إسلام ويب

تفسير سورة البروجللشيخ : محمد إسماعيل المقدم

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والسماء ذات البروج واليوم الموعود)

    سورة البروج هي السورة الخامسة والثمانون من القرآن الكريم، وهي سورة مكية، وآيها اثنتان وعشرون آية. روى الإمام أحمد رحمه الله تعالى في مسنده عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في العشاء الآخرة بالسماء ذات البروج، والسماء والطارق). قال الله تبارك وتعالى: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ [البروج:1-2]. قوله: (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ) أي: الكواكب والنجوم، شبهت بالبروج -وهي القصور- لعلوها، أو البروج منازل عالية في السماء. قال ابن جرير : وهي اثنا عشر برجاً، فمسير القمر في كل برج منها يومان وثلث، فذلك ثمانية وعشرون منزلة، ثم يستتر لليلتين، ومسير الشمس في كل برج منها شهراً. وأصل معنى البروج الأمر الظاهر من التبرج، ثم صار حقيقة في العرف للقصور العالية، فالقصر العالي يطلق عليه برج؛ لأنه ظاهر للناظرين، ويقال لما ارتفع من سور المدينة: برج أيضاً. يقول ابن كثير : يقسم تعالى بالسماء وبروجها وهي النجوم العظام كما تقدم بيان ذلك في قوله: تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا [الفرقان:61]. وقيل: البروج النجوم. وقال مجاهد : البروج التي فيها الحرس. وقال يحيى بن رافع : البروج قصور في السماء. وقال المنهال بن عمرو : (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ) ذات الخلق الحسن. واختار ابن جرير أنها منازل الشمس والقمر، وهي اثنا عشر برجاً. قوله: (وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ) أي: الذي وعد فيه العباد بفصل القضاء بينهم، وذلك يوم القيامة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وشاهد ومشهود)

    قال عز وجل: وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ [البروج:3]. يقول القاسمي: الشاهد هو كل ما له حس يشهد به، والمشهود: هو كل محس يشهد بالحس، فيدخل فيه العوالم المشهودة كلها. وتخصيص بعض المفسرين بعضاً مما يتناوله لفظهما لعله الأهم أو الأولى أو الأعرف والأظهر لقرينة عنده، وإلا فاللفظ على عمومه حتى يقوم برهان على تخصيصه. قوله: (وشاهد ومشهود) اختلف المفسرون في ذلك، ومن ذلك ما حكاه ابن كثير رحمه الله تعالى أن الشاهد هو يوم الجمعة وما طلعت الشمس ولا غربت على يوم أفضل من يوم الجمعة، وفيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها خيراً إلا أعطاه إياه، ولا يستعيذ فيها من شر إلا أعاذه. قوله: (وَمَشْهُودٍ) هو يوم عرفة، والحديث الوارد في هذا ضعيف، ثم ذكر جملة من الأحاديث مما ذكرنا. وعن ابن عباس قال: الشاهد هو محمد صلى الله عليه وسلم، والمشهود يوم القيامة، ثم قرأ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ [هود:103]. يعني: يوم القيامة. وسأل رجل الحسن بن علي عن قوله: (وشاهد ومشهود) قال: سألت أحداً قبلي؟ قال: نعم. سألت ابن عمر وابن الزبير فقالا: يوم النحر ويوم الجمعة، فقال: لا، ولكن الشاهد محمد صلى الله عليه وسلم ثم قرأ: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا [النساء:41] والمشهود: يوم القيامة، ثم قرأ: ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ [هود:103]. وقال الضحاك وغيره: الشاهد: ابن آدم، والمشهود: يوم القيامة. وعن عكرمة : الشاهد: محمد صلى الله عليه وسلم، والمشهود: يوم الجمعة. وعن ابن عباس: الشاهد: الله، والمشهود: يوم القيامة. وعنه أيضاً: (وشاهد ومشهود) قال: الشاهد: الإنسان، والمشهود: يوم الجمعة. وعن سعيد بن جبير : الشاهد: الله، وتلا: وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا [النساء:79]، والمشهود: نحن. ثم قال ابن كثير : والأكثرون على أن الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة. وقد ذكر القاسمي كلاماً قوياً، وهو: أن الشاهد هو كل ما له حس يشهد به، والمشهود هو كل مُحَس يُشهد بالحس، فيدخل فيه العوالم المشهودة كلها، وتخصيص بعض المفسرين بعضاً مما يتناوله لفظهما؛ لعله الأهم أو الأولى أو الأعرف والأظهر لقرينة عنده، وإلا فاللفظ على عمومه حتى يقوم برهان على تخصيصه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قتل أصحاب الأخدود)

    قال تبارك وتعالى: قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ [البروج:4]. هم الذين كانوا يعذبون المؤمنين، قتلهم الله وأهلكهم وانتقم منهم، على أن الجملة خبرية وهي جواب القسم، أو دليل جوابه إن كانت جملة دعائية، والتقدير: لتبلون كما ابتلي من قبلكم، ولينتقمن الله منكم -يا كفار قريش- كما انتقم من الذين ألقوا المؤمنين في الأخدود. قال الزمخشري : وذلك أن السورة وردت في تثبيت المؤمنين وتصبيرهم على أذى أهل مكة، وتذكيرهم بما جرى على من تقدمهم من التعذيب على الإيمان، وإلحاق أنواع الأذى وصبرهم وثباتهم، حتى يأنسوا بهم، ويصبروا على ما كانوا يلقون من قومهم، ويعلموا أن الكفار ملعونين عند الله بمنزلة أولئك المعذِّبين بالنار، أحقاء بأن يقال فيهم: قتلت قريش كما قيل: قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ [البروج:4]، والأخدود: الحفرة المستطيلة في الأرض.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (النار ذات الوقود إذ هم عليها قعود)

    قال تبارك وتعالى: النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ [البروج:5]. قوله: (النار) بدل من الأخدود، أي: النار سبب في الوقود. والوَقود بالفتح الحطب الذي يوقد به، لكن الوُقود بالضم هو الإيقاد، مثل الوَضوء والوُضوء والطَهور والطُهور. قوله تبارك وتعالى: إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ [البروج:6] أي: على حافة أخدودها. (قُعُودٌ) أي: قاعدون يتشفون من المؤمنين، ويتلذذون برؤية المؤمنين وهم يحترقون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود)

    قال تبارك وتعالى: وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ [البروج:7] يعني: حضور يشاهدون احتراق الأجساد الحية وما تفعل بها النيران، لا يرقون لهم؛ وذلك لقسوة قلوبهم. يقول عز وجل: وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [البروج:8] أي: وما أنكروا منهم ولا كان لهم ذنب إلا الإيمان بالله وحده! قال الراغب : نقمت من الشيء ونقمته إذا أنكرته، إما باللسان وإما بالعقوبة ومنه الانتقام. قوله: (الْعَزِيزِ) أي: الغالب على أعدائه بالقهر والانتقام. قوله: (الْحَمِيدِ) أي: المحمود على إنعامه وإحسانه. يقول الحافظ ابن كثير : قوله تعالى: قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ [البروج:4] أي: لعن أصحاب الأخدود، وجمعه أخاديد، وهي الحفر في الأرض، وهذا خبر عن قوم من الكفار عمدوا إلى من عندهم من المؤمنين بالله عز وجل، فقهروهم وأرادوهم أن يرجعوا عن دينهم فأبوا عليهم؛ فحفروا لهم في الأرض أخدوداً وأججوا فيه ناراً، وأعدوا لها وقوداً يسعرونها به، ثم أرادوهم فلم يقبلوا منهم فقذفوهم فيها، ولهذا قال تعالى: قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ [البروج:4-7] أي: مشاهدون لما يفعل بأولئك المؤمنين. قال الله تعالى: وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ أي: وما كان لهم عندهم ذنب إلا إيمانهم بالله العزيز الذي لا يضام من لاذ بجانبه، المنيع الحميد في جميع أفعاله وأقواله وشرعه وقدره، وإن كان قد قدر على عباده هؤلاء هذا الذي وقع بهم بأيدي الكفار به فهو العزيز الحميد، وإن خفي سبب ذلك على كثير من الناس. قال تبارك وتعالى: الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [البروج:9]، من تمام الصفة أنه المالك لجميع السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما. قوله: (وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) أي: لا يغيب عنه شيء في جميع السماوات والأرض ولا تخفى عليه خافية. قال القاسمي : أي على كل شيء من أفاعيل هؤلاء الفجرة أصحاب الأخدود وغيرهم شاهد شهوداً لا يخفى عليه منهم مثقال ذرة، وهو مجازيهم عليه. وفي توصيفه تعالى بما ذكر من النعوت الحسنى إشعار بمقام إيمانهم، فإن كونه تعالى قاهراً ومنعماً، له ذلك الملك الباهر، وهو عليم بأفعال عبيده؛ مما يوجب أن يخشاه من عرف المصائب. وفي الآية نوع من البديع يسمى تأكيد المدح بما يشبه الذم، وهو معروف في كتب المعاني، وهناك بيت شعر مشهور فيه تأكيد للمدح بما يشبه الذم، يقول الشاعر: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب وقد تمدح شخصاً فتقول: لا عيب فيه إلا أنه سيموت، فهذا تأكيد المدح بما يشبه الذم، فالشاعر يقول: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم قد يتوقع أن سيوفهم قصيرة، أو أن سيوفهم من خشب، أو أي شيء فيه ذم، لكن قال: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب أي: أن كثرة الخدش في سيوفهم هو من كثرة ما يقاتلون الأعداء ويبارزون في القتال. قوله: (وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ) يعني: ما أمسكوا عليهم ذنباً إلا أنهم يعمرون المساجد بالعبادة، فهذا تأكيد للمدح بما يشبه الذم، لكن هو في هذه الآية ليس بذم، بل هذا أعظم ما يمدح به الإنسان.

    أقوال المفسرين في أصحاب الأخدود

    روى ابن جرير عن ابن عباس في أصحاب الأخدود قال: هم ناس من بني إسرائيل خدوا أخدوداً في الأرض ثم أوقدوا فيه ناراً، ثم أقاموا على ذلك الأخدود رجالاً ونساء فعرضوا عليها. وقال الضحاك: هم من بني إسرائيل أخذوا رجالاً ونساء فخدوا لهم أخدوداً، ثم أوقدوا فيه النيران فأقاموا المؤمنين عليها، فقالوا: تكفرون أو نقذفكم في النار. وقال مجاهد : كان الأخدود شقوقاً بنجران، كانوا يعذبون فيها الناس. وتفصيل النبأ: أن دعوة المسيح عليه السلام الأولى العارية عن شوائب الإلحاد لما دخلت بلاد اليمن، وآمن كثير من أهلها كانت في مقدمة تلك البلاد بلدة نجران، وكان أقام عليها ملك الحبشة أميراً من قبله نصرانياً مثله، وكان بها راهب كبير له الكلمة النافذة والأمر المطاع، ثم إن اليهود الذين كانوا في تلك البلاد تآمروا على إزالة السلطة النصرانية من اليمن والإيقاع بمن تنصر بغضاً في المسيحية. والحقيقة أن كلمة المسيحية كلمة غير صحيحة؛ لأن المسيحية ليست مثل الناصرية والماركسية بمعنى أن ينسب المذهب إلى مؤسسه، بل المسيح لم يؤسس دعوة المسيحية وإنما جاء بالإسلام، يقول عز وجل: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ [آل عمران:19] فجميع الأنبياء دعوتهم هي دعوة الإسلام، لكن اشتهرت دعوة المسيح بأنها النصرانية، وهناك نصرانية حقة ونصرانية مزيفة. إذاً: فكلمة المسيحية ما ينبغي التساهل فيها، إنما هي النصرانية، فينبغي أن تقول: فلان نصراني ولا تنسبه إلى المسيح؛ لأن المسيح بريء منه، كالذين ينتسبون إلى علي وما هم بعلويين، بل هؤلاء أعداء لـعلي وهو يتبرأ منهم. فالشاهد أن القاسمي أتى من كتب هؤلاء بقصة معروفة عند النصارى بخبر أراكا ورفقته، ويرادفونها بعام (524م) من تاريخهم، والله تعالى أعلم. وهؤلاء الذين عذبوا في الأخدود كانوا قطعاً مسلمين بشهادة القرآن الكريم. يقول الحافظ ابن كثير : وقد اختلف أهل التفسير في أهل هذه القصة من هم؟ فعن علي رضي الله عنه أنهم أهل فارس حين أراد ملكهم تحليل تزويج المحارم فامتنع عليه علماؤهم فعمد إلى حفر أخدود فقذف فيه من أنكر عليه منهم، واستمر فيهم تحليل المحارم إلى اليوم. وعنه: أنهم كانوا قوماً باليمن اقتتل مؤمنوهم ومشركوهم فغلب مؤمنوهم على كفارهم، ثم اقتتلوا فغلب الكفار المؤمنين فخدوا لهم الأخاديد وأحرقوهم فيها. وعنه: أنهم كانوا من أهل الحبشة، واحدهم حبشي. وعن ابن عباس : قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ [البروج:4-5] قال: ناس من بني إسرائيل خدوا أخدوداً في الأرض، ثم أوقدوا فيه ناراً، ثم أقاموا على ذلك الأخدود رجالاً ونساء فعرضوا عليها، وزعموا أنه دانيال وأصحابه. وقيل غير ذلك. وروى الإمام مسلم والإمام أحمد رحمهما الله تعالى عن صهيب رضي الله عنه، وهذا الحديث لا نستطيع القطع بأنه مرفوع إلى النبي عليه الصلاة والسلام، ويوجد احتمال أنه قصة حكاها صهيب الذي كان رومياً، وعنده علم من أخبار النصارى، فيحتمل أن يكون من كلام صهيب، ويحتمل أن يكون مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم. عن صهيب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كان فيمن كان قبلكم ملك وكان له ساحر، فلما كبر الساحر قال للملك: إني قد كبر سني وحضر أجلي، فادفع إلي غلاماً لأعلمه السحر، فدفع إليه غلاماً فكان يعلمه السحر، وكان بين الساحر وبين الملك راهب، فأتى الغلام على الراهب فسمع من كلامه فأعجبه نحوه وكلامه، وكان إذا أتى الساحر ضربه وقال: ما حبسك؟ وإذا أتى أهله ضربوه وقالوا: ما حبسك؟ فشكا ذلك إلى الراهب، فقال: إذا أراد الساحر أن يضربك فقل: حبسني أهلي، وإذا أراد أهلك أن يضربوك فقل: حبسني الساحر. قال: فبينما هو ذات يوم إذ أتى على دابة فظيعة عظيمة قد حبست الناس فلا يستطيعون أن يجوزوا، فقال: اليوم أعلم أمر الراهب أحب إلى الله أم أمر الساحر، قال: فأخذ حجراً فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك وأرضى من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يجوز الناس، ورماها فقتلها، فمضى الناس، فأخبر الراهب بذلك فقال: أي بني! أنت أفضل مني وإنك ستبتلى، فإن ابتليت فلا تدل علي. فكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الأدواء ويشفيهم -أي: بإذن الله-، وكان للملك جليس فعمي فسمع به، فأتاه بهدايا كثيرة فقال: اشفني ولك ما هاهنا أجمع، فقال: ما أنا أشفي أحداً، إنما يشفي الله عز وجل، فإن آمنت به دعوت الله فشفاك، فآمن فدعا الله فشفاه، ثم أتى الملك فجلس منه نحو ما كان يجلس، فقال له الملك: يا فلان! من الذي رد عليك بصرك؟ فقال: ربي. فقال: أنا؟ قال: لا، ربي وربك الله. قال: أولك رب غيري؟! قال: نعم، ربي وربك الله، فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام، فبعث إليه فقال: أي بني! بلغ من سحرك أن تبرئ الأكمه والأبرص وهذه الأدواء؟! قال: ما أشفي أحداً إنما يشفي الله عز وجل، قال: أنا؟ قال: لا، قال: أولك رب غيري؟! قال: ربي وربك الله، فأخذه بالعذاب فلم يزل به حتى دل على الراهب، فأتي بالراهب فقال: ارجع عن دينك فأبى، فوضع المنشار في مفرق رأسه حتى وقع شقاه، وقال للأعمى: ارجع عن دينك فأبى، فوضع المنشار في مفرق رأسه حتى وقع شقاه إلى الأرض، وقال للغلام: ارجع عن دينك، فأبى، فبعث به مع نفر إلى جبل كذا وكذا فقال: إذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فدهدهوه -يعني دحرجوه- فذهبوا به، فلما علوا به الجبل قال: اللهم اكفنيهم بما شئت! فرجف بهم الجبل فدهدهوا أجمعون، وجاء الغلام يتلمس حتى دخل على الملك، فقال: ما فعل أصحابك؟! قال: كفانيهم الله. فبعث به مع نفر في قرقور -والقرقور: سفينة صغيرة-، فقال: إذا لججتم به البحر فإن رجع عن دينه وإلا فغرقوه في البحر، فلججوا به البحر، فقال الغلام: اللهم اكفنيهم بما شئت، فغرقوا أجمعون، وجاء الغلام حتى دخل على الملك، فقال: ما فعل أصحابك؟! قال: كفانيهم الله. ثم قال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به، فإن أنت فعلت ما آمرك به قتلتني، وإلا فإنك لا تستطيع قتلي. قال: وما هو؟! قال: تجمع الناس في صعيد واحد، ثم تصلبني على جذع، وتأخذ سهماً من كنانتي، ثم قل: باسم الله رب الغلام، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني. ففعل ووضع السهم في كبد قوسه ثم رماه وقال: باسم الله رب الغلام، فوقع السهم في صدغه، فوضع الغلام يده على موضع السهم ومات، فقال الناس: آمنا برب الغلام. فقيل للملك: أرأيت ما كنت تحذر؟! فقد والله نزل بك، قد آمن الناس كلهم! فأمر بأفواه السكك فخدت فيها الأخاديد، وأضرمت فيها النيران وقال: من رجع عن دينه فدعوه وإلا فأقحموه فيها، قال: فكانوا يتعادون فيها ويتدافعون، فجاءت امرأة بابن لها ترضعه فكأنها تقاعست أن تقع في النار، فقال الصبي -وهو أحد الأطفال الرضع الذين نطقوا-: اصبري يا أماه! فإنك على الحق) وهكذا رواه مسلم في آخر الصحيح إلى آخره. يقول الحافظ ابن كثير : وهذا السياق ليس فيه صراحة أن سياق هذه القصة من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي : فيحتمل أن يكون من كلام صهيب الرومي فإنه كان عنده علم من أخبار النصارى، والله تعالى أعلم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ...)

    قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ [البروج:10]. قوله: (إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات) أي: بلوهم بالأذى والنار ليرجعوا عن دينهم. قال أبو السعود : والمراد به إما أصحاب الأخدود خاصة أو المفتونين المطروحين في الأخدود، والذين بلوهم في ذلك داخلون في جملتهم دخولاً أولياً. قوله: (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) يعني: صرفوهم عن دين ربهم وعن طاعته عز وجل. قوله: (ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا) يعني: عن كفرهم وفتنتهم. قوله: (فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ) أي: عذابان منوعان: عذاب على الكفر، وعذاب على الفتنة، أو هما واحد، أي: (فلهم عذاب جهنم) بسبب الكفر، (ولهم عذاب الحريق)؛ لأن الجزاء من جنس العمل، كما أحرقوا المؤمنين فلهم أيضاً عذاب الحريق، أو كلاهما شيء واحد، أو هو من باب عطف الخاص على العام للمبالغة فيه؛ لأن عذاب جهنم بالزمهرير والإحراق وغيرهما، والأظهر أنهما واحد، وأنه من باب عطف التفسير والتوضيح. يقول ابن كثير : (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) أي: حرقوا. قوله: (ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا) أي: لم يقلعوا عما فعلوا، ويندموا على ما أسلفوا. قوله: (فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ) وذلك أن الجزاء من جنس العمل. وقال الحسن البصري : انظروا إلى هذا الكرم والجود، قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة! أي: قتلوا أولياءه ومع ذلك يقول: ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا دلالة على أن التوبة تجب ما قبلها كائناً ما كان.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات ...)

    قال تبارك وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ [البروج:11] بخلاف ما أعد لأعدائه من الحريق والجحيم ثم قال: ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ [البروج:11]. يقول القاسمي : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) يعني: من هؤلاء المفتونين وغيرهم. قوله: (لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ) أي: لهم في نشأتهم الأخرى (جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ). قوله: ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ أي: التام الذي لا فوز مثله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن بطش ربك لشديد)

    قال عز وجل: إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ [البروج:12] استئناف خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم إيذاناً بأن لكفار قومه نصيباً موفوراً من مضمونه، كما يصدر عنه التعرض لتوحيد الربوبية، مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم في قوله: (ربك)، والبطش هو الأخذ بعنف، وحيث وصف بالشدة، فقد تضاعف وتفاقم. قوله: (إن بطش ربك لشديد) أي: أن بطشه بالجبابرة والظلمة وأخذه إياهم بالعذاب والانتقام لشديد، كقوله تعالى: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود:102]، وهو تعالى ذو القوة المتين الذي ما شاء كان كما يشاء في مثل لمح البصر أو هو أقرب.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنه هو يبدئ ويعيد وهو الغفور الودود)

    قال عز وجل: إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ [البروج:13] أي: يبدئ الخلق ثم يعيده، وهو في كل يوم يبدئ خلقاً من نبات وحيوان وغيرهما، ثم إذا هلك أعاد الله خلقه مرة أخرى، وهذا فيه دلالة على أنه يعيد الناس في اليوم الآخر ويبعثهم بعد موتهم للجزاء والحساب. (إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ) بلا ممانع ولا منازع. قوله تعالى: وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ [البروج:14] أي: هو الغفور لمن يرجع إليه بالتوبة، يغفر ذنب من تاب إليه وخضع له ولو كان الذنب من أي شيء كان. قوله: (الْوَدُودُ) أي: المحب لمن أطاعه وأخلص له. وقال ابن عباس وغيره: الودود هو: الحبيب.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ذو العرش المجيد)

    قال عز وجل: ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ [البروج:15] أي: صاحب العرش المعظم العالي على جميع الخلائق. الشيء المحزن أن القاسمي يفسر العرش بالملك والسلطان أو السماء، مع أن العرش مشهور ومعروف أنه من أعظم مخلوقات الله تبارك وتعالى! قوله: (المجيد) المجيدُ صفة لمدح الله سبحانه وتعالى، وهناك قراءة أخرى بالجر (ذو العرش المجيدِ) ولذلك يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: و(المجيد) فيه قراءتان: الرفع على أنه صفة للرب عز وجل، والجر على أنه صفة للعرش، وكلاهما معنى صحيح. يقول القاسمي: (المجيد) أي: العظيم في ذاته وصفاته، وقرئ بالجر صفة للعرش. ومجده علوه وعظمته.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فعال لما يريد)

    قال تبارك وتعالى: فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [البروج:16] أي: لا يريد شيئاً إلا فعله، فلا يحول بينه وبين مراده شيء، فمتى أراد إهلاك الجاحدين ونصر المخلصين فعل؛ لأن له ملك السماوات والأرض، ولهذا أتبع ذلك بقوله سبحانه وتعالى: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ * وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ [البروج:17-20]. قوله تعالى: فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ يقول ابن كثير : أي: مهما أراد فعله لا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل؛ لعظمته وقهره وحكمته وعدله، كما روينا عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قيل له وهو في مرض الموت: هل نظر إليك الطبيب؟ قال: نعم. قالوا: فماذا قال لك؟ قال: قال لي: إني فعال لما أريد. وقد سبق أن أشرنا إلى أن الإنسان عندما يكون في مرض الموت، فإننا نجد أهل هذا المريض يذهبون به من مستشفى إلى مستشفى، تجد السيارات آتية وذاهبة، بينما لا تجد واحداً من الأقارب لهذا المريض ولا الزوار يحاول أن يذكره بالموت، وينبهه أنه على وشك أن يرحل من الدنيا، وينصحه ويوصيه، ويرغبه في عفو الله ومغفرته! فنقول: المريض يحتاج منك إذا كنت محباً له حقيقة أن تنفعه في هذه اللحظة، وهي أشد لحظة أن يقف صديقه أو قريبه إلى جانبه فيذكره بالتوبة، ويذكره بلا إله إلا الله، لكن للأسف لا نجد من كثير من الناس إلا الاهتمام بالأسباب الدنيوية، حتى وإن ظهر لهم أنه مرض الموت، وأنه على وشك أن تخرج منه الروح! إذاً: ينبغي أن ننتبه لهذا الأمر، وهو أمر السياق الأخير، وذلك عند خروج الروح، فهذا أبو بكر وهو في مرض الموت لما سئل: هل نظر إليك الطبيب؟ قال: نعم. إذاً: علينا أن نهتم بالأولويات وأن نعطيها مكانها، ليس فقط أن نأتي بالطبيب والدواء والحقن للمريض حتى نقول له: نحن لم نقصر معك، فقد ذهبنا بك إلى أحسن مستشفى، وأحضرنا لك الأدوية من آخر الدنيا، واستوردناها من الخارج، وفعلنا كذا؛ لكن من منا ذكره بأنه مقبل على الموت؟ حتى لو لم يكن مرض الموت، فالموت آت وقد يأتي فجأة وقد يأتي بعد رسل ونذر كالشيب والمرض وهو الغالب، ولذلك تجد الفقهاء يذكرون أحكام المرض ثم يعقبونها بأحكام الموت؛ لأن الموت إما أن يأتي فجأة وإما أن يأتي بعد مرض، ورب إنسان مرض مرضاً ما كان يتصور أنه سيموت منه ثم إذا به يموت منه! فالإنسان إذا كان مريضاً فعليه أن يوصي أولاده ويذكرهم بالموت: يا أولادي إذا مت فافعلوا كذا وكذا، حافظوا على الصلاة والحجاب، علي حقوق لفلان فأدوها، هذا هو أمر الشرع، حتى لا تضيع حقوق الناس. كذلك على المريض أن يحافظ على الصلاة، وإذا عجز تماماً عن الوضوء فيمكنه أن يتيمم، وإذا عجز عن الصلاة حال القيام أو القعود فإنه يصلي مضطجعاً أو يشير بعينه أو يمر الأركان على قلبه. أيضاً المريض في لحظات المرض هو أحوج إلى من يذكره بالصلاة ويعينه عليها ويذكره بهذه الأمور، وألا يلتفت إلى الأسباب كالطبيب وغيره؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: (إنك لست الطبيب، إنما الله هو الطبيب وأنت رفيق)، فلا بد أن نتوكل على الله سبحانه وتعالى ونعطي الأمور حجمها، وأن نرتبط دائماً بالله عز وجل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (هل آتاك حديث الجنود فرعون وثمود)

    يقول تبارك وتعالى: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ [البروج:17-18]. قوله: (هل أتاك حديث الجنود) أي: الذين تجندوا على الرسل بأذاهم. قال ابن جرير : (هل أتاك) يعني: قد أتاك ذلك وعلمته، فاصبر لأذى قومك إياه لما لابد فيه من مكروه كما صبر الذين تجند هؤلاء الجنود عليهم من رسلي، ولا يثنينك عن تبليغهم رسالتي، كما لم يثن الذين أرسلوا إلى هؤلاء، فإن عاقبة من لم يصدقك ويؤمن بك منهم إلى عطب وهلاك، كالذي كان من هؤلاء الجنود. فالجملة -كما قال أبو السعود: (استئناف مقرر لشدة بطشه تعالى بالظلمة العصاة والكفرة العتاة). وكونه فعالاً لما يريد متضمن البشارة للنبي صلى الله عليه وسلم بالإشعار بأنه سيصيب قومه ما أصاب الجنود. قوله: (فرعون وثمود) هذا بدل من الجنود؛ لأن المراد فرعون وجنده كما قال تعالى: إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ [القصص:8]. قوله: (وثمود) المراد ما صدر عنهم من التمادي في الكفر والضلال، وما حل بهم من العذاب والنكال.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (بل الذين كفروا في تكذيب والله من ورائهم محيط)

    قال تعالى: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ * وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ [البروج:19-20]. قوله تعالى: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ أي: هم في شك وغي وكفر وعناد، وفي تكذيب بالحق والوحي مع وضوح آياته وظهور بيناته عناداً وبغياً. والإضراب انتقالي، فقوله: (بل الذين كفروا في تكذيب) كأنه قيل: ليس حال فرعون وثمود بأعجب من حال قومك، فإنهم مع علمهم بما حل بهم لم ينزجروا. وفي قوله: (بل الذين كفروا في تكذيب) إشارة إلى أنهم كانوا غارقين في التكذيب مهووسين متمسكين به، وقيل: إنه إشارة إلى تمكنه من أنفسهم، وأنه أحاط بهم إحاطة الظرف بمظروفه أو البحر بغريقة، مع ما في تنكيره من الدلالة على تعظيمه وتهويله. قوله تعالى: وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ أي: قادر عليهم قاهر ظاهر لا يفوتونه ولا يعجزونه، أو المعنى: محص عليهم أعمالهم لا يخفى عليه منها شيء، وهو مجازيهم على جميعها، فهم في قبضته وحوزته كالمحاط إذا أحيط به من ورائه، فسد عليه مسلكه فلا يجد مهرباً. وفيه تعريض لهم بأنهم نبذوا الله وراء ظهورهم، وأقبلوا على الهوى والشهوات، والله من ورائهم محيط.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ)

    قال تبارك وتعالى: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ [البروج:21-22]. قوله: (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ) أي: كامل كريم عظيم لا يماثل في أسلوبه وهدايته. قوله تعالى: فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ قرئ (محفوظ) قرئ بالرفع صفة لقرآن، والتقدير: بل هو قرآن محفوظ، وعلى قراءة الجر يكون صفة للوح (في لوح محفوظٍ). قال ابن جرير : والمعنى على القراءة الأولى: محفوظ من التغيير والتبديل في لوح، وعلى الثانية: محفوظ من الزيادة فيه والنقصان منه عما أثبته الله فيه. و(بل) إضراب عن شدة تكذيبهم وعدم كفهم عن التكذيب. ووصف القرآن بما ذكر للإشارة إلى أنه لا ريب فيه، ولا يضره تكذيب هؤلاء؛ فإنه تعالى تولى حفظه وظهوره أبد الآبدين. يقول ابن كثير : قوله: (فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ) أي: هو في الملأ الأعلى محفوظ من الزيادة والنقص والتحريف والتبديل. وقال الحسن البصري : إن هذا القرآن المجيد عند الله في لوح محفوظ، ينزل منه ما يشاء على من يشاء من خلقه. قال بعض العلماء: إذا كان القرآن محفوظاً عند الله سبحانه وتعالى في السماء في اللوح المحفوظ، فكذلك سيحفظ في الدنيا في لوح، فمن أراد حفظه فليحفظه في اللوح. وكانت هذه هي الطريقة التقليدية القديمة في الكتاتيب، فقد كان الصغار يحفظون القرآن عن طريقة الكتابة في لوح.

    مواد ذات صلة

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3009689272

    عدد مرات الحفظ

    721759054