إسلام ويب

شرح عمدة الأحكام [59]للشيخ : عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد تكفل الله سبحانه وتعالى بقسمة الفرائض بنفسه، وفي هذا دليل على أهميتها، وذلك لأن حقوق الآدميين مبنية على المشاحة، بخلاف حقوق الله عز وجل فإنها مبنية على المسامحة. وللمواريث شروط وأسباب وموانع فصلها الفقهاء في كتب مستقلة. وعلم المواريث من أهم العلوم، ويحتاج في تعلمه إلى معرفة قواعد وتطبيقات وأمثلة، وفي كتاب عمدة الأحكام بيان للمعالم الرئيسة المهمة في الفرائض.

    1.   

    أحكام المواريث وبيان الأنصباء

    قال المؤلف رحمه الله: [باب الفرائض:

    عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر)، وفي رواية: (اقسموا المال بين أهل الفرائض على كتاب الله، فما تركت الفرائض فلأولى رجل ذكر).

    وعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: قلت: (يا رسول الله! أتنزل غداً في دارك بمكة؟ قال: وهل ترك لنا عقيل من رباع أو دور، ثم قال: لا يرث المسلم الكافر ، ولا الكافر المسلم)].

    هذان الحديثان في قسمة المواريث بين الورثة، وهو أمر يتعلق بالأموال، ولكن له أهميته؛ وذلك لأن فيه إيصال الحقوق إلى أهلها، والمراد أن الميت إذا مات وخلف مالاً فهذا المال لا شك أن أحق من يأخذه أقارب ذلك الميت الذي جمعه والذي ملكه، فهم أولى بأن يكونوا هم الوارثين له.

    1.   

    أدلة المواريث من القرآن الكريم

    لقد أنزل الله تعالى خمس آيات في المواريث.

    الآية الأولى مجملة: وهي قول الله تعالى: لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً [النساء:7].

    فهذه الآية أجمل الله فيها نصيب الرجال والنساء، إلا أنه عرف أن للرجل نصيباً من مورثه وللمرأة نصيباً.

    حتى جاءت الآية الثانية التي بيّن الله فيها ميراث الأولاد ذكوراً وإناثاً، وبيّن فيها ميراث كل من الأبوين، على التفصيل، وذلك في قوله تعالى: يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ [النساء:11] يعني: الذكور والإناث، لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ [النساء:11].

    فهذه الآية ذكر الله فيها أن الميت إذا مات وله أولاد قسم ماله بين أولاده، للذكر سهمان وللأنثى سهم، فإذا لم يكن له إلا بنات، فإنهن لا يزدن على الثلثين ولو كن عشراً فيشتركن في الثلثين، أما إذا كانت واحدة فإنها تستقل بالنصف فتأخذ النصف وحدها.

    كذلك ذكر ميراث الأم والأب، فإذا كان للميت أولاد فإن لكل من الأبوين السدس، والبقية للأولاد يقسم بينهم: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11].

    وإذا كان هناك أبوان فقط وليس للميت ولد، فإن المال يقسم بين الأبوين، الأب له الثلثان والأم لها الثلث، أما إذا وجد للميت إخوة حجبوا الأم ومنعوها من الثلث وأنزلوها إلى السدس، هذه قسمة أنصباء الأبوين وأنصباء الأولاد.

    أما الآية الثالثة فبين الله فيها أنصباء الزوجين والإخوة من الأم، وهي قوله تعالى: وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمْ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ [النساء:12] ثم قال: وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ [النساء:12] في هذا ذكر نصيب أحد الزوجين من الآخر، فبيّن الله أنه إذا كان له أولاد ذكور أو إناث؛ واحد أو عدد؛ أن زوجته لا تأخذ إلا الثمن، فإذا لم يكن له أولاد ولا أولاد ابن فإنها تأخذ الربع.

    أما الزوج فيأخذ النصف إذا لم يكن للزوجة أولاد ولا أولاد ابن، فإذا كان لها ولد أو ولد ابن فإنه لا يأخذ إلا الربع.

    ثم بيّن الله في نفس الآية ميراث الإخوة من الأم في قوله: وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً [النساء:12] أي: ليس له أولاد ولا والدان: وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ [النساء:12] يعني: أولاد أم، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ [النساء:12]، أي: للأخ أو الأخت من الأم السدس، فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ [النساء:12] أي: الإخوة من الأم لا يزيدون عن الثلث ولو كثر عددهم، فهذه الآية ذكر الله فيها ميراث الزوجين وميراث الإخوة من الأم.

    أما الآية الرابعة في آخر سورة النساء وهي قوله تعالى: إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ.. [النساء:176] إلى قوله: فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ.. [النساء:176] ثم قال: وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالاً وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ.. [النساء:176]، وفي نفس الآية ذكر ميراث الأخ بقوله: وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ [النساء:176].

    فبيّن ميراث الأخوات، فإذا كانت واحدة أخذت النصف، أو اثنتين فلهما الثلثان، والجماعة ذكوراً وإناثاً يقتسمون المال كما يقتسمه الأولاد للذكر مثل حظ الأنثيين، والأخ الواحد يرث مال أخته كله إذا كان وحده، وكذلك إذا كانوا جماعةً، هذه الآية ذكر الله فيها ميراث الإخوة الأشقاء والإخوة من الأب.

    ميراث العصبات

    أما الآية الخامسة في آخر سورة الأنفال وهي قول الله تعالى: وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ [الأنفال:75] فذكر الله أولي الأرحام، وأن بعضهم أحق ببعض، فإذا كان بعضهم أولى ببعض فإن من أحقيتهم أن يأخذوا ما بقي من المال، وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا الأخذ يسمى: تعصيباً، والتعصيب: هو أن يرث المال بدون أن يحدد له جزءاً معيناً، وذلك ما أشار إليه صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بقوله: (ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر)، وتأكيد وصف الرجل بقوله: (ذكر) من باب التأكيد، وإلا فمعلوم بأن الرجل اسم للذكر، فكلمة: (أولى) يراد بها الأقرب يعني: فلأقرب العصبة وأولاهم بذلك الميت، فإنه هو الذي يأخذ ما بقي، ويسمى أخذه: عصبة.

    وبيّن العلماء أن العصبة هم أقارب الميت من الأصول ومن الفروع ومن الحواشي، فالأصول: هم أبوه وجده وجد أبيه، أما فروعه: فهم أبناؤه وأبناء أبنائه وأبناء أبناء أبنائه وإن بعدوا؛ لأنهم تفرعوا منه.

    أما أقاربه الآخرون: فهم إخوته وبنو إخوته وبنو بنيهم، وكذلك إخوة أبيه الذين هم أعمامه، وبنو أعمامه وبنو بنيهم، ثم أعمام أبيه، ثم بنوهم، ثم أعمام جده وهكذا، ويسمون عصبة؛ لأنهم في الغالب يتعصبون لقريبهم ويحمونه ويجتمعون معه؛ فلأجل ذلك كانوا هم ذوي أرحامه، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يعطوا حقهم مما بقي بعد أهل الفروض، فمعنى قوله: (ألحقوا الفرائض بأهلها) يعني: أعطوا أهلها حقهم من الفرائض وما بقي فأعطوه الأقارب من ذوي الأرحام أو من العصبة، هذا معنى الإلحاق أي: سلموها وأعطوها لهم، والباقي أعطوه من يستحقه من ذوي العصبات ونحوهم.

    ميراث أهل الفروض مع العصبات

    وقوله: (ألحقوا الفرائض بأهلها) يعني: أعطوهم فروضهم على ما في كتاب الله تعالى، فإذا كان أهل الفرائض إناثاً كما لو لم يكن له إلا بنتان أو ثلاث بنات أعطيناهن الثلثين والباقي نعطيه أقرب العصبة من الورثة كالابن أو ابن الابن مثلاً، أو الأخ أو ابن الأخ أو نحوهم؛ لأنه أولى رجل وأقرب رجل بعد البنات.

    وهكذا لو كان أهل الفروض زوجاً، فإن كان الزوج يأخذ النصف فالبقية للأخ أو ابن الأخ أو العم أو ابن العم إذا كان أقرب من غيره، وهكذا إذا كان صاحب الفرض أخاً لأم فإنا نعطيه السدس والبقية نعطيه لأقرب العصبة كأخ شقيق، أو أخ لأبٍ، أو ابن أخ، أو عم، فننظر أقرب الأقارب من ذوي الأرحام فيأخذ بقية المال الذي تركته الفرائض.

    كذلك لو كان الميت لم يخلف إلا أمّاً من أهل الفروض أخذت نصيبها وهو الثلث، والبقية يأخذه العاصب كالعم أو ابن العم أو ابن الأخ أو نحوهم، ننظر من هو أقربهم.

    التقديم بين العصبات في الإرث

    معلوم أن الأب له قرابة والابن له قرابة، لكن قرابة الابن أقوى؛ وذلك لأن الغالب أن الجامع الذي يجمع المال يحرص على أن يورثه لأولاده، وقد ورد ذلك في قوله صلى الله عليه وسلم كما تقدم: (إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس) فإذا كان للميت ابن وأب، فالأب يعتبر صاحب فرض وهو السدس، والبقية نعطيها للابن فهو أولى رجل ذكر، يعني: أقرب الورثة، ولا يقال: إن الأب أحق منه؛ لأن الله جعل للأب فرضاً ولم يجعل للابن فرضاً، بل جعل الابن يأخذ المال كله، أو يأخذ ما بقي من المال بعد أهل الفروض، أما إذا لم يكن هناك ابن فإن الأب يكون أقوى وأولى من غيره، فإذا كان هناك مثلاً زوجة وأب، فإن الزوجة تأخذ الربع فرضاً والأب يأخذ الباقي فهو أولى رجل ذكر.

    كذلك إذا لم يكن عندنا ابن ولا أب، فأقرب الأقارب هم إخوة الميت، فننظر أقواهم فنعلم أن الأخ من الأبوين أقوى من الأخ من الأب، فإذا كان عندنا جدة وأخ شقيق وأخ من الأب أعطينا الجدة سدسها والباقي أعطيناه الشقيق؛ لأنه أقوى حيث يدلي جهتين: جهة الأبوة وجهة الأمومة، ونسقط الأخ من الأب لقوة الأخ الشقيق، فإذا لم يكن عندنا أخ شقيق فالأخ من الأب أقوى من العمومة وأقوى من بني الإخوة ونحوهم، فإذا لم يكن عندنا إخوة ولا بنوهم فلا شك أن العم الذي هو أخو الأب ينزل منزلة الأخ أو ينزل منزلة الأقرب فيعطى بقية المال، أو يعطى المال كله إذا لم يكن هناك ذوو فرض.

    وهكذا فيقدم الابن ثم يقدم الأب ثم يقدم الأخ الشقيق ثم الأخ من الأب ثم ابن الأخ الشقيق ثم الأخ من الأب ثم بعد ذلك ابن العم الشقيق ثم ابن العم من الأب، ثم ينقل إلى عم الأب ثم عم الجد وما تفرع عنهما، هذا معنى قوله: (فلأولى رجل ذكر).

    وهذا العلم الذي هو علم الفرائض هو من أهم العلوم، ويحتاج في تعلمه إلى معرفة قواعد ومعرفة تطبيقات ومعرفة أمثلة، ولأجل ذلك اهتم به العلماء المتقدمون والمتأخرون، وألفوا فيه مؤلفات خاصة لا يمكن أن تذكر في مثل هذه الحلقات العامة.

    لا بد أن تبدأ من أوائله وقواعده وشروطه ونحوها، تبدأ من أوله، فالذي يريد معرفته عليه أن يأخذ فكرة عن كيفية ابتدائه وكيفية تطبيقه، والشروط التي تشترط له، ولكن كتب الفقه والأحكام اقتصرت في علم الفرائض على مهمات المسائل.

    1.   

    موانع الإرث

    ذكروا أن للتوارث ثلاثة شروط، وأن له ثلاثة أركان، وله ثلاثة أسباب، وله ثلاثة موانع، وقد توسعوا فيها كلها، ولا نحب أن نبحث فيها لطولها، وإنما نذكر الموانع التي ذكر في الحديث بعضها.

    فالموانع التي تمنع الإرث: الرق، والقتل، واختلاف الدين.

    المانع الأول: الرق

    فالرق: هو العبودية، والرقيق: هو المملوك الذي ليس له تصرف في نفسه بل ملكيته لسيده الذي يملكه، فهذا لا يرث ولا يورث؛ لأنه ليس له مال، ولأنه لو ورث من أبيه الحر لأخذ ذلك المال سيده، وسيده ليس بينه وبين عصبة أبيه قرابة.

    المانع الثاني: القتل

    إذا قتل إنسان قريبه حرم من ميراثه، ولو كان القتل خطأً؛ وذلك سداً للذريعة حتى لا يعمد أحد إلى قتل قريبه لأجل أن يرثه، فيتخذ القتل وسيلة لإرث قريبه حتى يأخذ المال.

    ومشهور أن رجلاً من بني إسرائيل كان عمه ثرياً كثير المال، وكان له ابنةً واحدة، وليس يرثه إلا ابن أخيه وابنته، فخطب ابنة عمه فرفض عمه أن يزوجه بها فقال: سأقتل عمي وآخذ ماله وأتزوج ابنته، فعند ذلك قتله، وهو الذي نزل فيه قصة البقرة التي أمرهم الله بذبحها، فقاموا بعد تردد بذبح البقرة، فأخذ موسى عضواً من أعضائها فضرب به ذلك الميت فحيي وقال: قتلني ابن أخي، ثم عاد ميتاً، فمن ثم حرم القاتل من الميراث حتى ولو لم يكن متعمداً.

    وكذلك حوادث السيارات إذا كان الذي يقودها له نسبة من الخطأ ولو قليله، ومات معه أحد أقاربه لم يرث منه، أما إذا كانت نسبة الخطأ كلها على الطرف الثاني؛ فإنه يرث ممن مات معه من أقاربه، أما لو كان متسبباً ولو بجزء قليل من الخطأ، مثل أن يكون على هذا ثمانون في المائة من الخطأ وعليه هو عشرون في المائة، فما دام أن عليه عشرين في المائة فإنه محروم من ميراث من مات معه من أقاربه، أما إذا لم يكن له نسبة، بل الخطأ على الطرف الثاني كله فلا يمنع من الإرث.

    المانع الثالث: اختلاف الدين

    من المعلوم أن من موانع الإرث: اختلاف الدين، وقد جاء في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم لما افتتح مكة سنة ثمان قال له أسامة بن زيد : (أين تنزل غداً في مكة؟ فقال: وهل ترك لنا عقيل من رباع، ثم قال: لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم).

    بيان ذلك أن عقيل بن أبي طالب وهو أخو علي بن أبي طالب لما مات أبو طالب لم يرثه إلا عقيل ، ولم يرث منه علي ولم يرث منه جعفر ؛ لأنهما مسلمان، وعقيل باق على كفره فهو الذي ورث أباه أبا طالب.

    قول أسامة : (أين تنزل غداً؟ فقال: وهل ترك لنا عقيل من رباع) الرباع: البيوت والرحبات التي حولها، والأماكن التي كان يملكها أبو طالب ، فورثها بعده عقيل بن أبي طالب واستبد بها، وأسلم وهي له ولم يرث غيره أحد من إخوته.

    فدل هذا على أن الكافر لا يرث المسلم ولا المسلم يرث الكافر، فإذا مات ميت كافر فإن ميراثه لقرابته الكفار، فإذا لم يكن له قرابة من الكفار فميراثه لبيت المال ويعتبر فيئاً، وكذلك لو مات رجل مسلم وأقاربه كلهم كفار فماله لبيت المال، لا يعطى أقاربه الذي ليسوا على دينه من ماله شيئاً؛ وذلك لأن الإسلام فرق بين المسلم والكافر، وجعل كلاً منهما بعيد الصلة عن الآخر، قال الله تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [التوبة:71] فجعل الولاية للمؤمن على المؤمن، وقال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ [الأنفال:73] أي: لا توالوا الكفار بل اجعلوا ولايتهم فيما بينهم، لا تجعلوا ولاية لكم عليهم؛ لأنه لا ولاية ولا قرابة بين مسلم وكافر، فمن آثار قطع الولاية أنهم لا يتوارثون حتى ولو كانوا مجتمعين في بيت واحد أو في بلد واحد.

    والكفر هنا هو كل عمل يخرج صاحبه من الإسلام، ولو لم يكن على ملة، فالنصراني الذي أبواه مسلمان لا يرث منهما؛ وذلك لاختلاف الدين، وكذلك لو كان بوذياً وأبواه مسلمان؛ فإنه لا يرثه أبواه ولا يرث هو من أبويه.

    وهكذا الديانات أو العقائد الفاسدة مثل: النصيرية الموجودة في سوريا وغيرها، لا شك أنهم كفار فلا يتوارثون مع المسلمين ولو كانوا أقارب لهم.

    والقاديانية: وهم يوجدون بكثرة في الهند وفي باكستان ونحوها، لا شك أنهم كفار، فلا يتوارثون مع أقاربهم المسلمين.

    الدروز: وهم يوجدون في لبنان وسوريا، لا شك أنهم كفار، فلا يتوارثون مع أقاربهم المسلمين.

    وكذلك الباطنية: والباطنية يقول فيهم العلماء: ظاهرهم الرفض وباطنهم الكفر المحض، فلا يتوارثون مع أقاربهم المسلمين.

    وإذا حكمنا بكفر أهل ملة فإننا نقطع الصلة بينهم وبين أقاربهم، فإذا حكمنا مثلاً بكفر تارك الصلاة المصر على تركها المعاند فيها، الذي لا يصلي أصلاً لا وحده ولا مع جماعة قلنا: لا يرثه أقاربه ولا يرث من أقاربه بل يكون ماله لبيت المال، وإن كنا نحكم بأنه إذا كان كذلك يصير مرتداً، والمرتد لا يقر على ردته، بل يستتاب فإن رجع وإلا قتل.

    وكذلك العقائد السيئة التي يكفر بها، وقد ذكر العلماء من العقائد التي يكفر بها: عقيدة الجهمية الذين يبالغون في تحريف القرآن في باب الصفات، وكذلك الذين يقولون بالجبر والإرجاء ونحوها، هؤلاء كثير من العلماء يكفرونهم ويخرجوهم من الإسلام، وعلى هذا فلا يتوارثون مع المسلمين.

    وكذلك أيضاً غلاة الرافضة لا شك أنهم كفار، الذين يطعنون في القرآن، أو يطعنون في أجلاء الصحابة الذين نقلوا لنا الدين ويكفرونهم، أو كذلك الذين يشركون ويدعون غير الله تعالى في الشدائد والملمات ونحوها يكفرون، وعلى هذا فلا يتوارثون مع أقاربهم من المسلمين.

    فعرفنا بذلك أن الإسلام حث أهله على أن يوالوا كل مسلم ولو كان بعيداً في النسب، ويقاطعوا كل كافر ولو كان قريباً في النسب.

    1.   

    حكم بيع الولاء وهبته

    قال المؤلف رحمه الله: [عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الولاء وهبته) .

    وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان في بريرة ثلاث سنن: خيرت على زوجها حين عتقت، وأهدي لها لحم، فدخل عليّ رسول صلى الله عليه وسلم والبرمة على النار، فدعا بطعام فأتي بخبز وأدم من أدم البيت، فقال: ألم أر البرمة على النار فيها لحم، قالوا: بلى يا رسول الله، ذلك لحم تصدق به على بريرة ، فكرهنا أن نطعمك منه، وقال: هو عليها صدقة وهو منها لنا هدية، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها: إنما الولاء لمن أعتق)].

    قوله: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الولاء وهبته)، الولاء هنا: ولاء العتاقة، ورد في بعض الأحاديث: (الولاء لحمة كلحمة النسب، لا يباع ولا يوهب ولا يورث) ، والمراد به أن الرجل إذا كان يملك عبداً فأعتقه، فذلك العبد العتيق يصير مولىً لذلك المعتق، وكأنه أحد أسرته وأحد أقاربه، ينتمي إلى تلك القبيلة التي هي قبيلة المعتق، وينتسب إليهم، ويكون كأحد أفرادهم، فلا يجوز أن تباع قرابته ولا أن توهب ولا أن تورث، بل تصير منة المعتق عليه أنه يلحق بنسبه ويكون كأحد أفراد النسب، هذا المراد بالولاء.

    ولهذا شبه بالنسب: (لحمة كلحمة النسب)، والنسب لا يجوز أن يباع ولا يجوز أن يوهب، فلو أن إنساناً مثلاً من قبيلة مشهورة أراد أن يخرج عن هذه القبيلة ويقول: أنا أبرأ من هذه القبيلة، وأنا أنتسب إلى قبيلة أخرى، كما لو كان مثلاً من قبيلة تميم وأراد أن ينتسب إلى غطفان، هل يجوز له ذلك؟ لا يجوز، هل يجوز لبني تميم أن يبيعوا واحداً منهم، ويقولون: نبيعكم يا غطفان، نبيعكم يا بني حنظلة، نبيعكم يا رباب هذا الرجل الذي كان منا ويكون واحداً منكم وينتسب إليكم؟ نقول: هذا أيضاً لا يجوز.

    فإذا لم يجز بيع النسب فكذلك بيع الولاء.

    يقول: (نهى عن بين الولاء وهبته) البيع: أخذ العوض على المبيع، والهبة: الهدية بلا عوض أو بلا عوض مسمى.

    بمعنى أنه لا يجوز للمعتق أن يقول لإنسان أجنبي: بعتك قرابتي من هذا العبد الذي أعتقته بكذا وكذا، أو أهديتك قرابتي منه أو ولايتي منه، كما لا يجوز أن يبيع أولاده، فلا يجوز أن يقول: بعتك ولدي هذا، أو قرابتي من هذا الولد، أو أهديتك قرابتي من هذا الولد، أو قرابتي من هذا الأخ أو من هذا العم، أو نحو ذلك.

    كما لا يجوز للرجل أن ينتسب إلى غير أبيه، ولا يتولى غير مواليه، هكذا ورد في بعض الأحاديث: (نهى أن ينتسب الرجل إلى غير أبيه، أو يتولى غير مواليه)، مواليه: هم الذين أعتقوه، وقد أخبر الله تعالى بأن العتق نعمة، قال الله تعالى: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ [الأحزاب:37] يعني: أن زيد بن حارثة أنعم الله عليه بالإسلام وأنعمت عليه بالعتق، فجعل إعتاقه وتحريره نعمة، فالسيد إذا أعتق عبده أصبح ذلك العبد يملك نفسه ويتصرف في نفسه، ولكن لسيده الذي أعتقه عليه الولاء، بحيث إنه يواليه وينتسب إليه وينصره، ويصير كأنه فرد من أفراد أسرته، هذا هو الولاء الذي هو ولاء العتاقة، وهو أيضاً من أسباب الميراث، يقول الرحبي :

    أسباب ميراث الورى ثلاثه كل يفيد ربه الوراثه

    وهي نكاح وولاء ونسب ما بعدهن للمواريث سبب

    فجعل الولاء سبباً من أسباب الإرث، ومعناه: أنه يرث عبده الذي أعتقه، إذا لم يكن للعتيق أحد من أقاربه من النسب، فإنه يرثه حينئذٍ معتقه أو عصبة معتقه من الرجال، فإذا مات هذا العتيق فإن كان له أولاد أو إخوة أو أعمام أو بنو عم ورثوه، فإذا لم يكن له أحد من هؤلاء فلمن يكون ماله؟ يكون لمعتقه.

    المعتق: هو الذي أنعم عليه فهو أحق بتركته يرثه كما يرث بالنسب؛ لأجل أن النبي صلى الله عليه وسلم شبهه بالنسب: (الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب).

    1.   

    الولاء لمن أعتق

    في الحديث الثاني: قصة بريرة وكانت أمة مملوكة ولكنها أعتقت؛ وذلك لأنها مملوكة لقوم من قريش، فاشترت نفسها منهم بثمن مؤجل، وأرادت أن تشتغل حتى تؤدي ثمنها، فجاءت إلى عائشة تطلب منها أن تعينها في دفع الثمن، وعرفت عائشة فيها الأهلية والكفاءة والحذق فاختارت أن تعينها على العتق، فقالت: أنا أدفع لك كامل الثمن لتعطيه مواليك ويكون الولاء لي، يعني: أنا أدفع لهم الثمن فكأنهم باعوكِ لي وأعطيتهم الثمن، ولكن يكون الولاء لي، الولاء الذي هو الانتساب، ولكن أولئك الذين كانوا يملكونها أصروا أو امتنعوا إلا أن يكون الولاء لهم، يريدون أن يأخذوا الثمن، ومع ذلك يكون الولاء لهم.

    حكم اشتراط الولاء لغير المعتق

    فلما علم بذلك النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأن هذا خلاف شرع الله وخلاف حكم الله، وأن الولاء لمن أعتق، فقال: (ما بال رجال يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله، كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، قضاء الله أحق وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق)، فأصبحت هذه قاعدة من القواعد الشرعية: الولاء لمن أعتق.

    الولاء: هو ولاء العتاقة، يعني: العتيق يوالي من أعتقه وينتسب إليه، ولا يكون لغير من أعتق؛ وذلك لأنه مقابل هذه النعمة.

    السنن المستفادة من قصة بريرة

    ذكرت في هذا الحديث أن في بريرة ثلاث سنن:

    السنة الأولى: أنها خيرت لما عتقت بالبقاء مع زوجها المملوك فاختارت نفسها، وقد كان لها زوج يقال له: مغيث ، فلما عتقت كانت بلا شك أفضل منه؛ لأنها حرة وهو عبد، فعند ذلك خيرت، قيل لها: أتختارين البقاء مع زوجكِ، أم تختارين فراقه؟ فقالت: لا أريده، ولا رغبة لي فيه، فأصبح ذلك سنة، أن الأمة إذا كانت زوجة لمملوك فعتقت فإنها تخير، إما أن تختار البقاء تحت ذلك العبد، وإما أن تختار التحرر وعدم البقاء معه، فتطلق منه إذا اختارت.

    أما إذا كان زوجها حراً فلا خيار لها؛ وذلك لأنها تصبح مثله، هو حرٌ وهي قد أصبحت حرة، قد كانت مملوكة قبل ذلك ثم أعتقت وزوجها حرٌ فليس لها اختيار، بل تبقى في عصمته، ولا تقدر على أن تخلص نفسها، بخلاف المملوك، فإنها تخلص نفسها منه، إن شاءت بقيت وإن شاءت تحررت وطلقت، يقولون: عتقها طلاق لها إذا شاءت.

    أما السنة الثانية: فهي أنه صلى الله عليه وسلم دخل مرة فدعا بطعام، فأتوه بشيء من طعام البيت من خبز وإدام من خلٍ أو نحوه، وكان قد رأى على النار برمة فيها لحم، فقال: (ألم أر البرمة على النار فيها لحم؟ فقالوا: بلى، ولكنه صدقة)، أي: وأنت لا تأكل الصدقة.

    كان الطعام صدقة تصدق به على بريرة ؛ لكونها مملوكة أو لكونها كانت أمة، فهذه صدقة تصدق به عليها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (قربوه فهو لها صدقة ولنا هدية)، أي هو عليها صدقة لكونها تستحق الصدقة، ولكن الصدقة قد بلغت محلها فكأنها أهدته إليه، فأكل منه عليه الصلاة والسلام.

    فمعروف أنه صلى الله عليه وسلم ما كان يأكل الصدقة بل يأنف منها ويقول: (إن الصدقة لا تحل لبني هاشم، وإنما هي أوساخ الناس)، سواء كانت صدقة فرض كالزكوات أو صدقة تطوع، بل كان لا يأكل منها أحد من بني هاشم ولا من أقاربه، ولكنه كان يقبل الهدية، فهذا اللحم هدية أهدي إليه صلى الله عليه وسلم، كأنها لما تصدق به عليها لم تكن تأكل ذلك اللحم كله، فأعطته لأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، فقبله وصار هدية فأكل منه.

    السنة الثالثة: أن الولاء لمن أعتق؛ فهذه ثلاث سنن في هذه المملوكة التي تحررت وأصبحت مولاة لـعائشة.

    وبكل حال الشاهد: أن الولاء الذي هو قرابة سببه نعمة المعتق على عبده بالعتق، فإنه يرثه هو أو عصبته الذين هم الرجال دون النساء، فإذا مات العتيق ولم يكن له أقارب ورثه المعتق، فإذا لم يكن هناك معتق، ورثه أولاد المعتق أو إخوة المعتق أو أقارب المعتق ويكونون أحق به؛ لكونه منسوباً إليهم، وهكذا مثلاً لو انقطع نسب المعتق، المعتق الذي من بالعتق، وليس له وارث إلا عبده الذي أعتقه فإنه يرثه؛ وذلك لقوة الصلة بينهما، هذا هو القول الراجح الصحيح، وهذا هو مناسبة ذكر الحديث في الفرائض.

    1.   

    الأسئلة‏

    حقيقة الرافضة وسبب انخداع كثير من الناس بهم

    السؤال: يوجد مجموعة من المتكلمين في هذه الأزمنة يقولون: إنه ليس ثمة فروق بيننا وبين الرافضة، وإنما الفرق بيننا وبينهم هو بمقدار شيء ضئيل، وقد انطلى هذا القول على كثير من الناس، ومع أن الذي ندين الله به أن الفرق بيننا وبينهم كما هو الفرق بين الكفر والإسلام، فما هو رأي الشرع في ذلك، وفيما يقوله هؤلاء المتكلمون؟

    الجواب: هذا قول خاطئ؛ وذلك لأنهم انخدعوا بالرافضة، انخدعوا بهم لما يرون مثلاً من سلاسة أقوالهم، ومن تحسين أخلاقهم، ومن لين كلامهم، ومن ملاطفتهم لغيرهم، ومن وفائهم مثلاً بالعهود، ومن إظهارهم للأمانة، ومن إظهار نصحهم للولاة ونحو ذلك.

    وكذلك من حسن معاملتهم في البيع والشراء، وإظهارهم للأمانة فيما ائتمنوا عليه ونحو ذلك، فيقولون: هذه الأخلاق لا يمكن أن يتحلى بها الكفار، فدل على أنهم مسلمون.

    نقول: هذه الأخلاق قد يتحلى بها الكفار، فالكفار قبل الإسلام فيهم من هم أهل صدق وأهل كرم وأهل وفاء وأهل عهود وأهل أمانة وأهل سخاء، فلا يستبعد أن يتخلق الرافضة بهذه الأخلاق، وقصدهم من التخلق بها أن يستميلوا أكثر الناس، وأن يخدعوا أغلب الناس بأن يقولوا: نحن نتحلى بأخلاق المسلمين ونحن نتأدب بآداب القرآن، ونحن نعمل بتعاليم الدين فنحن من أهل هذا الدين، هذا هو ما يظهرونه.

    ومعلوم أنهم يظهرون لأغلب الناس أنهم معهم، وأنهم ينطقون بلا إله إلا الله، محمد رسول الله، وأنهم قد يصلون معهم إذا اضطروا إلى ذلك، وأنهم يسمعونهم قراءة القرآن وما أشبه ذلك؛ فهم يخدعون كثيراً من الناس، مع أنهم في الحقيقة منافقون.

    ومعلوم أن المنافقين الذين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يغزون مع المسلمين، ويتصدقون مع المسلمين، ويصلون معهم في مسجدهم، ولكن كما قال الله: وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ [البقرة:14]، فهذا معتقد الرافضة في هذه الأزمنة، كانوا قبل ثلاثين سنة أو نحوها أذلة، فلم يكونوا يظهرون شيئاً من معتقداتهم، ولكن نشطوا في الأزمنة المتأخرة فأظهروا شيئاً من معتقداتهم، والآن قد بنوا لهم مساجد خاصة يسمون الواحد حسينية، وصاروا يتعبدون فيها، وإذا دخل معهم أهل السنة يصلون فيها أخرجوهم وقالوا: هذا مسجدنا، ولا يخالطون المسلمين في مساجدهم، بل لا يعترفون بإمام من أهل السنة ولا يستبيحون أن يصلوا خلف واحد منا، ويعتقدون أن الصلاة لا تصح إلا خلف من هو معصوم، فأئمتنا وخطباؤنا وعلماؤنا عندهم لا تصح الصلاة خلفهم؛ لأنهم ليسوا من المعصومين، فهم يكفرون من ليس على طريقتهم، هذا مشهور عنهم وأمر ظاهر، ودليل ذلك أنهم حتى في غير بلادهم التي هي في الأصل الأحساء وفي القطيف، لكن الآن تمكنوا في أماكن كثيرة في الدمام وفي الخبر، بل وتمكنوا كذلك في الرياض وفي الحجاز ونحوها.

    فلا جرم في أنهم صاروا يداهنون أحياناً، ولكن الغالب أنهم يظهرون ما هم عليه، فتجدهم لا يصلون في مساجد المسلمين في تلك البلاد.

    على كل حال الفرق ظاهر، هذا من حيث الظاهر، أما الباطن فأمره أجل وأجل؛ وذلك لأنهم يعتقدون كفر أهل السنة، بل يتمنون أن يتمكنوا من كل سني فيقضون على حياته، وكذلك حقدهم على الصحابة وبغضهم لكل الصحابة ونيلهم منهم، وتمنيهم أن يتمكنوا من لعنهم وشتمهم علناً، وقد ذكر لنا بعض الإخوان أنهم في يوم عاشوراء هذه السنة أعلنوا بدعتهم، وصاروا يصفقون في الأسواق بشتم الصحابة وبلعن وسب أبي بكر وعمر ، وأكثر الصحابة الذين خانوا في زعمهم، وأخذوا الولاية من صاحبها، أعلنوا ذلك في هذه السنة، وإن كانوا من قبل في السنوات الماضية يتسترون.

    فعلى هذا لا شك أن الفرق كبير بيننا وبينهم، وقد ذكرنا أن المسائل التي يُكفّرون بها ثلاث:

    أولاً: طعنهم في السنة، وذلك أنهم إذا طعنوا في الصحابة فالسنة كلها مكذوبة ولو كانت في الصحيحين، لأنهم هم الذين نقلوها لنا.

    ثانياً: طعنهم في القرآن، إذا كان الصحابة كفرةً فالقرآن الذي نقلوه لنا مطعونٌ فيه.

    ثالثاً: غلوهم في علي حتى جعلوه مع الله إلهاً يملك الضر والنفع، وصاروا يدعونه ويدعون أولاده ويعبدونهم من دون الله.

    حكم توريث العلمانيين والحداثيين مع المسلمين

    السؤال: هناك طوائف ظهرت في هذا الزمان ليست يهوداً ولا نصارى، ولكنهم علمانيون وحداثيون، فهل يورثون إذا توفي قريب لهم؟

    الجواب: لا بد أن نبحث عن معتقدهم، وأن نتحقق من عملهم أنهم على معتقد مكفّر، فمثلاً عقيدة من يسمون بالبعثيين عقيدة سيئة تئول إلى الكفر، وهي التي يعتقدها ويعتنقها حاكم العراق وغيره، لاشك أنها مكفرة ولا نطيل في شرح معتقدهم.

    كذلك أيضاً العلمانيون عقيدتهم أن الدين اختياري، وأن الإنسان مخير له أن يختار ما يشاء، وما يقدر عليه من أمور الدين والدنيا، ولا حرج عليه إذا ترك عبادة وفريضة وركناً من أركان الإسلام ونحو ذلك، وأن الدين ليس له علاقة بالدنيا، فمثل هذا إذا كان يعتقد اعتقاداً جازماً وصرح بذلك حكم بكفره، ولن يرث من أهله المسلمين، أما إذا كان يتهم بذلك لمجرد عمل فقد لا يكون ذلك العمل صادراً عن عقيدة، وإنما هو عن تأويل، أو عن تساهل وتكاسل.

    مدة صناعة الجيران الطعام لأهل الميت

    السؤال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا لآل جعفر طعاماً، فقد أتاهم ما يشغلهم) أو كما قال صلى الله عليه وسلم، السؤال: كم عدد الأيام التي يصنع لأهل المصاب الطعام، حيث جرت العادة بثلاثة أيام، والبعض يرى يوماً، بل وقال آخرون: الحديث مطلق ولم يقيد عدد الأيام، فما رأي فضيلتكم؟

    الجواب: ذكر الفقهاء أنه لا يتجاوز ثلاثة أيام؛ لأن الغالب أن الحزن يكون في هذه الأيام وأن أهل المصاب يبقى معهم الحزن والأسف على ميتهم وحر المصيبة ثلاثة أيام، وبعدها يتسلون ويخف أثر المصيبة، ففي هذه الثلاثة لا بأس أن يصنع لهم جيرانهم أو أصدقاؤهم طعاماً، حيث إنهم فيها مشغولون رجالاً ونساء عن الاهتمام بإصلاح الطعام، فلا مانع من ثلاثة أيام، أما بعدها فيتوقف.

    حكم التسمية للوضوء داخل الحمامات

    السؤال: تكون المغسلة في بعض المنازل داخل الحمام -أكرمكم الله- فكيف تكون التسمية لمن أراد الوضوء؟ وهل تكون سراً، أرجو التوضيح جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: ورد في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال: (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) ومحل التسمية عندما يريد أن يغسل وجهه، يقول: باسم الله، لكن المعلوم أنه لا يجوز رفع الصوت باسم الله في ما يسمى بالمراحيض التي هي أماكن قضاء الحاجة، والتي هي أماكن النجاسات، فتنزه أسماء الله أن تذكر في تلك الأماكن المستقذرة، ولو كانت في هذه الأزمنة مبلطة ونظيفة، لكن لما كانت محلاً لإلقاء النجاسات نزّه اسم الله عن ذكره فيها.

    إذاً بعض المشايخ يقولون: يكتفي بالتسمية عند الدخول، عندما يريد أن يقدم رجله اليسرى داخلاً يقول: (باسم الله، أعوذ بالله من الخبث والخبائث، ومن الرجس النجس الشيطان الرجيم) كما ورد ذلك في بعض الأحاديث، فتكفيه هذه التسمية.

    وبعضهم يقول: لا تكفيه، ولكن يسمي بقلبه، إذا أراد أن يتمضمض ويستنشق ويغسل وجهه سمى، ولكن لا يجهر بل بقلبه أو سراً.

    وبعضهم يقول: بل إذا استنجى وستر عورته وابتدأ الوضوء، فإنه لا بأس أن يسمي؛ وذلك لأنه مأمور بأن يذكر اسم الله في هذه الحال، ولقول عائشة : (كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه).

    والمختار أن يستنجي في محل قضاء الحاجة ثم يخرج إلى المغسلة خارجة ويكمل وضوءه ويسمي، هذا هو الأحسن.

    حكم من أحيا أرضاً دون إذن من الدولة

    السؤال: لدي أرض وأحييتها بإجراء الماء فيها، وحفرت فيها بئراً وأخرجت منه الماء، فهل يكون لي فيها حق شرعاً، مع العلم أن إحياء الأراضي في هذا الوقت ممنوع وموقف من قبل الدولة، أرجو الإفادة عن هذا الأمر وفقكم الله؟

    الجواب: من العلماء من اشترط إذن الإمام في الإحياء، فقال: إن الإحياء لا بد أن يكون مأذوناً فيه من الدولة أو من رئيس الدولة؛ وذلك سداً للنزاعات وردعاً عن الخصومات، فعلى هذا لا يحصل الإحياء إلا بإذن من الدولة، وهذا هو الذي اصطلحوا عليه في هذه الدولة.

    ومن العلماء من يقول: إنه يملكها بالإحياء مطلقاً، والدولة لا تمنع من ذلك إذا لم يكن هناك من ينازعه، ولم يكن فيها خصومة ولا حق لأحد يكون قد سبقه إليها؛ فإنه أحق بها؛ لعموم الأدلة (من أحيا أرضاً ميتة فهي له).

    صفة من يدفع الله بهم البلاء عن الأمة

    السؤال: سمعت طلبة العلم يقولون: إن العلماء هم الذين عصموا الناس من الهلكة، أو كانوا سبباً لعصمة الناس من الهلكة، فهل هذا صحيح؟

    الجواب: ليس بصحيح مطلقاً، بل الذين يدفع الله بهم العذاب هم العباد، وكذلك الضعفاء ونحوهم، ورد في حديث مرفوع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لولا شيوخ ركع وبهائم رتع وأطفال رضع، لصب البلاء عليكم صباً)، فجعل من جملة الذين يدفع الله بهم البلاء: الشيوخ الركع، والمراد بالشيوخ: المسنون، يعني: كبار السن الذين اشتغلوا بالعبادة، وأجل العبادة الصلاة التي يركعون فيها ويسجدون، فهؤلاء يدفع الله بهم البلاء، فلو لم يكن الشيوخ الركع والأطفال الرضع والبهم الرتع لصب من فوقنا العذاب صباً.

    فنحن نقول: على المسلمين جميعاً أن يتقوا الله وأن يعبدوه وأن يخافوه وأن يشتغلوا بطاعته سبحانه.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3038747125

    عدد مرات الحفظ

    729201788