إسلام ويب

شرح العقيدة الطحاوية [12]للشيخ : عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من المسائل التي اشتد الخلاف فيها مسألة وجود حوادث لا أول لها، والإعراض عن الكلام في مثل هذه المسألة خير من الخوض فيها، ولكن تعرض لها العلماء لبيان ضلال الفلاسفة والملحدين.

    1.   

    الكلام على مسألة حوادث لا أول لها

    قال تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ * فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [آل عمران:18-20].

    نقرأ في هذه العقيدة التي كتبها هذا الإمام لبيان ما يجب أن يعتقده المسلم، وبيان الرد على بعض المبتدعة الذين أنكروا شيئاً من صفات الله تعالى أو أنكروا صفاته، وكذلك الرد على من أنكر القدر أو عموم قدرته، وسائر المبتدعين الذين أحدثوا بدعاً تتعلق بالعقيدة، والتي شرحها أو وفق لشرحها هذا العالم الذي تقيد بمذهب السلف واختار ما عليه أئمة العلم وعلماء المسلمين، وإن كان قد استطرد وذكر شيئاً من حجج أهل الكلام ومن شبهاتهم وما قصد إلا حكايتها ثم تعقيبها والرد عليها.

    ويمر بنا في هذا الشرح عبارات من عبارات أهل الكلام قد يصعب فهمها لأول مرة، ولكن معلوم أن القصد من إيرادها مناقشة المستدلين بها حيث إنهم يعتقدونها أدلةً واضحة وبراهين قوية وحججاً قاطعة على ما هم عليه من إنكار الأمور التي جاءت بها السنة ونطق بها الكتاب وتتابع عليها أئمة العلم واعترفوا بها وأقروا بها، فجاء أولئك المبتدعة وضللوا من اعتقدها وصاروا يبدعونهم، ويحتجون على بدعهم بأنواع من الشبهات.

    وذلك مثلما مر بنا من قولهم إنه لا تقوم به الحوادث، ويستدلون بذلك على أنه ليس له صفات، وأن صفات الفعل تحدث شيئاً فشيئاً.

    ومثله كلامهم في التسلسل في القدم، والتسلسل في الأزل وفي الأبد وما أشبه ذلك، والقصد منها مناقشة أدلتهم، وسيمر بنا في أثناء الكتاب كلام فيه الفائدة إن شاء الله وفيه المعرفة، وبالأخص فيما يتعلق بعموم معتقد أهل السنة، سواء في الأسماء والصفات، أو في القرآن وكلام الله عز وجل، أو في البعث والنشور، أو في الإيمان والأحكام، أو في الصحابة وما يقال فيهم، أو في الأمور الغيبية وما أشبهها.

    ويمر بنا -إن شاء الله- ما إذا اعتقده المسلم عرف نعمه الله عليه حيث وفقه لهذا المعتقد السليم الذي تؤيده السنة ودرج عليه السلف، والذي تقره العقول والفطر السليمة وإن أنكرته تلك الفطر الزائغة والقلوب المنحرفة، فلا عذر لمن أنكره واعتمد على العقل.

    وكان من جملة ما مر بنا أن الله سبحانه وتعالى قديم بصفاته، وأنه لم يحدث له صفة قد كانت معدومة ولا اسم قد كان معدوماً، وأنه سبحانه لم يكن معطلاً عن الأفعال، بل هو فاعل في كل وقت وحال، وأن أسماءه قد تسمى بها قبل أن توجد الموجودات وبعدما وجدت الموجودات، فهو له اسم (الخالق) قبل أن يوجد الخلق الذين خلقهم، ومن أسمائه (البارئ) قبل أن يوجد من برأهم، ومن أسمائه (الرازق أو الرزاق) قبل أن يوجد خلق يرزقهم، ومن أسمائه (الرحيم) قبل أن يخلق من يرحمهم، ولكن يعرف بذلك أنه سبحانه لم يزل يرحم ويعطي ويمنع ويخلق ما يشاء ويحيي ويميت، فأسماؤه قديمة وأفعاله قديمه، وكذلك سائر صفاته.

    والقصد من معرفة هذا كله أن يرغب الإنسان إليه ويدعوه بتلك الأسماء، فدعاؤه بتلك الأسماء كأن يدعوه باسم (الرزاق أو الرازق) ليرزقه، وباسم (الرحمن) ليرحمه، وباسم (العزيز) ليعزه أو لينتقم ممن عاداه؛ فإنه العزيز الذي لا يغالب، وهكذا بقية أسمائه، على أنه متى اعتقد مضمون تلك الأسماء وآثارها عظم قدر ربه في قلبه فعبده وحده وخافه ورجاه واعتمد عليه، واتخذه حسيباً ووكيلاً وأعرض بقلبه وقالبه عن غيره، فأصبح بذلك من الذين عرفوا ربهم حق المعرفة وعبدوه حق العبادة.

    فهذه من نتائج معرفة هذه المعتقدات التي تتعلق بالأسماء والصفات.

    حديث عمران بن حصين ودلالته

    [والقول بأن الحوادث لها أول، يلزم منه التعطيل قبل ذلك، وأن الله سبحانه وتعالى لم يزل غير فاعل، ثم صار فاعلاً. ولا يلزم من ذلك قدم العالم، لأن كل ما سوى الله تعالى محدث ممكن الوجود، موجود بإيجاد الله تعالى له، ليس له من نفسه إلا العدم والفقر، والاحتياج وصف ذاتي لازم لكل ما سوى الله تعالى، والله تعالى واجب الوجود لذاته، غني لذاته، والغنى وصف ذاتي لازم له سبحانه وتعالى].

    [وللناس قولان في هذا العالم: هل هو مخلوق من مادة أم لا؟ واختلفوا في أول هذا العالم ما هو؟ وقد قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ [هود:7]. وروى البخاري وغيره عن عمران بن حصين رضي الله عنه، قال: (قال أهل اليمن لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (جئناك لنتفقه في الدين، ولنسألك عن أول هذا الأمر،فقال: كان الله ولم يكن شيء قبله، -وفي رواية: (ولم يكن شيء معه) وفي رواية: (غيره)- وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السموات والأرض) وفي لفظ: (ثم خلق السموات والأرض)، فقوله: (كتب في الذكر)، يعني: اللوح المحفوظ، كما قال تعالى: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ [الأنبياء:105] سمى ما يكتب في الذكر ذكراً، كما يسمى ما يكتب في الكتاب كتاباً.

    والناس في هذا الحديث على قولين، منهم من قال: إن المقصود إخباره بأن الله كان موجوداً وحده، ولم يزل كذلك دائماً، ثم ابتدأ إحداث جميع الحوادث، فجنسها وأعيانها مسبوقة بالعدم، وأن جنس الزمان حادث لا في زمان، وأن الله صار فاعلاً بعد أن لم يكن يفعل شيئاً من الأزل إلى حين ابتداء الفعل ولا كان الفعل ممكناً.

    والقول الثاني: المراد إخباره عن مبدأ خلق هذا العالم المشهود الذي خلقه الله في ستة أيام، ثم استوى على العرش، كما أخبر القرآن في غير موضع.

    وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (قدر الله تعالى مقادير الخلق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء). فأخبر صلى الله عليه وسلم أن تقدير هذا العالم المخلوق في ستة أيام كان قبل خلقه بخمسين ألف سنة،وأن عرش الرب تعالى كان حينئذ على الماء].

    [ودليل صحة هذا القول الثاني من وجوه:

    أحدها: أن قول أهل اليمن:( جئناك لنسألك عن أول هذا الأمر)، وهو إشارة إلى حاضر مشهود موجود، والأمر هنا بمعنى المأمور، أي: الذي كونه الله بأمره، وقد أجابهم النبي صلى الله عليه وسلم عن بدء هذا العالم الموجود، لا عن جنس المخلوقات، لأنهم لم يسألوه عنه، وقد أخبرهم عن خلق السموات والأرض حال كون عرشه على الماء، ولم يخبرهم عن خلق العرش، وهو مخلوق قبل خلق السموات والأرض. وأيضاً فإنه قال: ( كان الله ولم يكن شيء قبله )، وقد روي (معه)، وروي (غيره)، والمجلس كان واحداً ، فعلم أنه قال أحد الألفاظ، والآخران رويا بالمعنى ، ولفظ (القَبْل) ثبت عنه في غير هذا الحديث. ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في دعائه: (اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء) الحديث. واللفظان الآخران لم يثبت واحد منهما في موضع آخر، ولهذا كان كثير من أهل الحديث إنما يرويه بلفظ (القَبْل)، كـالحميدي والبغوي وابن الأثير . وإذا كان كذلك لم يكن في هذا اللفظ تعرض لابتداء الحوادث، ولا لأول مخلوق. وأيضاً فإنه قال: (كان الله ولم يكن شيء قبله -أو (معه) أو (غيره)- وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء). فأخبر عن هذه الثلاثة بالواو، و(خلق السموات والأرض) روي بالواو وبثم].

    قال رحمه الله تعالى: [فظهر أن مقصوده إخباره إياهم ببدء خلق السماوات والأرض وما بينهما، وهي المخلوقات التي خلقت في ستة أيام، لا ابتداء خلق ما خلقه الله قبل ذلك، وذكر السماوات والأرض بما يدل على خلقهما، وذكر ما قبلهما بما يدل على كونه ووجوده، ولم يتعرض لابتداء خلقه له، وأيضا فإنه إذا كان الحديث قد ورد بهذا وهذا فلا يجزم بأحدهما إلا بدليل، فإذا رجح أحدهما فمن جزم بأن الرسول أراد المعنى الآخر فهو مخطئ قطعا، ولم يأت في الكتاب ولا في السنة ما يدل على المعنى الآخر، فلا يجوز إثباته بما يظن أنه معنى الحديث، ولم يرد (كان الله ولا شيء معه)، مجرداً، وإنما ورد على السياق المذكور، فلا يظن أن معناه الإخبار بتعطيل الرب تعالى دائما عن الفعل حتى خلق السماوات والأرض، وأيضا فقوله صلى الله عليه وسلم: (كان الله ولاشيء قبله أو معه أو غيره، وكان عرشه على الماء)، لا يصح أن يكون المعنى أنه تعالى موجود وحده لا مخلوق معه أصلا؛ لأن قوله: (وكان عرشه على الماء)، يرد ذلك؛ فإن هذه الجملة -وهي: (وكان عرشه على الماء)- إما حالية أو معطوفة، وعلى كلا التقديرين فهو مخلوق موجود في ذلك الوقت، فعلم أن المراد: ولم يكن شيء من هذا العالم المشهود].

    يتكلم المصنف على أحاديث عمران بن حصين لما جاء أهل اليمن يسألون عن أول هذا الأمر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، ثم خلق السماوات والأرض وكتب في الذكر كل شيء)، أخبر في هذا أن الله تعالى هو الأول ولم يكن شيء قبله، وذلك تحقيق للأولية المذكورة في الآية: هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ [الحديد:3]، فلم يكن شيء قبله، وهذا لا يدل على أنه تعالى كان معطلاً عن الأفعال لم يكن يخلق، بل يدل على أنه خالق، فإنه ذكر أن عرشه على الماء دليل على أنه قد خلق العرش، وأنه قد خلق الماء، وأنه قد خلق مخلوقات قد تكون موجودة وقد تكون معدومة، فلا بد أن يكون خالقاً، فالله تعالى لم يكن معطلاً عن الخلق، ويعتقد المسلمون أن الله تعالى قديم، وأنه قديم بأفعاله، وأنه الذي ليس قبله شيء، وأن من أعظم مخلوقاته العرش، وقد ورد في عظم العرش ما يدل على أنه أقدم وأعظم أو من أعظم المخلوقات، فقد ذكر الله سعة كرسيه في قوله تعالى: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ [البقرة:255]، وقيل: إن الكرسي كالمرقاة بين يدي العرش، فالكرسي قد وسع السماوات والأرض مع عظم السماوات ومع عظم الأرض.

    وورد في بعض الآثار أن السماوات والأرض في الكرسي كدراهم سبعة ألقيت في ترس، والترس: هو المجن الذي يلبس على الرأس وما عسى أن تغطي الدراهم السبعة، فالدرهم قطعة من الفضة صغيرة بقدر الظفر أو نحوه، فماذا تغطي من ذلك الترس؟

    فالسماوات السبع والأرضون السبع في الكرسي هذا مقدارها منه، والكرسي صغير أيضاً بالنسبة إلى العرش، كما ورد أن الكرسي نسبته إلى العرش كحلقه ملقاة بأرض فلاة، والحلقة: القطعة من الحديد ملتقية الطرفين. فإذا ألقيت حلقة في فلاة فماذا تشغل من تلك الفلاة؟ فالكرسي صغير بالنسبة إلى العرش، فهو كحلقة ملقاة بأرض فلاة، فهذا دليل على عظم هذا الكرسي ثم عظم هذا العرش، وإذا كان هذا عظمه فإنه مخلوق، فالعرش مخلوق ليس قديماً، بل هو مخلوق، وإذا كان هذا عظم هذا المخلوق فما ظنك بعظمة الخالق؟

    والله تعالى قد ذكر أنه يقبض المخلوقات في قوله تعالى: وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر:67]، وذكر ابن عباس أن السماوات والأرض في كف الرحمن كحبة خردل في يد العبد. وماذا تشغل حبة الخردل في يد عبد؟ وكل ذلك دليل على عظمة الخالق، ولا شك أن من اعتقد عظمته وكبرياءه خافه وهابه وعبده حق العبادة، ولكن لا ينبغي الخوض في الأمور الغيبية التي ليس عليها دليل وبرهان، والتي يؤدي الخوض فيها إلى حيرة وإلى شك، وكثيراً ما يشتكي بعض النساء وبعض الرجال أنهم يلاقون حيرة ويلاقون شكاً وتأتيهم وساوس إذا بحثوا في مثل هذه الأمور، فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عند ذلك بالاستعاذة من الشيطان وبالإيمان بالله، فإذا وقعت في قلب الإنسان هذه الأوهام وهذه التشكيكات فإنما عليه أن يقول: آمنت بالله، وأن يستعيذ بالله من الشيطان، وأن يقبل كل ما جاءه عن الله، وأن يتقبل ذلك كله، ويبعد عنه كل ما يجلب حيرة أو وهماً أو وسوسة أو نحو ذلك، فيقطعها ويجعل حديث نفسه وخوضه وخوضها في الشيء الذي ينفعه، ويؤمن بالإجمالات التي أخبر الله بها عنه حتى يكون بذلك مطمئن القلب.

    اتصاف الله تعالى بالربوبية والخلق قبل وجود متعلقهما

    قال المؤلف رحمه الله: [قوله: (له معنى الربوبية ولا مربوب ومعنى الخالق ولا مخلوق).

    يعني أن الله تعالى موصوف بأنه الرب قبل أن يوجد مربوب وموصوف بأنه خالق قبل أن يوجد مخلوق، قال بعض المشايخ الشارحين: وإنما قال: له معنى الربوبية ومعنى الخالق دون الخالقية؛ لأن الخالق هو المخرج للشيء من العدم إلى الوجود لا غير، والرب يقتضي معاني كثيرة، وهي: الملك والحفظ والتدبير والتربية وتبليغ الشيء كماله بالتدريج، فلا جرم أتى بلفظ يشمل هذه المعاني وهي الربوبية. انتهى، وفيه نظر؛ لأن الخلق يكون بمعنى التقدير أيضاً].

    هذا مثل ما سبق قبله أن الله تعالى من أسمائه (الخالق) قبل أن يوجد المخلوقون، ومن أسمائه (الرازق) قبل أن يوجد المرزوقون، فمن صفاته (الربوبية) قبل أن يوجد المربوبون ومن صفة أسمائه (الخالق) قبل أن يأتي أو يوجد المخلوقون، وله معنى ذلك.

    ولا شك أن الربوبية تقتضي أنه الرب بمعنى (المالك)، وتقتضي أنه الرب بمعنى (المربي) الذي يربي خلقه بالنعم أو الذي يربيهم بالعلوم ويفتح عليهم المعارف، فالكل من حق الله تعالى أنه الرب، بمعنى المالك المنعم المتصرف المربي المتفضل على خلقه، وكذلك الخالق، فالخالق بمعنى المنشئ للخلق المبتدئ لهم على غير مثال سابق، وكل ذلك له وحده.

    اتصاف الله تعالى بإحياء الموتى وخلق الخلق

    قال المؤلف رحمه الله: [قوله: (وكما أنه محيي الموتى بعد ما أحيا استحق هذا الاسم قبل إحيائهم، كذلك استحق اسم الخالق قبل إنشائهم).

    يعني أنه سبحانه وتعالى موصوف بأنه محيي الموتى قبل إحيائهم، فكذلك يوصف بأنه خالق قبل خلقهم، إلزاما للمعتزلة ومن قال بقولهم، كما حكينا عنهم فيما تقدم، وتقدم تقرير أنه تعالى لم يزل يفعل ما يشاء].

    ويعتقد المسلم أن الله تعالى يفعل ما يشاء، فإن من صفاته أنه يحيي ويميت، فمن شاء أحياه ومن شاء أماته، ومن شاء رزقه، ومن شاء أفقره ومن شاء أغناه، يعطي من يشاء ويمنع، ويخفض من يشاء ويرفع، ويعز من يشاء ويذل، وهذه الأوصاف التي هي من صفاته هي أيضاً قديمة، بمعنى أنه موصوف بها أزلاً، أي: أن من أسمائه المحيي قبل أن يخلق الذين يحييهم، وكذلك المميت، وكذلك المعطي والمانع والخافض والرافع وما أشبه ذلك.

    والقصد من معرفة هذه الأسماء أن يعرف العبد أنها لله تعالى فيرغب إليه أن يعزه، ويعلم أن من أذله الله فلا معز له.

    ويرغب إليه أن يرفع قدره، ويعرف أن من خفضه الله فلا رافع له.

    ويرغب إليه بالهداية، ويعلم أن من يضلل الله فما له من هاد، وهكذا بقية الصفات.

    وذلك أن هناك فرقاً من المبتدعة كالمعتزلة الذين يعتقدون أنه لا يفعل إلا ما يقدر عليه، وأن العبد يفعل بغير قدرة الله -تعالى الله عن قولهم-، وأن العبد هو الذي يفعل باختياره وهو الذي يهدي نفسه ويضل نفسه، ولا شك أن هذا فيه اعتراض على الله وحجر لصفته، وأنه لا يفعل أو لا يقدر إلا على ما يقدر عليه بدون بعض الأشياء التي لا يقدر عليها، فالله تعالى قد وصف نفسه بعموم القدرة في قوله تعالى: وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [المائدة:120]، وسيأتينا هذا إن شاء الله.

    عموم قدرته تعالى وضلال المعتزلة

    قال المؤلف رحمه الله: [قوله: (ذلك بأنه على كل شيء قدير، وكل شيء إليه فقير، وكل أمر عليه يسير، لا يحتاج إلى شيء لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11])].

    قال الشارح: (ذلك) إشارة إلى ثبوت صفاته في الأزل قبل خلقه والكلام على (كل) وشمولها، وشمول (كل) في كل مقام بحسب ما يحتف به من القرائن يأتي في مسألة الكلام إن شاء الله تعالى.

    وقد حرفت المعتزلة المعنى المفهوم من قوله تعالى: وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:284]، فقالوا: إنه قادر على كل ما هو مقدور له، وأما نفس أفعال العباد فلا يقدر عليها عندهم، وتنازعوا: هل يقدر على مثلها أم لا؟! ولو كان المعنى على ما قالوا لكان هذا بمنزلة أن يقال: هو عالم بكل ما يعلمه وخالق لكل ما يخلقه ونحو ذلك من العبارات التي لا فائدة فيها، فسلبوا صفة كمال قدرته على كل شيء.

    وأما أهل السنة فعندهم أن الله على كل شيء قدير، وكل ممكن فهو مندرج في هذا، وأما المحال لذاته مثل كون الشيء الواحد موجودا معدوما في حال واحدة فهذا لا حقيقة له ولا يتصور وجوده، ولا يسمى شيئا باتفاق العقلاء، ومن هذا الباب خلق مثل نفسه وإعدام نفسه وأمثال ذلك من المحال.

    وهذا الأصل هو الإيمان بربوبيته العامة التامة؛ فإنه لا يؤمن بأنه رب كل شيء إلا من آمن أنه قادر على تلك الأشياء، ولا يؤمن بتمام ربوبيته وكمالها إلا من آمن بأنه على كل شيء قدير، وإنما تنازعوا في المعدوم الممكن هل هو شيء أم لا؟ والتحقيق: أن المعدوم ليس بشيء في الخارج، ولكن الله يعلم ما يكون قبل أن يكون ويكتبه، وقد يذكره ويخبر به، كقوله تعالى: إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ [الحج:1]، فيكون شيئا في العلم والذكر والكتاب لا في الخارج، كما قال تعالى: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82]، قال تعالى: وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا [مريم:9] أي:لم تكن شيئا في الخارج وإن كان شيئا في علمه تعالى، وقال تعالى: هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا [الإنسان:1]].

    يعتقد المسلمون ما أخبر الله به عن نفسه من عموم قدرته أنه على كل شيء قدير، وكلمة (شيء) يدخل فيها ما هو موجود وما هو معلوم مما يقدره الله تعالى، وتدخل فيها أعمال العباد، فيدخل فيها عمل العبد مثل عباداته وطاعاته وحسناته، وكذا سيئاته وخطاياه كلها داخلة في عموم (كل) في قوله تعالى: عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:20]، فيدخل في ذلك كل الممكنات.

    أما غير الممكن المستحيل فإنه لا يدخل في هذا العموم، مثل كون الشيء معدوماً موجوداً في آن واحد، فهذا من المستحيل أن يوجد ويعدم في آن واحد، أو يكون الشخص حياً ميتاً في آن واحد، ومثل ما يورده بعض المتعنتين فيقولون: هل يقدر الله أن يخلق مثل نفسه؟ نقول: هذا محال، ولا ينبغي الخوض فيه، فهو من المحال؛ حيث إنه تعالى هو المنفرد الذي ليس له شريك وليس له شبيه ولا معين.

    والمعتزلة ينكرون هذا العموم (على كل شيء قدير)، ويقولون: على ما يقدر عليه قدير. ولا شك أن هذا فيه تنقص؛ فإنه بمعنى: قدير على ما يقدر عليه، ولا شك أن هذا لا فائدة فيه.

    فقولهم: قدير على ما يقدر عليه، معناه أنه لا يقدر على كل شيء، وأن هناك أشياء لا يقدر عليها -تعالى الله عن قولهم- فيكون في هذا تنقص، فالآيات فيها العموم، فهو على كل شيء قدير عموماً لا يستثنى منه شيء مما يدخل في الإمكان.

    وأما كلامهم في المعدوم هل هو شيء أو ليس بشيء، فالمعدوم -على الصحيح- لا يقال له شيء حتى يوجد، ولكن الله تعالى عالم بما يوجد من المعدومات التي توجد، وقادر على إيجاده في الوقت الذي قدر إيجاده، وإلا فقد نفى أن يكون المعدوم شيئاً في قوله تعالى: هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا [الإنسان:1]، وكذلك قوله تعالى مخاطباً لزكريا: وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا [مريم:9] يعني: لم تكن موجوداً، بل كنت معدوماً وقد خلقتك، فنفى أن يكون المعدوم شيئاً على الوجود، ولكن هو في علم الله شيء إذا قدر أنه سيوجد، فهو داخل في قول الله تعالى: إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [النحل:40].

    فالله تعالى أخبر بأنه إذا قال للشيء كن وهو معدوم كان، فسماه شيئاً مع كونه معدوماً؛ لأنه يوجد إذا قال الله له: (كن)، وهذا معنى أن أمره تعالى بين الكاف والنون، فخلقه للمعدومات التي قدر أنها توجد بقول: (كن)، وهكذا حقق المحققون أن المعدوم شيء في علم الله، وليس شيئاً في الوجود فيما يرى ولا فيما يشاهد.

    التشبيه والتعطيل وموقف أهل السنة منهما

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11] رد على المشبهة، وقوله تعالى: وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11] رد على المعطلة، فهو سبحانه وتعالى موصوف بصفات الكمال، وليس له فيها شبيه، فالمخلوق وإن كان يوصف بأنه سميع بصير فليس سمعه وبصره كسمع الرب وبصره، ولا يلزم من إثبات الصفة تشبيه؛ إذ صفات المخلوق كما يليق به وصفات الخالق كما يليق به، ولا تنف عن الله ما وصف به نفسه وما وصفه به أعرف الخلق بربه وما يجب له وما يمتنع عليه وأنصحهم لأمته وأفصحهم وأقدرهم على البيان؛ فإنك إن نفيت شيئا من ذلك كنت كافرا بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، وإذا وصفته بما وصف به نفسه فلا تشبهه بخلقه فليس كمثله شيء، فإذا شبهته بخلقه كنت كافرا به، قال نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري : من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه ولا ما وصفه به رسوله تشبيها. وسيأتي في كلام الشيخ الطحاوي رحمه الله: (ومن لم يتوق النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه)].

    بعض الآية الذي هو قول الله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11] رد على طائفتين متقابلتين:

    إحداهما غلت في الإثبات، وهم الممثلة المشبهة.

    والأخرى غلت في النفي وهم المعطلة النفاة.

    فرد الله على الأولى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11] أي: لا تجعلوا لله مثلاً. فليس له مثل في صفاته ولا في ذاته ولا في أفعاله، لا في صفاته الفعلية ولا في صفاته الذاتية، أي: لا يشبهه شيء. وذلك لأن الذين غلوا في الإثبات وجعلوا يد الله كأيدينا وسمعه كأسماعنا. أو قالوا: إنه يسمع بكذا وبكذا. أو: إنه ينظر بكذا وما أشبه ذلك مما غلوا فيه إلى أن أثبتوا له خصائص المخلوقين لا شك أنهم قد وقعوا فيما هو كفر، ولهذا يقول نعيم : من شبه الله بخلقه فقد كفر. ويقول آخر: المشبه يعبد صنماً، والمعطل يعبد عدماً، والموحد يعبد إلهاً واحداً فرداً صمداً, وهو الموحد الذي يثبت لله الصفات ويجعلها لله وحده لا يشبهه فيها شيء، وفي ذلك أيضاً يقول ابن القيم :

    لسنا نشبه ربنـا بصفـاتنا إن المشبه عـابد الأوثـان

    كلا ولا نخليه من أوصـافه إن المعطـل عابد البهتـان

    والمعطل: هو الذي ينكر صفات الله، والذي ينفي أن الله متصف بصفات الكمال كالسمع والبصر والعلم المحبة والرحمة، وصفات الذات كاليد التي أثبتها لنفسه أو اليدين وكالعين والوجه وما أشبه ذلك من الصفات.

    ولا شك أن من نفى ذلك فقد عطل الله تعالى، وتعطيل الصفات يلزم منه تعطيل الذات، فكأنه لم يثبت إلهاً يعبد.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3010940127

    عدد مرات الحفظ

    722053445