إسلام ويب

شرح العقيدة الطحاوية [49]للشيخ : عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الولاية مرتبة إيمانية عظيمة، فمن كان ولياً لله انتصر الله له، وهي درجات، فأكمل الناس ولاية أكملهم إيماناً وتقوى، وقد انحرف في الولاية بعض الصوفية، فجعلوا الولي خيراً من الرسول، بل زعموا الولاية لغير الأتقياء.

    1.   

    المؤمنون كلهم أولياء الرحمن

    قال المؤلف: [قوله: (والمؤمنون كلهم أولياء الرحمن).

    قال تعالى: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:62-63].

    الولي: من الولاية بفتح الواو، التي هي ضد العداوة. وقد قرأ حمزة : (ما لكم من ولايتهم من شيء) بكسر الواو، والباقون بفتحها. فقيل: هما لغتان. وقيل: بالفتح النصرة، وبالكسر: الإمارة. قال الزجاج : وجاز الكسر؛ لأن في تولي بعض القوم بعضاً جنساً من الصناعة والعمل، وكل ما كان كذلك مكسور، مثل: الخياطة ونحوها.

    فالمؤمنون أولياء الله، والله تعالى وليهم، قال الله تعالى: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ [البقرة:257]، وقال تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ [محمد:11] وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [التوبة:71].

    وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [الأنفال:72] إلى آخر السورة.

    وقال تعالى: إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاة وَيُؤْتُونَ الزَّكَاة وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْغَالِبُونَ [المائدة:55-56] فهذه النصوص كلها ثبت فيها موالاة المؤمنين بعضهم لبعض، وأنهم أولياء الله، وأن الله وليهم ومولاهم. فالله يتولى عباده المؤمنين، فيحبهم ويحبونه، ويرضى عنهم ويرضون عنه، ومن عادى له ولياً فقد بارزه بالمحاربة.

    وهذه الولاية من رحمته وإحسانه، ليست كولاية المخلوق للمخلوق لحاجة إليه، قال الله تعالى: وَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنْ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً [الإسراء:111]، فالله تعالى ليس له ولي من الذل، بل لله العزة جميعاً، خلاف الملوك وغيرهم ممن يتولاه لذله وحاجته إلى ولي ينصره].

    أولياء الله هم الذين آمنوا وكانوا يتقون

    يتلكم هنا على الولي الذي يكثر ذكره في اصطلاحات الصوفية ونحوهم، وفي اصطلاحات القبوريين الذين يغلون في بعض الأشخاص ويسمونهم أولياء، ويدعون أن محبتهم تستدعي تعظيمهم بما يصل إلى إعطائهم شيئاً من حق الله تعالى، فلأجل ذلك تكلم هنا على الولي وعلى الولاية.

    فأولاً: كلمة الولي مشتقة من الولاية التي هي النصرة، فقوله تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [التوبة:71] يعني: بعضهم أنصار بعض؛ أي: بعضهم ينصر بعضاً، وبعضهم يؤيد ويقوي بعضاً، فكل منهم ولي للآخر، فالولي معناه: الناصر الذي ينصره ويتولاه ويؤيده ويقويه، هذا معنى كون المؤمنين بعضهم أولياء بعض، فإذا قيل: المؤمنون أولياء الله، فالمعنى أن الله تعالى يؤيدهم وينصرهم ويقويهم، وهم أيضاً ينصرون دين الله ويجاهدون في سبيله، ويبلغون شريعته، ويذبون عن الشريعة وعن الإسلام، يذبون عنها اعتداء المعتدين وشبهات المشبهين فكانوا بذلك أولياء لله تعالى، والله تعالى وليهم.

    فإذاً: ولي الله هو كل تقي مؤمن، قال الله تعال: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:62-63]، فهذا وصف أولياء الله، فكل مؤمن تقي فهو من أولياء الله، فما بين الإنسان وبين أن يكون ولياً إلا أن يحقق الإيمان ويحقق التقوى، فيصبح من أولياء الله.

    غلو الصوفية في الأولياء

    أما الصوفية ونحوهم فادعوا أن هناك أولياء، وأن أولئك الأولياء قد ارتقوا رتبة ارتفعوا بها عن رتبة الأنبياء ورتبة الرسل، وأصبحوا مقربين عند الله، وأصبحوا يأخذون من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي ينزل على الأنبياء، ويقول قائلهم:

    مقام النبوة في برزخ فويق الرسول ودون الولي

    فجعلوا الولي هو الأعلى، وجعلوا دونه النبي، وجعلوا الرسول أنزل الرتب، فهذا غلو منهم، حيث جعلوا الولي أرفع من النبي وأرفع من الرسول، ولا شك أن الولي هو الذي يتولى الله تعالى، يقول تعالى: وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْغَالِبُونَ [المائدة:56]، فمن كان الله تعالى وليه، ومن تولى الله تعالى ونصر دين الله فهو من حزب الله وهو من الغالبين، ومن كان مؤمناً فهو من أولياء الله: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ [البقرة:257].

    وقد كتب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله رسالة مطبوعة منتشرة اسمها: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، فرق فيها بين من يدعي الولاية وليس من أهلها، وبين من يكون من أولياء الشيطان ويدعي أنه من أولياء الرحمن؛ وذلك لأن كثيراً من أولئك الذين يزعم الصوفية أنهم أولياء، هم في الحقيقة شياطين، أو أولياء للشياطين؛ وذلك لأنهم يتظاهرون للعوام بأمور الله بريء منها، فيفعلون المنكرات، ويفعلون الفواحش ويأكلون الحرام، ويدعون أنهم قد أبيح لهم ذلك، ويدعون أنهم قد سقطت عنهم التكاليف، وقد رفعت عنهم الأوامر والنواهي، وقد أبيح لهم أن يفعلوا ما يشاءون، فلا ينكر عليهم في زعم الذين يقدسونهم ويعظمونهم!

    انحراف بعض الصوفية باستحلال الحرام

    يحكي لنا بعض الإخوان عن الموجودين في بعض البلاد العربية أنهم يأتيهم الإنسان الذي أصيبت امرأته مثلاً بخبال أو بجنون أو نحو ذلك، فيتركها تبيت عند هذا الولي، ويقول: إنه ولي ليس بمخوف عليها منه، ولكن ينقلون عن كثير من النساء أن هذا الولي يخلو بها وأنه يفعل معها الفاحشة الكبرى، وهو مع ذلك ولي كما يقولون، فلماذا؟

    لأنهم في نظر العوام قد رفعت عنهم التكاليف، وقد أبيح لهم أن يفعلوا ما يريدون، فلا ينكر عليهم إذا زنى أحدهم، أو أخذ المال بغير حقه، أو انتهب أو قتل أو ترك الصلاة، أو فعل الفواحش والمنكرات، أو ما أشبه ذلك.

    ويدعون أنهم قد وصلوا إلى حضرة القدس، وأنهم قد بلغوا الرتبة العالية، وقد سقطت عنهم التكاليف والأوامر؛ هذه صفات الولي عندهم.

    ذكر لي بعض المشايخ أن هذا السيد البدوي الذي يعبد ويعظم في مصر وقبره من أشهر القبور، عرف عنه أنه دخل المسجد مرة والناس في صلاة الجمعة، فبال فيه قائماً والناس ينظرون، وخرج ولم يصل، فتبعوه وقالوا: هذا مجذوب، هذا قلبه عند ربه، وبعد ذلك صار يظهر لهم مثل هذه الأمور، وصار يعظم عندهم إلى أن مات فغلوا فيه، واعتقدوا فيه الشيء العظيم الذي لو قرأ أحدنا سيرته التي كتبت عنه، لرأى فضائح وفجائع تحزن كل ذي قلب سليم، وكم وكم من أمثال هؤلاء الذين إذا وصل أحدهم إلى تلك الرتبة، زعموا أنه مباح له أن يفعل ما يشاء حتى ولو مشى عرياناً، ولو سلب، ولو قتل.. ونحو ذلك.

    تلاعب الشيطان بالصوفية وانحلالهم من التكاليف

    في القصيدة البائية للأمير محمد بن إسماعيل الصنعاني التي يقول فيها:

    كقوم عراة في ذرى مصر ما ترى على عورة منهم هناك ثياب

    يعدونهم في مصرهم من خيارهم دعاؤهم فيما يرون مجاب

    يذكر أن في زمنه قوماً في مصر يمشون عراة ويمشون بدون ثياب، وأهل ذلك الزمان يقدسونهم ويتمسحون بهم، ويتبركون بهم، ويدعون أن دعوتهم مجابة؛ لأنهم قد وصلوا إلى الله، فهم في زعمهم يأخذون من اللوح المحفوظ، وليسوا بحاجة إلى أن يرجعوا إلى القرآن ولا إلى السنة. عجباً لهؤلاء كيف اعتقدوا هذه العقيدة!

    هل هناك رتبة أفضل من رتبة الرسل؟

    رسل الله وأنبياؤه الذين بلغوا شرائعه، والذين نزل عليهم الوحي هم صفوة الله تعالى من خلقه، فهل سقطت عنهم التكاليف؟

    نبينا صلى الله عليه وسلم وهو خاتم الرسل وأفضلهم، كان يقوم الليل حتى تفطرت قدماه، فلماذا لم تسقط عنه التكاليف التي سقطت عن هؤلاء الأولياء؟

    ألم يتورع عن أكل تمرة وجدها في الطريق مخافة أن تكون من الصدقة، لماذا هؤلاء يأكلون أموال الناس؟ بل يستحلون دماءهم، ويزعمون أنهم قد رفع عنهم الحرج وأبيح لهم ما لم يبح لغيرهم؟ لا شك أن هذا من تلاعب الشيطان بهم، ثم بأتباعهم.

    وبكل حال نقول: إن الولاية التي يلهج بها هؤلاء ليست خاصة بهذا دون هذا، بل كل أحد يستطيع أن يكون من أولياء الله إذا حقق الإيمان وحقق التقوى.

    ولاية الله تنال بالإيمان والتقوى

    يقول بعض الإخوان: إنكم معشر الوهابيين لا تقيمون للأولياء وزناً، الأولياء عندكم لا تقدسونهم ولا تعرفون قدرهم.

    قال له ذلك الأخ: ومن هم الأولياء؟.

    قال: الله يقول: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62].

    فقال: اقرأ ما بعدها؛ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:63] ألا تكون منهم؟ ألا تحقق الإيمان وتحقق التقوى ثم تكون ولياً، ما بينك وبين أن تكون ولياً إلا أن تؤمن الإيمان الصحيح وتتقي الله تعالى، وبذلك تكون منهم، فلماذا تحرم نفسك وتتعلق بهم وتقدسهم وتعظمهم، وتعتقد فيهم، وتغلو في قبورهم وتفعل فيها ما لا يفعل إلا في بيوت الله تعالى وما لا يصلح إلا لله سبحانه وتعالى؟

    ولماذا تعتقد فيهم أنهم يعلمون الغيب، وأنهم يطلعون على الكون، وأنهم يبلغون الأمور، وأنهم يديرون الأفلاك وأنهم أقطاب الأرض، وأنهم عمدها وأسسها، وأن الأرض ثبتت بثباتهم، وأنه لولا هؤلاء الأولياء لماجت الأرض واضطربت وخسفت بنا؟

    فنقول: لا شك أن هذا من تلاعب الشيطان بهم، وإلا فولاية الله عز وجل تصلح لكل مؤمن: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا [البقرة:257]، فعلى المؤمن أن يحرص على تحقيق الإيمان وتحقيق التقوى ليكون من أولياء الله تعالى، وعليه أيضاً أن يتولى الله ويتولى رسوله، ويتولى إخوته المؤمنين، بمعنى أن يحبهم وينصرهم، ولذلك ذكر الله تعالى أن المؤمنين يتولى بعضهم بعضاً: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [التوبة:71] وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ [الأنفال:73].

    عقد الله الولاية بين المؤمنين كما عقد بين المهاجرين والأنصار في الآية التي سمعنا؛ وهي قوله تعالى في آخر سورة الأنفال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا [الأنفال:72].

    (الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا) هؤلاء المهاجرون، (وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا) هؤلاء هم الأنصار.

    ثم قال: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ [الأنفال:73]، فالكفار بعضهم يتولى بعضاً، بمعنى: ينصر بعضهم بعضاً ويؤيده(والمؤمنون بعضهم أولياء بعض) يعني: أنهم يتناصرون فيما بينهم، وكذلك هم جميعاً أولياء الله، فكل من كان مؤمناً فهو من أولياء الله تعالى.

    اعتقاد الصوفية حاجة الله إلى الولي

    ثم قد يفهم من إطلاقات الصوفية ونحوهم أن الولي ولي الله، وأن الله تعالى بحاجة إلى هؤلاء الأولياء، وهذا اعتقاد خاطئ، فالله تعالى غني عن الأولياء جميعاً، وغني عن الخلق كلهم، وليس بحاجة إلى عبادتهم، ولا إلى ولايتهم، وإنما كان المؤمنون أولياء الله بمعنى أنهم لما أحبوا الله، ولما أطاعوه وعبدوه؛ تولاهم الله، بمعنى: نصرهم وأيدهم وقواهم، فأصبحوا هم أولياء الله، ووصف الله نفسه بأنه وليهم، فهكذا يكون المؤمن ولياً من أولياء الله، والله تعالى ولي الذين آمنوا.

    1.   

    تفاوت المؤمنين في الولاية

    قال المؤلف: [والولاية أيضاً نظير الإيمان، فيكون مراد الشيخ أن أهلها في أصلها سواء، وتكون كاملة وناقصة؛ فالكاملة تكون للمؤمنين المتقين، كما قال تعالى: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمْ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَة [يونس:62-64].

    فـ (الذين آمنوا وكانوا يتقون) منصوب على أنه صفة أولياء الله، أو بدل منه، أو بإضمار: أمدح، أو مرفوع بإضمار (هم)، أو خبر ثان لـ (إن)، وأجيز فيه الجر بدلاً من ضمير (عليهم).

    وعلى هذه الوجوه كلها فالولاية لمن كان من الذين آمنوا وكانوا يتقون، وهم أهل الوعد المذكور في الآيات الثلاث، وهي عبارة عن موافقة الولي الحميد في محابه ومساخطه، ليست بكثرة صوم ولا صلاة، ولا تملق ولا رياضة.

    وقيل: الذين آمنوا: مبتدأ، والخبر: لهم البشرى، وهو بعيد؛ لقطع الجملة عما قبلها، وانتثار نظم الآية.

    ويجتمع في المؤمن ولاية من وجه، وعداوة من وجه، كما قد يكون فيه كفر وإيمان، وشرك وتوحيد، وتقوى وفجور، ونفاق وإيمان، وإن كان في هذا الأصل نزاع لفظي بين أهل السنة، ونزاع معنوي بينهم وبين أهل البدع، كما تقدم في الإيمان.

    ولكن موافقة الشارع في اللفظ والمعنى أولى من موافقته في المعنى وحده، قال تعالى: وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ [يوسف:106] وقال تعالى: قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا [الحجرات:14] الآية، وقد تقدم الكلام على هذه الآية، وأنهم ليسوا منافقين على أصح القولين.

    وقال صلى الله عليه وسلم: (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خلة منهن كانت فيه خلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر) وفي رواية (وإذا اؤتمن خان) بدل: (وإذا وعد أخلف) أخرجاه في الصحيحين، وحديث: شعب الإيمان تقدم. وقوله: (يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان)، فعلم أن من كان معه من الإيمان أقل القليل لم يخلد في النار، وإن كان معه كثير من النفاق، فهو يعذب في النار على قدر ما معه من ذلك، ثم يخرج من النار.

    فالطاعات من شعب الإيمان، والمعاصي من شعب الكفر، وإن كان رأس شعب الكفر الجحود، ورأس شعب الإيمان التصديق.

    وأما ما يروى مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما من جماعة اجتمعت إلا وفيهم ولي لله، لا هم يدرون به، ولا هو يدري بنفسه)، فلا أصل له، وهو كلام باطل، فإن الجماعة قد يكونون كفاراً، وقد يكونون فساقاً يموتون على الفسق].

    أكمل الناس ولاية أكملهم إيماناً

    يتكلم هنا على الولاية وأنها الإيمان، وقد تقدم أن أهل الإيمان يتفاوتون في إيمانهم، وأيضاً يتفاوتون في صفة الولاية، فأولياء الله تعالى يتفاوتون في هذه الأوصاف، كما أن المؤمنين من عباد الله يتفاوتون في آثار الإيمان.

    إذا عرفنا أن الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وأن الحسنات والطاعات من شعب الإيمان، والمعاصي والمخالفات من شعب الكفر؛ أي: أن للإيمان شعباً وللكفر شعباً، وأن الإنسان قد يجتمع فيه خصال كثيرة من خصال الإيمان ويفقد بعضها فيكون مؤمناً ناقص الإيمان، وقد يكون فيه خصلة من خصال الكفر ولا يحكم بكفره؛ فيكون بذلك جامعاً بين كونه ولياً لله من جهة، وعدواً له من جهة، يحبه الله تعالى على ما فيه من الإيمان ومن الأعمال الصالحة، ويبغضه على ما فيه من المعاصي ونحوها، والحكم للصفة التي تغلب، ويكون أيضاً مثاباً ومعاقباً، ولأجل ذلك فإن الله تعالى يدخل كثيراً من العصاة النار ثم يخرجهم من النار بعد أن يمحصوا ويزال عنهم آثار تلك المعاصي، فأولئك محبوبون من جهة؛ وهي كونهم من المصدقين الذين أتوا بالشهادتين، ومبغضون من جهة؛ وهي كونهم قد أصروا على كثير من المعاصي واقترفوا كثيراً من الذنوب، وعملوا أنواعاً من السيئات، فأصبحوا بذلك قد جمعوا بين الأمرين؛ بين اقتراف السيئات وبين عمل الحسنات.

    لكن الحكم لما هو الأصل، فيقال: إذا كان الأصل أنه ممن شهد الشهادتين وآمن بالله عز وجل، وآمن برسله، ولكن كان إيمانه الذي في قلبه ضعيفاً لم يحمله على كل العبادات والإتيان بها، ولم يزجره عن كل المعاصي والمخالفات، فإنه يقال: هو مؤمن، ولكن يعاقبه الله بهذه المعاصي التي اقترفها، أو يعفو الله عنه.

    كذلك الكافر، قد يعمل حسنات، وقد يفعل قربات، ولكن العبرة بما عليه قلبه، فإذا كان كافراً يعتقد أن لله شركاء في العبادة، ويجعل أنواعاً من العبادات لغير الله، ولكنه مع ذلك قد يصلي، وقد يتصدق، ويقرأ، وقد يحب الخير، وقد يجاهد المشركين، ولكنه مع ذلك يدعو غير الله، فنقول: هذا مشرك، ولا ينفعه عمله هذا الذي عمله؛ لأنه حبطت أعماله وقرباته وحسناته وبطل أجرها وثوابها، فلا يستحق عليها شيئاً.

    وبكل حال نقول: إن على المؤمن أن يحرص على تكميل إيمانه حتى يكون من أولياء الله عز وجل الذين آمنوا وكانوا يتقون، كما جمع الله تعالى في وصفهم بين هذين: (الذين آمنوا وكانوا يتقون)، فآمنوا إيماناً تظهر عليهم آثاره وهي الصالحات، وتصديقاً قوياً وتقوى يتركون بها الآثام والجرائم وأنواع المحرمات، وكبائر الإثم وصغائره.

    فإذا كمل الإيمان ولو حصل معه شيء من السيئات ونحوها، واتقى الله عز وجل، أصبح من أولياء الله، وثوابه الذي يحصل له ثواب عاجل وثواب آجل، فالثواب الذي في الدنيا هو أن الله تعالى يحب أولياءه ويتولاهم: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا [البقرة:257]، وإذا أحبهم الله وفقهم للطاعات وحماهم عن المعاصي والآثام.

    أما الثواب في الآخرة فهو الثواب الأعظم، وقد ذكر الله بعض الثواب أو نوعاً منه بقوله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82] فجعلهم من أهل الأمن، والأمن هو أن يكونوا آمنين في الآخرة، لا يخافون ولا يحزنون، ولذلك قال في هذه الآية: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62] أي: هم آمنون، (وهم مهتدون) أي: على طريق سوي، فنعتقد بذلك أن لله أولياء، وأنهم ليسوا -كما يزعم المتصوفة والغلاة ونحوهم- خواص من الناس قد قطعوا المسافات، وأنهم سقطت عنهم التكاليف، وأنهم وأنهم...، بل كل من آمن إيماناً صحيحاً واتقى الله تعالى حصل على ولاية الله، وأما من قصر في ذلك فإن معه نوعاً من الولاية ولكنها ولاية ناقصة.

    الولاية التامة والولاية الناقصة

    الولاية قسمان:

    ولاية تامة، وولاية ناقصة.

    فالمسلم يحرص على أن يكون من أولياء الله، ولا يقول: أولياء الله هم أهل الدرجات الرفيعة وأهل المنازل العالية، والذين عرفوا الله المعرفة التامة ونحو ذلك، وكذلك الذين يسمونهم أقطاباً وأوتاداً، وعاملين أو واصلين أو نحو ذلك، بل كل من آمن إيماناً صحيحاً واتقى الله فهو من أولياء الله، وما عليك إلا أن تحقق هذه الآية لتصبح من أولياء الله.

    ولا شك أن الأسباب التي تقوى بها هذه الأصول موجودة بحمد الله، فالإيمان بالله هو أصل وأساس هذه الأصول وهذه الأركان، وهو مبني على السماع، وهو ما بلغته الرسل، فإذا سمع العقل تلك الأدلة ورأى دلالتها، أيقن بأنها حق وأنها دالة على قدرة قادر، وكذلك إذا فكر فيما ترمي إليه، فإن تلك الأدلة فيها الالتفات أو الاستدلال بالآثار، وبالآيات، وبالبراهين، ولأجل ذلك يقيم الله الحجة بهذه الأدلة على المشركين والجاهلين ونحوهم، فيذكر لهم الآيات الكونية، ويتلو عليهم الآيات القرآنية، وكلها بلا شك تكون سبباً لترسيخ تلك العقيدة التي هي الإيمان بالله.

    فإن العاقل إذا نظر فيما بين يديه من الأفلاك، وهذه المخلوقات العلوية والسفلية، علم أنها لم تخلق عبثاً، وأن الذي خلقها لا يتركها هملاً، وكذلك إذا نظر في نفسه، ونظر في مبدئه ومنتهاه، علم أيضاً أنه لم يخلق عبثاً، وأنه لابد أن يؤمر وينهى، ولابد أن يكون له رب مالك متصرف، وأن الذي خلقه استعبده؛ وفرض عليه أن يعبده، وأن يحمده، وأن يذكره وأن يشكره، وأنه لابد وأن يثيبه على العبادة أو يعاقبه على المعصية، هكذا تدل المؤمن العاقل فطرته على هذه الأمور، فكيف وقد أرشدته الأدلة، وقامت عليه البراهين، وأرسلت الرسل، وأنزلت الكتب تبين للناس هذه الأشياء التي هي أساس العقيدة، فلأجل ذلك لما آمن بذلك من آمن، وعرفوا الله حق المعرفة، وثبت الإيمان في أفئدتهم، وأشربته قلوبهم، ونبتت عليه لحومهم، صار مندمجاً في دمهم ولحمهم.

    أما الظالمون لأنفسهم، فهم الذين يفعلون المكروهات ويتركون المستحبات ويفعلون المباحات، وقد يتركون بعض الواجبات وقد يفعلون بعض المحرمات، فلأجل ذلك وصفوا بالظلم.

    والكل منهم تحت مشيئة الله، إلا أن الله تعالى وعدهم بالجنة، وأخبر بدعائهم بقوله عنهم: وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ [فاطر:34] الحزن: يعني: الخوف، وذلك هو المذكور في هذه الآية، أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62].

    فعلى كل حال: صفات أهل الإيمان موجودة في مثل هذه الآيات، والذي يحب أن يكون منهم عليه أن يطبقها ويعمل بها ليُحشَر معهم.

    1.   

    الغني الشاكر والفقير الصابر وأيهما أفضل؟

    قال الشارح رحمه الله تعالى [قوله: (وأكرمهم عند الله أطوعهم وأتبعهم للقرآن)

    أراد: أكرم المؤمنين هو الأطوع لله والأتبع للقرآن، وهو الأتقى، والأتقى هو الأكرم، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13]، وفي السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأبيض على أسود، ولا لأسود على أبيض، إلا بالتقوى، الناس من آدم وآدم من تراب).

    وبهذا الدليل يظهر ضعف تنازعهم في مسألة: الفقير الصابر والغني الشاكر، وترجيح أحدهما على الآخر، وأن التحقيق أن التفضيل لا يرجع إلى ذات الفقر والغنى، وإنما يرجع إلى الأعمال والأحوال والحقائق، فالمسألة فاسدة في نفسها، فإن التفضل عند الله بالتقوى وحقائق الإيمان، لا بفقر ولا غنى، ولهذا -والله أعلم- قال عمر رضي الله عنه: الغنى والفقر مطيتان لا أبالي أيهما ركبت.

    والفقر والغنى ابتلاء من الله تعالى لعبده كما قال تعالى: فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ [الفجر:15]، فإن استوى الفقير الصابر والغني الشاكر في التقوى استويا في الدرجة، وإن فضل أحدهما فيها فهو الأفضل عند الله، فإن الفقر والغنى لا يوزنان، وإنما يوزن الصبر والشكر.

    ومنهم من أحال المسألة من وجه آخر: وهو أن الإيمان نصف صبر ونصف شكر، فكل منهما لا بد له من صبر وشكر، وإنما أخذ الناس فرعاً من الصبر وفرعاً من الشكر، وأخذوا في الترجيح فجردوا غنياً منفقاً متصدقاً باذلاً ماله في وجوه القرب، شاكراً لله عليه، وفقيراً متفرغاً لطاعة الله ولأداء العبادات صابراً على فقره، وحينئذ يقال: إن أكملهما أطوعهما وأتبعهما، فإن تساويا تساوت درجتهما، والله أعلم.

    ولو صح التجريد لصح أن يقال: أيما أفضل معافىً شاكر، أو مريض صابر، أو مطاع شاكر أو مهان صابر، أو آمن شاكر أو خائف صابر؟ ونحو ذلك].

    تفاضل الناس عند الله إنما هو بالتقوى

    عرفنا أن تفاضل الناس بالتقوى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13]، لا بالحسب ولا بالنسب ولا بأصل الآباء والأجداد، ولا بالرتب ولا بالأموال ولا بالمناصب، إنما تفاضلهم عند الله تعالى بالأعمال الصالحة، فالله تعالى يقول في هذه الآية: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13] بعدما ذكر القبائل والشعوب في قوله تعالى: إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ [الحجرات:13]، يعني: كل بني آدم تفرعوا من ذكر وأنثى؛ لكن جعلهم الله شعوباً وقبائل لمصلحة وهي: لا لتفاخروا، بل ليُعرَف أن هذا فلان من القبيلة الفلانية، وبعدما ذكر أن الحكمة في ذلك هي التعارف، ذكر أن هذا الفخر لا يجوز، وإنما الفخر بالتقوى فقال: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13].

    وقد وردت أدلة في النهي عن الافتخار بالأسلاف، ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لينتهينَّ أقوام يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا، إنما هم فحم من فحم جهنم، أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي تدفع بأنفها النتن، إنما هو مؤمن تقي أو فاجر شقي، الناس كلهم بنو آدم، وآدم من تراب).

    وفي حديث آخر: (إن الله أذهب عنكم عُبَّية الجاهلية وفخرها بالآباء)، فجعل الفخر بالتقوى، وجعل الإنسان إنما يكرم وإنما يرتفع منصبه ومنزلته عند الله تعالى إذا حقق التقوى، ولذلك يقول بعضهم:

    ألا إنما التقوى هي العز والكرم وحبك للدنيا هو الذل والسقم

    وليس على عبد تقي نقيصـة إذا حقق التقوى وإن حاك أو حجم

    فإذاً: الفخر إنما هو بطاعة الله وبالتقرب إليه، وتمايُز الناس وتفاوتهم إنما يكون بحسب الإيمان، وبحسب آثار الإيمان، فأفضلهم أكملهم إيماناً وأكملهم أعمالاً وأكملهم وأحسنهم أقوالاً وأحوالاً، وأبعدهم عن الآثام، وأبعدهم عن أنواع الإجرام، هذا هو أكملهم عند الله وأكرمهم، وأرقاهم منزلة، فأما منصب وجاه ومال وحسب ونسب ومسكن وولد؛ فكل ذلك لا يُغني عن صاحبه، كما ذكر الله عن الكافر في قوله: مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ [الحاقة:28-29]، أي: هلكت عني سلاطيني وحسبي ونسبي وقبيلتي وأسرتي وأنصاري وأعواني، وتخلوا عني.

    فإذاً: ما على الإنسان إلا أن يحقق الإيمان ويحقق التقوى؛ ليصبح بذلك أفخر الناس وأشرفهم، والفخر والشرف إنما يكون بما عند الله، ولا يضره لو كان ضعيفاً مهيناً لا يُؤبَه له، ولا يُنظَر إليه، ويُدفَع عن الأبواب، ولا يُقدَّم في المجالس، ولا يُحترَم ولا يُكرَم؛ فإنه إذا كان عند الله عزيزاً، كريماً، شريفاً، فلا يضره كونه عند الناس وضيعاً.

    تكلم الشارح كما تقدم على ما اشتهر في كتب الأدب، وهي مسألة التفضيل بين الصابر والشاكر، حين يكون الصبر مع الفقر، والشكر مع الغنى، وقد تكلم فيهما العلماء، فتكلم فيهما ابن القيم رحمه الله وأطال في ذلك في كتابه (هبة الصابرين وذخيرة الشاكرين)، وهو كتاب عظيم ومفيد نوصي باقتنائه وبقراءته، تكلم فيه على الصبر، وعلى أنواع الصبر، وعلى الشكر، وعلى فوائده، وأطال في ذلك، وأطال أيضاً على هذه المسألة، وهي: مسألة التفاضل بين الغني الشاكر والفقير الصابر.

    الفقير هو: الذي زُوِيَت عنه الدنيا، ولا يؤتى منها إلا قدر ما يسد رمقه، وأما الغني: فهو الذي فُتحت عليه الدنيا، وأوتي من أنواع زهرتها.

    فالفقير صبر واحتسب وزهد وقنع بما آتاه ربه.

    والغني شكر، فأعطى حقوق هذا المال وصرفه في وجوه البر، وأنفقه في الخيرات وفي المسرات، وأعطى المستضعفين، وصرفه في الجهاد في سبيل الله، ونفع به المحتاجين ونحوهم.

    فأيهما أفضل: ذلك الفقير الذي اقتصر على نفسه وصبر واحتسب، أو هذا الغني الذي أنفق في وجوه الخير؟

    اختلف العلماء في ذلك.

    التفضيل لا يعود إلى ذات الغنى والفقر وإنما إلى ما خصهما من تقوى

    فإذا نظرنا في الأدلة التي يُستدل بها من حيث النقل: الآيات والأحاديث، وجدناها كلها تفضل الفقير، وتحث على التقلل من طلب الدنيا، وتحث على الزهد فيها، وتضرب لها الأمثال، وقد أورد ابن القيم جملة كثيرة من ذلك، مع أنه ذكر أنه اقتصر على البعض ولم يستوفها، ولو استوفاها لزادت على ما ذكره أضعافاً كثيرة.

    وأما الأدلة العقلية فإنها تفضل الشاكر الذي رزقه الله مالاً.

    ومعلومٌ أن المال لا يحصل إلا بتسبُّب وبتعب وبكدح وبكد وبطلب، وأن هذا الطلب يحتاج إلى وقت وزمان، فلأجل ذلك كان الفقير متفرغاً للعبادة منقطعاً لها، وأما الغني فلا بد أن تكون له أوقات يقضيها في طلب المال، ويقضيها في تنميته، وفي تصريفه، وفي حساباته ونحو ذلك، فيكون جل وقته أو أكثره فيما يتعلق بأمور حياته الدنيا، ويكون وقته الذي يقضيه للعبادة أقل بأضعاف من الوقت الذي يقضيه الفقراء في العبادات ونحوها، فلأجل ذلك مال بعضهم إلى تفضيل الفقير.

    وسمعنا هذا القول الذي اختاره الشارح، وهو أن أكثرهما تقوىً .. أكثرهما عبادة .. أكثرهما أعمالاً صالحةً، فإذا وفق الله الغني وأكثر من الصالحات وصار لا تلهيه أمواله ولا أولاده عن ذكر الله، فإنه يفضل غيره، كما وصف الله الأغنياء بقوله: رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ [النور:37].

    فإذاً: لا بد أن تكون لهم تجارة ولهم بيع ولهم تنمية أموال؛ ولكن إذا جاء وقت العبادة تخلوا عن الدنيا وعن متاعها كله، وأقبلوا على العبادة، وإذا جاءت أوقات المنافسات والخيرات سارعوا إليها.

    فإذاً: هؤلاء قد جمعوا بين الأمرين: جمعوا بين أنهم كانوا أهل تقوى وأهل إيمان وأهل أعمال صالحة وحسنات وخيرات كثيرة، وبين أن لهم أعمالاً متعدية بحيث إنهم وصلوا الأرحام، وأنفقوا في سبيل الله، وجهَّزوا الغزاة مثلاً، وأقاموا المشروعات الخيرية، ونشروا العلم، وبنوا بيوت الله، وأقاموا فيها الأماكن التي يُتَعَلَّم فيها ويُقْرأ، فكانوا بذلك نافعين لأنفسهم ونافعين لغيرهم، فكانوا بذلك أفضل.

    ومما يدل على ذلك ما ورد في الصحيح أن فقراء المهاجرين أتوا النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: (يا رسول الله! ذهب أهل الدثور بالأجور -أهل الدثور يعني: أهل الأموال- يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق فقال: ألا أدلكم على عمل إذا فعلتموه سبقتم من قبلكم ولم يدرككم من بعدكم إلا من عمل مثلكم؟ قولوا: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، بعد كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، فذهبوا وقالوها، ثم إن الأغنياء نُقِل إليهم ذلك ففعلوا، فقال الفقراء: يا رسول الله! سمع إخواننا أهل الأموال بما قلنا فقالوا مثلنا، فقال: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء).

    فغبط الأغنياء الذين ما شغلهم مالهم عن عبادتهم ولا عن أذكارهم ولا عن أعمالهم.

    وبكل حال فالشكر والصبر كلاهما من الأعمال القلبية، ويُرى آثارها على الأعمال البدنية، وأما الأعمال الصالحة فإنها زيادة على ذلك، أعني أن التقوى والإيمان والصلاح وكثرة الخيرات وكثرة الحسنات ناتجة مما في القلب، وأما الشكر والصبر فهما من الصفات الظاهرة حتى يمكن أن يُحكم بتساويهما.

    ويمكن أن يقال: ما قيل في الشاكر والصابر يقال في أمثالهما، فيقال مثلاً: المبتلى والمعافى كذلك، إنسان ابتُلي ولكنه احتسب، وآخر عوفي ولكنه شكر، فهما سواء، وكذلك مثلاً: إنسان أُعطي فشكر ربه، وآخر مُنع فحمد ربه.

    وفي الحديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم خُيِّر بين أن تكون له جبال مكة ذهباً وبين أن يجوع يوماً ويشبع يوماً، فاختار أن يجوع يوماً ويشبع يوماً، وقال: إذا جُعتُ تضرعتُ إليك وذكرتك، وإذا شبعتُ حمدتُك وشكرتك)، فجعل الله ذلك مرتبة أفضل من أن تكون له الدنيا.

    وقد ذكر الله تعالى أنه أعطى من قبله من الأنبياء من الدنيا ومع ذلك لم ينقصهم من مرتبتهم عنده، كما أعطى سليمان، قال تعالى: فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ [ص:36] إلى قوله: هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [ص:39]؛ لكن رتبة نبينا صلى الله عليه وسلم وصبره على ما أوتي وتقلله ودعاؤه بقوله: (اللهم اجعل رزق آل محمد كفافاً)، أفضل من رتبة سليمان، مع أن سليمان شاكر لربه كما حكى الله عنه أنه قال لما أتي بعرش بلقيس: قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ [النمل:40].

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3028063087

    عدد مرات الحفظ

    725776965