إسلام ويب

شرح أخصر المختصرات [83]للشيخ : عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من الأحكام الشرعية حكم اليمين وحكم النذر، واليمين لا تنعقد إلا إذا كانت بالله أو بصفة من صفاته، وأما ما يترتب عليها من البر والحنث والكفارة وغيرها فقد بينها الفقهاء. وأما النذر فمكروه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل، وفي باب النذر أحكام وتقسيمات مختلفة كما هو مبين عند العلماء.

    1.   

    كتاب الأيمان

    ذكر المؤلف بعد الصيد كتاب الأيمان، ومناسبته أن الأيمان يحتاج إليها في الشهادات وفي القضاء، ويحتاج إليها أيضاً في إثبات الحدود كحد الزنا وحد القذف وحد الشرب، فيحلف المتهم مثلاً ويبرأ؛ ولذلك ذكروها هنا .

    معنى اليمين

    قال المصنف رحمه الله: [باب الأيمان:‏

    تحرم بغير الله، أو صفة من صفاته، أو القرآن، فمن حلف وحنث وجبت عليه الكفارة. ‏

    ولوجوبها أربعة شروط:‏

    قصد عقد اليمين، وكونها على مستقبل، فلا تنعقد على ماضٍ كاذباً عالماً به وهي الغموس، ‏ولا ظاناً صدق نفسه فيبين بخلافه، ولا على فعل مستحيل، وكون حالفٍ مختاراً، وحنثه بفعل ما ‏حلف على تركه، أو ترك ما حلف على فعله غير مكره أو جاهل أو ناس.

    ويسن حنثٌ ويكره برٌ إذا كانت على فعل مكروه أو ترك مندوب، وعكسه بعكسه.‏

    ويجب إن كانت على فعل محرم، أو ترك واجب، وعكسه بعكسه.‏

    فصل: وإن حرم أمته أو حلالاً غير زوجة لم يحرم، وعليه كفارة يمين إن فعله.‏

    وتجب فوراً بحنث، ويخير فيها بين إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم كسوةً تصح بها ‏صلاة فرض، أو عتق رقبة مؤمنة، فإن عجز كفطرة صام ثلاثة أيام متتابعة.

    ومبنى يمين على العرف، ويرجع فيها إلى نية حالف ليس ظالماً -إن احتملها لفظه- كنيته ببناء ‏وسقف السماء.

    فصل: النذر مكروه، ولا يصح إلا من مكلف، والمنعقد ستة أنواع:‏

    المطلق: كلله علي نذر إن فعلت كذا. ولا نية، فكفارة يمين إن فعله.‏

    الثاني: نذر لجاج وغضب، وهو تعليقه بشرط يقصد المنع منه أو الحمل عليه، كإن كلمتك فعلي ‏كذا، فيخير بين فعله وكفارة يمين.‏

    الثالث: نذر مباح، كلله علي أن ألبس ثوبي، فيخير أيضاً.

    الرابع: نذر مكروه كطلاق ونحوه فالتكفير أولى.

    الخامس: نذر معصية، كشرب خمر، فيحرم الوفاء، ويجب التكفير.

    السادس: نذر تبرر، كصلاة وصيام واعتكاف بقصد التقرب مطلقاً، أو معلقاً بشرط، كإن شفى الله ‏مريضي فلله علي كذا، فيلزم الوفاء به.‏

    ومن نذر الصدقة بكل ماله أجزأه ثلثه، أو صوم شهر ونحوه لزمه التتابع، لا إن نذر أياماً معدودةً.‏

    وسن الوفاء بالوعد، وحرم بلا استثناء].

    الأيمان جمع يمين، ويقال له: القسم، قال الله تعالى : وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ [الأنعام:109] أي : اجتهاداً في أيمانهم .

    ولماذا سميت يميناً؟ لأن المتحالفين يتقابلان بيديهما، كل واحد يمد يمينه ويمسك يد الآخر اليمنى ويقول :

    أحلف بالله إنني ما قتلت أباك، أو ليس عندي لك أو ما أشبه ذلك، فلما كانت تقبض باليد اليمنى سموا الحلف نفسه يميناً، هذا سبب التسمية، ومعنى حلف أي: أقسم، وسمي قسماً لأنه يصير قِسماً أو قسيماً له.

    حكم الحلف بغير الله

    الحلف هو الحلف بالله أو بصفة من صفاته أو بالقرآن، أما الحلف بغير الله فحرام، جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك)، فيحرم الحلف بغير الله، وقال : (لا تحلفوا بآبائكم، من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت)، فلا يجوز الحلف بالأب، فلا يقول: بأبي، ولا يحلف بنفسه، فلا يقول : بحياتي، ولا بحياتك يا فلان، أو بحياتك يا فلانة، ولا يحلف بشرفه فلا يقول: بشرفي، أو بنسبي، أو بأبي، أو بأبوي، أو بتربة أبوي، أو بقبر والدي، فإن هذا شرك، لماذا ؟ لأنه تعظيم للمحلوف به، ولا يجوز تعظيم غير الله، فالتعظيم الذي في الحلف لا يكون إلا لله، (من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت).

    يجوز الحلف بصفات الله كأن يحلف بيمين الله، أو بوجه الله، أو بعزة الله، أو بعلم الله، أو بكلام الله، ويجوز الحلف بالقرآن لأنه كلام الله، فإذا قال: وكلام الله أو والقرآن الكريم انعقدت يمينه .

    يقول: من حلف وحنث وجبت عليه الكفارة، والحنث مخالفة ما حلف عليه، والحنث حرام إلا إذا كفره، قال الله تعالى : وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ [الواقعة:46] ويسمى الحنث فجوراً، فمن حلف وهو كاذب سمي فاجراً، فمن حلف وحنث فقد ارتكب ذنباً وعليه كفارة تمحو ذلك الذنب الذي حلف عليه.

    1.   

    شروط وجوب الكفارة

    ذكر أهل العلم لوجوب الكفارة أربعة شروط :

    الشرط الأول: قصد عقد اليمين

    الشرط الأول : قصد عقد اليمين، قال الله تعالى : لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ [البقرة:225] وفي آية أخرى : وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ [المائدة:89]، فأما لغو اليمين فإنه يعفى عنه، وذلك مثل ما يجري على الألسن من غير عقد يمين في أدنى الكلام، يقول : لا والله، بلى والله، ولم يعقد على ذلك قلبه ولا قصده، أو حلف يعتقد صدق نفسه، فهذا لغو، لا كفارة فيه، (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم).

    أما إذا كان قاصداً عازماً على اليمين فإنه يكفر، فلو قال مثلاً : والله لا أركب مع فلان وهو عازم، فركب معه فعليه كفارة اليمين، والله لا أكلم فلاناً، وجبت عليه الكفارة إذا كلمه، والله لا أدخل هذا البيت، ثم دخله وجبت عليه الكفارة، والله لا آكل من هذا الطعام، وجبت عليه الكفارة إن أكل، وكذلك في الإثبات إذا قال: والله لأضربن فلاناً، والله لأسافرن هذا اليوم وأشباه ذلك، فإذا لم يفعل فعليه الكفارة، هذا الشرط الأول.

    الشرط الثاني: أن تكون اليمين على مستقبل

    الشرط الثاني: كون اليمين على فعل مستقبل، فإذا قال مثلاً: والله لا أدخل هذا البيت، ولا ألبس هذا الثوب، ولا أشتري هذا الطعام، فإذا فعل فإنه يكفر؛ لأن هذه أمور مستقبلة، أو يقول : والله لأسافرن اليوم، أو أسافر غداً، في هذه الحال عليه كفارة إذا حنث، ولا كفارة حتى يحنث.

    حكم اليمين الكاذبة والحلف على مستحيل

    لا تنعقد اليمين على أمرٍ ماض، وهو كاذب عالم بكذبه، وهي اليمين الغموس، وقد جاء في الحديث: (من حلف على يمين ليقتطع بها مال امرئ مسلم -يعني: يأخذ بها ما لا يحل له - لقي الله وهو عليه غضبان)، وفي حديث آخر قيل: وإن كان شيئاً يسيراً يا رسول الله ؟ قال: (وإن كان قضيباً من أراك) أي: عود سواك، فهذه هي اليمين الغموس، ومثلها أيضاً إذا حلف كاذباً وهو يعلم كذب نفسه، فهو يحلف أنه ما قتل فلاناً وهو الذي قتله، أو حلف أنه ما أخذ ماله وهو يعرف أنه أخذه، أو حلف أنه ما دخل بيته أو ما ركب سيارته أو ما أخذها أو ما رآها وهو كاذب في ذلك، فهذه هي اليمين الغموس.

    لماذا سميت غموساً؟ لأنها تغمس صاحبها في الإثم ثم في النار، وفي هذا الحديث: (لقي الله وهو عليه غضبان)، أما لو حلف وهو يظن صدق نفسه فتبين بخلافه فلا كفارة، فإذا حلف: إن هذا كتابي، ويظن صدق نفسه لأنه يشبه أو حلف: إن هذا أخي، وهو يظن أنه أخوه وكان شبيهاً به، أو حلف: إن هذا متاعي أو إن هذا كيس فلان، وهو يعتقد أنه متاعه أو كيسه فتبين خلافه، فإنه والحالة هذه يعتقد صدق نفسه فلا كفارة عليه.

    كذلك إذا حلف على فعل مستحيل فلا كفارة عليه؛ لأنه يعرف كذب نفسه، فإذا حلف ليشربن ماء هذا الكوز، وليس فيه ماء، ففي هذه الحال لا يحنث؛ لأنه يعلم أنه مستحيل، وذكروا من المستحيل ما تستحيل قدرة الإنسان عليه، فلو حلف مثلاً أن يقلب هذا الإناء ذهباً أو يقلب هذا الماء لبناً، فهذا مستحيل، فلا تكون عليه الكفارة؛ لأنه يعلم أنه لا يقدر .

    الشرط الثالث: الإكراه في اليمين

    الشرط الثالث: أن يكون الحالف مختاراً، فيخرج المكره على الحلف، كأن يكرهه إنسان ويقول: أنت الذي أخذت هذا المال وسوف أقتلك إن لم تحلف، فيحلف ليتخلص من القتل ظلماً، أو أنت الذي شربت هذا الماء وهو لم يشربه ولكنه يخشى من التعذيب، فيحلف، وهكذا كل ما فيه إكراه لا تنعقد يمينه؛ لقوله تعالى : إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ [النحل:106].

    ولذلك ذكروا أن المكره لا إثم عليه، فلو أكره على شرب الخمر فلا يحد، أو أكرهت المرأة على الزنا فلا حد عليها، أو أكره على بيع ماله أو بذله فإنه لا ينعقد البيع لعدم اختياره، وكذلك لو أكره على دخول دار وكان قد حلف على ألا يدخل هذه الدار، فأمسكه قوم وأوثقوه وغلوه ودخلوا به، فإنه لا يحنث، أو حلف ألا يأكل من هذا الطعام ثم أكرهوه وقالوا : إن لم تأكل ضربناك أو قتلناك. فأكل لأجل التخلص، ففي هذه الحالة لا يحنث.

    الشرط الرابع: الحنث في اليمين

    الشرط الرابع: الحنث، وهو أن يفعل ما حلف على تركه، أو يترك ما حلف على فعله، كأن حلف ألا يأكل من هذا الطعام وأكل أو حلف ألا يلبس هذا الثوب ولبسه، أو حلف ألا يركب هذه السيارة وركبها، أو حلف ألا يكلم فلاناً وكلمه، هذا هو الحنث.

    وكذلك لو حلف على الترك ولم يترك، كأن حلف أنه لن يسافر هذا اليوم وسافر، أو حلف ألا يصلي في هذا المسجد شهراً وصلى فيه، ففي هذه الحال يحكم بحنثه، إلا إذا فعل ذلك مكرهاً، فحلف ألا يلبس ذلك الثوب وأكره وهدد حتى لبسه، أو حلف ألا يأكل من الطعام، وأكره وهدد حتى أكل منه، فإنه لا يحنث.

    وكذلك إذا كان جاهلاً كأ، حلف ألا يلبس الثوب ولبس ثوباً يعتقد أنه غيره، وتبين أنه هو، ففي هذه الحال لا يحنث؛ لأنه لم يتعمد، وهكذا لو حلف ألا يكلم فلاناً، ثم نسي فكلمه فلا شيء عليه، هذه هي شروط وجوب الكفارة .

    1.   

    أحوال الحنث في اليمين

    قوله: (يسن الحنث، ويكره البر إذا كان على فعل مكروه وترك مندوب، وعكسه بعكسه):

    ورد في حديث أبي موسى أنه جاء في غزوة تبوك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وطلب منه أن يحمله ويحمل قومه، فقال صلى الله عليه وسلم : (ما عندي ما أحملكم، ووالله لا أحملكم، ثم جاءته إبل من إبل الصدقة، فأرسل إليهم خمس ذود غر الذرى، فقالوا: استغفلنا رسول الله يمينه، فقد حلف ألا يحملنا، فقال صلى الله عليه وسلم : إني لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني) وكذلك قال لـعبد الرحمن بن سمرة : (إذا حلفت على يمين ورأيت غيرها خيراً منها، فكفر عن يمينك وأئت الذي هو خير)، فإذا حلف أحد أنه لا يكلم فلاناً من غير سبب فهذا حرام، فيكفر ويكلمه، أو حلف ألا يقبل هدية فلان، فيكفر ويقبل هذه الهدية؛ لأن قبول الهدية مستحب.

    حلف ألا يقبل دعوة فلان، وإجابة الدعوة من المستحبات أو من الواجبات، فعليه أن يكفر عن يمينه ويجيب تلك الدعوة، أو حلف ألا يصل فلاناً وكان له قرابة، أو لا يهدي إليه أو لا يستضيفه، فيكفر عن ذلك ويفعل، فإن فعل ذلك خير، روي أن رجلاً كان له دين، فطلبوا منه أن يسقط من دينه، فحلف وقال: والله لا أسقط منه شيئاً، فأنكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (حلف ألا يفعل خيراً !) يعني : حلف ألا يتنازل عن شيء من ماله، والأولى أن يسقط عن هذا الغريم المدين الفقير، وأن يكفر عن يمينه، وهكذا إذا حلف ألا يتصدق في هذا الشهر، فالصدقة خير، فعليه أن يحنث وأن يتصدق ويكفر، وهكذا في سائر المستحبات .

    ويكره بره بيمينه إذا كانت على فعل مكروه أو ترك مندوب، ففعل المكروه كأن يحلف مثلاً أن يسب فلاناً لأنه قد سبه، فالأولى أن يكفر ولا يفعل، وإذا قيل له: إن فلاناً اغتابك، فقال: والله لأغتابنه. فعليه أن يكفر ولا يغتاب لأن هذا فعل محرم، وإذا قيل: إنه مثلاً ضرب ولده ولدك، فقلت: والله لأضربن ولده، فالأولى أن تعفو وتصفح.

    وأما إذا كان فعل خير فإن عليه أن يفي به ويكره حنثه، فإذا قال: والله لأتصدقن في هذا اليوم، فلا يترك الصدقة ولو بشيء قليل، أو قال: والله لأقرأن في هذا اليوم جزءاً من القرآن، أو إذا كان مدخناً فقال: والله لا أدخن في هذا اليوم، أو كان يسمع الغناء فحلف ألا يسمعه في هذا اليوم؛ فعليه أن يوفي بيمينه، ويكره الحنث.

    هذا معنى قوله: (وعكسه بعكسه)، فإذا حلف أن يفعل خيراً أو يترك شراً فعليه أن يوفي بما حلف، ففعل الخير كأن يحلف أن يتصدق، أو يقرأ في هذا اليوم جزءاً، أو يصلي في هذه الليلة ساعة، أو يزور في هذا اليوم مريضاً أو يتبع فيه جنازة، فهذا فعل خير، لا تحنث وأوف بيمينك .

    وكذلك الترك، إذا حلف وقال مثلاً: والله لا أشرب الدخان هذا اليوم، أو لا أسمع الغناء هذا اليوم، أو لا أنظر إلى الصور هذا اليوم، فأوف بيمينك ولا تحنث، فإنك حلفت على خير .

    1.   

    ما جاء في التحريم

    إذا حرم أمته، وقال: والله لا أطأ هذه الأمة، أو حرم طعاماً، فقال: هذا الطعام علي حرام، أو هذا الثوب علي حرام، أو هذا الماء علي حرام، أو هذه القهوة علي حرام، أو هذا الخبز علي حرام، أو خبز فلان علي حرام لا آكل منه، أو طعام فلان علي حرام لا آكله، هل يصير حراماً؟

    لا يصير حراماً ولكن عليه الكفارة، والدليل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ [التحريم:1-2]

    سبب نزول هذه الآية: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدخل على زينب وتسقيه عسلاً، فغارت عائشة وحفصة ، فاتفقتا على أن كل واحدة منهما تقول له: هل أكلت مغافير؟ وهو شيء ينضحه بعض شجر العضاة، له رائحة، فقال: (إنما شربت عسلاً عند زينب) فقالت: جرست نحله العرفط، أي : أكلت نحله من العرفط، وله رائحة، فعند ذلك قال : (هو علي حرام) أي: هذا العسل، فعند ذلك نزلت الآية : قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [التحريم:2]، وبين الله التحلة وهي الكفارة.

    وكذلك روي أيضاً: أنه حرم أمة له وهي مارية ، وكانت سرية له، وهي أم إبراهيم، غارت بعض نسائه وقالت: كيف تباشرها في بيتي وعلى فراشي؟ فقال: (هي علي حرام) فنزلت الآية: لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ [التحريم:1]، وكفر عن يمينه عند ذلك، وحلت له.

    وكذلك الرجل إذا حرم أمته، فإن عليه كفارة يمين، أو حرم شيئاً حلالاً غير الزوجة -أما الزوجة فتحريمها ظهار كما تقدم في الظهار- فإذا حرم هذا الشراب، أو هذا اللبن أو لبن هذه الشاة، أو لبن هذه البقرة، أو هذا الإدام أو خبز هذا الخباز أو ذبح هذا الجزار، ثم احتاج، فيكفر عن يمينه، وإذا كفر حل له ذلك وأكل منه.

    1.   

    كفارة اليمين وصفتها

    متى تجب الكفارة ؟ إذا حنث، فإذا فعل ما حلف على تركه أو ترك ما حلف على فعله فإنه والحال هذه يكفر، فإذا لبس الثوب الذي حلف ألا يلبسه فإنه يكفر، أو حلف أن يبيت الليلة في هذا المنزل، ولم يبت فيه فعليه الكفارة، حيث إنه حنث.

    وهل تجب الكفارة فوراً أم على التراخي ؟ تجب على الفور، فيبادر ويخرجها فوراً .

    وما هي الكفارة؟ ذكر الله تعالى الكفارة في سورة المائدة: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ [المائدة:89] يعني : يخير بين هذه الثلاث، فيقال له: لك الخيار: أعتق رقبة، أو أطعم عشرة مساكين، أو اكسهم .

    الإطعام يكون من أوسط ما يطعم أهله، لا من الخيار ولا من الأدنى، فإذا كان أحياناً يشتري لأهله السمك والفواكه ولحم الضأن ورقيق الخبز والأرز، وأحياناً يطعمهم من الخبز اليابس، وأحياناً إدامهم من التمر أو نحوه، وأغلب الأحوال يطعمهم الرز والخبز واللحم العادي كلحم الإبل أو لحم الدجاج، فنقول: الوسط هو ما تطعم به أهلك من الطعام الذي ليس من الجيد وليس من الرديء، هذا بالنسبة للإطعام.

    أما بالنسبة للكسوة، فإنه لابد أن يعطي كل واحد كسوة تجزئه في صلاة الفريضة، فيستر عورته بسراويل من السرة إلى الركبة أو إلى ما تحت الركبة، ويستر ظهره برداء كرداء المحرم، ويكفي القميص الذي له أكمام، ولو لم يجعل معه عمامة ولا سراويل، بل قميص يستر البدن كله، يستر المنكبين ويستر البطن والظهر، ويستر العجز ويستر الفخذين والركبتين، فيكفي ولو كان ثوباً واحداً .

    العتق: أن يعتق رقبة سليمة من كل عيب يضر بالعمل -كما تقدم في كفارة الظهار- ولابد أن تكون رقبة مؤمنة.

    إذا عجز عن العتق وعن الكسوة وعن الإطعام انتقل إلى الصيام، فيصوم ثلاثة أيام متتابعة، وعلامة عجزه ألا يجد إلا قوت ليلته التي يقوت بها أهله، وتقدم في زكاة الفطر أنه تسقط الفطرة عن إنسان ليس عنده إلا قوت نفسه وقوت عياله في يوم العيد وفي ليلة العيد، هذا معنى قوله: (فإن عجز كفطرة) أي: كما يعجز في إخراج الفطرة، فيصوم ثلاثة أيام متتابعة، وقرأ ابن مسعود هذه الآية: (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) وتحمل على أنها تفسير.

    1.   

    النية في اليمين

    تكلم الفقهاء وأطالوا على النية في اليمين، فقالوا : مبنى اليمين على العرف، وهو الشيء المتعارف بين الناس، نذكر لذلك أمثلة:

    عندنا في المملكة لو حلف شخص ألا يلبس ثوباً، فالثوب عندنا هو الذي له أكمام وله جيب، وأما في اللغة فإن العمامة تسمى ثوباً، والعباءة تسمى ثوباً، وكذا الرداء والإزار، فنقول: أنت لا تعرف إلا الثوب الذي له جيب وأكمام، فلا تلبسه في هذه الليلة، ولك أن تلبس رداءً أو إزاراً أو سراويل، فإن لبست الثوب الذي له أكمام فكفر؛ لأنك حلفت عليه.

    وكذلك إذا حلف أن يذبح لفلان شاة، والشاة عند الناس في هذه المملكة النعجة الأنثى من الضأن، وإن كان العرب يسمون الذكر من الضأن شاة والعنز شاة، فالشاة عند العرب الواحدة من الغنم ذكراً كانت أم أنثى، فإذا حلف أن يذبح شاة، نقول له: أنت لا تعرف الشاة إلا أنها النعجة الأنثى من الضأن، هذا هو العرف، فعليك أن تذبحها.

    وإذا حلف أن يذبح في هذا الشهر بعيراً، والبعير عند العامة في هذه المملكة هو الجمل، لا يعرفون الجمل إلا أنه البعير، والبعير عند العرب يدخل فيه الناقة، فالناقة بعير لأنها تركب، والجمل بعير، وإذا أرادوا أن يفرقوا بينهما قالوا: ناقة وجمل، وإذا قال رجلٌ عند العرب: عندي بعير، قالوا: ناقة أم جمل؟ فيسمون الناقة بعيراً، ولكن الناس في هذه المملكة لا يعرفون البعير إلا أنه الجمل، فإذا حلف أن يذبح بعيراً لم تبر يمينه إلا إذا ذبح جملاً، هذا معنى قوله: (مبنى اليمين على العرف).

    فإن كان العرف غير موجود في هذه اليمين رجع إلى نية الحالف الذي ليس بظالم، وذلك لأنه قد يحلف على شيء وقد تكون نيته أنه يؤكد الشيء، فمثلاً: أنت طالبته بدين، فحلف أن يعطيك حقك يوم الجمعة، ثم قضاك يوم الأربعاء، هل يحنث ؟ لا يحنث؛ لأنه ما أراد إلا أن يعجل حقك لك، فقد عجله قبل موعده فلا يحنث والحالة هذه، فنيته بهذه اليمين نية صادقة وهي التعجيل .

    أما إذا كان ظالماً فلا تنفعه هذه النية، والظالم هو الذي يحلف بنية يتأول فيها، فإذا قال: والله ما لك عندي شيء، وتأول وقال : عنيت بشيء مأكولاً، فلا تنفعه نيته؛ لأن كلمة شيء تدخل فيها النقود وتدخل فيها الأكسية وما أشبه ذلك، فهذه نية الظالم.

    قوله: (إن احتملها لفظه) أي: فإذا قال مثلاً : والله لا أبيت تحت السماء هذه الليلة، وقال: نيتي بالسماء السقف؛ لأن الله تعالى قال: فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ [الحج:15] يعني إلى السقف، نيته محتملة، أو قال: والله لا أبيت تحت بناء وأراد بالبناء المنزل المبني، فنيته محتملة، فالحاصل أنه يرجع في نيته إلى العرف ثم إلى ما هيج اليمين، ثم إلى حقيقة الشيء.

    وتكلموا هنا أيضاً على الحقيقة وقالوا : إن الحقيقة حقيقة شرعية وحقيقة عرفية، فالحقيقة الشرعية كالصلاة، فالصلاة حقيقة لهذه العبادة التي فيها ركوع وسجود، ولكن أصلها في اللغة الدعاء وَصَلِّ عَلَيْهِمْ [التوبة:103] أي: ادعُ لهم، فإذا حلف مثلاً: لا أصلي في هذا المسجد هذا اليوم، ثم دخل ودعا فيه، لا يحنث لأنه أراد بالصلاة الصلاة الشرعية.

    1.   

    تعريف النذر وحكمه

    الفصل الذي بعده يتعلق بالنذر، وتوسع في النذر أكثر من غيره، والنذر هو أن يلزم الإنسان نفسه ما ليس بواجب في أصل الشرع، كأن يقول مثلاً: لله علي أن أصوم في هذا الشهر خمسة أيام، فهذا يسمى نذراً.

    وأما إذا قال: لله علي أن أصلي في هذا اليوم خمس صلوات ظهراً وعصراً ومغرباً وعشاء وفجراً، فلا يسمى هذا نذراً؛ لأن الله قد أوجبها ولم يوجبها الإنسان على نفسه، فالنذر هو الذي يوجبه الإنسان على نفسه، فمثلاً إذا قال: والله لأخرجن زكاتي هذا العام فلا يسمى هذا نذراً؛ لأن زكاته واجبة عليه، أما إذا قال : والله لأتصدقن في هذا الشهر بألف من غير الزكاة، فهذا نذر؛ لأنه زائد عن الزكاة .

    النذر مكروه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن النذر وقال: (إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل)، يعني: أن النذر لا يغير شيئاً من الحقائق، ولا يغير شيئاً من قدر الله، خلافاً لما يعتقده بعض العامة من أن النذر يصير سبباً في إجابة الدعاء، أو سبباً في شفاء المريض، أو سبباً في كثرة الرزق، أو سبباً في حصول الخير؛ فيعقد نذوراً، فيقول مثلاً: لله علي إن نجحت في الاختبار أن أتصدق بمائة، ويظن أن الله لا ينجحه إلا إذا تصدق.

    أو يقول: إن شفى الله مريضي فلله علي أن أذبح شاة وأن أتصدق بلحمها، ويظن أن الله لا يشفي مريضه إلا إذا نذر أن يتصدق، أو يقول مثلاً: لله عليَّ إن ربحت في هذه التجارة أن أتصدق بنصف الربح، ويظن أن الله لا يربح تجارته إلا إذا كان سيتصدق، وهذا خطأ؛ لأن الله تعالى قدر المقادير، وإذا أردت أن تتصدق بنصف الربح أو بربعه أو أن تذبح هذه الشاة فافعل ذلك من دون أن تلزم نفسك، ومن دون أن تعلق بهذا الأمر المستقبل، فإنه لا يأتي بخير، ولا يقدر شيئاً، وإنما يستخرج به من البخيل، كأن هذا البخيل لم يكن ليتصدق إلا إذا نجح أو إذا ربح أو إذا شفي أو ما أشبه ذلك.

    1.   

    أنواع النذر

    النذر المنعقد ستة أنواع :

    الأول: النذر المطلق الذي لم يعلق، كأن يقول: لله علي نذر إن فعلت كذا. وليس له نية، فهذا كفارته كفارة يمين إن فعله، فلو قال: لله علي نذر إن ضربت فلاناً أو إن اغتبت فلاناً، فعليه كفارة يمين إن فعله، أو: لله علي نذر إن سافرت في هذا اليوم أو إن ركبت هذه السيارة، ولم يذكر مقدار النذر، فهذا نذر مطلق، فعليه كفارة يمين إذا فعله.

    الثاني: نذر لجاج وغضب، وهو تعليقه بشرط يقصد المنع منه أو الحمل عليه، كأن يقول: إن كلمتك فعلي كذا، فيخير بين فعله وكفارة يمين، هذا نذر اللجاج والغضب، لأنه يصير بين اثنين عند الغضب والخصومات ورفع الأصوات، فيقول أحدهما: إن كلمتك فأنا يهودي، أو إن كلمتك أقتل ولدي أو أخرج من مالي، أو أخرج نصف مالي. يكون هذا بسبب الغضب .

    أو يعقد فعلاً كأن يقول مثلاً: إن لم أقتل شاتك فأنا ابن زنا، أو أنا لست بمسلم أو ما أشبه ذلك، يسمى هذا نذر اللجاج والغضب، ففيه الكفارة إلا إن فعله.

    واختلف فيما إذا قصد فعلاً كبيراً كأن يقول مثلاً: إن لم أضرب ولد فلان فعلي صيام شهرين أو صيام سنة، ولم يقصد إلا أن يلزم نفسه، والصحيح أن عليه كفارة يمين إلا إذا وفى بنذره.

    هذا نذر لجاج وغضب، يعلقه بشرط يقصد المنع منه أو الحمل عليه، فالمنع منه كأن يقول مثلاً: إن أكرمت فلاناً، أو إن أدخلته بيتي، أوإن زرته في بيته؛ فعلي أن أخرج من مالي أو أن أصوم سنة، أو أن أحج ماشياً، ويقصد بذلك منع نفسه، ولا يقصد التصدق بماله كله، ففي هذه الحال متى ما حنث فعليه كفارة يمين .

    والحمل عليه كأن يقول: إن لم أضرب فلاناً أو لم أضرب ولده، أو إن لم أذبح بعيره أو أعقر فرسه فعلي صيام شهر أو شهرين أو أن أخرج من مالي، أو يقول: أنا لست ابن أبي أو ما أشبه ذلك، كل هذا فيه كفارة يمين .

    القسم الثالث: النذر المباح، إذا قال: لله علي أن ألبس ثوباً من كذا أو نحو ذلك، فهذا مباح، وإن لم يفعله فعليه كفارة، ويخير بين فعله وبين الكفارة.

    إذا قال مثلاً : لله علي ألا ألبس ثوباً إلا ثوباً جديداً، أو ألا ألبس ثوباً بأقل من مائة أو بأقل من مائتين، لله علي ألا ألبس حذاء إلا من خرازة فلان، أو إلا ما قيمته مائة أو مائتان، لله علي ألا آكل إلا لحم سمك من نوع كذا وكذا، أو ألا آكل إلا من لحم الدجاج الذي نوعه كذا وكذا، أو لله علي ألا آكل إلا خبزاً مرققاً وما أشبه ذلك، فهذا نذر مباح، إذا لم يفعله فعليه الكفارة، وإن فعله بر في نذره .

    الرابع: النذر المكروه كالطلاق ونحوه، فالتكفير فيه أولى، فإذا قال: لله علي ألا أكلم فلاناً، الأولى له أن يكلمه ويكفر، وإذا قال: لله علي ألا أكرم فلاناً، فالأولى أن يكرمه ويكفر، فإن إكرامه خير، وكذلك لو قيل له: إن فلاناً اغتابك، فقال: لله علي أن أغتابه كما اغتابني، فعليه أن يكفر ولا يغتابه، وكذلك كل فعل فيه إسراف أو إفساد فلو قال: لله علي ألا ألبس ثوباً إلا بمائتين أو بخمسمائة، ففي هذا شيء من الإسراف وهو مكروه، أو أن يفعل شيئاً مكروهاً كغيبة أو نميمة فيترك ذلك ويكفر عن يمينه، أو كذلك : لله علي أن أطلق امرأتي في هذا الشهر، فعليه أن يكفر ولا يطلق.

    الخامس: نذر المعصية، وفعله محرم، وعليه كفارة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه)، وقال صلى الله عليه وسلم : (لا نذر في معصية الله، وكفارته كفارة يمين) فإذا نذر وقال: الله علي أن أشرب الخمر في هذا الشهر أو في هذا اليوم، أو أن أزني بفلانة، أو أن ألوط بفلان، هذا محرم، أو علي أن أشتري في هذا الأسبوع أشرطة الغناء أو أفلام الصور. فلا يجوز له الوفاء، بل يجب عليه الكفارة.

    السادس : نذر التبرر، يعني: نذر فعل فيه طاعة وبر، ولا شك أن البر مأمور به، قال صلى الله عليه وسلم : (من نذر أن يطيع الله فليطعه) فكما أن نذر المعصية يحرم الوفاء به، فنذر الطاعة يجب الوفاء به، وقد مر في كتاب التوحيد باب: من الشرك النذر لغير الله، وسبب ذلك أن المشركين والقبوريين ينذرون للأموات وللسادة، ويرجون بالنذر لهم حصول خير، فيقول أحدهم : إن شفيت من هذا المرض فعلي أن أسرج قبر السيد الفلاني أسبوعاً أو يومين، فيجعل عليه سراجاً طوال الليل، أو يقول: إن ربحت في هذه التجارة فعلي أن أذبح شاة عند قبر السيد البدوي مثلاً، أو إن ولد لي ذكر فعلي أن أهريق على قبر السيد فلان زيتاً أو سمناً تكريماً للسيد، فهذا نذر معصية، والدليل على أنه نذر معصية ما جاء في هذا الحديث : (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه)، وهذا تعظيم لهذا القبر ولهذا الميت، والتعظيم لا يصلح إلا لله، ففي هذه الحال يكفر عن نذره، ولا يفعل هذا الشيء الذي هو من الشرك .

    وكذلك إذا نذر الاعتكاف عنده، فإذا قال: إن شفيت من هذا المرض أو شفي ابني، أو قدم غائبي أو ربحت تجارتي؛ فعلي أن أعتكف عند قبر فلان يومين أو ثلاثة أو أن أصلي عند قبره صلاتين أو ثلاث صلوات، أو أقرأ عند قبره جزءاً أو جزئين، فهذا يعتبر شركاً؛ لأنه تعظيم لهذا الميت، والميت لا يجوز تعظيمه التعظيم الذي لا يصلح إلا لله، والاعتكاف عبادة لله، فإذا نذر الإنسان أن يعتكف لله لزمه الوفاء؛ لأنه نذر طاعة، وقد ثبت في الصحيح عن عمر رضي الله عنه قال: (يا رسول الله! إني نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال: أوفِ بنذرك)، فمن نذر نذر تبرر كصلاة وصيام واعتكاف لقصد التقرب مطلقاً أو معلقاً بشرط فإن عليه الوفاء بذلك .

    المطلق : مثاله أن يقول : لله علي أن أصوم في هذا الشهر ثلاثة أيام، أو لله علي أن أصوم في هذه السنة من كل شهر ثلاثة أيام، أو لله علي أن أتصدق في هذا الشهر بمائة ريال أو في هذا الأسبوع بخمسين ريالاً، أو كل يوم من هذا الأسبوع بخمسة ريالات، أو لله علي أن أصلي في هذه الليلة عشر ركعات، هذا نذر عبادة مطلق، فيجب عليه أن يوفي به؛ لهذا الحديث.

    أما إذا كان معلقاً بشرط فلا يلزمه الوفاء إلا إذا وجد الشرط، كأن يقول: لله عليَّ إن شفى الله مريضي أن أتصدق بمائة،أما إذا قال: فلله علي أن أذبح شاة عند القبر الفلاني، فلا يجوز الوفاء به وعليه كفارة يمين.

    علق النذر على شفاء المريض: إن شفى الله مريضي، أو إن قدم غائبي، أو إن ربحت في تجارتي، أو إن سلمت من كيد فلان، فلله علي أن أصوم كذا، أو أن أتصدق بكذا، أو أعتكف كذا، أو أقرأ كذا أو ما أشبه ذلك، فإن كان النذر فيه شيء من الضرر فلا يوفي به، بسبب ذلك الضرر .

    وقد جاء في قصة أبي إسرائيل : (أن النبي صلى الله عليه وسلم رآه قائماً في الشمس فسأل عنه، فقالوا: إنه نذر ألا يقعد ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم، فقال للناس : مروه أن يتكلم، وأن يجلس، وأن يستظل، ويتم صومه) لأن هذا تعذيب للنفس، والاستظلال فيه راحة للنفس، وكونه يقف في الشمس ولا يقعد فيه تعذيب للنفس.

    وكذلك أخت عقبة نذرت أن تحج من المدينة إلى مكة ماشية حافية على قدميها غير منتعلة، فكونها تمشي عشرة أيام على قدميها حافية فيه مشقة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأخيها: (إن الله لا يفعل بتعذيب أختك نفسها شيئاً -يعني: أن الله غني عن تعذيبها نفسها- مرها أن تمشي وتركب) أي: تركب إذا تعبت، وتمشي إذا قدرت، ولو ركبت المسافة كلها ما كان عليها إلا كفارة يمين

    فالحاصل أن نذر التبرر كأن يقول : لله علي أن أصلي في هذه الليلة عشر ركعات، أو أن أصوم في هذا الشهر ثلاثة أيام، أو أن أعتكف في هذا الشهر ثلاثة أيام بقصد التقرب؛ فعليه الوفاء، أو يقول: إن شفى الله مريضي فلله علي أن أتصدق بكذا، أو إن ربحت تجارتي، أو إن نجح أولادي، أو إن قدم غائبي فلله علي أن أتصدق بكذا أو أن أصوم كذا، فإن هذا نذر طاعة.

    من نذر الصدقة بكل ماله أجزأه ثلثه

    وقوله: (ومن نذر الصدقة بكل ماله أجزأه ثلثه) وذلك لقصة سعد لما قال : (أأتصدق بثلثي مالي ؟ قال : لا، قال : فالشطر ؟ قال : لا، قال : فالثلث ؟ قال : الثلث والثلث كثير)، فإذا نذر أن يتصدق بجميع ماله كفاه الثلث وليس عليه كفارة.

    ودليل ذلك أيضاً قصة كعب لما قال: إن من توبتي أن أنخلع من جميع مالي -يعني: أخرج منه- فقال له: (لا تفعل) فقال: إني إمسك سهمي الذي في خيبر، فهذا يدل على أنه يجوز أن يمسك بعضه ولو أنه نذر أن يتصدق به كله .

    ومن نذر أن يصوم شهراً فقال: لله علي أن أصوم في هذه السنة شهراً، فكيف يصوم؟ يصوم شهراً هلالياً من الهلال إلى الهلال حتى ولو كان ذلك الشهر تسعة وعشرين يوماً، فلابد من التتابع، أما لو قال: لله علي أن أصوم ثلاثين يوماً، ففي هذه الحال يجوز له أن يفرق فيحسب ثلاثين يوماً ولو أن يصوم يوماً بعد يوم.

    1.   

    الوفاء بالوعد

    يقول: (وسن الوفاء بالوعد) إذا وعد الإنسان فإنه يتأكد في حقه الوفاء بوعده، والوفاء بالوعد من صفات المؤمنين، وخلف الوعد من صفات المنافقين، ويحرم الخلف بالوعد بلا استثناء، أما إذا قال: سآتيك إن شاء الله، ثم لم يأته فلا يأثم أو قال: سأوفيك إن شاء الله ولم يوفه فلا يأثم، بخلاف ما إذا جزم فقال: لأوفينك أو لآتينك في هذا اليوم فلم يأته فإنه يأثم، والله أعلم.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3029317230

    عدد مرات الحفظ

    726016804