إسلام ويب

شرح العقيدة الطحاوية [9]للشيخ : عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أرسل الله محمداً صلى الله عليه وسلم بلسان عربي مبين، فخاطب الناس بلسانهم، وعلمهم بالتدريج، وكان مما خاطبهم به التعريف بالله بأسمائه وصفاته، وذلك بألفاظ يفهمون معانيها، ويفهمون أن المخلوق وإن اتصف بمسمياتها لكن الحقائق تختلف، ولذلك لم يتوهموا تشبيهاً، ولا فروا منه إلى النفي والتعطيل، بل أثبتوا كلمة التوحيد، وثبتوا على ما جاء في التنزيل.

    1.   

    وضوح البلاغ وحرص المبلغ يقتضي وجوب الإيمان بأسماء الله وصفاته

    يعتقد المسلمون أن الله تعالى موصوف بصفات الكمال، ويعتقدون أن توحيد الصفات متلقىً عن الشرع، مأخوذ عن كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وذلك لأنه عليه الصلاة والسلام اختاره الله لحمل الرسالة لما فيه من الأهلية، فهو عليه الصلاة والسلام من أفصفح الخلق، وأنصحهم، يحب الخير لأمته، قال تعالى: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ يعني: من جنسكم عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128] فإذا كان حريصاً على هداية الأمة، وإذا كان يحب لهم النجاة، وإذا رزقه الله وأعطاه الفصاحة، والقدرة على البلاغ والبيان، فلا بد أنه قد بلغ، ولا بد أنه قد بين، ومن اعتقد أنه كتم ما أنزل إليه كفر، ومن اعتقد أنه لبس على الأمة وأوقعهم في الحيرة كفر، بل نعتقد أنه بلغ ولم يكتم، وأوضح وبين.

    وإذا رجعنا إلى بيانه وإلى ما بلغه وجدناه واضحاً.

    ومعلوم أنه عليه الصلاة والسلام ظهر في أناس يتكلمون باللغة العربية ويفهمون كلامه، وإذا كان كذلك فلا بد أنه خاطبهم بما يفهمون، فنرجع إلى لغتهم.

    ومعلوم أنه جاء بشيء لم يكونوا يعرفونه، فسماه بأسماء يفهمونها، فما كانوا يعرفون كلمة الإسلام، ولا كلمة الإيمان على مسماها الشرعي، ولا كانوا يعرفون الصلاة ولا الوضوء ولا الصوم على مسماها الشرعي، وكذلك لم يكونوا يعرفون مسمى النفاق، ولا مسمى الكفر، ولا الشرك، ولا الفسوق بمسماها الشرعي، لكن يعرفون الكلمات على معان أخرى، فاستعمل هذه المعاني التي تقارب ما يعرفونه.

    وإذا كان هذا في هذه الأمور المعتادة فإنه أيضاً تكلم معهم في الصفات، فإنهم يعرفون السمع وما يطلق عليه، وكذلك البصر، والقدرة، والقوة، والعلم، والكلام، فلابد أنه خاطبهم بالأشياء التي يفهمونها، وأنهم فهموا ما بلغهم به.

    على هذا: فإن الذين يتكلفون في صرف اللفظ عن ظاهره لا شك أنهم وقعوا في ضلال، ووقعوا في تخطئة النبي عليه الصلاة والسلام من حيث يشعرون أو من حيث لا يشعرون.

    بيان أن الشرع خاطب العرب بصفات الله وهم يفهمون معانيها

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [واعلم أن المخاطب لا يفهم المعاني المعبر عنها باللفظ إلا أن يعرف عينها، أو ما يناسب عينها، ويكون بينها قدر مشترك ومشابهة في أصل المعنى، وإلا فلا يمكن تفهيم المخاطبين بدون هذا قط، حتى في أول تعليم معاني الكلام بتعليم معاني الألفاظ المفردة، مثل تربية الصبي الذي يعلم البيان واللغة، ينطق له باللفظ المفرد ويشار له إلى معناه إن كان مشهوداً بالإحساس الظاهر أو الباطن، فيقال له: لبن، خبز، أم، أب، سماء، أرض، شمس، قمر، ماء، ويشار له مع العبارة إلى كل مسمى من هذه المسميات، وإلا لم يفهم معنى اللفظ ومراد الناطق به، وليس أحد من بني آدم يستغني عن التعليم السمعي، كيف وآدم أبو البشر، وأول ما علمه الله تعالى أصول الأدلة السمعية وهي الأسماء كلها، وكلمه وعلمه بخطاب الوحي ما لم يعلمه بمجرد العقل.

    فدلالة اللفظ على المعنى هي بواسطة دلالته على ما عناه المتكلم وأراده، وإرادته وعنايته في قلبه، فلا يعرف باللفظ ابتداء ولكن لا يعرف المعنى بغير اللفظ، حتى يعلم أولاً أن هذا المعنى المراد هو الذي يراد بذلك اللفظ ويعنى به، فإذا عرف ذلك ثم سمع اللفظ مرة ثانية، عرف المعنى المراد بلا إشارة إليه.

    وإن كانت الإشارة إلى ما يحس بالباطن مثل الجوع، والشبع، والري، والعطش، والحزن، والفرح، فإنه لا يعرف اسم ذلك حتى يجده من نفسه، فإذا وجده أشير له إليه، وعرف أن اسمه كذا، والإشارة تارة تكون إلى جوع نفسه أو عطش نفسه، مثل أن يراه أنه قد جاع فيقول له: جعت، أو: أنت جائع، فيسمع اللفظ ويعلم ما عينه بالإشارة أو ما يجري مجراها من القرائن التي تعين المراد، مثل نظر أمه إليه في حال جوعه، وإدراكه بنظرها أو نحوه أنها تعني جوعه، أو يسمعهم يعبرون بذلك عن جوع غيره].

    أورد الشارح هذا الكلام ليبين أن الرسول عليه الصلاة والسلام خاطبهم بكلمات يفهمونها، وإلا لما سكتوا حتى يستفهموا، فإن الإنسان الذي لا يفهم الكلمة لابد أن يسأل عنها، فأنت مثلاً لو لقيت رجلاً أعجمياً، ثم إنك خاطبته بمثل هذه الكلمات ولم يفهم، فإنه يضيق صدره حتى تفهمه، فتقول له: هذا اسمه كذا، وهذا اسمه كذا، هذه -تشير إليها- اسمها شاة، وهذه اسمها بقرة، وهذا اسمها ناقة، وهذا جمل، وهذا حصان، فحينئذ يفهم.

    وهكذا أيضاً إذا عبرت له عن الأشياء العلوية، قلت مثلاً: هذه هي السماء، وهذه هي الأرض، وهذا اسمه جبل، وهذا اسمه واد، وهذه شجرة، وهذه نخلة، إلى أن يفهم.

    وهكذا أيضاً تعبر له عن المعاني التي قد لا يكون مشاراً إليها، ولا يكون لها أشخاص؛ مثل الجوع، والعطش، والخوف، والفرح، والحزن، والضحك، والبكاء، فإنه لا يفهمها إلا إذا أحس بها.

    فإذا كان الأمر كذلك فلاشك أنه عليه الصلاة والسلام عندما تكلم بالكلمات كانوا يفهمون معناها، فكانوا يفهمون أنه إذا أخبر بأن الله سميع بصير؛ أن معناه أنه يدرك الأصوات ويبصر المرئيات، وكذلك إذا أخبر بأنه متكلم، يفهمون أن الكلام هو ما يسمع وما يعبر به عن المعاني، ويفهمون أن العلم ضد الجهل، ويفهمون أن المحبة ضد الكراهية أو ضد البغض .. وهكذا.

    فإذا كانوا يفهمون ذلك وهي لغتهم فكيف يقال: إنها غير معلومة، وإن هذه الكلمات بمنزلة الكلمات الأعجمية التي يسمعها الإنسان ولا يدري ما معناها؟! فأنت لو سمعت كلاماً أعجمياً أو كلاماً لم تفهمه، قلت: كلمني فلان بكلام غير معروف، فلا تشهد له بالبيان، ونحن نشهد بأن الرسول عليه الصلاة والسلام بين، وأن القرآن بيان، قال تعالى: هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ [آل عمران:138]، وقال تعالى: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ [النحل:44] فنشهد بأنه بين للناس، وأن الناس فهموا عنه، ولو كان ما يقوله النفاة والمبتدعة من التكلف في طرح تلك الكلمات لما كان قد بين، هم لا يقولون إنه بين، بل يعتقدون أنه لبس، وحاشاه عليه الصلاة والسلام من التلبيس.

    بيان انقسام المخاطبين في فهم الخطاب للتوصل إلى أن الصفات خطاب له معنى مفهوم

    قال رحمه الله: [إذا عرف ذلك، فالمخاطب المتكلم إذا أراد بيان معان، فلا يخلو: إما أن تكون مما أدركها المخاطب المستمع بإحساسه وشهوده، أو بمعقوله، وإما أن لا تكون كذلك.

    فإن كانت من القسمين الأولين لم يحتج إلى معرفة اللغة، بأن يكون قد عرف معاني الألفاظ المفردة، ومعنى التركيب، فإذا قيل له بعد ذلك: أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ [البلد:8-9]، أو قيل له: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [النحل:78] ونحو ذلك، فهم المخاطب بما أدركه بحسه.

    وإن كانت المعاني التي يراد تعريفه بها ليست مما أحسه وشهده بعينه، ولا بحيث صار له معقول كلي يتناولها حتى يفهم به المراد بتلك الألفاظ، بل هي مما لا يدركه بشيء من حواسه الباطنة والظاهرة، فلابد في تعريفه من طريق القياس، والتمثيل، والاعتبار بما بينه وبين معقولات الأمور التي شاهدها من التشابه والتناسب، وكلما كان التمثيل أقوى كان البيان أحسن، والفهم أكمل] .

    الرسل عليهم السلام بينوا للناس أشياء يشاهدونها، وبينوا أشياء لم يشاهدوها ولكن شاهدوا ما يشهد لها، فمثلاً: العبادات وضحوها، فقالوا: هذا اسمه وضوء، وهذه كيفيته، وهذه الصلاة، وهذه كيفيتها، هذا من جملة البيان.

    كذلك بلغوا أشياء لم نشاهدها، وعبروا عنها بعبارة نفهمها، فمثلاً: اليوم الآخر الذي هو يوم القيامة، ما شاهدناه، حيث إنه لم يقع بعد، ولكن ذكرت لنا أوصافه بكلمات مفردة وجمل نفهم المعنى منها، فأخبر بأن الناس يبعثون، وتعاد أرواحهم في أجسادهم، وهذا مفهوم معناه، وكذلك جمع الناس في يوم القيامة مفهوم معناه: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [المطففين:6] وكذلك نصب الموازين والوزن للأعمال: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأنبياء:47] فالوزن معروف.

    وكذلك الإخبار بنشر الكتب: وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً [الإسراء:13]، فنحن ما رأيناه ولكن نفهم معناه، وهذه الأمور التي أخبرنا بها ونحن لم نرها فهمنا معناها، حيث إن جنس هذه الكلمات معروف، فالوزن في الدنيا معروف، ولكن ليس الوزن في الدنيا كالوزن في الآخرة، بل بينهما فرق، إلا أن كلاً منهما فيه ميزان يرجح وينقص.

    وكذلك الصراط الذي أخبر بأن الناس يمشون عليه، فالصراط في الدنيا معروف؛ وهو الطريق الواسع، ولكن أخبر في الآخرة بأن هذا الصراط منصوب وأخبر بصفته، فنؤمن بذلك، ولكن نعتقد أنه ليس كالذي نعرفه في الدنيا.

    وهكذا أيضاً الكتب التي تنشر في الآخرة: وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً * اقْرَأْ كِتَابَكَ [الإسراء:13-14] كل يقرأ كتابه؛ الأمي وغير الأمي، معلوم أن هذا ليس ككتاب الدنيا الذي لا يقرؤه إلا القارئ، فعرف بذلك أنهم أخبروا بأشياء من الغيب مفهوم معناها، وإن لم تفهم كيفيتها.

    لذلك يعرف أن الإيمان بالأمور الغيبية لابد من فهم معناه، فلو أن الناس ما فهموا كلمة النار، وجهنم، وسقر، والسعير، ونار تلظى، ونار موقدة، ونار حامية، لما خافوا ولا بكوا، ولا حذروا ولا ابتعدوا عن المعاصي التي تدخلهم في هذه النار، ولكن فهموا أنها نار عذاب، وأنها عذاب وبيل، واعتقدوا صحة ما جاء فيها من الحميم والزقوم، والغساق، وما أشبهه.

    ولو أن الناس ما فهموا معنى (جنات النعيم) و(دار السلام) وما أشبهها، وما فيها من الحبور، وما فيها من القصور والأنهار والأشجار والثمار، لما عملوا لأجلها، فلابد أنهم فهموها.

    فإذاً: الذين آمنوا بالآخرة وآمنوا بالغيب، فهموا معنى ذلك، فيقاس على ذلك فهمهم لمدلول الصفات وإن لم يكن هناك تماثل حقيقي، ولهذا يقول ابن عباس : ( ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء ) يعني: أنها تتشابه في الأسماء، وتتشابه في المعنى العام، الله تعالى أخبر بأن في الجنة أنهاراً، ومع ذلك تجري في غير أخدود، هل يتصور أنها تجري في الدنيا على الأرض بغير أخدود؟! يعني: في غير حفر وسواق، هذا من آيات الله!

    وكذلك المنازل التي في الآخرة، أخبر في الحديث (بأنه يرى باطنها من ظاهرها، وظاهرها من باطنها) فهذا دليل على أننا نعرف أنها قصور، وأنها مبنية، وأنها من لؤلؤ ومن زبرجد، ولكن ليست مثلما ندركه، فهذا دليل على أن أمور الآخرة نفهم معناها، ولكن كيفيتها لا ندركها، فيقال مثل ذلك أيضاً في الصفات.

    طريقة إطلاق الألفاظ الشرعية على مسمياتها الحادثة المشاهدة

    قال رحمه الله: [فالرسول صلوات الله وسلامه عليه لما بين لنا أموراً لم تكن معروفة قبل ذلك، وليس في لغتهم لفظ يدل عليها بعينها، أتى بألفاظ تناسب معانيها تلك المعاني، وجعلها أسماءً لها، فيكون بينها قدر مشترك، كالصلاة، والزكاة، والصوم، والإيمان، والكفر.

    وكذلك لما أخبرنا بأمور تتعلق بالإيمان بالله وباليوم الآخر، وهم لم يكونوا يعرفونها قبل ذلك حتى يكون لهم ألفاظ تدل عليها بعينها، أخذ من اللغة الألفاظ المناسبة لتلك بما تدل عليه من القدر المشترك بين تلك المعاني الغيبية والمعاني الشهودية التي كانوا يعرفونها، وقرن بذلك من الإشارة ونحوها ما يعلم به حقيقة المراد، كتعليم الصبي، كما قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن : الناس في حجور علمائهم كالصبيان في حجور آبائهم] .

    فهمنا أن الرسول عليه الصلاة والسلام استعمل معاني لم تكن معروفة عند العرب، ولكن عبر عنها بما يقاربها من كلمات يفهمون معناها، فما كانوا يعرفون أن الشرك هو عبادة غير الله معه، ولكن يعرفون أن الشرك اشتراك اثنين في شيء، فتسمية عبادة غير الله مع الله مثل اشتراك اثنين في شيء، فسماه شركاً لما فيه من الاشتراك.

    وكانوا يعرفون أن الكفر هو الستر والتغطية، فلما كان الكافر قد أنكر الإيمان وأنكر التوحيد وجحده وستره صدق عليه أنه كفر، فسماه الرسول بأمر الله كفراً.

    وما كانوا يعرفون أن الإيمان هو الدخول في هذه الشريعة وتقبلها، بل يعرفون أن الإيمان هو تصديق الإنسان بقلبه بشيء، فلما جاء بهذه الكلمة جعلها اسماً للتصديق الكلي بما جاء في هذا الشرع، فهذا تصديق وذاك تصديق، ولكن هذا بشيء وذاك بشيء.

    وكذلك ما كانوا يعرفون كلمة الإسلام إلا أنها الإذعان للشيء والاستسلام له، فاستعمل الإسلام في الإذعان للشرع والانقياد له، وما كانوا يعرفون أن الصلاة هي الركوع والسجود، فاستعملها في هذا؛ لأنهم كانوا يعرفون أن الصلاة هي الدعاء، وهذه فيها دعاء.

    وهكذا علمهم عليه السلام أسماء هذه الأشياء، ثم علمهم كيفيتها، فلما سئل عن الإسلام فسره بالأركان الخمسة، ولما سئل عن الإيمان وعن الإحسان فسرها.

    فإذا كان هذا تعليمه لأمته هذه الكلمات فيما يقاربها من اللغة التي يفهمونها، فهو بمنزلة المعلم، الذي يعلم تلاميذه ويبدأ معهم بصغار العلم قبل كباره، ويربيهم بذلك، والله تعالى قد أرشد إلى هذه الطريقة بقوله تعالى: وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ [آل عمران:79] فهكذا ينبغي أن يعرف ويعتقد أن الرسل بلغوا وبينوا للناس الأمور الغيبية والأمور الاصطلاحية الشرعية على حسب ما يفهمون، وأن أممهم فهموا منهم ذلك فهماً كاملاً.

    إخبار الرسول بالأمور الغيبية وطريقة التعليم فيها ترد على نفاة الصفات

    قال رحمه الله: [وأما ما يخبر به الرسول من الأمور الغائبة، فقد يكون مما أدركوا نظيره بحسهم وعقلهم، كإخبارهم بأن الريح أهلكت عاداً، فإن عاداً من جنسهم والريح من جنس ريحهم وإن كانت أشد، وكذلك غرق فرعون في البحر، وكذا بقية الأخبار عن الأمم الماضية.

    ولهذا كان الإخبار بذلك فيه عبرة لنا، كما قال تعالى: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ [يوسف:111].

    وقد يكون الذي يخبر به الرسول مما لم يدركوا مثله الموافق له في الحقيقة من كل وجه، لكن في مفرداته ما يشبه مفرداتهم من بعض الوجوه، كما إذا أخبرهم عن الأمور الغيبية المتعلقة بالله واليوم الآخر، فلابد أن يعلموا معنًى مشتركاً وشبهاً بين مفردات تلك الألفاظ، وبين مفردات ما علموه في الدنيا بحسهم وعقلهم.

    فإذا كان ذلك المعنى الذي في الدنيا لم يشهدوه بعد، ويريد أن يجعلهم يشهدونه مشاهدة كاملة ليفهموا به القدر المشترك بينه وبين المعنى الغائب، أشهدهم إياه، وأشار لهم إليه، وفعل فعلاً يكون حكاية له وشبهاً به، يعلم المستمعون أن معرفتهم بالحقائق المشهودة هي الطريق التي يعرفون بها الأمور الغائبة] .

    سمعنا أن هذا من جملة ما بينه الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وأخبرهم عن أمور لم يشاهدوها، فمن ذلك أمور قد سبقت ولكن يفهم معناها، فأخبر الله بأنه أغرق قوم نوح وأنجى نوحاً في السفينة، فنعرف أن قوم نوح بشر مثلنا، وأن السفينة مركب من المراكب يسبح في البحر، فأخبر بأنه نجى نوحاً ومن معه في السفينة، في قوله تعالى: فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ [العنكبوت:15] وفي قوله: فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ [المؤمنون:27] هذا شيء مفهوم، سمعناه وفهمنا معناه.

    وكذلك إخباره بأنه أهلك عاداً بالريح، فعاد بشر مثلنا إلا أنهم أشد خلقاً، كما في قولهم: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً [فصلت:15] والريح من جنس الريح التي نعرفها إلا أنها أشد، وهكذا يقال في الأخبار عن الأمم السابقة، فمعناها مفهوم.

    وأما الأمور الغيبية التي هي من الأمور الأخروية فقد أخبر الله تعالى على لسان رسوله عن أمور غيبية من الأمور المستقبلة، ولكن نصدق بها ونفهم مدلولها الإجمالي وإن لم نفهم الكيفية.

    قد ضربنا مثلاً بالصراط وبالميزان، وكذلك الحوض في الآخرة، وهكذا حساب الله تعالى للخلق، وهكذا خلقتهم وكيفيتهم، وكذا ذكر الجنة والنار وما فيهما، فمعانيها مفهومة وإن لم يكن الذي نشاهده في الدنيا كالذي يحصل في الآخرة، بل بينهما تفاوت، فعرف بذلك أن الرسل بينوا للناس، وأن الناس فهموا المعنى العمومي الذي يحصل به إدراكهم وانتفاعهم.

    تقدير انتفاء المماثلة بين الخالق والمخلوق تغني عن إثبات الفارق عند ذكر الصفات

    قال رحمه الله: [فينبغي أن تعرف هذه الدرجات:

    أولها: إدراك الإنسان المعاني الحسية المشاهدة.

    وثانيها: عقله لمعانيها الكلية.

    وثالثها: تعريف الألفاظ الدالة على تلك المعاني الحسية والعقلية.

    فهذه المراتب الثلاث لابد منها في كل خطاب؛ فإذا أخبرنا عن الأمور الغائبة فلابد من تعريفنا المعاني المشتركة بينها وبين الحقائق المشهودة والاشتباه الذي بينهما، وذلك بتعريفنا الأمور المشهودة، ثم إن كانت مثلها لم يحتج إلى ذكر الفارق، كما تقدم في قصص الأمم، وإن لم يكن مثلها بين ذلك بذكر الفارق، بأن يقال: ليس ذلك مثل هذا، ونحو ذلك.

    وإذا تقدر انتفاء المماثلة كانت الإضافة وحدها كافية في بيان الفارق، وانتفاء التساوي لا يمنع وجود القدر المشترك الذي هو مدلول اللفظ المشترك، وبه صرنا نفهم الأمور الغائبة، ولولا المعنى المشترك ما أمكن ذلك قط] .

    يقول: لابد في معرفة المعاني من معرفة الألفاظ، فلو كنا لا نعرف كلمة (سمع) ما فهمنا قوله: إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً [النساء:58]، ولو كنا لا نعرف المعنى الذي تفسر به الكلمة، وهو أن السمع إدراك الأصوات، ما فهمنا أيضاً المعنى الذي دلت عليه الجملة، ولو كنا نسمع كلمة (سمع) ونفسرها ولكن لا ندري ما مدلولها، ما فهمناها ولا انتفعنا بالكلام.

    فيقال: أولاً: علينا أن نعرف أن المعاني واضحة تفهم بمجرد فهم اللغة، فيفهم المسلمون إذا قيل في أوصاف الله عز وجل إنه المهيمن، أنه رقيب على عباده، ويفهمون أنه يراهم إذ قال: الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ [الشعراء:218-219]، وإذا قرءوا قوله تعالى: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ [ق:15-16] فهموا أن ذلك تخويف، وأنه لا يخفى عليه من أمورهم خافية، ولو كانوا لم يتصوروا هذا القرب وذلك لأنه من الأمور الغيبية، إنما القصد منه التخويف حتى يحذر الإنسان إذا عرف أنه عليه رقيب.

    فإذا عرفنا مدلول الكلمة وعرفنا كيف تفسر، فإننا ندرك ثبوت الصفة، ولكن لا نفهم التشبيه، فلا نفهم أن صفة المخلوق كصفة الخالق، فلا نقول: إن الله يسمع كسمعنا، ويبصر كبصرنا، وله يد كأيدينا، ما الذي سبب معرفتنا لهذا الفرق؟

    والجواب: أن صفات المخلوق إذا أضيفت إليه تناسبه، وصفات الخالق إذا أضيفت إليه تناسبه، فالإضافة كافية في إثبات الفرق، فيكتفى بها ويقال: إذا كانت ذات الرب تعالى ليست كذوات المخلوقين، فكذلك صفاته ليست كصفاتهم، سواء الصفات الفعلية أو الصفات الذاتية، فيعتقد المسلمون أن هذا كاف في إثبات الفرق بين صفة وصفة.

    1.   

    مخالفة طريقة أهل البدع في باب الصفات لطريقة القرآن والسنة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [قوله: (ولاشيء يعجزه). لكمال قدرته، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:20]، وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً [الكهف:45]، وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً [فاطر:44]، وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [البقرة:255]. (لا يؤده) أي: لا يكرثه ولا يثقله ولا يعجزه. فهذا النفي لثبوت كمال ضده، وكذلك كل نفي يأتي في صفات الله تعالى في الكتاب والسنة إنما هو لثبوت كمال ضده، كقوله تعالى: وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً [الكهف:49]، لكمال عدله، لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ [سبأ:3] لكمال علمه. وقوله تعالى: وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ [ق:38] لكمال قدرته، لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ [البقرة:255] لكمال حياته وقيوميته، لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ [الأنعام:103] لكمال جلاله وعظمته وكبريائه، وإلا فالنفي الصرف لا مدح فيه، ألا يرى أن قول الشاعر:

    قُبَيِّلة لا يغــدرون بذمـةٍ ولا يظلمون الناس حبة خردل

    لما اقترن بنفي الغدر والظلم عنهم ما ذكره قبل هذا البيت وبعده، وتصغيرهم بقوله: (قُبيلة) عُلم أن المراد عجزهم وضعفهم، لا كمال قدرتهم، وقول الآخر:

    لكن قومي وإن كانوا ذوي عدد ليسوا من الشر في شيء وإن هانا

    لما اقترن بنفي الشر عنهم ما يدل على ذمهم، عُلم أن المراد عجزهم وضعفهم أيضاً. ولهذا يأتي الإثبات للصفات في كتاب الله مفصلاً، والنفي مجملاً، عكس طريقة أهل الكلام المذموم، فإنهم يأتون بالنفي المفصل والإثبات المجمل، يقولون: ليس بجسم ولا شبح ولا جثة ولا صورة ولا لحم ولا دم ولا شخص ولا جوهر ولا عرض ولا بذي لون ولا طعم، ولا رائحة، ولا مَجَسَّة، ولا بذي حرارة ولا برودة ولا رطوبة ولا يبوسة ولا طول ولا عرض ولا عمق ولا اجتماع ولا افتراق ولا يتحرك ولا يسكن، ولا يتبعض، وليس بذي أبعاض وأجزاء وجوارح وأعضاء، وليس بذي جهات، ولا بذي يمين ولا شمال وأمام وخلف وفوق وتحت، ولا يحيط به مكان ولا يجرى عليه زمان، ولا يجوز عليه المماسة ولا العزلة، ولا الحلول في الأماكن، ولا يوصف بشيء من صفات الخلق الدالة على حدوثهم، ولا يوصف بأنه متناه، ولا يوصف بمساحة ولا ذهاب في الجهات، وليس بمحدود، ولا والد ولا مولود، ولا تحيط به الأقدار ولا تحجبه الأستار... إلى آخر ما نقله أبو الحسن الأشعري رحمه الله عن المعتزلة. وفي هذه الجملة حق وباطل، ويظهر ذلك لمن يعرف الكتاب والسنة. وهذا النفي المجرد مع كونه لا مدح فيه، فيه إساءة أدب، فإنك لو قلت للسلطان: أنت لست بزبال ولا كساح ولا حجام ولا حائك، لأدبك على هذا الوصف وإن كنت صادقاً، وإنما تكون مادحاً إذا أجملت النفي، فقلت: أنت لست مثل أحد من رعيتك، أنت أعلم منهم وأشرف وأجل، فإذا أجملت في النفي، أجملت في الأدب]

    [والتعبير عن الحق بالألفاظ الشرعية النبوية الإلهية، هو سبيل أهل السنة والجماعة، والمعطلة يعرضون عما قاله الشارع من الأسماء والصفات، ولا يتدبرون معانيها، ويجعلون ما ابتدعوه من المعاني والألفاظ هو المحكم الذي يجب اعتقاده واعتماده . وأما أهل الحق والسنة والإيمان فيجعلون ما قاله الله ورسوله هو الحق الذي يجب اعتقاده واعتماده، والذي قاله هؤلاء إما أن يعرضوا عنه إعراضاً جملياً، أو يبينوا حاله تفصيلاً، ويحكم عليه بالكتاب والسنة، لا يحكم به على الكتاب والسنة].

    قال رحمه الله: [والمقصود أن غالب عقائدهم السلوب: ليس بكذا، ليس بكذا، وأما الإثبات فهو قليل؛ وهي: أنه عالم، قادر، حي.

    وأكثر النفي المذكور ليس متلقى عن الكتاب والسنة، ولا عن الطرق العقلية التي سلكها غيرهم من مثبتة الصفات، فإن الله تعالى قال: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11] ففي هذا الإثبات ما يقرر معنى النفي.

    ففهم أن المراد انفراده سبحانه بصفات الكمال، فهو سبحانه وتعالى موصوف بما وصف به نفسه، ووصفه به رسله، ليس كمثله شيء في صفاته، ولا في أسمائه، ولا في أفعاله، مما أخبرنا به من صفاته، وله صفات لم يطلع عليها أحد من خلقه، كما قال رسوله الصادق صلى الله عليه وسلم في دعاء الكرب: (اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي وغمي) وسيأتي التنبيه على فساد طريقتهم في الصفات إن شاء الله تعالى] .

    أي أن هؤلاء النفاة ليس لهم دليل على هذا السلب: أن الله ليس بفوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال، ولا متحرك ولا ساكن .. إلى آخره، بماذا استدلوا؟ اعتمدوا على طرق الفلاسفة، والفلاسفة اعتمدوا في ذلك على طرق عقلية، ولكنها في الحقيقة خيالات تخيلوها، فهذه طريقتهم في النفي.

    وأما في الإثبات فلم يثبتوا إلا قليلاً، فالأشعرية أثبتوا سبع صفات وأثبتوا الأسماء، والمعتزلة أثبتوا الأسماء ولكن نفوا دلالتها على الصفات، فقالوا: إن الله سميع بلا سمع، وبصير بلا بصر، وعليم بلا علم، وقدير بلا قدرة، وجعلوها أسماء مجردة عن الصفات تعالى الله عن قولهم.

    ويرد عليهم بطريقة القرآن، فإن القرآن إذا نفى أتبع النفي بالإثبات، فإن قوله تعالى: لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً [الطلاق:12] إثبات لكمال القدرة، وإثبات للإحاطة بكل شيء، مع أنه قد نفى أن يحيط الناس به، في قوله: وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً [طه:110] وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ [البقرة:255] فدل على أنه لكماله لا يستطيعون أن يطلعوا إلا على ما أطلعهم عليه، وكذلك جمع بين النفي والإثبات في الآية التي تقدمت، وهي قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11]، فجمع بين النفي والإثبات في بعض آية، ورد على الفئتين: الفئة التي غلت في الإثبات حتى شبهت صفاته بالمخلوقات، والفئة التي غلت في النفي حتى نفت عنه صفات الإثبات الكمالية.

    فهذه هي طريقة الرسل، وطريقة الكتاب والسنة، هذه هي التي تروي الغليل، وتشفي العليل، فمن سار على نهج أهل السنة في النفي والإثبات وعلى طريقة الرسل، فلا يخشى من الملام، ولا يرد عليه كلام.

    1.   

    النفي المتضمن إثبات كمال الضد طريقة شرعية في باب الصفات

    قال المؤلف رحمه الله: [وليس قول الشيخ رحمه الله تعالى: (ولا شيء يعجزه)، من النفي المذموم، فإن الله تعالى قال: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً [فاطر:44] فنبه سبحانه وتعالى في آخر الآية على دليل انتفاء العجز، وهو كمال العلم والقدرة، فإن العجز إنما ينشأ إما من الضعف عن القيام بما يريده الفاعل، وإما من عدم علمه به، والله تعالى لا يعزب عنه مثقال ذرة، وهو على كل شيء قدير، وقد علم ببدائه العقول والفطر كمال قدرته وعلمه، فانتفى العجز؛ لما بينه وبين القدرة من التضاد، ولأن العاجز لا يصلح أن يكون إلهاً، تعالى الله عن ذكر ذلك علواً كبيراً] .

    يعني: أن قول الماتن: (ولا يعجزه شيء) نفي، ولكن هذا النفي دليل على إثبات، وهو إثبات كمال القدرة، فنفى العجز ليدل على أنه كامل القدرة، وكامل القوة، ولهذا جمع الله بين النفي والإثبات في هذه الآية من سورة فاطر؛ وهي قوله تعالى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ [فاطر:44] هذا نفي، ثم قال: إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً [فاطر:44] .

    فأثبت العلم والقدرة ليدل على أنه قدير حيث لا يعجزه شيء، فعرف أن هذا نفي موافق للنفي الذي في القرآن، وهو النفي الذي يتضمن إثباتاً، وعلل بأن العاجز لا يصلح أن يكون إلهاً، وأنه يدخل في القدرة كل شيء، وإذا وصفنا الله تعالى بكمال القدرة فهو قادر على كل شيء، ولا يخرج عن قدرته شيء، لا من الأفعال ولا من الذوات، فيقدر على أن يجعل المؤمن كافراً والكافر مؤمناً، يقلب القلوب، ويحول بين المرء وقلبه.

    وكذلك ورد في الحديث قول النبي عليه الصلاة والسلام: (يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك)، فدل على أن من جملة ما يملكه ويستطيعه ويقدر عليه الحيلولة بين الإنسان وبين قلبه، قال: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ [الأنفال:24].

    فهذه صفة من صفات الكمال، وهي إثبات كمال القدرة، وصفات الله وأسماؤه لا يحيط بها إلا هو، كما دل على ذلك الحديث الذي مضى؛ وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم علم أصحابه هذا الدعاء، وفيه قوله: (أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك)، فدل على أنه استأثر بأسماء وبصفات لم يطلع عليها أحداً.

    والحاصل: أن صفات الله تعالى كلها صفات كمال، إذا أثبتناها فإننا نعتقد أنها صفات كمال، ومعلوم أن الذي يثبت هذه الصفات يعظم قدر ربه في قلبه، ومن عظم قدر ربه في قلبه لم يقدم على معصيته، وهذه هي فائدة قراءتنا لبعض الصفات.

    إذا عرف العبد أن الله مطلع على كل شيء لم يقدم على معصيته، وإذا عرف أنه عليم بكل شيء، لا تخفى عليه من أمره خافية، يعلم ما توسوس به النفس، وما يجول في القلب، وعرف كمال قدرته على أن يعذب من يشاء ويرحم من يشاء، فإن ذلك يحمله على الاستكثار من الطاعات، والابتعاد عن المحرمات.

    1.   

    تقدير الخبر في كلمة التوحيد

    قال المؤلف رحمه الله: [قوله: (ولا إله غيره):

    هذه كلمة التوحيد التي دعت إليها الرسل كلها، كما تقدم ذكره، وإثبات التوحيد بهذه الكلمة باعتبار النفي والإثبات المقتضي للحصر، فإن الإثبات المجرد قد يتطرق إليه الاحتمال، ولهذا -والله أعلم- لما قال تعالى: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ [البقرة:163] قال بعده: لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [البقرة:163] فإنه قد يخطر ببال أحد خاطر شيطاني: هب أن إلهنا واحد، فلغيرنا إله غيره! فقال تعالى: لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [البقرة:163].

    وقد اعترض صاحب المنتخب على النحويين في تقدير الخبر في: لا إله إلا هو، فقالوا: تقديره: لا إله في الوجود إلا الله، فقال: يكون ذلك نفياً لوجود الإله، ومعلوم أن نفي الماهية أقوى في التوحيد الصرف من نفي الوجود، فكان إجراء الكلام على ظاهره والإعراض عن هذا الإضمار أولى.

    وقد أجاب أبو عبد الله محمد بن أبي الفضل المرسي في (ري الظمآن) فقال: هذا كلام من لا يعرف لسان العرب، فإن (إله) في موضع المبتدأ على قول سيبويه ، وعند غيره اسم لا، وعلى التقديرين فلابد من خبر المبتدأ، وإلا فما قاله من الاستغناء عن الإضمار فاسد، وأما قوله: إذا لم يضمر يكون نفياً للماهية فليس بشيء؛ لأن نفي الماهية هو نفي الوجود، لا تتصور الماهية إلا مع الوجود، فلا فرق بين (لا ماهية) و(لا وجود)، وهذا مذهب أهل السنة، خلافاً للمعتزلة، فإنهم يثبتون ماهية عارية عن الوجود، و(إلا الله) مرفوع بدل من (لا إله) لا يكون خبراً لـ(لا) ولا للمبتدأ، وذكر الدليل على ذلك.

    وليس المراد هنا ذكر الإعراب، بل المراد رفع الإشكال الوارد على النحاة في ذلك، وبيان أنه من جهة المعتزلة وهو فاسد، فإن قولهم (في الوجود) ليس تقييداً؛ لأن العدم ليس بشيء، قال الله تعالى: وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً [مريم:9].

    ولا يقال: ليس قوله: (غيره) كقوله: (إلا الله) لأن غير تعرب بإعراب الاسم الواقع بعد إلا، فيكون التقدير للخبر فيهما واحداً، فلهذا ذكرت هذا الإشكال وجوابه هنا] .

    قوله: (ولا إله غيره) هذه كلمة الإخلاص، وهي كلمة (لا إله إلا الله)، ففي دعاء الاستفتاح يقول: (سبحانك الله وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك)، وهو معنى: لا إله إلا أنت، أي: ليس هنا إله يصلح للإلهية غيرك، وهو معنى الاستثناء في قوله: إلا الله.

    وقد تكررت هذه الكلمة بهذا اللفظ (لا إله إلا الله)، كقوله تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [محمد:19] وبلفظ: لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ [البقرة:163] كقوله تعالى: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ [الحشر:23] وبلفظ: (لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ) في دعاء ذي النون في قوله: لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:87] ووردت من كلام الله، وفي قوله تعالى: وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى * إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي [طه:13-14] وكله معناه واحد، وهو: نفي الإلهية عن غير الله.

    وأما الإعراب الذي ذكر عن النحويين أنهم قالوا: لا إله في الوجود إلا الله، فقد تعقبه العلماء وقالوا: إن هناك في الوجود من يسمى إلهاً، ولكن لا يصلح أن يكون إلهاً، فالصواب أن يقال: لا إله حق إلا الله، أو: لا إله بحق إلا الله؛ أي: لا أحد يستحق الإلهية إلا الله، فالتقدير (بحق) أولى؛ وذلك لكثرة من يسمى إلهاً مما تألهه القلوب، ويتخذه المشركون إلهاً.

    1.   

    حب المشركين لآلهتهم وتعظيمها عبادة لها

    إن كلمة الإله اسم لمن تألهه القلوب وتحبه، ومعلوم أن المشركين يألهون معبوداتهم، سواء المعبودات القديمة كالأصنام المنحوتة على صور المخلوقات كود وسواع .. إلى آخره، أو الخياليات: كالذين يألهون بعض السادة، أو بعض الأولياء، كالذين يألهون عبد القادر الجيلاني أو أحمد البدوي أو الحسين ، أو علياً ، أو العيدروس ، أو ابن علوان .. أو نحوهم، فإنهم يألهونهم، بمعنى أن قلوبهم تحبهم، وتقدسهم، وتعظمهم، وتوقرهم، ويكون في قلوبهم لهم قدر، ولهم مكانة، وهذا هو حقيقة التأله.

    أما المسلمون الموحدون فإنهم يألهون الله وحده، لا تأله قلوبهم غيره، فلا تحب سواه محبة العبادة، ولا تخاف من غيره، ولا تعظم إلا الله، ولا تخضع وتتواضع إلا له .. وهكذا.

    هذه صفة أولياء الله، فأولياء الله هم الموحودون، هم الذين اتخذوه إلهاً، وصدوا بقلوبهم عما سواه.

    ولما كانت كلمة التوحيد تتضمن الإخلاص؛ كانت أول دعوة الرسل، وتقدم في أول الكتاب أن أول ما بعث به الرسل هذه الكلمة، يقول نوح لقومه: يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:59] أي: لا يستحق غيره أن يكون إلهاً، وكذلك قاله هود وصالح وشعيب وبقية الأنبياء الذين ذكر الله أنه أوحى إليهم بذلك، وإذا عرف المسلم معنى هذه الكلمة، صار في حقيقة التوحيد الذي دعت إليه الرسل.

    والمصيبة أن الذين يعبدون الأموات يقولون: لا إله إلا الله، ليلاً ونهاراًً، وسراً وجهاراً، لكن لا يعملون معناها، ولا يعرفون مضمونها، بل يقولونها ويخالفونها؛ لأنهم لم يفهموا معنى الإله، ولو عرفوا أن الإله هو الذي تألهه القلوب، فتحبه وتعظمه؛ لعلموا أنهم قد ألهوا هذه الأموات.

    إذا قلنا: معنى (لا إله إلا الله): لا معبود بحق إلا الله، قلنا لهم: أنتم الآن قد عبدتم غير الله من هؤلاء الأموات، فالعبادة هي التذلل والخضوع، وقد تذللتم وخضعتم لهؤلاء الأموات، فأصبحتم قد دعوتم غير الله، فلا ينفعكم التهليل.

    فالحاصل: أن كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) أو ( لا إله غيره) هي التي يجب أن ندعو إليها، وهي التي دعت إليها الرسل ومنهم نبينا صلى الله عليه وسلم، حيث أقام عشر سنين بمكة يقول للناس: قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، وكانوا يعرفون معناها، ولما قال لعمه أبي طالب : (قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله) يعني: أحتج بها عند الله أنك مت على التوحيد، فهم أبو طالب وفهم الحاضرون أنها تتضمن البراءة من كل المألوهات، فذكروه الحجة الشيطانية، وهي: ملة أبيه عبد المطلب ، فمات على قوله: هو على ملة عبد المطلب.

    ولما قال لهم في مجتمعهم: (قولوا لا إله إلا الله، كلمة تدين لكم بها العرب، وتدفع لكم الجزية بها العجم) قالوا: أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً [ص:5]، وقالوا: أَنْ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ ُ [ص:6] فهذا دليل على أن كل من يألهونه -يعني: يحبونه- فإنه يسمى إلهاً، يعني: يحبونه محبة تعظيم وتوقير واحترام.

    وخفي هذا المعنى على القبوريين الذين عظموا القبور، فقيل لهم: تعظيمكم هذا هو التأله شئتم أم أبيتم، فقد اتخذتم الأموات آلهة، وكذلك أفعالكم؛ كحلفكم بالأموات، أو دعائهم أولئك الأموات، كقولكم: يا عيدروس ! يا تاج ! يا يوسف ! وتعلق قلوبكم بهم هو تأله، قد اتخذتموهم آلهة شئتم أم أبيتم، وعبدتموهم وإن لم تسموا ذلك عبادة، فالعبرة بالحقائق لا بالأسماء، سموا أفعالكم: توسلاً، أو تودداً، أو تبركاً، أو تحبباً، أو استشفاعاً، أو تقرباً، فإن الحقائق لا تتغير بالتسميات.

    نحن نحث كل مسلم على أن يعرف معنى لا إله إلا الله، وأنها تدعو إلى أن يكون الله هو الإله المعبود بحق، وأن يعبده حق عبادته، وأن يصد المسلم بقلبه عن عبادة وتعظيم كل ما سواه، فبذلك يكون محققاً لهذا التوحيد، الذي هو توحيد الرسل، والذي دعت إليه الرسل من أولهم إلى آخرهم.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3029336060

    عدد مرات الحفظ

    726020378