إسلام ويب

تفسير سورة الحاقةللشيخ : محمد إسماعيل المقدم

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الحاقة ما الحاقة وما أدراك ما الحاقة)

    سورة الحاقة هي السورة التاسعة والستون من سور القرآن الكريم، وهي سورة مكية، وآيها اثنان وخمسون آية. قال تبارك وتعالى: الْحَاقَّةُ [الحاقة:1] أي: الساعة التي تحق فيها الأمور، ويجب فيها الجزاء على الأعمال، مثل قولهم: حق عليه الشيء إذا وجب. والحاقة هي القيامة، وهذا اسم من أسماء يوم القيامة كما سميت بالقارعة ونحو ذلك من الأسماء. ولماذا سميت القيامة بالحاقة؟ قيل: سميت بذلك؛ لأن الأمور تحق فيها. وقيل: سميت بذلك؛ لأنها تكون من غير شك. وقيل: سميت بذلك؛ لأنها أحقت بأقوام الجنة، وأحقت بأقوام النار. وقيل: سميت بذلك؛ لأن فيها يصير كل إنسان حقيقاً بجزاء عمله. وقيل: لأنها تحق كل محاق في دين الله بالباطل، أي: تغلب كل محاق ومجادل في دين الله بالباطل، تقول: حاققته فحققته، يعني: غالبته فغلبته، والتحاق هو التخاصم، والاحتقاق الاختصام، وكذلك بالنسبة لكلية الحقوق، فهي كلية الاحتقاق يعني: الاختصام. قوله تعالى: مَا الْحَاقَّةُ [الحاقة:2] هذا من باب وضع الظاهر موضع المضمر، يعني: ما هي الحاقة؟ تفخيماً لشأنها وتعظيماً لهولها. قوله تعالى: وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ [الحاقة:3] قال بعضهم: من عوائد العرب في محاوراتهم اللطيفة إذا أرادوا تشويق المخاطب في معرفة شيء ودرايته أتوا بإجمال وتفصيل، فالإجمال مثل قوله تعالى: الْحَاقَّةُ ، ثم أتى بتفصيل أكثر فقال: مَا الْحَاقَّةُ ، ثم زاد فقال: وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ أي: أي شيء هي؟! تأكيداً لتفخيم شأنها حتى كأنها خرجت عن دائرة علم المخاطب، يعني: لهولها وفخامتها صارت كأنها خالية عن أن يدرك المخاطب كنهها أو معناها أو ما اشتملت عليه من الأوصاف مما لم تبلغه دراية أحد من المخاطبين، ولم تصل إليه معرفة أحد من السامعين، ولا أدركه فهمه، وكيفما قدر حالها فهي وراء ذلك وأعظم، ومنه يعلم أن الاستفهام كناية عن أنها لا تعلم، ولا يصل إليها دراية دارٍ، ولا تبلغها الأبصار.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (كذبت ثمود وعاد بالقارعة فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية)

    كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ * فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ [الحاقة:4-5]. قال تبارك وتعالى: كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ [الحاقة:4] أي: بالساعة التي تقرع الناس بأهوالها وهجومها عليهم. والقارعة هي الحاقة، وهنا أيضاً وضع المظهر هنا موضع المضمر؛ لأن دليلها أو تسميتها بالقارعة هو أيضاً اسم من أسماء يوم القيامة. قال الزمخشري : ووضعت موضع الضمير لتدل على معنى القرع في الحاقة، زيادة في وصف شدتها. ولما ذكرها وفخمها أتبع ذلك ذكر من كذب بها، وما حل بهم بسبب التكذيب؛ تذكيراً لأهل مكة وتخويفاً لهم من عاقبة تكذيبهم، فقال تبارك وتعالى: فَأَمَّا ثَمُودُ [الحاقة:5] وهم قوم صالح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ [الحاقة:5] أي: بالواقعة المجاوزة للحد في الشدة. وإذا قلنا: إن الطاغية مصدر كالعافية فيكون المعنى: أهلكوا بطغيانهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية ... فهل ترى لهم من باقية)

    وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ [الحاقة:6-8]. قال تبارك وتعالى: وَأَمَّا عَادٌ وهم قوم هود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام،فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ أي: شديدة العصوف والبرد؛ فالريح الصرصر هي الريح الباردة. قال بعض المفسرين: ريح باردة تحرق ببردها كإحراق النار. وقيل: هي من الصر، والصر: هو البرد. وقيل: ((صرصر)) أي: شديدة الصوت. وقيل: كثيرة السموم. قوله: ((بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ)) يقول القاسمي رحمه الله تعالى: ((عاتية)) أي: متجاوزة الحد المعروف في الهبوب والبرودة. وقيل: ((عاتية)) يعني: عتت على خزانها فلم تطعهم ولم يطيقوها من شدة هبوبها؛ غضباً لغضب الله تبارك وتعالى. وقيل: ((عاتية)) أي: عتت على عاد فقهرتهم. قوله: ((سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ)) أي: سلطها عليهم. قوله: ((حسوماً)) أي: متتابعة لا تفتر ولا تنقطع، من قولك: حسمت الدابة إذا تابعت بين سيرها. أو ((حسوماً)) بمعنى: قاطعات قطعت دابرهم، هذا على أن (حسوماً) جمع حاسم كشهود جمع شاهد، وقعود جمع قاعد، فكذلك حسوم جمع حاسم، فإن كان مصدراً فنصبه بفعل محذوف تقديره: تحسم حسوماً. وقول آخر: إن ((حُسُوماً)) مفعول له، أي: سخرها عليهم للحسوم، أي: للاستئصال. وقد قيل: إن تلك الأيام هي أيام العجز، والعامة تقول: العجوز، وهي التي تكون في عجز الشتاء، يعني في آخر الشتاء. قوله: ((فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى)) أي: هلكى، جمعُ صريع. قوله: ((كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ)) أي: ساقطة مجتثة من أصولها، كقوله تعالى: كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ [القمر:20]. قوله تعالى: فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ أي: هل ترى لهم بقاء؟ أو من نفس باقية؟! أو هل ترى لهم من بقية؟! وهذه الآية كقوله تعالى: فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ [الأحقاف:25] يعني: المساكن التي كانوا يسكنونها، أما هم فلم يبق منهم أحد.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وجاء فرعون ومن قبله... أخذة رابية )

    قال تبارك وتعالى: وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ * فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً [الحاقة:9-10]. قوله: ((وجاء فرعون ومن قبله)) يعني: من قبله من الأمم المكذبة كقوم نوح وعاد وثمود. قوله: ((وَالْمُؤْتَفِكَاتُ)) هي قرى قوم لوط، وقرية سدوم هي القرية الكبرى بالنسبة لديار قوم لوط عليه السلام، وهناك قرى أخرى لقوم لوط، فلذلك جمعت هنا بقوله: ((وَالْمُؤْتَفِكَات)). وقيل: المؤتفكات: المنقلبات؛ لأن الله سبحانه وتعالى قلبها عليهم كما قلبوا هم فطرة الله تبارك وتعالى وعكسوها. قوله: ((بِالْخَاطِئَةِ)) أي: بالخطأ، أو بالأفعال الخاطئة. فالباء تكون سببية، يعني: بسبب الخطأ والذنب والمعصية والخطيئة، أو بسبب الأفعال الخاطئة. قوله تبارك وتعالى: فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً الذي ذكر في الآية السابقة قوم فرعون وقوم لوط، فمن المقصود من قوله تعالى: (( فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ ))؟. قيل: ((رسول ربهم)) هو موسى عليه السلام. وقيل: ((رسول ربهم)) هو لوط عليه السلام. وقيل: ((رسول ربهم)) هو موسى ولوط عليهما السلام، فإنه يجوز أن يعبر بالمفرد عن المثنى، فيكون التفسير: فعصوا رسولي ربهم، يعني: موسى ولوطاً عليهما السلام، والدليل على أن رسول قد تطلق على المثنى قول الله تبارك وتعالى: فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:16] فأطلق المفرد على المثنى، فيحتمل هنا أيضاً أن يكون قوله تعالى: ((فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ)) يعني: رسولي ربهم، وهما موسى ولوط عليهما السلام. وهناك قول رابع في معنى قوله: ((فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ)): وهو أن رسولاً أحياناً تأتي بمعنى الرسالة، يقول الشاعر: لقد كذب الواشون ما بحت عندهم بسر ولا أرسلتهم برسول قوله: ولا أرسلتهم برسول، يعني: ولا أرسلتهم برسالة، فيطلق أحياناً على الرسالة رسول. قوله تعالى: ((فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً)) يعني: أخذة عالية زائدة في الشدة على الأخذات السابقة، وعلى عذاب الأمم الغابرة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنا لما طغى الماء.. أذن واعية )

    قال عز وجل: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ * لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ [الحاقة:11-12]. قوله: ((إنا لما طغى الماء)) أي: كثر وتجاوز حده المعروف؛ بسبب إصرار قوم نوح على الكفر والمعاصي، وتكذيبهم لنوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، والكلام هنا على قوم نوح عليه السلام. قوله: ((حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ)) أي: السفينة التي تجري في الماء. قال ابن جرير : خاطب الذين نزل فيهم القرآن، وإنما حمل أجدادهم نوحاً وولده في السفينة، كما قال تعالى: ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ [الإسراء:3] عليه السلام؛ لأن الذين خوطبوا بذلك أولاد الذين حملوا في الجارية، فكان حمل الذين حملوا بها من الأجداد حملاً لذريتهم؛ لأنهم كانوا في أصلابهم، ولأن نوحاً هو أبو البشر الثاني، وصحيح أن نوحاً كان معه أناس آخرون، لكن غالب الذرية بعد ذلك كانت من ذرية نوح ثم من ذرية إبراهيم عليه السلام. قوله تعالى: لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً [الحاقة:12] أي: لنجعل تلك الفعلة التي هي إنجاء المؤمنين وإغراق الكافرين تذكرة. وقال بعض المفسرين: ((لنجعلها)) أي: السفينة ((تذكرة)). وقال بعض المفسرين: وهذه السفينة رآها أناس من أوائل هذه الأمة على جبل الجودي. وهناك مجموعة من المكتشفين الإنجليز قاموا بتسجيل شريط فيديو بعد بحث طويل بأجهزة حديثة فيه أن مكان السفينة على قمة جبل الجودي، والذي أثبته هذا البحث من هذه البعثة مخالف لما ورد في التوراة وفي الكتب الأخرى، وما توصلوا إليه كان موافقاً لما صرح به القرآن الكريم في قوله تعالى: وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ [هود:44]. فيحتمل أن يكون معنى قوله تعالى: (لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً) أي: أن السفينة تذكرة، أو ((لنجعلها)) أي: تلك الفعلة التي هي إنجاء المؤمنين وإغراق الكافرين ((لكم تذكرة)) وعبرة، تذكرون بها صدق وعده في نصر رسله وتدمير أعدائه. قوله: ((وَتَعِيَهَا)) أي: تحفظها. ((أُذُنٌ وَاعِيَةٌ)) أي: حافظة لما سمعت عن الله متفكرة فيه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة)

    قال تبارك وتعالى: فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ [الحاقة:13] يعني: لخراب العالم، فعلى هذا يكون المقصود بهذه النفخة: النفخة الأولى عند قيام الساعة، فلا يبقى أحد إلا مات. وقال بعض المفسرين: هي النفخة الثانية. وبعضهم قال: هي النفخة الآخرة، أي: أن هناك نفخة ثالثة. وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء: هل النفخات ثلاث أم نفختان؟ فمن قال: هي ثلاث نفخات، قال: النفخة الأولى: نفخة الفزع، والنفخة الثانية: نفخة الصعق، والنفخة الثالثة: نفخة البعث والنشور. أما من قال: إنها نفختان فهي أولى وآخرة، وهذا هو الراجح؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ [الزمر:68]، وفي الحديث الصحيح: (ما بين النفختين أربعون)، فدل على أنهما نفختان. يقول القاسمي رحمه الله تعالى: فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ أي: لخراب العالم. قال أبو السعود : هذا شروع في بيان نفس الحاقة وكيفية وقوعها، إثر بيان عظم شأنها بإهلاك مكذبيها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وحملت الأرض والجبال ... لا تخفى منكم خافية)

    قال تبارك وتعالى: وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً * فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * وَانشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ * يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ [الحاقة:14-18]. قوله: ((دكتا)) يعني: فتتا تفتيتاً. قوله: ((دكتا دكة واحدة)) أي: رفعتا وضربتا ببعضهما من شدة الزلازل. قوله: ((فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً)) في وصفها بالواحدة تعظيم لها، وإشعار بأن المؤثر لدك الأرض والجبال وخراب العالم هي دكة واحدها غير محتاجة إلى أخرى. فهذا دليل على شدة قوتها، وأنها كافية وحدها لخراب العالم، ولا تحتاج إلى دكة أخرى. قوله تعالى: فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ [الحاقة:15] أي: نزلت النازلة وهي القيامة، وهذا يبين أن من أسماء القيامة الواقعة. قوله تعالى: وَانشَقَّتِ السَّمَاءُ [الحاقة:16] أي: انصدعت. قوله: فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ أي: متمزقة. قوله تعالى: وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا أي: على جوانبها وأطرافها حين تشقق، والملك هنا اسم جنس معناه: الملائكة على أرجائها. قوله: وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ أي: فوق الملائكة الذين هم على أرجائها. قوله: يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ أي: ثمانية أفراد من الملائكة، أو ثمانية صفوف من الملائكة، والله أعلم بحقيقة ذلك. قال ابن كثير : يحتمل أن يكون المراد بهذا العرش العرش العظيم، أو العرش الذي يوضع في الأرض يوم القيامة لفصل القضاء، والله تعالى أعلم بالصواب. وهذه الآيات وهذه النصوص يجب علينا أن نؤمن بها كما جاءت، ولا نحاول أن نتعمق أو نتنطع في معرفة كنهها وحقيقتها، بل نؤمن بها كما وردت، وتفسيرها تلاوتها وقراءتها. قوله تعالى: يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ [الحاقة:18]. قوله: ((يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ)) أي: على ربكم للحساب والمجازاة. قوله: ((لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ)) أي: أيّ شيء كان يستر ويخفى في الدنيا بستر الله يصبح بادياً معروضاً أمام الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرءوا كتابيه)

    قال تبارك وتعالى: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ [الحاقة:19]. يعني: أن علامة الفوز والنجاح يومئذٍ هي أن يعطى الإنسان كتابه بيمينه، وهذا ما فسرته كثير من الآيات والأحاديث، كما قال الله تبارك وتعالى: وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف:49]. إن الآيات التي ورد فيها أمر هذا الكتاب الذي يعطاه كل إنسان هو كتاب حقيقي؛ وذلك لقوله تبارك وتعالى: وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ، وقوله تبارك وتعالى: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18]، وقوله تعالى: إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثية:29]، وقوله تعالى: وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ [الإسراء:13-14]. لا شك أن هذا في جانب ما ورد من الأحاديث في وصف هذا الكتاب كله يدفع ويبطل تأويل الكتابين باليُمن والشؤم، يقول بعض المؤولين: ((من أوتي كتابه بيمينه)) هذا كناية عن اليمن، ومن أوتي كتابه بشماله هذا كناية عن الشؤم. وهذا التأويل تحريف لكلام الله عز وجل؛ لأن الكتاب المذكور في النصوص هو كتاب حقيقي، فلماذا يؤولون النصوص مع كونها واضحة. قوله: فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ يعني: تعالوا أو خذوا اقرءوا كتابيه. قوله: ((كتابية)) الهاء هنا هاء السكت، وليست ضمير غيبة. قوله تعالى: ((هاؤم)) يعني: تعالوا أو هلموا أو خذوا، وقيل: هي كلمة لإجابة الداعي عند النشاط والفرح.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إني ظننت أني ملاق حسابيه)

    قال تبارك وتعالى: إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ [الحاقة:20]. قوله: ((إِنِّي ظَنَنتُ)) أي: علمت أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ. قوله تعالى هنا: إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ معروف أن الظن واسطة بين الشك وبين العلم، وقد يأتي الظن بمعنى العلم إذا وجدت قرائن، وذلك مثل قوله تبارك وتعالى: وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا [الكهف:53] قوله: ((فظنوا)) أي: علموا وتيقنوا، بقرينة قوله تعالى: وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا [الكهف:53]. كذلك هنا في قوله: إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ فهي أيضاً بمعنى العلم؛ لأن العقائد لا يصلح فيها الظن. إذاً: قوله إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ يعني: كنت أؤمن بالبعث والنشور والحساب والجزاء ولست ممن كان ينكر البعث والنشور، فظننت أني ملاق حسابيه، وأني سأُجازى يوم الحساب، فلذلك أعددت له عدة. إذاً: العقائد لا تقوم على الظن، وإنما تقوم على اليقين والعلم، فمن ثم ففي الكلام على العقائد لا يمكن أن يكون الظن بمعنى الشك، وإنما الظن بمعنى العلم، أي: علمت وأيقنت أني ملاق حسابيه. ودل القرآن أيضاً على أن الظن قد يكون بمعنى العلم؛ وذلك بمفهوم قوله تبارك وتعالى: إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ [الحجرات:12]، هذا هو المنطوق، أما المفهوم فهو أن البعض الآخر حق وليس إثماً، وهو ما كان حقاً، وقال تبارك وتعالى: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [البقرة:46] فوصف المؤمنين بأنهم يؤمنون بلقاء الله وبالبعث وبالنشور وبالحساب والجزاء، فما دام الموضوع هنا متعلقاً بالعقيدة فلا يمكن فيها إلا اليقين وليس الظن، ويكون الظن هنا بمعنى العلم. قوله: ((إِنِّي ظَنَنتُ)) أي: علمت. قوله: ((أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ)) أي: ملاقٍ جزائي يوم القيامة فأعددت له عدته، من الإيمان والعمل الصالح؛ لأن الإيمان بالبعث والنشور ركن من أركان الإيمان، ويثاب الإنسان على التصديق به، لكن لا يكفي فقط في النجاة من العذاب، فلابد مع الإيمان بالبعث والنشور أن تعد العدة للقاء الله، وأن تعد للسؤال جواباً، فمن ثم نقول في تفسير قوله: إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ إني علمت أني ملاق جزائي يوم القيامة، فأعددت له عدته من الإيمان والعمل الصالح.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فهو في عيشة راضية... في الأيام الخالية )

    قال تبارك وتعالى: فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ [الحاقة:21-24]. قوله: ((عيشة راضية)) يعني: ذات رضاً ملتبسة به، فيكون بمعنى عيشة مرضية، كقوله تبارك وتعالى: خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ [الطارق:6] بمعنى مدفوق، يعني: أتى اسم الفاعل مراداً به اسم المفعول، كذلك هنا (عيشة راضية) يعني: عيشة مرضية، أو عيشة ذات رضاً، كما تقول: لابنٌ وتامرٌ، يعني: صاحب لبن، وصاحب تمر. أو قوله: (في عيشة راضية) أي: في عيشة راض صاحبها، فأسند الرضا إليها، وجعلها كأنها نفسها راضية. قوله تعالى: فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ [الحاقة:22-23]. قوله: ((قطوفها)) تقول: (قِطف) بكسر القاف، وهو ما يقطف من ثمرها. قوله: ((دانية)) أي: قريبة سهلة التناول. قوله تعالى: كُلُوا وَاشْرَبُوا [الحاقة:24] أي: يقال لهم: كلوا واشربوا. قوله: ((هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ)) أي: الماضية في الحياة الدنيا. وناقشنا مراراً الرد على الملاحدة والمشركين والكفار من النصارى المستشرقين والمنصرين الذين يطعنون في الإسلام وقلنا: إن الإسلام يعد المؤمنين بمتاع حسي في الجنة، فالجنة تشمل كل أنواع النعيم الحسي والنفسي والروحي، يقول تعالى: وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [التوبة:72] أي: ورؤية الله سبحانه وتعالى في الجنة هي أعظم نعيم الجنة على الإطلاق، بحيث إنه إذا كشفت الحجب ورأوا ربهم سبحانه وتعالى ونظروا إليه يتلهون عن كل ما عدا ذلك من النعيم، وهذا نعيم معنوي وليس نعيماً حسياً، فالإنسان جسم وروح، جسد ونفس، فاقتضت حكمة الله سبحانه وتعالى وفضله على المؤمنين أن ينعم أرواحهم وينعم أيضاً أجسادهم، وهذا ليس فيه أي معرة، وإنما حرم النصارى أنفسهم من هذا كله بسبب آثار رهبانيتهم التي ابتدعوها، وحرموا بسببها ما أحل الله من الطيبات، ونظروا إلى النعم الحسية على أنها نجس، حتى إنهم نفروا من الزواج ومن أطايب الطعام والشراب ونحو ذلك، فهذه رهبانيتهم المشئومة مخالفة لقول الله تبارك وتعالى: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الأعراف:32] يشتركون فيها مع غيرهم خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الأعراف:32] فقط لمن آمن. وهناك كثير من الأدلة التي تدل على إبطال ما يزعمونه، ومن ذلك أنهم يعتقدون أن آدم وحواء كانا في الجنة، وأنهما أكلا من الشجرة، وهذا يدل على أن الجنة فيها أشجار وفيها ثمار تؤكل، وهذا مما نحتج به عليهم، وإن كانت عقيدتهم في قصة آدم وحواء دخلها شيء من التحريف كما هي في سجيتهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأما من أوتي كتابه بشماله ... هلك عني سلطانيه)

    وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ [الحاقة:25-29]. قال تبارك وتعالى: وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ [الحاقة:25] أي: الكافر سيأخذ كتابه بشماله من وراء ظهره، كما أوضحته الآية الأخرى، فعندما يلاقي العذاب ويؤتى كتابه بشماله يقول: يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ [الحاقة:25-26] يعني: أي شيء حسابي. قوله تعالى: يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ [الحاقة:27] قال ابن جرير : يعني: يا ليت الموتة التي متها في الدنيا كانت هي الفراغ من كل ما بعدها، ولم يكن بعدها حياة ولا بعث ولا نشور. قوله: ((يَا لَيْتَهَا)) الهاء تعود على الموتة التي ماتها في الدنيا كما يعتقد كثير من الكفار أنه لا حساب ولا بعث ولا نشور ولا حياة أخرى، وإنما هي أرحام تدفع، وأرض تبلع، والإنسان ينتهي بمجرد أن يموت، وهذا مخالف للحقيقة، وفي ذلك يقول بعض الشعراء: فلو أنا إذا متنا تركنا لكان الموت غاية كل حيّ ولكنا إذا متنا بعثنا ونسأل بعده عن كل شيِّ والقاضية بمعنى القضاء وهو الفراغ. قوله: ((يَا لَيْتَهَا)) يحتمل أن المعنى يا ليت الموتة التي متها في الدنيا كانت هي الفراغ من كل ما بعدها، ولم يكن بعدها حياة ولا بعث، أو: ((يا ليتها)) يعني: يا ليتني قبل أن آخذ كتابي وقبل أن أعذب أموت موتاً يقضي عليّ وتخرج روحي فلا تعود أبداً. قوله تعالى: مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ [الحاقة:28] يعني: ما دفع عني من عذاب الله شيئاً. و(ما) هنا قيل: إنها استفهامية، وقيل: إنها نافية، فأما على القول بأن (ما) استفهامية فيكون المعنى: ما الذي أغنى عني المال الذي كنت أملكه في الدنيا؟ يعني: أي شيء أغنى عني؟ والجواب: لا شيء. أو تكون (مَا) نافية فيكون المعنى: لم يغن عني ماليه، وهذا كقوله تبارك وتعالى: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88-89] وقوله تبارك وتعالى: مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ [المسد:2]. قوله تعالى: هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ [الحاقة:29] أي: لم تبق لي حجة أحتج بها، فهذا المال والجاه والملك والتسلط على الناس لم يغن عني شيئاً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (خذوه فغلوه ... فاسلكوه)

    قال تبارك وتعالى: خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ [الحاقة:30-32]. قال تبارك وتعالى: خُذُوهُ فَغُلُّوهُ [الحاقة: 30] يعني: يقال لخزنة النار: خذوه بالقهر والشدة. قوله: ((فغلوه)) يعني: ضموا يده إلى عنقه؛ لأنه عندما ملكته هذا المال وهذا السلطان وهذه النعم التي أنعمت بها عليه في الدنيا لم يشكرني على ذلك، فجزاؤه أن يفعل به هكذا. قوله تعالى: ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ [الحاقة:31] أي: أدخلوه ليصلى فيها؛ لأنه لم يشكر شيئاً من النعم، فأذيقوه شدائد النقم. قوله تعالى: ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ [الحاقة:32] أي: حلقة منتظمة بأخرى، وهي سلسلة متتابعة الحلقات متصلة. قوله: ذَرْعُهَا أي: مقدارها سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ ، أي: أدخلوه فيها بحيث يكون فيما بين حلقها موثقاً لا يقدر على حركة. قال بعض المفسرين: إن السبعين هنا عبارة عن الكثرة غير المحصورة، وليست هي العدد المعين، كما قيل أيضاً في قوله تعالى: إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [التوبة:80] والله تعالى أعلم. ثم أيضاً نحن لا ندري ما مقياس هذا الذارع؟ هل هو بذارع الملك أو بذارع غيره، الله أعلم، فهذا مما يوكل علمه إلى الله سبحانه وتعالى. قال بعض المفسرين: إن هذه السلسة كالسيخ تدخل من فمه وتخرج من مؤخرته، والله تعالى أعلم بذلك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنه كان لا يؤمن بالله العظيم ولا يحض على طعام المسكين)

    إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ [الحاقة:33-34]. علل الله عز وجل استحقاقهم للعذاب على طريقة الاستئناف حيث قال تبارك وتعالى: إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ [الحاقة:33] أي: المستحق للعظمة وحده سبحانه وتعالى، بل كان هذا الكافر يشرك معه الجماد المهين. قوله تعالى: وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ أي: كان لا يحض على إطعام المسكين، بل كان يبخل حتى بالتحريض على إطعام المسكين فضلاً عن أن يبذل هو بنفسه ، ولذلك لم يقل: ولا يطعم المسكين، وإنما قال: وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ . فهذا وصفه في غاية الشح؛ لأن الحض لن يكلفه سوى كلمات قليلة، يحض بها الآخرين على أن يطعموا المسكين، لكن بخل بالكلمات لشدة بخله فضلاً عن أن ينفق من ماله، فهو أبعد وأبعد عن ذلك. قوله: وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ معناه: أنه يعذب على عدم الحض والتحريض على إطعام المسكين. وهذا الآية فيها دليل على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، وأن الكافر كما يعذب على الأصول يعذب أيضاً على الفروع، فهو مطالب بالصيام ومطالب بالصلاة وبتحريم شرب الخمر وغيرها مما حرمه الله سبحانه وتعالى، لكن هل تصح منه الصلاة؟ لا تصح منه الصلاة إذا صلى؛ لأنه لا يعرف الله، فكيف ينوي التقرب إلى الله بالعبادة، لكن حتى تصح صلاته لابد أولاً أن يسلم ويدخل في الإسلام ثم يصلي بعد ذلك، ومع ذلك هو مخاطب بفروع الشريعة كما بينا، والدليل على ذلك آيات كثيرة، منها: قوله تعالى هنا: وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ، وقوله تعالى: وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ [فصلت:6-7] على تفسير الزكاة بأنها زكاة الأموال المعروفة. وكما أن الإيمان يزيد بالطاعة، والمؤمن يثاب على إيمانه وعلى طاعته، وكلما زاد أعمالاً صالحة زاد ثوابه على الأعمال الصالحة؛ كذلك الكفر يزداد بالمعاصي، ويجازى الكافر على كفره وعلى عصيانه، فالكافر يعذب على الكفر ويعذب أيضاً على العصيان، يقول الله تبارك وتعالى: الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ العَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ [النحل:88]، فيعذبون على الكفر؛ لأنهم كفروا وصدوا عن سبيل الله، وعذاب مزيد؛ لأنهم كانوا يفسدون في الأرض. وقال تبارك وتعالى: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ [التوبة:37] فدل على أن الكفر أيضاً يزيد بزيادة شعب الكفر من المعاصي ونحوها. وقال تبارك وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ [آل عمران:90] وهذا يدل أيضاً على أن الكفر يزيد بالمعاصي.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فليس له اليوم هاهنا حميم ... لا يأكله إلا الخاطئون)

    فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ * لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ [الحاقة:35-37]. قال عز وجل: فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ [الحاقة:35] يعني: قريب تأخذه الحمية له. قوله تعالى: وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ [الحاقة:36] الغسلين هو غسالة أهل النار وصديدهم. قال ابن جرير : كان بعض أهل العربية من أهل البصرة يقول: كل جرح غسلته فخرج منه شيء فهو غسلين، (فِعْلِين) من الغسل من الجراح والدبر، وزيد فيه الياء والنون بمنزلة عفرين. إذاً: الغسلين يعبر عنه بما يخرج من عصارة وغسالة وصديد أهل النار، والعياذ بالله. قوله تعالى: لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ [الحاقة:37] أي: الآثمون أصحاب الخطايا، يقال: خَطِئ الرجل إذا تعمد الخطأ، وهناك فرق بين خاطئ ومخطئ، خاطئ يعني: آثم يتعمد الخطأ، لكن المخطئ قد يكون غير متعمد الخطأ، يقول عليه الصلاة والسلام: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان)، ويقول الله تبارك وتعالى: رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة:286]. قال الرازي : قوله: ((وَلا طَعَامٌ)) الطعام ما هيئ للأكل، فلما هيئ الصديد ليأكله أهل النار كان طعاماً لهم، ويجوز أن يكون المعنى أن ذلك أقيم مقام الطعام فسمي طعاماً، كما قال الشاعر: وخيل قد جنحت لها بخيل تحية بينهم ضرب وجيع يعني: لما قام الضرب مقام التحية أطلق عليه تحية، وقوله: (ضرب وجيع) أي: ضرب مؤلم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون)

    قال الله تبارك وتعالى: فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لا تُبْصِرُونَ [الحاقة:38-39] هذا القسم ينتظم جميع الأقسام التي وردت في القرآن الكريم؛ لأن هاتين الآيتين أجمل فيهما كل قسم أقسم الله سبحانه وتعالى به في القرآن الكريم؛ لأنه شامل لكل ما يقسم به تعالى، فهو سبحانه يقسم بشيء إما من عالم الغيب أو من عالم الشهادة، فجمعهما الله هنا بقوله: فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ يعني: عالم الشهادة، وَمَا لا تُبْصِرُونَ يعني: عالم الغيب. و(لا) هنا في قوله: ((فلا أقسم)) فيها قولان: إما أنها مزيدة للتأكيد وتقوية الكلام يعني: أقسم، وهذا معروف في كلام العرب، والقرآن عربي. وإما أن قوله: ((فلا أقسم)) هو في حد نفسه تركيبة، وهذه التركيبة كلها بتمامها صيغة من صيغ القسم، كما في قوله تعالى: لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ [البلد:1-2] معناه: أقسم بهذا البلد. يقول القاسمي : قوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (وَمَا لا تُبْصِرُونَ) أي: أقسم بالمشاهدات والمغيبات. يعني: المغيبات بالنسبة للبشر، وليس بالنسبة لله؛ لأنه ليس هناك غيب بالنسبة لله تبارك وتعالى، إنما الغيب يكون للمخلوقين، ولذلك نسب إليهم عدم البصر فقال: وَمَا لا تُبْصِرُونَ. قال الرازي : وهذا القسم يعم جميع الأشياء على الشمول؛ لأنها لا تخرج من قسمين: مبصر، وغير مبصر، فشمل الخالق والخلق، والدنيا والآخرة، والعالم العلوي والسفلي، وهكذا. ومن الممكن أن نعد أي آية أخرى في القرآن ورد فيها القسم تفصيلاً لما أجمل في هذا القسم، فهو إما من المبصر المشاهد وإما من المغيبات، فهذه الآية متضمنة كل قسم أقسم الله سبحانه وتعالى به في القرآن الكريم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنه لقول رسول كريم)

    قال تبارك وتعالى: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ [الحاقة:40]. قوله: ((إنه)) أي: القرآن الكريم. قوله: ((لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ)) وهو محمد صلى الله عليه وسلم يبلغه عن الله تعالى؛ لأن الرسول لا يبلغ عن نفسه، ويحتمل أن يكون الرسول المذكور هنا هو النبي محمداً صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن يكون جبريل عليه السلام، خاصة وأن الله سبحانه وتعالى قال في سورة التكوير: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ [التكوير:19-21] فهذا جبريل، فيحتمل أن يكون الرسول الكريم هناك هو الرسول الكريم هنا، لكن في سورة التكوير لا تحتمل إلا جبريل، أما في سورة الحاقة فيحتمل الاثنين، لكن مما يرجح أن المراد به هنا هو النبي محمدٌ صلى الله عليه وآله وسلم قول الله تبارك وتعالى بعد ذلك مباشرة: وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ [الحاقة:41]؛ لأن الذي اتهم بأنه شاعر هو الرسول عليه الصلاة والسلام، ولم يتهم جبريل بأنه شاعر، فهذا السياق يرجح أن المقصود بالرسول هنا هو النبي محمد صلى الله عليه وسلم. إذاً: قوله: ((إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ)) يعني: إنه لقول محمد صلى الله عليه وسلم على سبيل التبليغ، وهو من عند الله، والقرينة التي تدل على أن قوله: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ) على سبيل التبليغ لا أنه أنشأه هي: قوله بعدها بآيتين: تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الحاقة:43]. وقد نسب القرآن إلى النبي عليه الصلاة والسلام مرة، ونسب إلى جبريل أكثر من مرة، وهذا مما يوضح ومما يرجح تفسير قوله تعالى: ((إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ)) بأنه محمد عليه الصلاة والسلام؛ لأننا إذا فسرناه بجبريل فتكون هذه الآية توكيداً لما ورد في سورة التكوير من أن سند القرآن الكريم يكون عن الرسول عليه الصلاة والسلام عن جبريل عن الله عز وجل، ولا شك أنه يكون الأقوى أن ترد آية تنزه سند القرآن مرة من قبل الرسول البشري، ومرة من قبل الرسول الملكي، حتى يحصل التنزيه لكل سند القرآن الكريم. إذاً: الأفضل أن نقول هنا في تفسير هذه الآية: ((إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ)): هو محمد عليه الصلاة والسلام وهذا تنزيه للرسول البشري، وهناك في سورة التكوير نقول: هو تنزيه للرسول الملكي. إذاً: خلاصة تفسير قوله تبارك وتعالى: ((إِنَّهُ)) أي: القرآن ((لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ)) هو محمد صلى الله عليه وسلم يبلغه عن الله تعالى؛ لأنه وصفه بأنه رسول، والرسول يبلغ ما أرسل به وليس هو المتكلم به. كذلك قوله تبارك وتعالى بعدها: تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الحاقة:43] يؤكد أن المقصود بقوله: ((لَقَوْلُ رَسُولٍكَرِيمٍ)) على سبيل التبليغ، خلافاً لكلام المستشرقين وأعداء الإسلام الأغبياء، الذين يطعنون في القرآن الكريم ويقولون: القرآن متناقض، مرة يوصف القرآن بأنه قول محمد، ومرة يوصف بأنه قول جبريل، ومرة يوصف بأنه قول الله، فهذا من سفاهة عقولهم، وجهلهم باللغة العربية، إذا كان أهل اللغة العربية يغفلون عن إدراك أسراره إن لم يكونوا من المتضلعين بها، فما بالك بأعاجم لم يشموا رائحة العلم في اللغة العربية وأسرارها وفصاحتها؟! كذلك في سورة التكوير قال: وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ [التكوير:22] فهذا تنزيه أيضاً للرسول البشري هنا؛ لأنه قال في حق جبريل: مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ [التكوير:21] ثم قال: وَمَا صَاحِبُكُمْ أي: محمد عليه الصلاة والسلام.

    عقيدة الرافضة في القرآن الكريم

    في هذه الآيات الكريمة رد على الرافضة، فالرافضة -قبحهم الله وأخزاهم ونكس رايتهم- يزعمون التغيير والتحريف والنقص في القرآن الكريم، مثل شيعة إيران -قبحهم الله- يزعمون أن القرآن الكريم محرف، ويتهمون الصحابة كـأبي بكر وعمر بالكفر والزندقة، وسائر الصحابة بأنهم حرفوا القرآن الكريم، فهذه عقيدة الرافضة الملاحدة المجرمون، ولهم كتب في ذلك منها كتاب اسمه: (فصل الخطاب في إثبات تحريف كلام رب الأرباب) لمؤلفه حسين النوري الطبرسي، وهذا المجرم يثني عليه الخميني في كتبه كثيراً، مع أنه مؤلف هذا الكتاب الذي يزعم فيه تحريف كلام الله تبارك وتعالى، ولهؤلاء الرافضة المجرمين الكفرة كلام كثير جداً في الطعن في القرآن الكريم، ثم إذا ناقشتهم في هذه المسألة أو غيرها أنكروا؛ لأنهم يتعبدون بالتقية وليس بالتقوى، فالتقية عندهم بمعنى أن يكون ماهراً في الكذب حتى يخفي عقيدته ومذهبه، فلذلك لا تستطيع مناقشتهم؛ لأنك إذا ناقشت واحداً منهم يقول لك: رضي الله عن الصحابة! ورضي الله عن أبي بكر وعمر ! وكذا وكذا، ويظل يمدح فيهم وهو كذاب، هذا ديدنهم وهذه عقيدتهم، فلا يوثق أبداً بنقاش مع شيعي أبداً؛ لأنهم كذابون يتعبدون بالكذب فلا تصلح المناظرة معهم أبداً؛ لذلك الإمام الشنقيطي رحمه الله تعالى لما أتى فريق منهم للمناظرة معه، قال لهم: كيف نتناظر وأنتم لكم أصول ونحن لنا أصول؟! أي: المتناظران لابد أن يرجعا إلى أصول واحدة؛ كي يبطلا الخلاف. فقال: كيف نتناظر وأنتم لكم أصول ونحن لنا أصول؟ يعني: لكم دينكم ولنا دين، قال: ثم إنكم فوق ذلك أهل كذب ونفاق فهم كذابون لا يوثق بكلامهم أبداً. والمسلمون طالما خدعوا بهؤلاء الرافضة، وأعتقد أن خطر اليهود مثل خطر الرافضة ولا يقل عنهم إن لم يكونوا هم أشد خبثاً ودهاء وعداء لله ولرسوله للمؤمنين، فهؤلاء أعداء أمة الإسلام، وللأسف الشديد نحن لم نعرف أعداءنا إلى اليوم، ولم نفقه حقيقة هؤلاء المجرمين الطاعنين في صحابة الرسول صلى الله عليه وآله سلم، فهذا الخميني نفسه يترحم على النوري الطبرسي ويلقبه بأنه عالم جليل، مع أنه هو الذي ألف هذا الكتاب الذي فيه دعوى تحريف القرآن! إن الحديث عن الرافضة حديث ذو شجون، ونرجو ألا يأتي يوم يندم فيه هؤلاء الذين لمعوا الرافضة ودافعوا عنهم، وزعموا أن الخلاف بيننا وبين الرافضة كالخلاف بين الحنبلي والشافعي والحنفي وكذا وكذا، لا، بل الخلاف بيننا وبينهم كالخلاف بين اليهودي والنصراني وبين المسلم؛ لأن لهم ديناً ولنا ديناً آخر فنحن مختلفون معهم حتى في الأصول، حتى في القرآن الكريم؛ فهم يعتقدون إما بتحريف القرآن ولهم نصوص في ذلك، وإما أنهم يعتقدون أن القرآن الحقيقي ثلاثة أضعاف القرآن الموجود بيننا، والقرآن الكامل هو مع المهدي المتخفي في السرداب في سامراء، وهذا هراء ووهم في المهدي. الشاهد من هذا أنهم حينما تواجههم بهذا الكلام يقولون: لا هذا كذب! نحن لا نعتقد بتحريف القرآن، ويدافعون بكلام ينطلي على السذج والبسطاء، لكن من كان فقيهاً بألاعيبهم فإنه يقول لهم: إذاً: أعلنوا البراءة مما جاء في كتابكم المقدس الذي هو كتاب الكافي للكليني ، فهذا كتاب مقدس عندهم، فهو عند الشيعة كـالبخاري ومسلم عندنا، ويأخذون منه جل دينهم، ففي داخل هذا الكتاب سب الصحابة وكذا وكذا من هذه الضلالات والانحرافات، وفيه أيضاً الأخبار الكاذبة التي فيها دعوى تحريف القرآن الكريم، وكم مرة تحداهم علماء السنة حينما أنكروا أنهم يعتقدون تحريف القرآن بأن يتبرءوا مما ورد في كتاب الكافي من الطعن في القرآن الكريم، ومع ذلك لا يفعلون ذلك أبداً. إن الرافضة الآن خاصة بعد قيام دولتهم الشيطانية الخبيثة في إيران عدو لدود للإسلام، فنسأل الله سبحانه وتعالى ألا يمكنهم أبداً من المسلمين، ويكفي حتى تعرفوا خطر الرافضة أن تقرءوا أخبار أهل السنة في إيران، كيف يضطهد أهل السنة في إيران، وحتى الآن يمنع في العاصمة طهران من إقامة مسجد واحد لأهل السنة، مع أن هناك كنائس وهناك معابد يهودية، وهناك أيضاً في طهران معابد للزرادتش وعبدة النار والكفرة، أما أهل السنة فممنوع أن يقام لهم مسجد في طهران من عهد الشاه، وليس فقط من عهد الخميني . والشيعة الرافضة يشنون حرباً شديدة جداً من أجل تشييع شباب وأطفال أهل السنة والجماعة، ولهم حيل كثيرة جداً، وهذا حديث يطول، كنت أتكلم مع أحد الإخوة القادمين من المنطقة الشرقية في السعودية، فكان يشتكي من الرافضة وعداوتهم لأهل السنة، فقلت له: هل هم كالنصارى مثلاً في بلاد المسلمين؟ قال: لا، النصارى قد يكون عندهم رحمة بالمسلمين، أما هؤلاء فلا يرحمون أهل السنة أبداً إذا تمكنوا، والشيعة لا يعرفون إلا بشيئين اثنين: إما أن تعيش معهم وتذوق حقدهم على أهل السنة، وإما أن تتعلم من التاريخ وتتعلم من الكتب التي تتحدث عن عقائدهم وانحرافهم، ولذلك تجد الذين اصطلوا بنار الشيعة يكونون أشد الناس انفعالاً حينما يسمعون هذا الكلام؛ لأنه يثير الشجون، ويثير المشاعر الأليمة، وما أحداث الحرم التي حصلت قبل عدة سنوات وما فعلوه هناك منا ببعيد؟! على أي حال هذه الآية: (( إنه لقول رسول كريم )) فيها رد على الرافضة في دعواهم تحريف القرآن أو نقصه كما يزعمون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما هو بقول شاعر ... ولا بقول كاهن قليلاً ما تذكرون)

    قال تبارك وتعالى: وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ [الحاقة:41] يعني: كما تزعمون، فإن بين أسلوبه وحقائقه، وبين وزن الشعر وخيالاته بعد المشرقين. قوله: قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ [الحاقة:41] يعني: قليلاً ما تصدقون بما ظهر من صدقه وبرهانه عناداً وعتواً، والقلة كناية عن عدم الإيمان. ونصب ((قليلاً)) على أنه نعت لمصدر، يعني: تؤمنون إيماناً قليلاً، والناصب تؤمنون أو تذكرون، و(ما) زائدة. وقال ابن عطية : يحتمل أن تكون نافية ومصدرية. إذاً: قوله: ((قليلاً ما تؤمنون)) على اعتبار (ما) نافية يكون المعنى: لا تؤمنون، وعلى أنها مصدرية يكون المعنى: قليلاً إيمانكم، فيكون المقصود بالتعبير عن القلة التعبير عن العدم، يعني: أنتم لا تؤمنون، كذلك أيضاً في قوله تعالى: وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ [الحاقة:42] أي: كما تدعون بأنه من سجع الكهان. قوله: ((قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ)) أي: تتعظون وتعتبرون، قيل: نفى الإيمان في الأول، ونفي الذكرى في الثاني؛ لأن عدم مشابهة القرآن بالشعر أمر بين لا ينكره إلا معاند؛ لذلك قال: وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ ، فالفرق بين القرآن وبين الشعر أمر في غاية الوضوح لا ينكره إلا معاند، فلا عذر لقائله في ترك الإيمان، وهو أضل من حمار أهله، وأما مباينته للكهانة فيتوقف على التذكر والتفكر؛ لأن الكاهن يأخذ جعلاً على كهانته، ويجيب عما سئل عنه، ويتكلف السجع، ويكذب كثيراً، وإن التبس على الحمقى بإخباره ببعض المغيبات بكلام منثور.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (تنزيل من رب العالمين)

    قال تبارك وتعالى: تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الحاقة:43] أي: هو تنزيل ممن ربى العالمين بصنوف نعمه، ومنها: ما نزله وأوحاه لنهتدي به إلى سبل السعادة ومناهج الفلاح، فربط القرآن برب العالمين فيه؛ إشارة وتذكير بتربية الله سبحانه للعالمين بالنعم وإفاضة الخيرات عليهم والإحسان إليهم بإيحاء القرآن وتنزيل القرآن؛ ليهتدوا به إلى سبل السعادة والفلاح.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولو تقول علينا بعض الأقاويل ... عنه حاجزين)

    قال الله تبارك وتعالى: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ [الحاقة:44] عندما يقرأ المسلم القرآن الكريم يشعر بقوة الله سبحانه وتعالى وعلو الله والهيمنة الإلهية والعظمة، كما في هذا السياق: ((وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا)) فتقطع أنه لا يمكن أن يكون المتكلم بهذا الكلام هو النبي محمداً صلى الله عليه وسلم. قوله: ((عَلَيْنَا)) هذه نون العظمة. قوله: ((بَعْضَ الأَقَاوِيلِ)) أي: لو افترى علينا، وسمي الكذب تقولاً؛ لأنه قول متكلف كما تشعر به صيغة التفعل. و((الأقاويل)) جمع قول على غير القياس، أو جمع الجمع كالأناعيم جمع أنعام، وقيل: تسمية الأقوال المنكرات أقاويل تحقيراً لها، وأنها جمع أفعولة من القول. قوله تعالى: لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ [الحاقة:45] هذا كقوله تعالى: قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا [الأحقاف:8] أي: لن ينقذني من عذاب الله شيء. هذه الآية قرأها بعض القراء: (ولو تُقوِّل علينا بعض الأقاويل) وانتصر لها بعض المسلمين استبعاداً بأن يفترض في حق النبي صلى الله عليه وسلم أنه يتقول على الله ما ليس بحق، وهذا كلام في الحقيقة غير صحيح؛ لأن هذا السياق لا يوهم أنه يمكن أن يقع من النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما هو افتراض لما لا يتصور وقوعه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد جاء الافتراض في القرآن الكريم فيما هو أعظم من ذلك، كما قال الله تبارك وتعالى: قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ [الزخرف:81] وهذا مجرد افتراض، وإلا فالله عز وجل منزه عن الولد سبحانه، وقال الله تبارك وتعالى: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء:22] فهذا أيضاً افتراض، ولا يحتمل أن يكون في السماوات والأرض آلهة غير الله. إذاً: ينبغي للإنسان ألا ينزعج من مثل هذه الافتراضات، فكذلك هنا قوله: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ يعني: على سبيل الافتراض لما لا يتصور وقوعه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم. قوله تعالى: ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ [الحاقة:46] قال ابن جرير : أي: لأخذنا منه بالقوة منا والقدرة. قوله: ((الْوَتِينَ)) يعني: نياط القلب، والمعنى: أنه لو فعل ذلك لعاجله بالعقوبة ولا يؤخره بها. وقد قيل: إن معنى قوله تعالى: لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ لأخذنا منه باليد اليمنى من يديه، وإذا قلنا: ((باليمين)) هي في حق الله سبحانه وتعالى فيكون المعنى: بالقوة منا والقدرة، وذلك مثل قوله تعالى: إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ [الصافات:28] أي: عن القوة والقدرة. قال الزمخشري : والمعنى: ولو ادعى علينا شيئاً لم نقله لقتلناه صبراًً كما يفعل الملوك بمن يكذب عليهم؛ معاجلة بالسخط والانتقام، فصوّر قتل الصبر بصورته؛ ليكون أهول، وهو أن يؤخذ بيده وتضرب رقبته، وخص اليمين عن اليسار؛ لأن القاتل إذا أراد أن يوقع الضرب في قفا المراد قتله أخذ بيساره، وإذا أراد أن يوقعه في جيده -أي: في عنقه- وأن يكفحه بالسيف- أي: يعدمه- وهو أشد على المصبور لنظره إلى السيف؛ أخذ بيمينه. يعني: إذا أخذه بالشمال فيكون الضرب من جهة القفا، لكن الأخذ باليمين معناه: أنه يأخذه من أمامه بحيث يرى السيف وهو يقع على عنقه، وهذا أشد عليه وأصعب. ثم يقول الزمخشري : ومعنى (لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ) لأخذنا بيمينه كما أن قوله: ((لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ)) لقطعنا وتينه، وهذا بين. إذاً: مما يقوي القول بأن اليمين المقصود بها يمين النبي عليه الصلاة والسلام نفسه قوله: (ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ) يعني: وتينه. وحاشاه صلى الله عليه وسلم أن يتقول على الله باطلاً. وما قرره الزمخشري أبلغ في المراد، وهو بيان المعاقبة بأشد العقوبة، والقول الأول هو أن معنى قوله: (لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ) يعني لأخذنا منه بقوتنا وقدرتنا، والقول الثاني: أن معنى قوله: ((لأخذنا منه باليمين)) يعني: بيمينه، وهذا أبلغ في المراد، وهو بيان المعاقبة بأشد العقوبة. قوله تعالى: فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ [الحاقة:47] أي: ليس أحد منكم يحجزنا عنه، ويحول بيننا وبين عقوبته لو تقول علينا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإنه لتذكرة للمتقين ... وإنه لحسرة على الكافرين)

    قال تعالى: وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ [الحاقة:48] أي: إن القرآن الكريم لتذكرة وعظة لمن يتقي عقاب الله، وذلك بالإيمان به وحده وما نزل من عنده. قوله تعالى: وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ [الحاقة:49]. قوله: ((وإنا لنعلم أن منكم مكذبين)) أي: مكذبين له صلى الله عليه وسلم أو مكذبين بالقرآن الكريم؛ إيثاراً للدنيا والهوى، فسوف يجازيكم على إعراضكم عن القرآن الكريم. قوله: ((وَإِنَّا لَنَعْلَمُ)) هذا العلم يستلزم معاقبتهم على ذلك التكذيب. قوله تعالى: وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ [الحاقة:50] أي: ندامة عليهم إذا رأوا ثواب المؤمنين به، وهذا يشبه قوله تبارك وتعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا [الإسراء:82].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإنه لحق اليقين فسبح باسم ربك العظيم)

    قال تعالى: وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ [الحاقة:51-52]. العلم واليقين يتفاوت على درجات، فمن مراتب اليقين: مرتبة علم اليقين، ومرتبة عين اليقين، والمرتبة الأعلى حق اليقين. لو أخبرتك أن خلف هذا الجدار إناء فيه عسل، وكنت موقناً بقولي؛ فهذا يسمى علم اليقين، فإذا فتحت الباب وأريتك إياه، ورأيته بعينك؛ فهذا يسمى عين اليقين، فإذا ذقت العسل؛ فهذا يسمى حق اليقين، كذلك مثلاً من علم بوجود الكعبة المشرفة ولم يرها فهذا علم اليقين، فإذا ذهب إلى هناك ورآها فهذا عين اليقين، وإذا دخل الكعبة المشرفة فهذا حق اليقين. إذاً: حق اليقين هو أعلى درجات ومراتب اليقين. قوله: (وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ) يعني: إنه هو الحق اليقين الذي لا ريب فيه، قال الله تبارك وتعالى: كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ [التكاثر:5] بالعلم، ثم قال: لَتَرَوْنَ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوْنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ [التكاثر:6-7]. ثم قال الله تبارك وتعالى: فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ يعني: دم على ذكر اسمه عز وجل، وادأب على الدعوة إليه وحده، وإلى ما أوحاه إليك، فالعاقبة لك ولمن اتبعك من المؤمنين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3010117695

    عدد مرات الحفظ

    721867331