إسلام ويب

تفسير سورة القلم [1-33]للشيخ : محمد إسماعيل المقدم

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ن والقلم وما يسطرون)

    هذه سورة (نون) وتسمى (سورة القلم)، وهي سورة مكية، وآيها ثنتان وخمسون آية، وهي السورة الثامنة والستون في ترتيب المصحف. يقول الله تعالى: ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ [القلم:1]. (ن) بالسكون على الوقف، فهي ساكنة إذا وقفت، أما إذا وصلت فاختلف القراء، فمنهم من أدغم النون في الواو، وهم أبو بكر والمفضل وهبيرة وورش وابن محيصن وابن عامر والكسائي ويعقوب ، والباقون بالإظهار. و(نون) اسم للحرف المعروف قصد به التحدي، أو هو اسم، والكلام فيه كالكلام على سائر الحروف المقطعة في أوائل السور. وقد يكون (نون) مفعولاً لفعل تقديره (اذكر) أو مرفوعاً خبراً لمحذوف. (والقلم) هذا قسم، وهو القلم الذي يخط ويكتب به، (وما يسطرون) (ما) مصدرية أو موصولة. وللمفسرين أقوال عدة في المراد بهذا القلم: فمن قائل: القلم الذي يكتب به. ومن قائل: الذي كتب الله سبحانه وتعالى به كل ما هو كائن في اللوح المحفوظ. قال ابن عباس : هذا قسم بالقلم الذي خلقه الله فأمره فجرى بكتابة جميع ما هو كائن إلى يوم القيامة. وعن الوليد بن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: أوصاني أبي عند موته فقال: يا بني! اتق الله، واعلم أنك لن تبلغ العلم حتى تؤمن بالله وحدة والقدر خيره وشره، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب. فقال: يا رب! وما أكتب؟ فقال: اكتب القدر. فجرى القلم في تلك الساعة بما كان وما هو كائن إلى الأبد). وقال قتادة : القلم نعمة من الله تعالى على عباده. وقد فصل أفضل وأحسن تفصيل عن القلم الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه (التبيان في أقسام القرآن)، وذكر فيه أقوالاً كثيرة جداً، فليرجع إليه. وللشعراء أيضاً صولات وجولات في المفاضلة بين السيف والقلم أيهما أفضل، ومنها قول الشاعر: إذا أقسم الأبطال يوماً بسيفهم وعدوه مما يكسب المجد والكرم كفى قلم الكتاب عزاً ورفعة مدى الدهر أن الله أقسم بالقلم وقوله: ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ يعني: وما يكتبون. والمقصود الملائكة حين يكتبون أعمال بني آدم، أو المعنى: ما يكتبه الناس ويتفاهمون به ويحصل به البيان. (ما) موصلة، أو مصدرية: فإذا قلنا إنها موصولة فالمعنى: والذي يسطرون به. وإذا قلنا إنها مصدرية فالمعنى: والقلم وسطرهم. ويراد به كل من يسطر، أو المراد به الحفظة، على خلاف بين المفسرين في ذلك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ما أنت بنعمة ربك بمجنون ... غير ممنون)

    قال تعالى: مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ [القلم:2]. (ما أنت بنعمة ربك بمجنون) هذا جواب القسم، وهو نفي، وكان المشركون يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: إنه مجنون به شيطان. ويأتي قولهم الذي قصه الله تعالى عز وجل في قوله وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ [الحجر:6]، فأنزل الله تعالى رداً عليهم وتكذيباً لقولهم: مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ، أي: برحمة ربك، فمعنى النعمة هنا الرحمة. ويحتمل أن النعمة مقسم به، وذلك على أن الباء باء القسم، والتقدير: ما أنت -ونعمة ربك- بمجنون. لأن الواو والباء من حروف القسم. وقيل: هو كما تقول: ما أنت بمجنون والحمد لله. وقيل: معناه: ما أنت بمجنون والنعمة لربك. كقولهم: سبحانك اللهم وبحمدك. أي: سبحان الله والحمد لله. والباء في (بنعمة ربك) متعلقة بمجنون منفياً كما يتعلق بغافل مثبتاً كما في قولك: أنت بنعمة ربك غافل، ومحل قوله تعالى مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ ، النصب على الحال، كأنه قال: ما أنت بمجنون منعماً عليك بذلك. (( وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا )) أي: ثواباً على ما تحملت من أثقال النبوة (( غَيْرَ مَمْنُونٍ )) أي: غير مقطوع ولا منقوص. يقال مننت الحبل إذا قطعته، وحبل منين: إذا كان غير متين. قال الشاعر: غبس كواسب لا يمن طعامها وقال مجاهد : (غير ممنون): غير مكبل بالمن. وقال الضحاك : أجراً بغير عمل. وقيل: غير مقدر وهو التفضل؛ لأن الجزاء مقدر، والتفضل غير مقدر. يقول القاسمي رحمه الله تعالى: قوله تعالى: مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ جواب القسم قصد به تكذيب المشركين في إفكهم المحدث عنه بآية: وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ [الحجر:6]. (( وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا )) أي: ثواباً على أذى المشركين واحتمال هذا الطعن والصبر عليه (( غَيْرَ مَمْنُونٍ )) يعني: غير منقوص ولا مقطوع. قال ابن جرير : من قولهم: حبل منين إذا كان ضعيفاً. وتقول: قد ضعفت منته: أي قوته. أو: وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ أي غير ممنون به عليك، زيادة في العناية به صلى الله عليه وسلم والتنويه بمقامه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإنك لعلى خلقٍ عظيم)

    قال تعالى: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4]. قال ابن جرير : أي أدب عظيم، وذلك أدب القرآن الذي أدبه الله به، وهو الإسلام وشرائعه. قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: (كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن) تعني: كان خلقه كما هو في القرآن. وقال الرازي : هذا كالتفسير لقوله: (بنعمة ربك)؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:2-4]، فهذا كالتفسير لقوله: (بنعمة ربك). والدلالة القاطعة على براءته مما رمي به من الجنون؛ لأن الأخلاق الحميدة، والأفعال المرضية، والفصاحة التامة، والعقل الكامل، والبراءة من كل عيب، والاتصاف بكل مكرمة؛ كانت ظاهرة منه صلى الله عليه وسلم، وإذا كانت ظاهرة محسوسة فوجودها ينافي حصول الجنون، فكذب من أضافه إليه وضل، بل هو الأحرى بأن يرمى بما قذف به. يقول الإمام القرطبي رحمه الله تعالى: قوله تعالى: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ قال ابن عباس ومجاهد : على دين عظيم من الأديان. والخلق يأتي أحياناً بمعنى الدين، كقوله تعالى: إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الأَوَّلِينَ [الشعراء:137] أي: دين الأولين. فيقول ابن عباس ومجاهد : (على خلق): على دين عظيم من الأديان، ليس دين أحب إلى الله تعالى ولا أرضى عنده منه. وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها (أن خلقه صلى الله عليه وسلم كان القرآن). وقال علي رضي الله عنه وعطية : هو أدب القرآن. وقيل: رفقه بأمته وإكرامه إياهم. وقال قتادة : هو ما كان يأتمر به من أمر الله وينتهي عنه مما نهى الله عنه. وقيل: إنك على طبع كريم. وحقيقة الخلق في اللغة هو ما يأخذ به الإنسان نفسه من الأدب، فإنه يصير كأنه مفطور عليه وكأنه مسلوك به، وأما ما طبع عليه من الأدب فهو الخيم. والخيم بمعنى السجية والطبيعة، لا واحد له من لفظه، وسيكون الخلق هو الطبع المتكلف، والخيم: الطبع الغريزي. وقد أوضح الأعشى ذلك في شعره فقال: وإذا ذو الفضول ضن على المو لى وعادت لخيمها الأخلاق أي: رجعت الأخلاق إلى طبائعها.

    فضيلة حسن الخلق

    ثم يعلق القرطبي بعدما ذكر الخلاف في المقصود بقوله تعالى: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ فقال: ما ذكرته عن عائشة في صحيح مسلم أصح الأقوال، وسئلت أيضاً عن خلقه صلى الله عليه وسلم فقرأت قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ [المؤمنون:1] إلى عشر آيات، وقالت: ما كان أحد أحسن خلقاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما دعاه أحد من الصحابة ولا من أهل بيته إلا قال: لبيك. ولذلك قال الله تعالى: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ، ولمُ يذكَر خلق محمود إلا وكان للنبي صلى الله عليه وسلم منه الحظ الأوفر. وقال الجنيد : سمي خلقه عظيماً لأنه لم تكن له همة سوى الله تعالى. وقيل: سمي خلقه عظيماً لاجتماع مكارم الأخلاق فيه. يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله بعثني لأتمم مكارم الأخلاق). وقيل: لأنه امتثل تأديب الله تعالى إياه بقوله تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ [الأعراف:199]، وقد روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (أدبني ربي تأديباً حسناً إذ قال خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ [الأعراف:199]، فلما قبلت ذلك منه قال: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ). ولم يعزه القرطبي إلى أي مصدر. وروى الترمذي عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن) قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح. وعن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن، وإن الله تعالى ليبغض الفاحش البذيء)، وقال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح. وقال صلى الله عليه وسلم: (ما من شيء يوضع في الميزان أثقل من حسن الخلق، وإن صاحب حسن الخلق ليبلغ به درجة صاحب الصلاة والصوم)، وقال الترمذي : هذا حديث غريب من هذا الوجه. (وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنة، فقال صلى الله عليه وسلم: تقوى الله وحسن الخلق، وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار فقال: الفم والفرج)، وقال: هذا حديث صحيح غريب. وعن عبد الله بن المبارك أنه وصف حسن الخلق فقال: هو بسط الوجه، وبذل المعروف، وكف الأذى. وقال صلى الله عليه وسلم: (إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني مجلساً يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون. قالوا: يا رسول الله! قد علمنا الثرثارون والمتشدقون، فما المتفيهقون؟ قال المتكبرون) والمتشدق: الذي يتطاول على الناس ويبذو عليهم بالكلام البذيء. هذه جملة من الأحاديث في فضيلة حسن الخلق، وهو ما اتصف به النبي صلى الله عليه وسلم وزكاه الله تبارك وتعالى به. وهذه الآية لا أقول: تحتاج شهوراً ولا سنوات، بل تحتاج عمراً حتى يستطيع الإنسان أن يعطيها حقها من التأمل في أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أدل على ذلك من أنه في هذا الوقت المتأخر قام بعض العلماء الأفاضل فجمع موسوعة كاملة في أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم، وكان أحد المؤلفين لها فضيلة الدكتور صالح بن عبد الله بن حميد ، إمام الحرم المكي، حيث أشرف على تأليف موسوعة اسمها (روضة النعيم في أخلاق الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم)، في حوالي اثني عشر مجلداً ضخماً في ذكر أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم. فلا شك أننا مهما أطلنا الكلام لم نوف هذه الآيات حقها، فأعظم ما مدح الله سبحانه وتعالى به نبيه صلى الله عليه وسلم هذا الوصف الشامل الجامع. وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ، فسيرته صلى الله عليه وسلم لا شك أنها هي التي تشرح لنا كيف كان خلقه صلى الله عليه وسلم عظيماً، فنحيل من استطاع الرجوع إلى هذه الموسوعة الرائعة التي فيها بيان وتفسير لأخلاق الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون)

    قال تعالى: فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ * إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [القلم:5-7]. (فستبصر ويبصرون) أي: أولئك الجاحدون المتفوهون بتلك العظيمة، وهي زعمهم أو رميهم النبي صلى الله عليه وسلم. بالجنون. يعني: ستعلم ويعلمون يوم القيامة حين يتبين الحق والباطل. (بأيكم المفتون)، يعني: أيكم الذي فتن بالجنون، فهو كقوله تعالى: تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ)[المؤمنون:20] يعني: تنبت الدهن، وقوله يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ [الإنسان:6] أي: أن الباء زائدة. وقيل: الباء ليست بزائدة، والمعنى: بأيكم الفتنة، وهو مصدر على وزن المفعول، ويكون معناه (الفتون)، أي: فستبصر ويبصرون بأي الفريقين الجنون، أفي الفرقة التي أنت فيها من المؤمنين أم بالفرقة الأخرى؟ وهل الفتنة فيمن كوشف بأسرار العلوم وأوتي جوامع الكلم، أم فيمن حجب نفسه عن آيات الله والعبر، وقتل بعبادة الصنم؟ والمفتون: المجنون الذي فتنه الشيطان. وقيل: المفتون المعذب. من قول العرب: فتنت الذهب بالنار إذا حميته، ومنه قوله تعالى: في الوليد بن المغيرة وأبي جهل : يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ [الذاريات:13] أي: يعذبون. قوله: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ أي: إن الله هو العالم بمن حاد عن دينه وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ الذين هم على الهدى، وسيجازي كلاً غداً بعمله، فهو أعلم بمن حاد عن طريق الحق الذي أمر به، (وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)، أي: بمن اتبع الحق وسلك سبيله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فلا تطع المكذبين)

    قال تعالى: فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ [القلم:8]. أي المكذبين بآيات الله وما جاءهم من الحق. قال الزمخشري هذا تهييج وإلهاب على معاصاتهم، فلا يطيعهم. فهنا نهاه تعالى عن مهادنة المشركين؛ لأنهم كانوا يدعونه إلى أن يكف عنهم ليكفوا عنه، فبين الله تعالى أن مهادنتهم كفر، قال تعالى: وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا [الإسراء:74]. فهل يفهم من هذا أن الرسول عليه الصلاة والسلام كاد أن يركن إليهم شيئاً قليلاً؟ إن قوله تعالى: وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا [الإسراء:74] يفهم منه العكس، فهي تمنع وجود هذا الركون أو قليل منه؛ لأن (لولا) حرف امتناع لوجود، فلوجود التثبيت امتنع منه صلى الله عليه وسلم الركون إليهم شيئاً قليلاً. وقيل: قوله تعالى: فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ أي: فيما دعوك إليه من دينهم الخبيث.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ودوا لو تدهن فيدهنون)

    قال تعالى: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ [القلم:9]. أي: ودوا لو تكفر فيتمادون على كفرهم. وعن ابن عباس : ودوا لو ترخص لهم فيرخصون لك. وقال الفراء والكلبي : ودوا لو تلين فيلينون لك. وقال مجاهد : ودوا لو ركنت إليهم وتركت الحق فيمالئونك. وقال الربيع وأنس : ودوا لو تكذب فيكذبون. وقال الحسن : ودوا لو تصانعهم في دينك فيصانعونك في دينهم. وعنه أيضاً: ودوا لو ترفض بعض أمرك فيرفضون بعض أمرهم. وقال زيد بن أسلم : ودوا لو تنافق وترائي فينافقون ويراءون. وقيل: ودوا لو تضعف فيضعفون. وقيل: ودوا لو تداهن في دينك فيداهنون في أديانهم. وقيل: طلبوا منه أن يعبد آلهتهم مدة ويعبدوا إلهه مدة. فهذه اثنا عشر قولاً، قال ابن العربي : ذكر المفسرون فيها نحو عشرة أقول كلها دعاوى على اللغة والمعنى، وأمثلها قولهم: ودوا لو تكذب فيكذبون، ودوا لو تكفر فيكفرون. وعلق القرطبي على قول ابن العربي بأنها كلها صحيحة -إن شاء الله تعالى- على مقتضى اللغة والمعنى، فإن الدهان: اللين والمصانعة. وقيل: مجاملة العدو وممايلته. وقيل: المقاربة في الكلام، والتليين في القول، فلا شك أنها على هذا الوجه مذمومة، ولا شك أن هذا كله لم يقع من النبي صلى الله عليه وآله وسلم. يقول مجاهد في قوله: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ : ودوا لو تركن إلى آلهتهم وتترك ما أنت عليه من الحق فيمالئونك. وإنما هو مأخوذ من الدهن أو الدهن، شبه التليين في القول بتليين الدهن.

    1.   

    تفسير قوله: (ولا تطع كل حلاف مهين ... أساطير الأولين)

    وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ * أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ [القلم:10-15]. (حلاف) صيغة مبالغة، يعني: كثير الحلف؛ وقال الزمخشري : وكفى به مزجرة لمن اعتاد الحلف. فهذه الآية فيها زجر قبيح عن كثرة الحلف؛ لأن بعض الناس يعتادون كثرة الحلف فيما يستحق وما لا يستحق، فهذه إشارة إلى ذم من يكثر الحلف، وأن الإنسان لا يحلف إلا في الأمور العظيمة، أو الأمور المهمة والجسيمة، لكن الحلف في كل شيء حتى وإن كان تافهاً ينبغي أن يتحرج منه الإنسان.

    حكم الحلف بالله

    ومع هذا نقول: إن الحلف عبادة من العبادات القولية التي تؤدى باللسان، وفيها تعظيم لله سبحانه وتعالى، وفيها توحيد لله، لذلك لا يجوز الحلف إلا بالله سبحانه وتعالى أو بأسمائه أو بصفاته أو بأفعاله، أما الحلف بالمخلوقين فهو شرك، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من حلف بغير الله فقد أشرك )، (من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت). فلا يجوز الحلف بغير الله؛ لا بنبي ولا بولي ولا بملك، ولا أبٍ، ولا شرف، ولا غير ذلك، حتى النبي صلى الله عليه وسلم، وما سمعنا أن واحداً من الصحابة حلف بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم كانوا يعرفون أن هذه عبادة ولا يجوز أن تصرف إلا الله. والحلف بالله وراءه معان كثيرة وعظيمة، منها أنك تحلف بمن يعلم أنك صادق، وهو الله سبحانه وتعالى الذي يعلم ما تكنه النفوس وتخفيه، وأنه قادر على عقابك إن كنت كاذباً، وقادر على إثابتك إن كنت صادقاً. فالمسلم يحلف تعظيماً لله، ويدخر الحلف للأمور العظيمة التي تستحق، بخلاف ما عليه بعض النصارى، حينما يترفعون عن الحلف ويعتبرون أن الحلف شيء مذموم، فالحلف ليس مذموماً إلا إذا كان كثيراً، أو إذا كان على كل شيء قليل أو حقير، لكن الحلف في موضعه وبشروطه هو عبادة وتوحيد لله تبارك وتعالى، فبعض المسلمين يقلدون النصارى، فيقول لك: صدقني. وهذه كلمة لا بأس بها في حد ذاتها؛ لكنه استعارها من ألفاظ الكفار، ولا ينبغي للإنسان أن يستعملها حتى لا يبدو منه أنه يستحسن ما عليه الكفار من أنهم يحرمون الحلف، فليس كل حلف مذموماً، والأدلة على هذا أكثر من أن تذكر. قوله تعالى هنا: وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ هذه أول صفة من صفات الشخص الذي ذمه الله هنا، وهو أنه كثير الحلف، يقول الزمخشري : وكفى به مزجرة لمن اعتاد الحلف. ومنه قوله تعالى: وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ [البقرة:224]، على أحد التفسيرين.

    معنى المهين والهماز بنميم المناع للخير

    والمهين: حقير الرأي والتمييز. هَمَّازٍ ، عياب طعان. قال ابن جرير : والهمز أصله الغمز، فقيل للمغتاب: هماز لأنه يطعن في أعراض الناس بما يكرهون، وذلك غمز عليهم. مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ نقال لحديث الناس بعضهم إلى بعض للإفساد بينهم. مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ أي: بخيل بالمال ضنين به. والخير هنا المال، ولهذا نرى آيات في القرآن الكريم يطلق فيها الخير على المال، كقوله تعالى: وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ [العاديات:8] وقوله تعالى: إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ [البقرة:180] يعني: إن ترك مالاً. فكذلك هنا مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ أي: بخيل بالمال ضنين به. وقيل: مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ صاد عن الإسلام. (معتدٍ) أي: على الناس متجاوز في ظلمهم، (أثيم) أي: كثير الآثام. (عتل): جافٍ غليظ. بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ دعي ملصق في نسب القوم وليس منهم. أو (زنيم) بمعنى أنه مريب يعرف بالشر. قال ابن جرير : ومعنى (بعد ذلك) في هذا الموضع (مع). أي: عتل مع ذلك زنيم. وقال الشهاب : الإشارة لجميع ما قبله من النقائص لا للأخير فقط. يعني أن الله سبحانه وتعالى ذم هذا الشخص المذكور فقال: ((وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ)) أي: بعد هذه الأوصاف المذكورة هو زنيم. وقال بعض العلماء: الإشارة في قوله: (بعد ذلك) إلى صفة العتل، أي: هو عتل مع كونه زنيماً. وهي للدلالة على أن ما بعده أعظم في القبح، فـ(بعد) هنا، كـ(ثم) الدالة على التفاوت الرسلي، كما قال تبارك وتعالى: (وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ [التحريم:4]. واختلف المفسرون في المقصود بالخطاب، قيل: هو الأخنس بن شريق . وقيل: الأسود بن عبد يغوث . وقيل: عبد الرحمن بن الأسود . وقيل: الوليد بن المغيرة . ولعل الأشهر أنها في الوليد بن المغيرة . ثم يقول الله تبارك وتعالى: أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ قال الزمخشري : أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ . متعلق بقوله .(ولا تطع). يعني: ((وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ ...)) إلى قوله: (( أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ ))، يعني: ولا تطعه مع هذه المساوئ لأن كان ذا مال وبنين، فما فائدة المال والبنين إذا كان متصفاً بهذه الصفات والأخلاق السيئة كلها.؟ يعني: لا تطعه ليساره وحظه من الدنيا. ويجوز أن تكون متعلقة بما يأتي، وهو إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ يعني: لكونه متمولاً مستظهراً بالبنين. كذب بآياتنا. ((إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا)) أي: تقرأ عليه آيات كتابنا (قال أساطير الأولين) أي: هذا مما كتبه الأولون؛ استهزاءً به وإنكاراً أن يكون ذلك من عند الله تبارك وتعالى.

    معنى قوله: (عتل)

    وقوله: عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ العتل: هو الجافي الشديد في كفره. وقيل: هو الشديد الخصومة بالباطل. وقيل: هو الذي يعتل الناس فيجرهم إلى حبس أو عذاب، مأخوذ من (العتل) وهو الجر، ومنه قوله تعالى: خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ [الدخان:47]، يعني: جروه، وفي (الصحاح): عتلت الرجل أعتله وأعتل، إذا جذبته جذباً عنيفاً، ورجل يعتل، وقال يصف فرساً: نقرعه قرعاً ولسنا نعتله. والعتل: الغليظ الجافي، والعتل -أيضاً-: الرمح الغليظ، ورجل عتل بين العتلة أي سريع إلى الشر، ويقال: لا أنعتل معك: أي لا أبرح مكاني. وقال عبيد بن عمير : الأكول الشروب القوي الشديد، يوضع في الميزان فلا يزن شعيرة. يعني: عند الله سبحانه وتعالى. وقال علي بن أبي طالب والحسن : العتل الفاحش السيئ الخلق. وقال معمر : هو الفاحش اللئيم. قال الشاعر: بعتل من الرجال زنيم غير ذي نجدة وغير كريم وفي صحيح مسلم عن حارثة بن وهب رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ألا أخبركم بأهل الجنة؟ قالوا: بلى. قال: كل ضعيف متضعف لو أقسم على الله لأبره)، أي: يستضعفه الناس ويحتقرونه ويتجبرون عليه لضعف حاله في الدنيا، ومعناه: متواضع متذلل خاملٌ واضع من نفسه. وقال القاضي : قد يكون الضعف هنا رقة القلوب ولينها وإخباتها للإيمان. قال (ألا أخبركم بأهل النار؟ قالوا بلى.قال: كل عتل جواظ مستكبر)، وفي رواية عنه: (كل جواظ ذليل متكبر)، والجواظ قيل: هو الجموع المنوع. وقيل: الكثير اللحم المختال في مشيته. وقيل: الجواظ: العتل الذي جمع ومنع. والعتل الذميم الشديد الخلق الرحيب الجوف، الوفير الخَلْق، الأكول الشروب، الغشوم الظلوم.

    معنى قوله: (زنيم)

    قوله: عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ ، والزنيم الملصق بالقوم الدعي. عن ابن عباس وغيره. قال الشاعر: زنيم تداعاه الرجال زيادة كما زيد في عرض الأديم الأكارع وعن ابن عباس أيضاً: أنه رجل من قريش كانت له ذنبة كذنبة الشاة يعني: جلدة متدلية. وروى عنه ابن جبير أنه الذي يعرف بالشر كما تعرف الشاة بزنمتها. وقال عكرمة : هو اللئيم الذي يعرف بلؤمه كما تعرف الشاة بزنمتها. قيل: كان الوليد دعياً في قريش ليس من نسخهم -والنسخ هو الأصل- ادعاه أبوه بعد ثماني عشرة سنة من مولده، قال الشاعر: زنيم ليس يعرف من أبوه بغي الأم ذو حسب لئيم وقال حسان : وأنت زنيم نيط في آل هاشم كما نيط خلف الراكب القدح الفرد وعن علي : الزنيم: الذي لا أصل له. يقول القرطبي : معظم المفسرين على أن هذا نزل في الوليد بن المغيرة ، وكان يطعم أهل منى حيساً ثلاثة أيام، وينادي: ألا لا يوقدن أحد تحت برمة، ألا لا يدخنن أحدكم بكراع، ألا ومن أراد الحيس فليأت الوليد بن المغيرة . وكان ينفق في الحجة الواحدة عشرين ألفاً أو أكثر، ولا يعطي المسكين درهماً واحداً، فقيل: مناع للخير لأنه كان لا يعطي المساكين، وفيه نزل قوله تعالى: وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ [فصلت:6-7]. وقال محمد بن إسحاق : نزلت في الأخنس بن شريق ؛ لأنه حليف ملحق في بني زهرة، فلذلك سمي (زنيماً) يعني: بعيداً وملحقاً بالقوم وليس منهم. وقال ابن عباس : في هذه الآية نعت فلم يعرف حتى قتل فعرف، وكان له زنمة في عنقه معلقة يعرف بها. وقال مرة الهمداني : إنما ادعاه أبوه بعد ثماني عشرة سنة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (سنسمه على الخرطوم)

    قال الله تبارك وتعالى: سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ [القلم:16]. يعني: هو ارتكب كل هذه الجرائم فسوف نجازيه بأن نسمه على الخرطوم. وهذا وعدٌ من الله تبارك وتعالى بغاية إذلاله؛ لأنه لما تناهى كبره وعجبه وزهوه وعتله وعتوه توعده الله تبارك وتعالى بنقيض ذلك، وهو غاية الإذلال، تقول العرب: وسمته بميسم السوء: يريدون أنه ألصق به من العار ما لا يفارقه. قال جرير : لما وضعت على الفرزدق ميسمي وضغا البعيث جدعت أنف الأخطل وقال الزمخشري : الوجه أكرم موضع في الجسد، والأنف أكرم موضع من الوجه لتقدمه له، ولذلك جعل الأنف مكان العز والحمية. فالحمية دائماً تنسب إلى الأنف، أو يقولون: أنفه في السماء إذا أرادوا أن يصفوه بالكبر، فهذه الالتفاته النفسية تنسب غالباً إلى الأنف. واشتق منه الأنفة، وقالوا: الأنف الأنف. وقالوا: حمي أنفه أي: تكبر، وفلان شامح العرنين، يعني: الأنف، وقالوا في الذليل: جدع أنفه، ورغم أنفه. وهذا دعاء عليه بالذل، يعني: ذل حتى يلصق أنفه بالرغام وهو التراب. فهنا عبر الله سبحانه وتعالى بالوسم على الخرطوم، والخرطوم هو الأنف، ففيه غاية الإذلال والإهانة؛ لأن السمة على الوجه شين وإهانة، فكيف به على أكرم موضع منه، ولقد وسم العباس أبعاره في وجوهها فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أكرموا الوجوه)، فوسمها في ذراعيها. وفي لفظ (الخرطوم) استهانة به، فلم يقل: سنسمه على أنفه. أي: نضع له علامة من العذاب على أنفه، وإنما قال: سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ ، فعبر عن أنفه بالخرطوم، وهذا أيضاً غاية الاستخفاف والاستهانة بهذا المتكبر الأثيم؛ لأن أصل الخرطوم للخنزير والفيل. وقيل: سنعلمه يوم القيامة بعلامة مشوهة يتميز بها عن سائر الكفرة كما عادى رسول الله صلى الله عليه وسلم عداوة بان بها عنهم. يعني فإنه تمادى وطغى وتجبر وجاوز الحد، حتى صار متميزاً بأكبر قدر من عداوته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والجزاء من جنس العمل، فسوف نعلمه يوم القيامة بعلامة مشوهة يتميز بها عن سائر الكفرة. قيل: عني بالآية الأخنس بن شريق . قال ابن جرير : وأصله من ثفيف وأجداده في بني زهرة، أي لأنه التحق بهم حتى كان منهم في الجاهلية، ولذا سمي زنيماً للصوقه بالقوم وليس منهم. وقيل: هو الوليد بن المغيرة ؛ ادعاه أبوه بعد ثماني عشرة من مولده. وقال ابن عباس : (سنسمه) سنخطمه بالسيف. وقد خطم الذي نزلت فيه يوم بدر بالسيف فلم يزل مخطوماً إلى أن مات. وقال قتادة : سنسمه يوم القيامة على أنفه سمة يعرف بها، يقال: وسمته وسماً وسمة: إذا أثخنت فيه بسمة وكي، وقد قال الله تعالى: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ [آل عمران:106]، فهذه علامة ظاهرة، وقال تعالى وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا [طه:102]، وهذه علامة أخرى ظاهرة، فأفادت هذه الآية علامة ثالثة. أي: فالوجوه تكون مسودة، والعيون زرقاء بدل البياض، والأنف ذكرت علامتها هنا في هذه الآية، سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ فهذه علامة ثالثة وهي الوسم على الأنف بالنار والعياذ بالله، كما قال الله تعالى: يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ [الرحمن:41]. وقال أبو العالية ومجاهد : سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ أي: على أنفه، ونسود وجهه في الآخرة فيعرف بذلك، والخرطوم: الأنف من الإنسان، ومن السباع موضع الشفة، وخراطيم القوم ساداتهم. وقال الطبري : سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ سنبين أمره تبياناً واضحاً حتى يعرفوه فلا يخفى عليهم، كما لا تخفى السمة على الخراطيم. وقيل: سنلحق به عاراً وشدة حتى يكون كمن وسم على أنفه. قال القتيبي : تقول العرب للرجل يسب سبة سوء قبيحة باقية: قد وسم ميسمته، إذا أُلحق به عار وبقي ولم يزل عنه، أي: ألصق به عار لا يفارقه. كما أن السمة لا يمحى أثرها، قال جرير : لما وضعت على الفرزدق مسيمي وضغا البعيث جدعت أنف الأخطل أراد به الهجاء. والبعيث هو كداك بن بشر كان يهجو جريراً . ويقول القتيبي : وهذا كله نزل في الوليد بن المغيرة ، ولا نعلم أن الله سبحانه وتعالى بلغ من ذكر عيوب أحد ما بلغه منه. كما هو في هذه الآيات، وفي سورة أخرى هي سورة المدثر: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا [المدثر:11-16] ... إلى آخر الآيات. يقول: ولا نعلم أن الله سبحانه وتعالى بلغ من ذكر عيوب أحد ما بلغه منه، فألحق به عاراً لا يفارقه في الدنيا والآخرة كالوسم على الخرطوم. وقيل: هو ما ابتلاه الله به في الدنيا في نفسه وماله وأهله من سوء وذل وصغار. وهناك قول آخر نذكره من باب الإحاطة بما قيل، وهو قول النضر بن شميل سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ قال: سنحده على شرب الخمر، والخرطوم الخمر، وجمعه خراطيم. قال الشاعر: تظل يومك في لهو وفي طرب وأنت بالليل شراب الخراطيم يعني: الخمر. وقال الراجز: صهباء خرطوماً عقاراً قرقفا. وكلها أسماء للخمر. ومما يذكر الوليد كان يأنف من شرب الخمر في الجاهلية، فالله أعلم بصحة ذلك. قال ابن العربي : كان الوسم في الوجه لذي المعصية قديماً عند الناس، حتى إنه روي أن اليهود لما أهملوا رجم الزاني اعتاضوا عنه بالضرب وتحميم الوجه، -أي: تسويده بالفحم- وهذا وضع باطل، أي: استبدال لشرع الله سبحانه وتعالى بحكم باطل؛ لأن الحكم الشرعي هو الرجم كما نعلم. يقول ابن العربي : ومن الوسم الصحيح في الوجه ما رأى العلماء من تسويد وجه شاهد الزور. فبعض العلماء قالوا: من ثبت عليه أنه شهد شهادة زور يعاقب بأن يسود وجهه. فهي علامة على قبح المعصية، وتهديدٌ لمن يتعاطاها ولغيره ممن يرجى تجنبه لما يرى من عقوبة شاهد الزور. فقد كان عزيزاً بقول الحق وقد صار مهيناً بالمعصية، وأعظم الإهانة إهانة الوجه، ولذلك كان في طاعة الله سبباً لخيرة الأبد والتحريم له على النار. أي: أن شاهد الزور كما أنه استبدل القول بالحق وشهد شهادة زور حتى ضيع حق الناس أو تسبب في ظلمهم، فيعاقب بتسويد وجهه بين الناس، إهانة له، وقد كان يريد العزة بالكذب والزور. كذلك من أذل وجهه في سبيل الله، أو أذل وجهه لله بالسجود لله تبارك وتعالى الذي يترتب عليه وجود هذه العلامة في الوجه، فالاستهانة بهذا الوجه وإذلاله لله بأن تسجد لله سبحانه وتعالى في الأرض وفي التراب وفي موطئ الأقدام، تواضع تثاب عليه بأن يكون سبباً لخيرة الأبد وأنه يحرمك على النار، (فإن الله تعالى قد حرم على النار أن تأكل من ابن آدم آثر السجود)، كما ثبت في الحديث الصحيح.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة ... ولا يستثنون)

    يقول الله تبارك وتعالى: إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلا يَسْتَثْنُونَ [القلم:17-18]. (إنا بلوناهم) يعني: بلونا مشركي مكة واختبرناهم. والمعنى: أعطيناهم أموالاً ليشكروا لا ليبطروا، فلما بطروا وعادوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتليناهم بالجوع والقحط، كما بلونا أهل الجنة المعروف خبرها عندهم. وذلك أنها -كما قال القرطبي - كانت بأرض اليمن بالقرب منهم على فراسخ من صنعاء -ويقال: بفرسخين- وكانت لرجل يؤدي حق الله تعالى منها، فلما صارت إلى ولده منعوا الناس خيرها وبخلوا بحق الله فيها، فأهلكها الله من حيث لم يمكنهم دفع ما حل بها. يقول القرطبي : قوله تعالى إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ . أي: بلونا مشركي مكة فاختبرنا بهذا التنزيل الحكيم هل يذكرون نعمته فيحيوا حياة طيبة، أو يصرون على تكذيبه فلا تكون عاقبتهم إلا كعاقبة أهل الجنة في امتحانهم الآتي ثم دمارهم؟ وقيل: معناه: أصبناهم ببلية القحط والجوع بدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم. إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ ، هم قوم من أهل كتاب على ما روي عن ابن عباس ، أو ناس من اليهود في قول عكرمة ، أي: كتابيون. فيتفق مع ما قبله. وليس من ضرورة الاعتبار بالقصص والعظة به تسمية أهله لولا محبة المأثور. فيذكر كلام عكرمة وابن عباس في تعيين هؤلاء القوم، لأن النفس تأنس بمعرفة الشيء المنقول، لحب الاستطلاع عند الإنسان والفضول، فيريد أن يعرف أكثر ما يستطيع عن هذه المعلومة. إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ أي: ليقطعن ثمارها مبكرين، حيث لا يعلم مسكين بذلك. فأرادوا أن يستيقظوا مبكرين ويحصدوا الثمرات قبل أن يستيقظ الناس فيحضر المساكين، كما اعتادوا في حياة أبيهم على ما روي. وَلا يَسْتَثْنُونَ ليصرمنها ويحصدونها كلها ولا يستثنون، أي: لا يخرجون شيئاً من حق المساكين. وهذا أحد القولين. والقول آخر: وَلا يَسْتَثْنُونَ أي: ولم يقولوا إن شاء الله، وَلا يَسْتَثْنُونَ يعني: أنهم حلفوا ليصرمنها مصبحين ولم يستثنوا في هذا اليمين، بل كانوا جازمين قاطعين بأنهم سوف يقطعونها في الصباح قبل أن يأتي المساكين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون)

    قال تعالى: فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ [القلم:19]. أي: فطرق جنة هؤلاء القوم طارق من أمر الله لتدميرها. قال ابن جرير : ولا يكون الطائف في كلام العرب إلا ليلاً، ولا يكون نهاراً، وقد يقولون: أصبت بها نهارا. وذكر الفراء أن أبا الجراح أنشده: أصبت بها نهاراً غير ليل وألهى ربها طلب الرخال والرخال هي أولاد الضأن الإناث. فكلمة (طائف) في كلام العرب تستعمل في الليل، فهو لا يكون إلا في الليل، ولا يكون أبداً نهاراً. ((فطاف عليها طائف من ربك)) يعني: طرق جنة هؤلاء القوم طارق من أمر الله لتدميرها سواءٌ كان جبريل أو غيره، وهذا مبهم في القرآن ولم يأت مأثور يعينه. (( وَهُمْ نَائِمُونَ )) أي: مستغرقون في سباتهم غافلون عما يمكر بهم. وقوله: (( وَهُمْ نَائِمُونَ )) تأكيد للقول الأول بأن الطائف يكون ليلاً فقط. وعلى قول الثاني أن العرب قد يقولون: أطفت بها نهاراً، ففي هذه الحالة تكوت تأسيساً لا توكيداً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فأصبحت كالصريم)

    قال تعالى: فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ [القلم:20]. كالبستان الذي قطع ثمره حتى لم يبق فيه شيء. أو: (كالصريم): كالليل الأسود لاحتراقها. وأنشد في ذلك ابن جرير لـأبي عمرو بن العلاء : ألا أبكرت عاذلتي تلوم تهددني وما انكشف الصريم يعني الليل. وقال أيضاً: تطاول ليلك الجون البهيم فما ينجاب عن صبح صريم فالمقصود بالصريم الليل لأنه أسود. قال بعض العلماء: على من حصد زرعاً أو جذ ثمرة أن يواسي منها من حضره، وذلك معنى قوله تعالى: َ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ [الأنعام:141]، وأنه غير الزكاة. وقال بعضهم: وعليه ترك ما أخطأه الحصادون، وكان بعض العباد يتحرون أقواتهم من هذا. وروي أنه نهي عن الحصاد بالليل، فقيل: إنه لما ينقطع عن المساكين في ذلك من الرفق. أي: إنما كان هذا بسبب ما أرادوه من منع المساكين، فهم نووا وجزموا وقطعوا على أنفسهم أنهم في الصباح الباكر يخرجون حتى يحصدوا الثمار قبل أن يحضر المساكين فيأكلوا ما يتساقط أثناء الحصاد مما يتقوتون به. فإذاً العقوبة وقعت بسبب ما أرادوه من منع المساكين، كما ذكر الله تبارك وتعالى. وروى أسباط عن السدي قال: كان قوم باليمن، وكان أبوهم رجلاً صالحاً، كان إذا بلغ ثمره أتاه المساكين فلم يمنعهم من دخلوها وأن يأكلوا منها ويتزودوا، فلما مات قال بنوه بعضهم لبعض: علام نعطي أموالنا هؤلاء المساكين؟ تعالوا فلندلج -أي: نأتي في الظلمة- فنصرمها قبل أن يعلم المساكين. ولم يستثنوا! فانطلقوا وبعضهم يقول لبعض خفية: لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين. فذلك قوله تعالى: (( إِذْ أَقْسَمُوا )) -أي: حلفوا- فيما بينهم (ليصرمنها مصبحين)، أي: لنجزنها وقت الصبح قبل أن تخرج المساكين. وَلا يَسْتَثْنُونَ ، يعني: لم يقولوا: إن شاء الله. وقال ابن عباس : كانت تلك الجنة دون صنعاء بفرسخين، غرسها رجل من أهل الصلاح، وكان له ثلاثة بنين، وكان للمساكين كل ما تعداه المنجل فلم يجذه من الكرم، فإذا طرح على البساط فكان كل شيء سقط عن البساط فهو أيضاً للمساكين، فإذا درسوا كان لهم كل شيء انتشر، فكان أبوهم يتصدق منه على المساكين، وكان يعيش في ذلك في حياة أبيهم اليتامى والأرامل والمساكين، فلما مات أبوهم فعلوا ما ذكر الله عنهم فقالوا: قل المال وكثر العيال! فتحالفوا بينهم ليغدن غدوة قبل خروج الناس، ثم ليصرمنها ولا تعرف المساكين. وقوله: (إذ أقسموا) يعني: حلفوا (ليصرمنها) ليقطعن ثمر نخيلهم إذا أصبحوا بسدفة من الليل، أي: بظلمة من الليل. والصرم القطع. يقال: صرم العذق عن النخلة وأصرم النخل: أي حان وقت صرامه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فتنادوا مصبحين ... إن كنتم صارمين)

    قال تعالى: فَتَنَادَوا مُصْبِحِينَ * أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَارِمِينَ [القلم:21-22]. أي: إن كنتم عازمين على الصرام والجداد. قال قتادة : (( إِنْ كُنتُمْ صَارِمِينَ )) يعني: حاصدين زرعكم. وقال الكلبي : ما كان في جنتهم من زرع ولا نخيل. وقال مجاهد : كان حرثهم عنباً ولم يقولوا: إن شاء الله. وقيل: معنى وَلا يَسْتَثْنُونَ : لا يستثنون حق المساكين. فجاءوها ليلاً فرأوا الجنة مسودة قد طاف عليها طائف من ربك وهم نائمون. قيل: الطائف جبريل عليه السلام. وقيل: أمر من ربك. وقيل: عذاب من ربك. وقيل: عنق من نار خرج من وادي جهنم. يقول القرطبي رحمه الله تعالى: في هذه الآية دليل على أن العزم مما يؤاخذ به الإنسان؛ لأنهم عزموا على أن يفعلوا فعوقبوا قبل فعلهم. فالعزم هو الإرادة الجازمة الأكيدة، فلا يشكل على هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل به). فالحديث في خاطر النفس العابر، والكلام فيه غير الكلام فيما جزم الإنسان فيه بالقصد، فإذا نوى قطعاً أن يفعل شراً فإنه يؤاخذ على نيته الجازمة؛ لأنه ترك الفعل بسبب أنه حيل بينه وبين الفعل، فلولا العذاب الذي نزل بأرضهم لكانوا قطعاً عازمين ولم يستثنوا أنهم سوف يحرمون المساكين من حقهم. فهؤلاء عوقبوا على العزم وعلى النية، فليست هي وساوس ولا خطرات ولا حديث نفس، بل هي نية جازمة وعازمة على هذا الفعل. ونظير هذه الآية قوله تعالى: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الحج:25]. وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار. قيل: يا رسول الله! هذا القاتل فما بال المقتول؟! قال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه)؛ لأنه كان سيباشر القتل لولا أن أخاه غلبه، فإذاً العزيمة هنا جازمة ومبيتة، فعليها يعاتب الإنسان ويعاقب. قوله تعالى: فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ الصريم هو الليل المظلم الأسود، أي احترقت فصارت كالليل الأسود. وعن ابن عباس قال: صارت كالرماد الأسود. وقال: الصريم: الرماد الأسود بلغة خزيمة. وقيل: الصريم كالزرع المحصود. فالصريم بمعنى المصروم، أي: المقطوع ما فيه. وقال الحسن : صرم عنها الخير: أي: قطع. فالصريم مفعول أيضاً. (فتنادوا) أي: نادى بعضهم بعضاً (مصبحين) أي: وقت الصبح، ولم يشعروا بما جرى عليهم بالليل. (أن اغدوا) أي: اخرجوا غدوة (على حرثكم) أي: على زرعكم، (إن كنتم صارمين) أي: إن كنتم قاصدين قطع ثمارها، وقد قطعها البلاء من أصلها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فانطلقوا وهم يتخافتون)

    قال تعالى: فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ [القلم:23]. أي: يكتمون ذهابهم ويتسارون فيما بينهم أي: يهمس بعضهم لبعض حتى لا يسمع أحد الصوت فيستيقظ أحد من المساكين فيحضر. أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ أي: فقير. فالجملة مفسرة، أو أن (أَنْ) مصدرية، أي: بأن. وقال الزمخشري : والنهي عن الدخول للمسكين نهي لهم عن تمكينه منه. يعني ليس المقصود أن لا يدخلها مسكين فحسب، بل المقصود أن لا تمكنوا مسكيناً من أن يأخذ شيئاً من الحصاد، أي: لا تمكنوه من الدخول حتى يدخل. كقولك: لا أرينك هاهنا. قوله: فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ يقول القرطبي : يعني يخفون كلامهم ويسرونه لئلا يعلم بهم أحد. وقيل: يخفون أنفسهم من الناس حتى لا يروهم، وكان أبوهم يخبر الفقراء والمساكين فيحضروا وقت الحصاد والصراب.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وغدوا على حرد قادرين)

    قال تعالى: وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ [القلم:25]. (على حرد) أي: على قصد وقدرة في أنفسهم، ويظنون أنهم تمكنوا من مرادهم، قاله ابن عباس وغيره، فالحرد معناه القصد، حرد يحرد حرداً أي: قصد، تقول: حردت حردك أي: قصدت قصدك، ومنه قول الراجز. أقبل سيل جاء من عند الله يحرد حرد الجنة المغله وأنكره النحاس . فقوله: يحرد حرد الجنة المغلة يعني: ذات الغلة. وقيل: (على حرد): على جد. وقال الحسن : على حاجة وفاقة. وقال أبو عبيدة والقتيبي : على منع. يقال: حاردت الإبل حراداً أي: قلت ألبانها. والحرود من النوق القليلة الدر، وحاردت السنة: قل مطرها وخيرها. وقال السدي وسفيان : على غضب. لأن الحرد يأتي بمعنى الغضب، قال أبو نصر أحمد بن حاتم صاحب الأصمعي : إذا جياد الخيل جاءت تردي مملوءة من غضب وحرد ومنه قيل: أسد حارد، وليوث حوارد، أي: غضاب. وقيل: (على حرد): على انفراد. لأنه من حرد يحرد حروداً إذا تنحى عن قومه ونزل منفرداً ولم يخالطهم، وقال أبو زيد : رجل حريد: إذا ترك قومه وتحول عنهم، وكوكب حريد أي: معتزل عن الكواكب. وقال الأصمعي : رجل حريد أي: فريد وحيد، والمنحرد المنفرد، كما قال أبو لؤي : كأنه كوكب في الجو منحرد. فقوله: وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ يعني: قد قدروا أمرهم وبنوا عليه. وقال قتادة : قادرين على جنتهم بظنهم في أنفسهم أنهم قادرون عليها. وقال الشعبي : (قادرين) يعني: على المساكين. وقيل: معناه من الوجود، أي: منعوا وهم واجدون للخير، أي: ما كانوا محتاجين لهذا الذي منعوه المساكين، فإذا قلت: فلان مقتدر فمعناه أنه غير محتاج.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فلما رأوها قالوا إنا لضالون بل نحن محرومون)

    قال تعالى: فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ [القلم:26-27]. لما رأوها محترقة لا شيء فيها قد صارت كالليل الأسود، ينظرون إليها كالرماد، أنكروها وشكوا فيها، فقالوا: إنا لضالون، أي: إننا نمشي في الظلام وقد ضللنا الطريق، فنحن نمشي إلى مكان آخر غير مكان جنتنا وبستاننا. وقيل: إنا لضالون عن الصواب في غدونا على نية منع المساكين، فلذلك عوقبنا. بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ أي: حرمنا جنتنا بما صنعنا. إذاً هذا يدل على أن النية قد تحرم الرزق وتحول دون الإنسان ودون الرزق. يقول القاسمي رحمه الله تعالى: فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ * أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ * وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ [القلم:23-25] أي: غدوا إلى جنتهم على مفر وسرعة وجد من أمرهم، أو على منع وغضب، قادرين في زعمهم على ما أصروا عليه من الصرام وحرمان المساكين. فَلَمَّا رَأَوْهَا ، أي: فلما صاروا إليها ورأوها محترقاً حرثها. قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ أي: أنكروها وشكوا فيها هل هي جنتهم أم لا، فقال بعضهم لأصحابه ظناً منه أنهم قد أخطئوا طريق جنتهم وأن التي رأوها غيرها: إنا -أيها القوم- لضالون طريق جنتنا. فقال من علم أنها جنتهم وأنهم لم يخطئوا الطريق: بل نحن -أيها القوم- محرومون، حرمنا منفعة جنتنا بذهاب حرثها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال أوسطهم ... إنا كنا ظالمين)

    قال تعالى: قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ * قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ [القلم:28-29]. قَالَ أَوْسَطُهُمْ أي: أمثلهم وأعدلهم وأعقلهم وخيرهم رأياً أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ أي: تذكرون الله وتتوبون إليه من خبث نيتكم، وتخشون انتقامه من المجرمين. وكان أوسطهم وعظهم حين عزموا على عزيمتهم الخبيثة، فعصوه فعيرهم، قال لهم: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ . قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ أي: في ترك استثناء حق المساكين ومنع المعروف عنهم من تلك الجنة. قال تعالى: فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ يعني: يلوم بعضهم بعضاً، قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ [القلم:31] أي: متجاوزين حدود الله تعالى في تفريطنا وعزمنا السيئ. عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا أي: بتوبتنا إليه وندمنا على خطأ فعلنا، وعزمنا على عدم العود إلى مثله إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ أي: في العفو عما فرط منا والتعويض عما فاتنا. يقول القرطبي رحمه الله تعالى: هذا يدل على أن هذا الأوسط كان أمرهم بالاستثناء فلم يطيعوه لما أقسموا ليصرمنها مصبحين ولا يستثنون. أي: اعترض الأوسط على ذلك وأمرهم بأن يستثنوا فلم يطيعوه، والدليل على هذا ما أتى بعد، وهو قوله تعالى: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ ، وقيل: كان استثناؤهم تسبيحاً. وقيل: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ أي: هلا تستغفرونه من فعلكم وتتوبون إليه من خبث نيتكم. فإن أوسطهم قال لهم حين عزموا على ذلك وذكرهم انتقام الله تعالى من المجرمين. فقولهم: ((سُبْحَانَ رَبِّنَا)) تنزيه لله عن الظلم فيما فعل بهم، بل هذا من عدل الله، فلما حَرموا حُرموا، أي: لما حرموا المساكين من الرزق الذي يجريه الله على أيديهم، حُرموا هم أيضاً من هذا الرزق، فاعترفوا بالمعصية ونزهوا الله عن أن يكون ظالماً فيما فعل، سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فأقبل بعضهم على بعض ... إنا إلى ربنا راغبون)

    قال تعالى: فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ * عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْراً مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ [القلم:30-32]. فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ أي: يلوم هذا هذا في القسم ومنع المساكين، ويقول: بل أنت أشرت علينا بهذا. قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ أي: عاصين بمنع حق الفقراء وترك الاستثناء. وقال ابن كيسان : طغينا نعم الله فلم نشكرها كما شكرها آباؤنا من قبل. عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ تعاقدوا وقالوا: إن أبدلنا الله خيراً منها لنصنعن كما صنعت آباؤنا. فدعوا الله وتضرعوا فأبدلهم الله من ليلتهم ما هو خير منها، وأمر جبريل أن يقتلع تلك الجنة المحترقة فيجعلها بزغر من أرض الشام، ويأخذ من الشام جنة فيجعلها مكانها، والله أعلم بالحقيقة في ذلك؛ لأن هذا غير مستند إلى نص. قال الحسن : قول أهل الجنة: إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ لا أدري إيماناً كان ذلك منهم، أو على حد ما يكون من المسرفين إذا أصابتهم الشدة، فيوقف في كونهم مؤمنين. أي: هل هذا من باب أن المشركين حينما تنزل بهم الشدة يلجئون إلى الله مخلصين أم أنهم آمنوا وتابوا حين قالوا: عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ ، فيتوقف في كونهم مؤمنين. وسئل قتادة عن أصحاب الجنة: أهم من أهل الجنة أم من أهل النار؟ فقال: لقد كلفتني تعباً. أي: هذا أمر صعب أن نستنبطه من الآيات. ومعظمهم يقول: إنهم تابوا وأخلصوا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (كذلك العذاب ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون)

    قال تعالى: كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [القلم:33]. كَذَلِكَ الْعَذَابُ أي: في الدنيا لمن خالف الرسل وكفر بالحق وبغى الفساد في الأرض. وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ أي: أعظم منه لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ أي: لارتدعوا وتابوا وأنابوا. فالجواب مقدر. فقوله تعالى: لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ التقدير لو كان يعلمون لارتدعوا وتابوا وأنابوا. وهذا قيد لما قبله؛ إذ لا مدخل لعلمهم في كون العذاب أكبر، فلا علاقة بين قوله تعالى: لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ وبين كون العذاب أكبر، ولذلك يقدر الجواب: لو كانوا يعلمون لارتدعوا وتابوا وأنابوا. قال صاحب الإكليل: قال ابن الفرس : استدل بهذه القصة عبد الوهاب على أن من فر من الزكاة قبل الحول بتبديل أو خلط فإن ذلك لا يسقطها. ووجه ذلك أنهم قصدوا بقطع الثمار إسقاط حق المساكين، فعاقبهم الله بإتلاف ثمارهم. وفيها كراهة الجذاذ والحصاد بالليل، كما ورد التصريح بالنهي عنه في الحديث لأجل الفقراء. وحكى الزمخشري عن قتادة أنه سئل عن أصحاب الجنة: أهم من أصحاب الجنة أم من أهل النار؟ فقال: لقد كلفتني تعباً. وعن مجاهد قال: تابوا فبدلوا خيراً منها. والله تبارك وتعالى أعلم.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3009729393

    عدد مرات الحفظ

    721769792