إسلام ويب

الجنةللشيخ : أحمد فريد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الجنة سلعة الله الغالية، أعدها لعباده، وحثهم على المسارعة والمسابقة إليها، فشمر لها من وفقه الله تعالى، فبذل من أجلها الغالي والنفيس لعلمه بعظيم قدرها، وتخاذل الكسالى والبطالون فما رفعوا لها رأساً ولا ساموها بثمن لفداحة خسارتهم، وإن المسابقة إليها تجارة مع الله عز وجل، لا يعرف قدرها إلا أصحاب القلوب الحية، والبصائر المستضيئة بنور الإيمان.

    1.   

    الجنة سلعة غالية

    الحمد لله المتفرد بوحدانية الألوهية، المتعزز بعظمة الربوبية، القائم على نفوس العالم بآجالها، العالم بتقلبها وأحوالها، المان عليهم بتوافر آلائه، والمتفضل عليهم بسوابغ نعمائه، خلق الخلق حين أراد بلا معين ولا مشير، وأنشأ البشر كما أراد بلا شبيه ولا نظير، فمضت فيهم بقدرته مشيئته، ونفذت فيهم بحكمته إرادته، ألهمهم حسن الإطلاق، وركب فيهم تشعب الأخلاق، فهم على طبقات أقدارهم يمشون ، وفيما قضي وقدر عليهم يهيمون، وكل حزب بما لديهم فرحون.

    وأشهد أن لا إله إلا الله خالق السماوات العلى، ومنشئ الأرضين والثرى، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.

    وأشهد أن محمداً عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، ورسوله المرتضى، بعثه بالنور المضي، والأمر المرضي، على حين فترة من الرسل، ودروس من السبل، فدمغ به الطغيان، وأظهر به الإيمان، ورفع دينه على سائر الأديان، فصلى الله عليه وسلم وبارك ما دار في السماء فلك، وما سبح في الملكوت ملك، وسلم تسليماً.

    أما بعد:

    عباد الله! إن أصدق الحديث كتاب الله عز وجل، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وإن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين.

    مهر المحبة والجنة بذل النفس والمال لمالكهما الذي اشتراهما من المؤمنين، فما للجبان المعرض المفلس وسوم هذه السلعة، بالله ما كسدت فيستامها المفلسون، ولا فسدت فيشتريها بالنسيئة المعسرون.

    لقد أقيمت للعرض في سوق لمن يريد، فلم يرض لها ربها بثمن دون بذل النفوس، فتأخر البطالون، وقام المحبون ينتظرون أيهم يصلح أن تكون نفسه الثمن؟ فدارت السلعة بينهم ووقعت في يد أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ [المائدة:54].

    لما كثر المدعون للمحبة طولبوا بإقامة البينة على صحة الدعوى، فلو يعطى الناس بدعواهم لادعى الخلي حرفة الشجي، فتنوع المدعون في الشهود، فقيل: لا تقبل هذه الدعوى إلا ببينة قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران:31]، فتأخر الخلق كلهم، وثبت أتباع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في أقواله وأفعاله، فقيل: لا تقبل هذه البينة إلا بتزكية يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ [المائدة:54]، فتأخر الخلق كلهم وثبت المجاهدون، فقيل: إن نفوس المجاهدين وأموالهم ليست لهم، إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ [التوبة:111].

    لما رأى التجار عظمة المشتري وقدر الثمن وجلالة قدر من وقع التبايع على يديه علموا أن للسلعة قدراً وشأناً فرأوا من الخسران البين والغبن الفاحش أن يبيعوها بثمن بخس دراهم معدودة، تذهب لذتها وتبقى تبعتها، فعقدوا مع المشتري بيعة الرضوان رضاءً واختياراً من غير ثبوت خيار، وقالوا: والله لا نقيل ولا نستقيل، فقيل: إن نفوسكم وأموالكم قد صارت إلينا، والآن رددناها عليكم أوفر ما كانت، وأضعاف أموالكم معها، وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران:169].

    فحيهلا إن كنت ذا همة فقد حدا بك حادي الشوق فاطو المراحلا

    وقل لمنادي حبهم ورضاهم إذا ما دعا لبيك ألفاً كواملا

    ولا تنظر الأطلال من دونهم فإن نظرت إلى الأطلال عدن حوائلا

    ولا تنتظر بالسير رفقة قاعد ودعه فإن الشوق يكفيك حاملا

    فما هي إلا ساعة ثم تنقضي ويصبح ذو الأحزان فرحان جاذلا

    لقد حرك الداعى إلى الله وإلى دار السلام النفوس الأبية، وأسمع منادي الإيمان من كانت له أذن واعية، فحركه السماع إلى دار الأبرار، فما حطت به رحاله إلا بدار القرار.

    1.   

    فضل الجهاد والشهادة في سبيل الله

    أعلى تجارة وأغلاها بذل النفس والمال في سبيل الله عز وجل دفعة واحدة، لا يستبقي العبد من ذلك شيئاً، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (من قاتل في سبيل الله فواق ناقة دخل الجنة).

    وقوله: (فواق ناقة) هو الزمن بين الحلبتين.

    ويقول صلى الله عليه وآله وسلم: (للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفقة من دمه، ويجار من عذاب القبر، ويأمن الفزع الأكبر، ويحلى حلية الإيمان، ويزوج من الحور العين، ويشفع في سبعين إنساناً من أقاربه). (وقيل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ فقال: كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة).

    وقال: (والذي نفسي بيده لوددت أن أغزو في سبيل الله فأقتل، ثم أغزو فأقتل، ثم أغزو فأقتل).

    وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (ما من أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وأن له ما على الأرض من شيء إلا الشهيد؛ لما يرى من شرف الشهادة وكرامة الشهادة)، أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

    و الفضيل بن عياض الملقب بعابد الحرمين لملازمته للحرمين بالعبادة والطاعة والبكاء والخشية، أرسل له عبد الله بن المبارك وكان مرابطاً بطرسوس كتاباً يقول له:

    يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك في العبادة تلعب

    من كان يخضب خده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضب

    أو كان يتعب خيله في باطل فخيولنا يوم الصبيحة تتعب

    ريح العبير لكم ونحن عبيرنا رهج السنابك والغبار الأطيب

    ولقد أتانا من مقال نبينا قول صحيح صادق لا يكذب

    لا يستوي غبار خيل الله في أنف امرئ ودخان نار تلهب

    هذا كتاب الله ينطق بيننا ليس الشهيد بميت لا يكذب

    فلما وصل الكتاب إلى الفضيل بن عياض بكى وقال: صدق أبو عبد الرحمن ونصح، ثم قال للرسول: أتكتب الحديث؟ قال: نعم. قال: فاكتب هذا الحديث كراء حملك كتاب أبي عبد الرحمن إلينا، ثم أملاه بسنده رواية من حديث أبي هريرة : (أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: دلني على عمل يعدل الجهاد؟ قال: لا أجد. قال: هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر، وتصوم ولا تفطر؟) أي: إذا خرج المجاهد في سبيل الله عز وجل فمكث شهراً أو شهرين أو سنة أو سنتين هل تستطيع أن تدخل مسجدك فتقوم في الصلاة فلا تفتر وتصوم فلا تفطر؟ (قال: ومن يستطيع ذلك؟ قال أبو هريرة : إن فرس المجاهد ليستن في طوله فيكتب له حسنات)، أي: حركة الفرس تكتب للمجاهد في سبيل الله عز وجل.

    وقيل: يجمع بعره وروثه وغير ذلك ويوضع في ميزان المجاهد يوم القيامة، فليس هناك عمل -عباد الله- يعدل الجهاد في سبيل الله، فهو ذروة سنام الإسلام، فأعلى التجارة وأغلاها هي التجارة بالنفس والمال لله عز وجل، قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ [التوبة:111].

    وقال عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [الصف:10-11].

    فأعلى تجارة وأغلاها هي التجارة ببذل النفس والمال لله عز وجل دفعة واحدة، وكل عمل مشروع وعبادة وطاعة لله عز وجل فهي تجارة مع الله عز وجل، كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ [فاطر:29].

    1.   

    التجارة في الدنيا إذا لم تكن مع الله فهي مع سواه

    وكل أحد -عباد الله- في الدنيا يتاجر، والتجارة إما أن تكون مع الله عز وجل، وربح هذه التجارة سعادة الدنيا والآخرة، والحياة الطيبة في الدنيا، والسعادة الأبدية السرمدية في جنة الله عز وجل، وإما أن تكون تجارة مع الشيطان الرجيم، وربحها الضنك والهم والغم والحزن والشقاء في الدنيا، والعذاب الأليم في الآخرة والذي يتاجر به الناس النفوس والأموال والأوقات والأولاد، فما يملكه العبد في الدنيا إنما يتاجر به في الدنيا.

    قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (الدنيا سوق)، وقال: (كل الناس يغدو، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها).

    فقوله: (كل الناس يغدو فبائع نفسه) أي: لله عز وجل، (فمعتقها) أي: من النار، (أو موبقها) أي: يبيعها للشيطان، فيخسر نفسه في الدنيا والآخرة.

    أخي إنما الدنيا كسوق تزينت أقيم لنا وانفض أمر الفوانيا

    وكل امرئ لا بد يدخل سوقها سواء بهذا كارهاً أم راضيا

    ولا بد من بيع ولا بد من شرا ولا بد يمشي رائحاً أو غاديا

    وسلعته الكبرى التي سيبيعها هي النفس لكن من يكون الشاريا؟

    فإن باعاها لله أعتقها إذن وكان له من جمرة النار واقيا

    وجنة ربي كانت الثمن الذي سيقبضه الإنسان فرحان راضيا

    وقد ربح البيع الذي تم أخذه ودل الإله المشتري دلّ ربّيا

    فالمؤمنون -عباد الله- يتاجرون بأوقاتهم وأنفاسهم وأموالهم مع الله عز وجل، فيربحون سعادة الدنيا والآخرة، والمعرضون والكافرون والفاسقون يتاجرون مع الشيطان، فلا يحصلون إلا على الصفقة الخاسرة، وهي الشقاء والنكد والهم والغم والحزن في الدنيا، ثم الشقاء الأبدي السرمدي في عذاب الله عز وجل يوم القيامة.

    قال بعض السلف: رأيت العبد ملقى بين الله عز وجل وبين الشيطان، فإن تولاه الله عز وجل لم يقدر عليه الشيطان، وإذا خذله الله عز وجل أخذه الشيطان.

    فمن تولى ربه بالطاعة والعبادة والإخلاص والإنابة تولاه الله عز وجل بالحفظ والكلاءة والنصر وقبول الدعوة، ومن خذل دين الله عز وجل فإن الله عز وجل يخذله، فيتولاه عند ذلك الشيطان، ويصير فريسة له.

    فينبغي للعبد أن يسأل نفسه: هل هو مع الله عز وجل أو مع الشيطان؟

    فليس هناك طرف ثالث يساوم على نفس العبد وماله، فإما أن تكون مع الله عز وجل أو مع الشيطان.

    والتجارة مع الله عز وجل نوع خاص من التجارات وليست كسائر التجارات، فالمعاملة مع الله عز وجل معاملة بين العبد الضعيف المخلوق الفقير وبين الرب الغني القادر القاهر.

    أما معاملات الخلق فهي معاملة بين فقير وفقير، وبين محتاج ومحتاج، وبين ضعيف وضعيف.

    والله عز وجل يريد من العباد أن يعاملوه حتى يربحوا على الله عز وجل أعظم الربح، وهو عز وجل غني عنهم وعن عباداتهم، كما قال الله عز وجل: لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ [الحج:37].

    فالناس يذبحون وينحرون الهدي والأضاحي، وهم الذين يأكلون اللحوم، والله عز وجل لا يدخر شيئاً من اللحوم ولا من الدماء، ولكنه يريد من العباد أن يستجيبوا لله عز وجل، حتى يسعدوا في الدنيا والآخرة، وحتى يربحوا على الله عز وجل أعظم الربح.

    فلو أن العباد كلهم على أتقى قلب رجل واحد منهم -وهو قلب نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم- ما زاد ذلك في ملك الله عز وجل شيئاً، ولو أنهم كلهم على أفجر قلب رجل واحد منهم ما نقص ذلك من ملك الله عز وجل شيئاً، كما في الحديث القدسي: (يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني).

    فالله عز وجل لا يستفيد شيئاً من طاعة العباد، بل هم أنفسهم يستفيدون من الطاعة في الدنيا والآخرة، ولا يتضرر الله عز وجل بشيء من معاصي العباد، بل هم أنفسهم يتضررون من معاصيهم في الدنيا والآخرة، فالله عز وجل يريدك لك، من أجل أن تستفيد وتنتفع أنت.

    وأما تجارات الخلق فكل من أن يعاملك إنما يريد أن يستفيد منك، وأن ينتفع منك منفعة، فهو إنما يريدك لنفسه، والله عز وجل يريدك لك.

    فالتجارة مع الله عز وجل نوع خاص من التجارات.

    1.   

    الفرق بين التجارة مع الله وتجارات الدنيا

    من الفروق بين التجارة مع الله عز وجل وتجارات الدنيا: أن التجارة مع الله عز وجل لا يمكن أن تخسر بحال من الأحوال، قال تعالى: يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ [فاطر:29]، فلا يمكن أن تبور التجارة مع الله عز وجل.

    وأما تجارات الدنيا -عباد الله- فقد تربح مرة وتخسر أخرى، وقد تربح مرات وتخسر مرات، فهي عرضة للمكسب والخسارة.

    وأما التجارة مع الله عز وجل فهي رابحة دائماً، كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (ما من غازية تغزو في سبيل الله فيصيبون الغنيمة إلا تعجلوا ثلثي أجرهم في الدنيا، فإن لم يصيبوا الغنيمة تم لهم أجرهم).

    فالمجاهد -عباد الله- ينتظر ثلاثة أمور: ينتظر الربح في الآخرة، وينتظر الغنائم، وينتظر فرحة النصر، فإذا انتصر الجيش المسلم أصاب ثلثي الأجر؛ لأنه ينال فرحة النصر والغنيمة، ويبقى لهم الثلث، فإن لم يصيبوا الغنيمة تم لهم أجرهم في الآخرة، فهم الرابحون على كل حال، وهذا شأن التجارة مع الله عز وجل في الربح دائماً، أما تجارات الدنيا فهي عرضة للمكسب والخسارة.

    ومن الفروق كذلك بين التجارة مع الله عز وجل وتجارات الدنيا: أن أرباح التجارة مع الله عز وجل عالية جداً،أما تجارات الدنيا فالربح فيها -إن حصل ربح- محدود، ففي السلعة تربح (10% ) أو ( 20% ) أو ( 100% ) أو (200% )، فغاية الأمر أن يربح الدرهم درهماً أو درهمين.

    وأما التجارة مع الله عز وجل فيقول تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ [البقرة:261]، هكذا ربح التجارة مع الله عزوجل في الدنيا، الدرهم فيها يربح (700) درهم، ولا يمكن أن توجد مثل هذه التجارة مع غير الله عز وجل.

    ويقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (اقرءوا القرآن فإنكم تؤجرون عليه، أما إني لا أقول: (الم) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف).

    ويقول صلى الله عليه وآله وسلم: (من قرأ: قل هو الله أحد حتى يختمها عشر مرات بني له قصر في الجنة).

    وقال: (من قال: سبحان الله العظيم وبحمده غرست له بها نخلة في الجنة).

    قال بعض السلف: بلغنا أن نخل الجنة سوقها من ذهب، وسعفها من حلل، وثمارها أبيض من اللبن، وألين من الزبد، وأحلى من العسل والشهد.

    فهذه النخلة عجيبة غريبة في دار القرار فهي تغرس للعبد عندما يحرك لسانه بقوله: سبحان الله العظيم وبحمده. فانظر إلى مضيع الساعات كم يفوته من النخيل؟!

    ومن الفروق بين تجارات الدنيا والتجارة مع الله عز وجل كذلك: أن تجارات الدنيا قد يدخلها الغش، فقد تكون عندك سلعة معينة وتدلسها وتروجها فتروج.

    أما التجارة مع الله عز وجل فلا يمكن أن يدخلها الغش بحال من الأحوال؛ لأن الله عز وجل خبير بصير، يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [غافر:19]، فلا يمكن أن يدخل الغش في التجارة مع الله عز وجل، والتجارة مع الله عز وجل نوع خاص من التجارات، وأكثر الناس يعرفون كيف يتاجرون في الدنيا، وكيف يحصلون الأموال من الحلال أو من الحرام، ولكن القليل منهم من يعرف كيف يتاجر مع الله عز وجل، وكيف يربح مع الله عز وجل أعظم الربح.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

    1.   

    فقه التجارة مع الله

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

    ثم أما بعد:

    عباد الله! من فقه التجارة مع الله عز وجل: أن يتوخى العبد الإخلاص في كل قول وعمل؛ لقول الله عز وجل: أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ [الزمر:3]، ولقوله عز وجل: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [البينة:5].

    ولقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصاً وابتغي به وجهه).

    فكل عمل -عباد الله- كان مشوباً مغموراً بإرادة غير الله يجعله الله عز وجل يوم القيامة هباءً منثوراً، ويوم القيامة -عباد الله- يأتي أناس بحسنات أمثال الجبال، فيجعلها الله عز وجل هباءً منثوراً، كما قال عز وجل: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان:23].

    ومن فقه التجارة مع الله عز وجل عباد الله! ألا يعمل العبد عملاً إلا بنية، فالعبد ينبغي له أن يكون فقيهاً في تجارته، فيتاجر بمباحاته مع الله عز وجل؛ لأن النية الصالحة ترفع العمل المباح فتجعله من الطاعات، فالأكل والشرب والسعي على المعاش والمذاكرة للطلاب والنوم وغير ذلك من الأمور المباحة إذا نوى العبد فيها نية صالحة ترتفع إلى درجة الطاعات، كما قال معاذ رضي الله عنه: إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي.

    أي: كما يقوم الليل ويحتسب الأجر عند الله عز وجل فإنه ينام كذلك ويحتسب الأجر عند الله عز وجل؛ لأنه ينام بنية صالحة، من أجل أن يجم نفسه للعبادات والطاعات، ومن أجل أن يقوم في آخر الليل، أو يقوم لصلاة الفجر وأذكار الصباح، أو للواجبات الشرعية في اليوم التالي، فإذا نوى العبد النية الصالحة في العمل المباح صار من الطاعات والقربات، فيتاجر العبد به مع رب الأرض والسماوات.

    ومن فقه التجارة مع الله عز وجل: أن ينوي العبد في كل عمل نيات كثيرة صالحة؛ لأن ثواب العامل على عمله يكون بمقدار عدد النيات التي يجمعها في عمله؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (وإنما لكل امرئ ما نوى) بعد قوله: (إنما الأعمال بالنيات)، فقوله: (إنما الأعمال بالنيات) أي: أصل قبول العمل وشرطه النية.

    ثم قال: (وإنما لكل امرئ ما نوى)، وليس هذا تكراراً للقاعدة الأولى؛ لأن التأسيس أولى من التأكيد، فهو هنا يؤسس قاعدة جديدة، فالجزء الأول من الحديث يدل على أن أصل قبول العمل توفر النية الصالحة، ثم قوله: (وإنما لكل امرئ ما نوى) أي: ثواب العامل على عمله بالنيات الصالحة التي يجمعها في العمل الواحد، فإن من أتى المسجد للصلاة وحدها ليس كمن أتى المسجد من أجل الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولقاء أخ يحبه في الله عز وجل وتفقد مصالح المسلمين وقضاء حاجاتهم، أو كمن أتى للصلاة ونظافة المسجد، أو غير ذلك من النيات الصالحات التي يمكن أن يجمعها العبد في هذا العمل الصالح، فثواب العامل على عمله يزيد بزيادة النيات الصالحات التي يجمعها في العمل الواحد.

    ولذلك نقول: إن تجارة النيات تجارة العلماء، فالعلماء هم الذين يعرفون كيف يتاجرون، وكيف يربحون على الله عز وجل أعظم الأرباح.

    قال الإمام الشافعي : كم من عمل صغير تعظمه النية، وكم من عمل كبير تصغره النية، فالعمل قد يكون صغيراً في ذاته، ولكن العامل يجمع فيه نيات كثيرة فيعظم العمل بذلك، ويزداد ثواب العامل على ذلك.

    ومن فقه التجارة مع الله عز وجل: أن يتأكد العبد أن أحواله وأعماله مطابقة لسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)، أي: مردود على عامله وغير مقبول، ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار).

    فكل عمل لا ينظوي تحت الشريعة، ولا تكون شريعة النبي صلى الله عليه وسلم حاكمة عليه بالصحة فهو مردود على عامله وغير مقبول.

    فلا بد أن يتأكد العبد أن العمل مطابق لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، قال الله عز وجل: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا [الكهف:103-104].

    قال الحسن البصري : فالسنة -والذي لا إله إلا هو- بين الغالي والجافي، فاصبروا عليها رحمكم الله، فإن أهل السنة كانوا أقل الناس فيما مضى، وهم أقل الناس فيما بقي، الذين لم يذهبوا مع أهل البدع في بدعهم، ولا مع أهل الإسراف في إسرافهم، وصبروا على سنتهم حتى لقوا ربهم، فكذلك إن شاء الله فكونوا.

    وقال سفيان الثوري : لن يقبل قول إلا بعمل، ولا يستقيم قول وعمل إلا بالنية، ولا يستقيم قول وعمل ونية إلا بمتابعة السنة.

    وقال ابن أبي شوذب : إن من نعمة الله على الشاب إذا نسك -أي: إذا تعبد، وسلك طريق العبادة والطاعة- أن يوفقه الله عز وجل إلى رجل من أهل السنة يحمله عليها. أي: يحمله على السنة، فلا بد أن يكون العمل مطابقاً لسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

    ومن فقه التجارة مع الله عز وجل: أن يحفظ العبد أعماله الصالحة، فلا يشوبها بما يحبطها، كما قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [البقرة:264].

    فعلى العبد أن يحفظ أعماله الصالحة من محبطات الأعمال، ولا يأتي بعده بشيء من المن أو الرياء فيضيع عليه ثواب العمل.

    وقال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [الحجرات:2]، فسوء الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبط العمل، وقد كان الذي يجالس النبي صلى الله عليه وسلم لا يجوز له أن يرفع صوته فوق صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ تعظيماً وتوقيراً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ونحن إذا سمعنا حديث النبي صلى الله عليه وسلم فلا يجوز لنا أن نرفع صوتنا فوق حديث النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز لنا كذلك -عباد الله- أن نرفع قول أحد من العلماء أو المعظمين من البشر فوق كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأن هذا أيضاً سوء أدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسوء الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبط العمل، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [الحجرات:2]، فينبغي للمسلم -عباد الله- أن يحفظ أعماله الصالحة من محبطات الأعمال، حتى يجد ثواب عمله كاملاً موفوراً يوم القيامة.

    ومن فقة التجارة مع الله عز وجل أن يجتهد العبد في أن يكون عمله سراً بينه وبين الله عز وجل، وهناك أعمال لا بد أن تظهر كالدعوة إلى الله عز وجل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والخروج للجهاد في سبيل الله، والخروج للحج والعمرة، ولكن هناك أعمال تستطيع أن تخفيها كأن تتصدق بصدقة فتخفيها، أو أن تصلي ركعات بالليل دون أن يشعر بك أحد، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من استطاع منكم أن يكون له خبيئة من عمل صالح فليفعل)، ومثل أن يتولى أيتاماً ينفق عليهم أو يكون له ورد بالليل من الصلاة أو الصدقة أو غير ذلك من الأعمال الصالحة، وكان السلف يجتهدون في ستر أعمالهم الصالحة، كما نجتهد نحن في ستر سيئاتنا.

    ويروى أن رجلاً من السلف صام سنة كاملة ولم تعلم زوجته في بيته، كان يخرج من البيت صباحاً ومعه طعامه فيتصدق به، ويمكث في دكانه إلى غروب الشمس، ثم يعود إلى البيت فيفطر ولا تشعر زوجته بأنه كان صائماً.

    وكان الواحد منهم إذا كان يقرأ في المصحف ودخل عليه داخل غطاه، وكان منهم من يختم القرآن ويحفظه ولا يدري به جاره، فقد كانوا يجتهدون في ستر أعمالهم الصالحة.

    والمحبون يحبون أن يكون العمل والقول بينهم وبين محبوبهم سراً لا يطلع عليه أحد، فمن فقه التجارة مع الله عز وجل: أن يكون للعبد عمل سر بينه وبين ربه.

    ومن فقه التجارة مع الله عز وجل أن يداوم العبد على الطاعة وعلى العمل الصالح وإن كان قليلاً، (سئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن أحب العمل إلى الله؟ قال: أدومه وإن قل)؛ لأن الله عز وجل يحب أن يديم فضله، وأن يوالي إحسانه، فيحب من العبد أن يداوم على العمل الصالح حتى يدوم عليه الفضل منه عز وجل، والقليل الدائم يربو ويكثر، فيكون أفضل من الكثير المنقطع.

    ومن فقه التجارة مع الله عز وجل: أن يداوم العبد على العمل الصالح.

    ومن فقه التجارة مع الله عز وجل: أنه إذا انقطع حبل الوصل والمعاملة بينه وبين الله عز وجل بغفلة أو بمعصية يبادر إلى التوبة واللجوء إلى الله عز وجل، فالتوبة التوبة! قبل أن يأتيكم من الموت النوبة، فلا تحصلوا إلا على الخسار والخيبة، والإنابة الإنابة! قبل غلق باب الإجابة، والإفاقة الإفاقة! فقد قرب وقت الفاقة.

    اللهم أعزنا بالإسلام قاعدين، وأعزنا بالإسلام قائمين، ولا تشمت بنا الأعداء والحاسدين، اللهم اجعل هذا العيد المقبل يا رب العالمين! إلى عز ونصر ورفعة للمسلمين.

    اللهم انصر إخواننا في الشيشان، اللهم انصر إخواننا في الشيشان، اللهم انصر إخواننا في الشيشان، اللهم اكبت أعداءهم وشتت شملهم، وزلزل الأرض من تحتهم، اللهم لا ترفع لهم في الأرض راية، واجعلهم لغيرهم من العباد عبرة وآية، اللهم دمر الروس يا رب العالمين! وأنزل عليهم رجسك وغضبك وعذابك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم تقبل صيامنا وقيامنا وصلاتنا وصدقاتنا، اللهم تقبل منا الصالحات وتجاوز عنا السيئات يا رب الأرض والسماوات! اللهم متعنا بشهر رمضان سنين عديدة وأزمنة مديدة، ولا تحرمنا من الطاعة والعبادة يا رب العالمين!

    اللهم اهد نساء المسلمين، اللهم اهد شباب المسلمين، اللهم اهد أطفال المسلمين، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا أبداً ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا.

    اللهم اهدنا واهد بنا، اللهم اهدنا واهد بنا، اللهم فرج كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين، وارحم موتانا وموتى المسلمين، اللهم ارفع عن بلاد المسلمين الغلاء والوباء والربا والزنا، وردهم إليك رداً جميلاً.

    وصلى الله وسلم وبارك على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3017245399

    عدد مرات الحفظ

    723913509