إسلام ويب

تفسير سورة الصافات [6-21]للشيخ : المنتصر الكتاني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الله تعالى هو الخالق الرازق الموجد لكل شيء بقول (كن)، لكن الإنسان مخلوق عجيب يتعالى على الله ويتعجب من عظمة الله تعالى ويتشكك في البعث بعد الموت، والله تعالى لا يزال يبين له الآيات ويثبت له بالحجج القاطعات أنه مبعوث محاسب.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب ...)

    قال تعالى: إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ * لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ * دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ [الصافات:6-9].

    نحن الآن في سورة الصافات، أي: سورة الملائكة.

    يقول الله جل جلاله: (إنا زينا السماء الدنيا بزينةِ الكواكب)، وقرئ (بزينةٍ الكواكب) بالتنوين، والمعنى متقارب، فالله جل جلاله يذكر هؤلاء الكفرة الجاحدين ليعودوا للإيمان بالله، والإيمان برسل الله، وكتبه، ويلفت أنظارهم إلى هذا الكون وما فيه من نظام دقيق في السماوات والأرض، وخلْق الإنسان، وتسيير الشمس والقمر، وما مضى وما لا يزال يذكر بذلك.

    ومن ذلك: أن الله جل جلاله زين السماء الدنيا وجملها، وأحسنها، والسماء الدنيا الأولى القريبة من الأرض التي نراها على شدة ارتفاعها وعلوها، زينها بالكواكب، فكانت زينتها ضياء الكواكب، فهذه الأنجم التي نراها والتي لا يحصي عددها إلا الله هي تزين السماء، كما قال في سورة الملك: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ [الملك:5]، فهي جعلت لإضائتها ونورها كهذه المصابيح التي نراها في السقوف وفي أعالي الدور والبناء، فكانت هذه الكواكب -جمع كوكب- وهذه النجوم التي لا يحصي عددها إلا الله زينة للسماء، وكانت ضياءً لها في الليل البهيم.

    من خلق ذلك؟ من زين ذلك؟ من رفعه؟ من أعلى سمك تلك السماء؟ إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ [الصافات:6-7] أي: وحفظ بها حفظاً.

    فـ(حفظاً): مفعول مطلق، أي: حفظ السماء وحفظ الكواكب من كل شيطان مارد من نسل إبليس من الشياطين، والألف واللام للجنس، بل حفظ الله سماواته من أن تتصنت إليها الشياطين، فالمردة على الله، والكافرون بالله، والجاحدون له ولأنبيائه ورسله حفظت منهم.

    قال تعالى: (وحفظاً من كل شيطان مارد) أي: من كل متمرد على الله، ومن كل من جاء يريد الإنصات إلى ما يقوله الملائكة، وما يتلقونه من وحي، وما يخرج به أمر الله من أمر أو نهي.

    قال تعالى: لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ * دُحُورًا [الصافات:8-9].

    .... (لا يسمعون) حذفت التاء تخفيفاً وأدغمت السين أي: لا يستمعون، وهذا للشيطان وجنسه؛ ولذلك عاد الضمير على الجماعة، (لا يسمعون) لا يتسمع هؤلاء الشياطين، وقرئ: (لا يستمعون) وقرئ: ( لا يسمعون)، وهي كلها قراءات تبعية.

    (لا يسمعون إلى الملأ الأعلى) والملأ الأعلى: الجماعة العليا، وهم سكان السماوات من ملائكة الله وجنده الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.

    وقد حفظ الله السماوات بهذه الشهب الثاقبة (وحفظاً من كل شيطان مارد * لا يسمعون) أي: كي لا يسمعوا.

    (ويقذفون من كل جانب)، يقذفون من كل جهات السماوات ومن كل أقطارها ومن كل جوانبها، وهذا إذا حاولوا التصنت على الملائكة وما يقولون وما يوحى إليهم.

    (ويقذفون) أي: يطردون ويقذفون من كل جانب (دحوراً) أي: ويدحرون دحوراً، أي: يطردون عن السماء، ويبعدون عن السمع وعن الإنصات.

    قال: (دحوراً ولهم عذاب واصب)، يطردون من الإنصات طرداً ويبعدون إبعاداً كي لا يسمعون ما يقوله الملائكة، كي لا ينصتوا لما تتحدث به الملائكة، وما يوحى إليهم من علم الغيب، ومن أوامر الله ونواهيه جل وعلا.

    (ولهم عذاب واصب) عذاب دائم، ويكون لهؤلاء الشياطين العذاب في الدنيا بهذا القذف، وعذاب الله يوم القيامة لكفرهم ولشركهم ولإنصاتهم على ما يحاولون.

    وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ * دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ * إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ [الصافات:8-10].

    هم يبعدون عند الإنصات، فإن تجرأ أحدهم ولربما يفعلون ذلك أحياناً يقذفون، وهذه الشهب التي نراها أحياناً يتطاير ضياؤها، وتتساقط بعض أجزائها تكون رجماً للشياطين في شهاب ثاقب يثقب الجني ويحرقه، ينفذ فيه من جانب إلى جانب ومع ذلك يحاولون أن يفعلوا، ويركب بعضهم بعضاً ليصل لذلك.

    وهذا استثناء من قول الله تعالى (ويقذفون) لأن هذه النجوم وهذه الشهب حفظت بها السماء: (وحفظاً من كل شيطان مارد)، حفظ الله السماء وحفظ وحيه وحفظ الملائكة جنده ورسله إلى الناس في الأوامر والنواهي وتلقي الوحي في الخلق والأمر، حفظها من أن ينصت إليها هؤلاء الشياطين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إلا من خطف الخطفة ...)

    وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ * لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ * دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ * إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ [الصافات:7-10].

    إلا من حاول أن يخطف خطفة وينصت إلى كلمة.

    فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ [الصافات:10].

    فيتبعه الله ويلحقه بهذا الشهاب الذي يسقط عليه فيحرقه وينفذ في بدنه من جانب إلى جانب فيهلك.

    و(شهاب): قطعة من نار جزء من هذا الذي يقذف به من الأنجم، وهو نار محرقة تدخل في بدنه وتثقبه فتحرقه.

    وبين ذلك عليه الصلاة والسلام وشرحه وفسره فقال -كما روى البخاري ومسلم في الصحيحين وأصحاب السنن- قال: (إن الشياطين)، أي: كفرة الجن يحاولون أن ينصتوا إلى الوحي الذي يوحى به إلى جند الله وملائكته، وكانوا قبل النبوة المحمدية، وقبل إرسال خاتم الأنبياء، يفعلون ذلك كثيراً.

    ولكن عندما جاء الله بنبيه وجاء بدين الإسلام، حفظ سماءه منهم، فرماهم بهذه الشهب، فأحرقتهم وأبعدتهم، وقد كانت الكهانة منتشرة في بلاد العرب وبلاد العجم والدنيا، والكهانة: من التكهن، فهم يحاولون أن يستنبئوا الغيب ويحسبون أنهم يسمعون ما عند الملائكة من وحي، وما عندهم من أوامر الله، فيذهبون ينصتون.

    وكانوا أحياناً يسقط أحدهم وهو يحترق فيلقي بكلمة، فيسمعها معه شياطين، فيزيد على الكلمة الواحدة التي يلقيها تسعة وتسعين كلمة أخرى، كلها كذب ودجل وشعوذة، فيذهب هذا الكاهن الذي يتلقى عن الشيطان وساوسه، ويتلقى عنه كفره، ويتلقى عنه زعمه الاطلاع على الغيب، فيذهب ويلقي مع هذه الكلمة تسعاً وتسعين، كلها كذب وبهتان لا حقيقة لها، يخترعها اختراعاً ليضل الخلق، وليكفر الخلق؛ لأنه عدو لله وعدو للإنسان.

    ولقد حذر الله بني آدم من عداوته: إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ [طه:117] كما خاطب آدم عليه السلام، وهو عدو للمؤمنين، وعدو لكل الخلق، فيتكهنون ويفسدون، إلى أن تعبدهم بعض من أضلوه، وعبادتهم: طاعتهم، وعبادتهم بأن يبعدوهم عن التوحيد وعن الإيمان.

    فيذهبون فيزيدون على الكلمة الواحدة تسعاً وتسعين كلمة، ولكن الله جل جلاله حفظ دينه عن هذا وحفظ وحي كتابه عن هذا، والكهنة من صدقهم بما يقولون لا تكاد تقبل له صلاة أربعين يوماً، كما ورد عن الصادق المصدوق صلى الله عليه وعلى آله، إن هي إلا كهانات وتنبؤات في الباطل لا حقيقة لها في واقع الأمر، ولا يصدق منها شيء؛ لأنها كذب وزعم للاطلاع على الغيب وهم لا يطلعون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فاستفتهم أهم أشد خلقاً ...)

    يقول تعالى: فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ [الصافات:11] يقول ربنا: (استفتهم) أي: يا محمد! استفت هؤلاء الكافرين من أدركوا حياة النبي عليه الصلاة والسلام، ومن جاءوا بعده إلى يوم الدين، فالقرآن يخاطبهم دوماً، والسنة تبين ذلك وتخاطبهم دوماً كذلك، اسألهم: (أهم أشد خلقاً أم من خلقنا) أي: أهم أشد خلقاً من الأمم السابقة، من الأمم التي كان لها من السلطان ومن القوة ومن الحضارة ومن شديد البأس، ومن شديد السلطان.

    ومع ذلك عندما كفروا بالله عاقبهم أشد عقاب، بين غريق ومصعوق ومرجوم من السماء، وبين ممسوخ قرداً أو خنزيراً، وبين ممسوخ حجارة أو جماداً، وهكذا شرد أقواماً وعذبهم ونكل بهم، يقول لهؤلاء الكافرين: أنتم أتظنون أنفسكم أعظم خلقاً وأقوى سلطاناً وأشد بأساً ممن مضى.

    فالله ينذرهم ويتوعدهم إن لم يعودوا إلى الإيمان، فالإيمان بالله وبرسوله خاتم الأنبياء أنه يصنع بهم ما صنعه بالأمم السابقة وقد فعل، من آمن فالإسلام يجب ما قبله، ومن لم يؤمن ذهب بين قتيل وشريد ومأسور وهكذا وإلى أبد الآباد ما دامت الدنيا وإلى يوم النفخ في الصور.

    كل هؤلاء الذين كفروا بربهم أين هم؟ أين فارس؟ أين الروم؟ وقل كذلك عن أمم سابقة فستلحقها الأمم اللاحقة أمريكا وروسيا وأمثالهما من دول الكفر ودول الشرك على كفرهم بالله ووثنيتهم بعبادة من دون الله، من عبد مريم، ومن عبد العزير، ومن عبد السماء والطبيعة، ومن عبد الإنسان وشخصه.

    فكلهم كانوا مردة خارجين عن أمر الله وعن طاعة رسول الله، كلهم كفروا بكتاب الله، فالقرآن ينذر الأولين وينذر الحاضرين، وينذر اللاحقين: أن من فعل ما فعله الكفار الذين كفروا من قبل فسيعاقبون بمثل عقابهم، وهذا معنى هذه الآية الكريمة.

    فاستفتهم يا محمد! خذ فتواهم، خذ رأيهم، سلهم: أأمنوا مكر الله؟ أأمنوا عذاب الله؟ فالله يمهل ولا يهمل.

    وفسرت الآية: (فاستفتهم أهم أشد خلقنا) أي: أم من خلقنا من السماوات والأرض)، فإن السماوات أعظم كياناً، أعظم جرماً، أعظم بما فيها من أنجم وكواكب لا يحصيها إلا الله، من سماوات وما فوق السماء، بين كل سماء وسماء كما بين الأرض والسماء، والأرض كذلك، فهل هم أعظم جرماً من تلك أو أقوى طبيعة منها؟ ومع ذلك فسيأتي اليوم الذي لا تبقى فيه سماء ولا أرض، ولا يبقى حي على وجه الأرض: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:26-27].

    قال تعالى: إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ [الصافات:11] أي: لاصق يعلق باليد إذا أمسكته، قيل: هذه طينة لا تكاد تمسها يد إلا وعلقت بها، أو علقت بثوبه، فالله خلق هذا الإنسان المتعالي بنفسه، المتكبر على الله، الذي يأبى الإسلام ويأبى الخضوع.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (بل عجبت ويسخرون ...)

    يقول تعالى: بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ * وَإِذَا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ * وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ * وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ [الصافات:12-15].

    قوله: (بل عجبت ويسخرون) قرئ (عجبتَ) وقرئ (عجبتُ) بالضم.

    يقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: بل أنت قد عجبت من هؤلاء كيف أدخل عليهم الوحي، وأرسل إليهم نبياً من بينهم يعلمون أباه وأهله وعشيرته، ونشأ بينهم أربعين عاماً، ومن لم يدركه ومن لم يعاصره قرأ من سيرته العطرة وعلم من معجزاته الواضحات البينات، ثم بعد ذلك يكذبونك يا محمد؟!

    فكان يعجب النبي عليه الصلاة والسلام كيف لم يؤمنوا مع هذه الأدلة الباهرة والمعجزات الكاشفة؟! فقيل له: (بل عجبت ويسخرون) أي: فأنت تعجب وهم يسخرون من تعجبك؛ كيف تعجب من هذا وأنت تريدهم أن يتركوا آلهتهم إلى إلهك، وأن يتركوا دينهم إلى دينك؟!

    ومعنى كونها بالضم، (بل عجبتُ) أن الله جل جلاله يعجب، كما قال تعالى في آية أخرى: وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ [الرعد:5] فالله تعالى تعجب من قولهم، ومعنى ذلك: أن عجب الله جل جلاله يكون مرة من خير ويكون مرة من شر، وعجبه: إنكاره، وعجبه: غضبه، فهو قد شارك النبي صلى الله عليه وسلم كما يقول الإمام الجنيد إمام أهل الآداب والرقائق، يقول: إن الله لا يعجب من شيء، ولكنه جل جلاله تابع نبيه فعجب لعجبه، أي: أنكر ما أنكره النبي عليه الصلاة والسلام من هؤلاء المشركين ومن كفرهم.

    ويكون العجب بمعنى: الرحمة والرضا، كقول النبي عليه الصلاة والسلام: (عجب ربنا من شاب لا صبوة له)، فالعجب هنا من الله أي: الرضا عنه والرحمة له، وذلك لكونه مع شبيبته ومع قوته ومع قدرته على أنواع الفواحش والذنوب والمعاصي، ومع ذلك حفظ شبابه عن المعصية وعن السوء، ومن هنا كانت رتبة هذا مع السبعة الذين يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله، ومنهم: (ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله)، فكبت نفسه، وعظم عليه أن يعصي ربه خوفاً منه.

    قوله: وَإِذَا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ [الصافات:13] فقد غطى على قلوبهم الران، وأشربت بالكفر والشرك فهم (إذا ذكروا لا يذكرون) وشأن المؤمن أن يتذكر إذا ذكر وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [الذاريات:55].

    فإذا تلوت القرآن على المنافق الكافر الذي أبى إلا الجحود والعصيان، إذا أنت ذكرته بالله، تلوت عليه كلام الله، حدثته بكلام رسول الله، رققت قلبه بالآداب والرقائق وقصص الأولين، وأن من عصى كان له النار وأن من أطاع له الرحمة والرضا، فهو لا يذكر ولا يخشع ولا يقبل ولا يعظم ربه، لا يذكر سيئته فيتركها ويعود إلى ربه، فهؤلاء هم المصرون المعاندون.

    قال: وَإِذَا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ * وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ [الصافات:13-14] إذا اطلعوا على آية من آياته، معجزة من معجزاته يسخرون، و(يستخسرون) أي: يطلبون من غيرهم السخرية معهم، كما يفعل الكافرون في كل وقت، هم الآن كذلك، وهم قبل كذلك، وسيبقون كذلك؛ لأن الران واللعنة قد غطت على قلوبهم، فلا يمكن أن يذكر الله ويعود إليه، قال تعالى: وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [الأعراف:198]، إذا رأوا آية عميت عنها بصائرهم قبل أن تعمى الأبصار، وإذا رأوا قدرة من قدرات الله، معجزةً من معجزات رسول الله، لا يستطيع مثلها أحد، إذا بهم (يستسخرون) يبدءون بالسخرية والهزء، بل يقولون: هذا سحر مبين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقالوا إن هذا إلا سحر مبين)

    قال تعالى: وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ [الصافات:15].

    أي: ظاهر بين، هكذا يدعي الكافر ليجد مع نفسه ومع هواه ومع نزواته جواباً على كفره وتبريراً لكفره، وما هي إلا اللعنة واستيلاء الشيطان على قلبه وعلى عقله، وعلى مكان الموعظة من قلبه، فهو لا يزداد في الله إلا كفراً.

    ومن هنا قال عثمان بن عفان رضي الله عنه: إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن. لقد أرسل نبيه صلى الله عليه وسلم إلى الخلق ليؤمنوا بالدليل العقلي، وبالبرهان الفطري، وبالفهم والتفهم الذي يعود على الإنسان بالخير ويعقل عقله، ولكن ترى أقواماً لا تفيد فيهم موعظة، تقول: قال الله، فيهزءوا، تقول: قال رسول الله فيعرضوا، هؤلاء لا ينفع فيهم إلا السلطان والسيف.

    ومن هنا نزلت الحدود، ونزل الجهاد، فللسارق قطع يده، وللزاني الجلد أو الرجم، وللكافرين السيف إذا رفضوا الإسلام ودفع الجزية وهكذا.

    فلذلك جاء الإسلام بالقلم، جاء بالعلم والوحي والمعرفة كما أنه جاء بالسيف، وكان أول ما نزل على نبينا عليه الصلاة والسلام: العلم بالقلم: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ [العلق:1-4].

    وقد أقسم الله بالقلم فقال: ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ [القلم:1]، ولكن أقواماً لا تفيد فيهم موعظة، صعد الران على قلوبهم، فهؤلاء لهم السيف؛ لأنهم إذا لم يؤدبوا، إذا لم يعاقبوا، إذا لم يجاهدوا فسينشروا الفساد والفواحش في الأرض، فلا يردع هؤلاء إلا القوة؛ ولذلك الإسلام جاء بالعلم وبالمعرفة لأهل القلوب التي تقبل الموعظة، كما جاء بالسيف الغليظة للقلوب المغلقة التي صعد عليها الران، التي لا تقبل موعظة من قوله تعالى، ولا من قول رسوله صلى الله عليه وسلم.

    وفي الحديث الصحيح الوارد عن جماعة من الصحابة في الصحاح والسنن: (والذي نفس محمد بيده! لا تقوم الساعة حتى يبلغ هذا الدين مبلغ النجم)، وفي رواية: (حتى يبلغ هذا الدين مبلغ الليل والنهار حتى لا يبقى بيت مدر ولا حجر إلا دخله؛ بعز عزيز، أو بذل ذليل)، إما أن يسلموا فيعزوا، أو يذلهم فيؤدون الجزية له عن يد وهم صاغرون، أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

    والنجم موجود في الأرض كلها، وحيث يبلغ الليل، والليل يظلم على الأرض كلها، والإسلام لن تقوم الساعة حتى يعم الأرض مشارقها ومغاربها، وجميع قاراتها، وهذا آت لا محالة؛ لأن ربنا قد قال ذلك، وكرره في آية كررت ثلاث مرات في سورة التوبة، وسورة الفجر، وسورة ص، فقال تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [التوبة:33]، ليكون غالباً، ليكون قاهراً، ليرتفع بهداية الله وحده دون جميع الأديان السابقة، فيظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيداً ولو كره المشركون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أئذا متنا وكنا تراباً ...)

    قال تعالى: إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَآبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ * قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ * فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ [الصافات:15-19].

    من خصائص الكافر: أنه لا يؤمن بيوم البعث، ولا بالحياة الثانية، فهم يستفهمون على سبيل الإنكار: كيف سيبعثنا الله وقد صرنا عظاماً ورفاتاً وعادت عظامنا رمماً؟!

    وعندما قالوا كما في سورة (يس): مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ [يس:78] قال الله لهم: قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ [يس:79].

    أي: فمن الذي أنشأها على غير مثال سابق؟ ولقد خرجنا إلى الوجود من العدم، فالذي خلقنا من عدم أيعجز أن يعيدنا بعد وجود سابق وهو على الله أهون، والكل عليه هين، إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول: كن، فيكون.

    جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام العاص بن وائل وأبي بن خلف من زعماء الكفار في مكة، وقالوا له -وقد أخذ أبي عظم إنسان وذراه في الهواء- وهو يسأل النبي سؤال الساخر: يا محمد! (أسنعود مرة أخرى؟ قال: نعم، إنك ستبعث، وستدخل النار)، وكان كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، فقد مات العاص بن وائل على الكفر، ومات أبي بن خلف على الكفر، وسيبعثان إلى النار، كما أخبر الله عن أبي لهب بأنه سيصلى ناراً ذات لهب، فهذا من المعجزات.

    قال تعالى: (قل نعم) أي: أجب هؤلاء وقل: نعم ستبعثون بعد أن تصيروا تراباً، وبعد أن تصيروا عظاماً نخرة، أنتم وآباؤكم الأولون ومن جاء بعدهم، وتعرضون على الله للحساب، فإما إلى جنة وإما إلى نار.

    (وأنتم داخرون) وأنتم صاغرون ذليلون، راغمون غير راضين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فإنما هي زجرة واحدة ...)

    قال تعالى: فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ [الصافات:19].

    الزجرة ليست إلا صيحة، وهي صيحة البعث، والزجرات ثلاث: زجرة للفزع، فينفخ إسرافيل في البوق فإذا بكل من على الأرض من حي يفزع ويقف ذاهلاً مبهوتاً، ويدرك أن هذا أوان الساعة، فتمضي أربعون سنة وهم في هذا الذهول.

    ثم ينفخ إسرافيل النفخة الثانية -وهي نفخة الصعق- فيصعقون ويموتون، فمنهم من يموت وهو يحلب، ومنهم من يموت وهو يحاول وضع اللقمة في فمه، ومنهم من يخرج الثوب ليبيع ويشتري فلا يفعل، فيصعقون على حالهم.

    وبعد أربعين سنة ينفخ إسرافيل -وهو المكلف بالبوق- النفخة الثالثة وهي نفخة البعث، يقول تعالى: فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ [الزمر:68].

    وقوله: (فإنما هي زجرة واحدة) أي: لا تحتاج إلى ثانية، فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ [الصافات:19] أحياء ينظر بعضهم إلى بعض عراة حفاة غرلاً، بل إنهم يفنون في النفخة الثانية ويدفنون بلا قلنسوة وبلا حذاء، وعائشة لما سمعت النبي يقول هذا عليه الصلاة والسلام قالت: (أنقف عراةً يرى بعضنا بعضاً؟! فقال لها النبي عليه الصلاة والسلام: الأمر أكبر وأشد من ذلك) أي: لا يفكر أحد في أحد؛ إذ الناس في ذهول، يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [الحج:2].

    وقال: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس:34-37].

    فلن يفكر أحد في أحد، وكل يقول: نفسي نفسي! حتى الأنبياء تتجمع عليهم الخلائق والأمم ليشفعوا فيهم، وإذا بهم يقولون: نفسي نفسي! ولكن محمداً صلى الله عليه وسلم -وهو صاحب الشفاعة العظمى- عندما يأتونه جميعهم من أمة نوح إلى أمته يقول: أنا لها! أنا لها! ويقف صلى الله عليه وسلم ويخر تحت العرش، ويسجد ما شاء الله أن يسجد، ويدعو الله بدعوات، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (لا أعلمها الآن)، فيقول الله له جل جلاله: (ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع)، اللهم اجعلنا من أهل شفاعته ومن أهل كرمه.

    قال: فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ [الصافات:19] عراة ينظرون بأبصارهم وقد عادت إليهم أجسامهم.

    وإذا بهم يقولون في رعب آخر وفزع: وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ [الصافات:20] قاموا وشعروا بأنهم عادوا بعد أن ماتوا، وأخذوا يصيحون وينادون بالويل والثبور وعظائم الأمور، يقولون: يا ويلكم! يتداعون بالويل، وهو نهر من القيح والصديد في قعر جهنم: (هذا يوم الدين) أي: يوم القيامة، يوم الدين الحق الذي ليس فيه إلا دين واحد وهو الاعتراف بالله، والإيمان بالله، وبما قاله الله، ولكن الإيمان ممن مات على الكفر لن ينفعه، ولات ساعة مندم، يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا [الأنعام:158].

    قال تعالى: وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ [الصافات:20] أي: هذا يوم القيامة، هذا يوم الفصل في الدين، فمن كان موحداً فيا سعادته! ومن كان كافراً فيا خسارته!

    ثم تقول لهم الملائكة: هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ [الصافات:21] أي: هذا يوم القضاء بين الخلائق.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3046356072

    عدد مرات الحفظ

    735920956