نحو ذلك.

    فلا يجوز تكفير المسلم إلا إذا أتى بناقض من نواقض الإسلام، والخوارج يكفرون المسلمين بالمعاصي، فمن لم يترحم على المسلم ولو كان مبتدعاً بدعة غير كفرية فإنه يخشى عليه أن يشابه الخوارج في مذهبهم الباطل.

    نكتفي بهذا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3042302948

    عدد مرات الحفظ

    731425834