إسلام ويب

شرح أخصر المختصرات [18]للشيخ : عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الحج ركن من أركان الإسلام، وهو من أعظم أبواب الخير التي فتحها الله عز وجل لعباده، فإن من حج حجاً صحيحاً عاد كيوم ولدته أمه لا ذنب عليه، وهو من الجهاد في سبيل الله. والحج كغيره من العبادات، له أركان، وواجبات، ومستحبات، وشروط، وله مبطلات ومحرمات ومكروهات، وقد فصل العلماء رحمهم الله كل ذلك وبينوه، فعلى من أراد الحج والعمرة أن يطالع ما كتبه العلماء كي يحج حجاً صحيحاً مبروراً.

    1.   

    كتاب الحج والعمرة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [كتاب الحج والعمرة.

    يجبان على المسلم الحر المكلف المستطيع في العمر مرة على الفور، فإذا زال مانع حج بعرفة وعمرة قبل طوافها وفعلا إذن وقعا فرضا، وإن عجز لكبر أو مرض لا يرجى برؤه لزمه أن يقيم من يحج عنه ويعتمر من حيث وجبا، ويجزئانه ما لم يبرأ قبل إحرام نائب، وشُرِطَ لامرأة محرم أيضاً، فإن أيست منه استنابت، وإن مات من لزماه أُخرجا من تركته.

    وسن لمريد إحرام غسل أو تيمم لعذر، وتنظف، وتتطيب في بدن، وكره في ثوب، وإحرامٌ بإزار ورداء أبيضين عقب فريضة أو ركعتين في غير وقت نهي، ونيته شرط، والاشتراط فيه سنة.

    وأفضل الأنساك التمتع، وهو أن يحرم بعمرة في أشهر الحج ويفرغ منها ثم به في عامه، ثم الإفراد، وهو أن يحرم بحج ثم بعمرة بعد فراعه منه، والقران: أن يحرم بهما معاً أو بها ثم يدخله عليها قبل الشروع في طوافها، وعلى كل من متمتع وقارن إذا كان أفقياً دم نسك بشرطه، وإن حاضت متمتعة فخشيت فوات الحج أحرمت به وصارت قارنة، وتسن التلبية، وتتأكد إذا علا نشزاً، أو هبط وادياً، أو صلى مكتوبة، أو أقبل ليل أو نهار، أو التقت الرفاق، أو ركب، أو نزل، أو سمع ملبياً، أو رأى البيت، أو فعل محظورا ناسياً، وكره إحرام قبل ميقات وبحج قبل أشهره.

    فصل: ميقات أهل المدينة الحليفة، والشام ومصر والمغرب الجحفة، واليمن يلملم، ونجد قرن، والمشرق ذات عرق، ويحرم من بمكة لحج منها، ولعمرة من الحل، وأشهر الحج شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة.

    ومحظورات الإحرام تسعة: إزالة شعر، وتقليم أظفار، وتغطية رأس ذكر، ولبس المخيط إلا سراويل لعدم إزار وخفين لعدم نعلين، والطيب، وقتل صيد البر، وعقد نكاح، وجماعٌ، ومباشرة فيما دون فرج.

    ففي أقل من ثلاث شعرات وثلاثة أظفار في كل واحد فأقل طعام مسكين، وفي الثلاث فأكثر دم، وفي تغطية الرأس بملاصق ولبس مخيط وتطيب في بدن أو ثوب أو شم أو دهن الفدية.

    وإن قتل صيداً مأكولاً برياً أصلاً فعليه جزاؤه، والجماع قبل التحلل الأول في حج وقبل فراغ سعي في عمرة مفسد لنسكهما مطلقاً، وفيه لحج بدنة ولعمرة شاة، ويمضيان في فاسده ويقضيانه مطلقاً إن كانا مكلفين فوراً وإلا بعد التكليف وبعد حجة الإسلام فوراً.

    ولا يفسد النسك بمباشرة ويجب بها بدنة إن أنزل وإلا شاة، ولا بوطء في حج بعد التحلل الأول وقبل الثاني، لكن يفسد الإحرام فيحرم من الحل ليطوف للزيارة في إحرام صحيح ويسعى إن لم يكن سعى وعليه شاة.

    وإحرام امرأة كرجل إلا في لبس مخيط، وتجتنب البرقع والقفازين وتغطية الوجه، فإن غطته بلا عذر فدت].

    حكم الحج والعمرة

    الركن الخامس من أركان الإسلام: الحج والعمرة، ولا خلاف في وجوب الحج بشروطه واختلف في فرضية العمرة، فأكثر الفقهاء على أن العمرة فريضة كالحج، واستدلوا بذكرها مع الحج، قال الله تعالى: فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا [البقرة:158] فقرنها مع الحج، وقال تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196] وورد ذكر فضلها في قوله صلى الله عليه وسلم: (العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة) وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم لما قيل له: هل على النساء جهاد؟ قال: (عليهن جهاد لا قتال فيه، الحج والعمرة) وهو دليل على أن العمرة واجبة عليهن فعلى الرجال أولى، وللذين أوجبوها أدلة أخرى موسعة.

    والذين ذهبوا إلى أنها غير واجبة وأنها سنة استدلوا بالحديث الذي فيه أن رجلاً سأل: (هل تجب العمرة عليَّ؟ قال: لا، وأن تعتمر خير لك)، ولكن الحديث فيه مقال وفيه احتمال، ثم وردت العمرة في حديث جبريل في السنن للدارقطني لما فسر الإسلام: (أن تشهد أن لا إله إلا الله -إلى قوله-: وأن تحج وتعتمر)، والإسناد صحيح صححه الدارقطني وغيره، وإن كانت الرواية شاذة حيث لم تذكر في أكثر الأحاديث، فالراجح أن العمرة فريضة على القادر، كما أن الحج فريضة على القادر.

    شروط وجوب الحج والعمرة

    يشترط لوجوب الحج والعمرة شروط:

    الشرط الأول: الإسلام، فلا يجب الحج على الكافر ولا يجوز، بل لا يمكن الكافر من دخول مكة، كما قال تعالى: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا [التوبة:28] وأرسل النبي صلى الله عليه وسلم علياً في حجة أبي بكر أن ينادي: لا يحج بعد العام مشرك.

    الشرط الثاني: الحرية؛ لأن المملوك مملوكة عليه منافعه؛ لأنه لا يستطيع أن يتصرف لنفسه، فالسيد يملك عليه منافعه، ففي ذهابه إلى الحج تفويت ما للسيد عليه، فلذلك لا يجب عليه.

    وقد ورد في حديث: (أيما عبد حج ثم عتق فعليه حجة الإسلام).

    الشرط الرابع: البلوغ. يخرج بذلك الصغير، فلا يجب عليه الحج لعدم تكليفه، ولكن مع ذلك يصح حجه ولو كان صغيراً، ففي الحديث الصحيح: (أن امرأة رفعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم صبياً لها، فقالت : ألهذا حج؟ قال: نعم، ولك أجر) والمعنى أنه يصح حج الصغير ولو كان ابن خمس سنين أو أربع سنين. أي: يعقل. ووليه هو الذي يحرم به فينوي عنه إداخله في النسك، وكذلك يلبسه إذا كان ذكراً لباس الإحرام، ويكمل به مناسك الحج، فيطوف به ويسعى به ويقف به في المواقف التي يجب الوقوف بها ويلبي عنه ويرمي عنه وهكذا، وينوي حجه، أي: أحد أقاربه؛ لقوله: (ولك أجر).

    الشرط الرابع: العقل، فلا يجب الحج على المجنون، وذلك لعدم فهمه وإدراكه، فهو لا يفهم ما يقال ولا يقدر على التصرف، ولا يعرف الأحكام، ولا يقدر أن يمتنع عن المحظورات، والقلم عنه مرفوع.

    الشرط الخامس: القدرة، فإن قوله تعالى: مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً [آل عمران:97] فسر فيه السبيل بأنه الزاد والراحلة، أي: من يملك زاداً وراحلة صالحين لمثله بعد قضاء حوائج أهله، وبعد قضاء ما يحتاجون إليه في غيبته، وكذلك أن يقدر على الحوائج الأصلية التي يحتاج إليها في السفر.

    وقد ورد في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن قوله تعالى: مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً [آل عمران:97] ما السبيل؟ قال: (الزاد والراحلة).

    وفي هذه الأزمنة معلوم أنه لا يحتاج إلى أن يملك راحلة -أي: سيارة- لكن إذا كان يملك أجرة ركوبه في السيارة فقد صار مستطيعاً إذا توافرت فيه بقية الشروط، من امتلاك النفقة في ذهابه وإيابه، وامتلاك النفقة التي تكفي لأهله حتى يرجع، فإذا كان محترفاً وغاب توقفت حرفته وتوقفت صنعته وعمله، فلابد من أن يؤمن لأسرته ما يكفيهم مدة غيابه.

    وكانت الغيبة قديماً -أي: قبل خمسين أو ستين سنة- نحو شهرين ذهاباً وإياباً، فيكون الرجل بناء أو حفاراً يحفر بالأجرة، أو عاملاً في حرث يعمل بالأجرة، وقد تكون له حرفة يدوية كأن يكون خرازاً أو دباغاً أو خياطاً أو غسالاً أو حداداً أو نجاراً، فإذا غاب توقف كسبه، فمن أين يطعم أهله؟

    نقول: لا يجب عليه إلا إذا توافر عنده من كسبه ما يكفي أهله في مدة غيبته، وفي هذه الأزمنة قلت أو قصرت المسافة، فبدل أن كانوا يغيبون لشهرين أصبحوا يغيبون لمدة أسبوع أو ثمانية أيام، ففي هذه المدة التي هي ثمانية أيام أو نحوها إذا كان عند أهله ما يكفيهم مدة ذهابه وإيابه، وحصل على النفقة التي تكفيه لذهابه وإيابه، وحصل على أجرة الركوب ذهاباً وإياباً فإنه قادر، فإذا عجز عن ذلك فإنه غير مستطيع، فالمستطيع هو الذي يملك ما يوصله إلى مكة ويرده وما يكفي أهله مدة غيبته.

    وأما ما يذكره الفقهاء في هذا الباب عند تفسير قوله: مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً [آل عمران:97] أن السبيل هو من يملك زاداً وراحلة صالحين لمثله، وأن يملك العدة التي يحتاج إليها كخطام البعير ورحله وفرشه، ومتاعه الذي يحتاج إليه، وأوانيه التي يطبخ فيها وقربته التي يحمل الماء فيها، وما أشبه ذلك فهذه قد خفت في هذه الأزمنة.

    والحاصل أنه لابد من أن يكون مستطيعاً.

    إذاً الإسلام والعقل شرطان للوجوب والصحة، فلو حج الكافر لم يصح منه.

    وأما الصغير والعبد فإنه يصح الحج منه ولكن لا يجب عليه، ولا يكلف به، فحجه صحيح ولكن لا يكفيه عن حجة الإسلام.

    وأما العاجز فإن الاستطاعة شرط للوجوب، فلو أنه تكلف وحج فهل يجب عليه حجة أخرى؟ نقول: صح حجك وأجزأك.

    لو تكلف وقال: أنا أحج راكباً. أو تبرع له أحد وحج به صح حجه، وكذلك أجزأه عن حجة الإسلام.

    يجب الحج في العمر مرة

    وجوب الحج على الفور

    ثم هل الحج على الفور أو على التراخي؟

    نختار أنه على الفور، فساعة أن تتم الشروط وساعة أن يتمكن فالزمن الذي تتم فيه الشروط ويتمكن يجب عليه بحيث يعد مفرطاً إذا أخره، وبحيث يعد ملوماً إذا تغيرت حالته بعد ذلك، فمثلاً: لو أنه في عام ثمانية عشر تمت الشروط في حقه واستطاع أن يحج ولكنه أهمل الحج وتركه بغير عذر، ثم في عام تسعة عشر عجز، تلف ماله أو خسر في تجارته وأصبح عاجزاً مالياً، نقول: إنه ملوم حيث تمكن وفرط، إن عليه إثماً بتأخيره وبتفريطه، ونقول: لو مات بعد أن قدر ولم يحج لزم إخراج نفقة الحج من رأس المال كما سيأتي، وذلك لأنه قدر وفرط حتى مات.

    وذهبت الشافعية إلى أنه على التراخي، واستدلوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم أخر الحج إلى سنة عشر، والجواب: أنه لم يتمكن إلا تلك السنة؛ فإنه في سنة ثمان لما فتحت مكة كان مشتغلاً بالوفود، ولم تكن مكة قد طهرت من عادات المشركين، ولما كان في سنة تسع أرسل أبا بكر ومن معه من الحجاج ليطهروا مكة فصاروا ينادون بأول سورة براءة: بَرَاءَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ * فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ [التوبة:1-2] إلى قوله: وَأَذَانٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ [التوبة:3] فكانوا ينادون: لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. وذلك لأنهم كانوا في عاداتهم الجاهلية يطوفون وهم عراة، ولما طهر البيت في سنة تسع حج سنة عشر، وكمل الله تعالى له الدين، وهو دليل على أن الحج على الفور؛ لأنه ما تمكن إلا في سنة عشر.

    إذا زال مانع الحج بعرفة صح الحج

    قال المصنف رحمه الله: (فإن زال مانع الحج بعرفة أو مانع عمرة قبل طوافها وفعلاً إذن وقعا فرضاً).

    عرفنا أن من موانع الحج الرق والصغر، فإذا أحرم العبد بالحج وأحرم الصغير بالحج، ولما أحرما قدما مكة وطافا طواف القدوم وذهبا إلى منى مع أهليهم ووقفا بعرفة، وفي يوم عرفة عتق الرقيق وبلغ الصغير -وهما بعرفة- وأكملا حجهما أجزأهما عن حجة الإسلام، هذا معنى زوال المانع.

    وكذلك لو أسلم الكافر بعرفة ثم أحرم وكمل المناسك صح حجه، أو عقل المجنون بعرفة وأحرم وكمل المناسك صح حجه عن الفريضة.

    وقد عرفنا أن العمرة فريضة، فلو قدر أن العبد أحرم بالعمرة وعتق قبل بدئه بالطواف، ثم طاف وسعى بعد العتق صحت عمرته فريضة، وكذلك الصبي إذا احتلم، والمرأة إذا حاضت قبل أن تطوف ثم طافت للعمرة بعدما طهرت وكملت النسك صحت عمرتها وأجزأتها عن الفريضة.

    حكم من عجز عن أداء الحج أو العمرة لمرض لا يرجى برؤه

    قال المصنف رحمه الله: (وإن عجز لكبر أو مرض لا يرجى برؤه لزمه أن يقيم من يحج عنه ويعتمر من حيث وجبا).

    العاجز لكبر كالذي لا يستطيع الركوب أو الحركة ونحو ذلك يقيم من يحج عنه، فقد ثبت في الصحيح في قصة المرأة التي من خثعم أنها قالت: (يا رسول الله ! إن فريضة الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: نعم) وقاس ذلك بالدين. أي أنها عرفت أن الفريضة قد وجبت عليه، وذلك لأنه عاقل وفاهم ومكلف، ولكن لكبره لا يستطيع أن يثبت على البعير، ولا يستطيع أن يتماسك، ويحتاج إلى من يمسكه، فأمرها بأن تحج عنه بعد حجتها.

    وفي هذه الأزمنة قد يوجد من هذه حالته، ويمكن أن يقال: إن البعير ليس مثل السيارة؛ فالسيارة مركبها مريح وكذلك الطائرة، ولكن يوجد بعض كبار السن إذا ركب السيارة أغمي عليه فلا يستطيع أن يركبها، وكذلك الطائرة ونحوها، يغمى عليه فلا يستطيع أن يفيق ولا يتمكن من الثبات، فهذا معذور وعليه أن يقيم من يحج عنه.

    واشترطوا في المرض أنه لا يرجى برؤه، فإذا قرر الأطباء أن هذا المرض يستمر معه إلى الموت وليس هناك أمل في الشفاء فعليه -والحال هذه- أن يقيم من يحج عنه، وكذلك العمرة.

    ثم قوله: [من حيث وجبا]، أي: يقيم من يحج عنه ويكون ذلك من ماله [من حيث وجبا] يعني: من بلاده التي وجب عليه أن يحج منها، ولا يجوز من أقرب منها؛ لأن تكلفة الحج تختلف باختلاف البلاد، فتكلفة الحج من الرياض -مثلاً- ثلاثة آلاف ريال سعودي ذهاباً وإياباً بما في ذلك الفدية ونحوها، وتكلفة الحج من جدة أو من الطائف ألف أو نحوه، فإذا كان الذي عجز عن الحج لمرض أو لكبر من أهل الرياض أقاموا من يحج عنه من الرياض، ولا يجوز أن يكون من يحج عنه من الطائف ولا من المدينة ولا من جدة، وذلك لأن التكلفة أقل، وهو مكلف بأن يحج من هذه البلاد، ونقول كذلك أيضاً فيمن هو من خارج المملكة، فإذا وجب عليه الحج وهو من أهل قطر أو من أهل الكويت، والتكلفة هناك قد تكون أكثر، قد تبلغ مثلاً خمسة آلاف أو ستة، فلا يجوز أن يقيم من يحج عنه من الرياض ولا من المدينة؛ لأنها أقل، إلا إذا لم يخلف إلا تركة قليلة فإنه يحج عنه من حيث بلغت تلك التركة.

    وكذلك لو قدر أن إنساناً سافر للحج، فلما وصل -مثلاً- إلى الطائف أو قريباً منها توفي قبل الإحرام، ففي هذه الحال يقام من يحج عنه من أهل الطائف؛ لأنه قد قطع هذه المسافة، هذا إذا كان الحج فرضاً، أما إذا كان تطوعاً فيجوز أن يحج عنه ولو من أهل مكة؛ لأن التطوع تبرع.

    فإن برئ هذا المريض قبل إحرام النائب لم يجزئه الحج عنه، ولزمه -والحال هذه- أن يحج بنفسه؛ لأنه زال عذره.

    إما إذا لم يبرأ إلا بعد أن أحرم نائبه فإن حجة النائب عنه مجزئه.

    فالحاصل أنه إذا وكل من يحج عنه ويعتمر عنه ثم برأ قبل أن يحرم النائب بالحج أو بالعمرة بطلت النيابة ولزمه أن يحج بنفسه، وأما إذا أحرم النائب قبل برئه ثم برأ بعد ذلك فإن حج النائب يكفي.

    حكم أخذ المال في حج الإنابة وتساهل الناس في ذلك

    هنا نتكلم على الإنابة؛ لأنه وقع فيها تساهل، وذلك لأن كثيراً من الناس اتخذوها حرفة وأرادوها للتجارة، ويسمونها حج البدل، فيأتي كثير من الناس إلى الرياض يقولون: أعطونا حج بدل. فنقول لهم: إن النائب إنما يحج من البلد التي منها المحجوج عنه، فأنتم الآن حججتم إلى الرياض والحج إلى مكة، فكيف تأتون لأجل هذا؟ وبهذا نعرف أنهم ما أرادوا بذلك إلا المال، والدليل على ذلك: أنهم يماكسون، فإذا قيل لهم: نعطيكم ألفين؛ لأن حجكم إلى مكة ولا ترجعون إلى الرياض قالوا: إن فلاناً يعطي ثلاثة، وفلاناً يعطي أربعة. وهكذا، فهذا يدل على أنهم ما قصدوا إلا المال، فنقول لك: لا تنب إلا من يريد الحج لا من يريد المال.

    وصورة ذلك: إنسان فقير يحب أن يحج بنفسه ويشارك الحجاج في تلك المواسم ويكون ممن تنزل عليهم الرحمة، وممن يباهي الله تعالى بهم الملائكة، ولكنه فقير ليس عنده ما يبلغه وما يرده، ويتمنى أن يحج ولكن ليس بقادر مع أنه قد حج فريضة الإسلام، فهذا أخذ المال لأجل الحج، فمثل هذا يعطى نيابة، وعليه أن ينفق منها في حجه نفقة ذهابه وإيابه وفديته وتنقلاته وما بقي منها يرده على أهل الحاج إلا إذا سمحوا، هذا هو الأصل، وقليل الذين يعملون بذلك.

    وقبل خمس وعشرين سنة كان الحاج تكفيه مائة ريال أجرة ركوب ذهاباً وإياباً، ويكفيه للنفقة ذهاباً وإياباً خمسون ريالاً أو سبعون ريالاً، ثم ما زالوا يزيدون ويزيدون إلى أن صاروا يطلبون ألوفاً، فعرفنا بذلك أن مثل هؤلاء يتخذون الحج حرفة وتجارة يريدون بها المال، فلا يجوز إعطاؤهم؛ لأن من عمل عملاً لأجل مال بطل أجره؛ لقول الله تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ [هود:15]، ولقوله تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ [الشورى:20]، وفي الحديث: (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم).

    يشترط في حج المرأة أن يكون معها محرم

    ويشترط في وجوب الحج على المرأة أن يكون معها محرم، وهذا هو قول الجمهور، وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة ثلاث إلا ومعها ذو محرم)، وفي حديث آخر: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسير مسيرة يومين إلا ومعها ذو محرم) وأقل ما ورد في ذلك مسيرة يوم، هذه أدلة الجمهور.

    وذهب المالكية إلى أنه يجوز أن تحج مع نسوة ثقات، ذكر مالك ذلك في الموطأ، وقال: إن الحج فريضة، وهذه مستطيعة من حيث المال، والمحرم إنما هو شرط، والفرض يقدم على الشرط، فإذا علم أن سبب المحرم إنما هو الخوف عليها من الوقوع في الفاحشة ونحوها فإذا أمنت بأن كانت مع نسوة ثقات فلا حرج ولا خوف عليها. هكذا يعلل المالكية، وفي زمانهم كان المالكية يأتون من أقصى المغرب، من بلاد المغرب ومن بلاد أفريقيا ومن الأندلس ونحو ذلك، وهؤلاء كلهم على مذهب مالك ، فكانوا يرسلون نساءهم بدون محرم في السفن، ويشترطون أن يكون معها ثقات من النساء، ومع ذلك فإن الخطر موجود.

    ويمكن أن يتساهل في هذه الأزمنة إذا أيست ولم تجد محرماً، وسافرت في السيارات الكبار (الحافلات) التي يفصل فيها بين النساء والرجال بحاجز ولا يحصل الاختلاط، وإذا نزلوا تكون النساء جميعاً في خيام والرجال في خيام والمدة قصيرة، مثلاً: ستة أيام أو سبعة أيام، وهذا للتي لا تجد محرماً، مثل الخادمات، وكثيراً ما يشترط أهلها على من استقدمها تمكينها من أداء الحج؛ لأن أهلها في بلادهم لا يقدرون لفقرهم وعجزهم، فإذا شرط على المستقدم فالوسيلة أن يرسلها مع الحملات التي فيها نساء موثوقات ويفصلون النساء عن الرجال، فأما إذا وجدت محرماً فليس لها أن تحج إلا مع محرم.

    قوله: [فإن أيست منه استنابت] يعني: إذا أيست من وجود محرم فإنها تنيب من يحج عنها. وهذا في الأزمنة القديمة التي تكون فيها مدة الحج شهرين كما ذكرنا، أما في هذه الأزمنة فلعل الأمر أخف.

    حكم من مات ولم يحج مفرطاً وله تركة

    قال المصنف رحمه الله: [وإن مات من لزماه أخرجا من تركته].

    الضمير يرجع إلى الحج والعمرة، فإذا مات من كان قادراً وفرط حتى مات قبل أن يحج ويعتمر لزم إخراج نفقتهما من تركته، أو يحج عنه أحد أولاده ذكوراً أو إناثاً، فإذا لم يوجد من يحج عنه أخرج من التركة، وتخرج من رأس المال، وتكون كأنها دين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم شبه ذلك بالدين في قوله: (أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيه؟) فدل على أنها تخرج من رأس المال لا من الثلث، فتخرج من رأس المال كأنها ديون للآدميين، وإذا كان قد أوصى بالثلث أخرج ذلك الثلث، ثم يقسم الباقي على الورثة.

    والفقهاء أيضاً يذكرون ما يلزم من سافر إلى الحج من أحكام السفر، كما ذكر ذلك النووي رحمه الله في رسالته التي في مناسك الحج، ولكن تغيرت الأحوال؛ لأن السفر قديماً كان يستغرق أشهراً وفي هذه الأزمنة لا يستغرق إلا أياماً.

    استحباب الاغتسال عند الإحرام لأجل النظافة

    قال المصنف رحمه الله: [ويسن لمريد إحرام غسل أو تيمم لعذر].

    أي: إذا وصل إلى الميقات، وذلك أنهم كانوا لا يصلون إلى المواقيت إلا بعد مدة، بعد عشرين يوماً أو بعد خمسة وعشرين يوماً، فلا يصلون إلى الميقات إلا وقد اتسخت أبدانهم واتسخت ثيابهم، فهم بحاجة إلى أن يتنظفوا ويغتسلوا، إلا أهل المدينة؛ فإن ميقاتهم بجانب المدينة ما بينهم وبينها إلا ثلاث ساعات بالرواحل أو نحوها، ولكن ميقاتهم بعيد عن مكة؛ لأنهم يبقون محرمين عشرة أيام، فما بين مكة وميقات أهل المدينة عشرة أيام، فهم بحاجة إلى الاغتسال وإلى النظافة، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر النفساء أن تغتسل للإحرام مع أنها لا تصلي، فدل ذلك على مشروعيته.

    نقول: إذا قدر أن الإنسان في بيته تنظف واغتسل وأزال ما في بدنه من الأوساخ ثم ركب سيارته، وبعد خمس ساعات أو ست ساعات أو نحوها وصل إلى الميقات، فهذه الساعات لا يتسخ فيها بدنه عادة، فيكتفي باغتساله في منزله، ويعمل ما يعمله من مقدمات الإحرام ويحرم.

    أما شرعية التيمم فالتيمم لعدم الماء، والصحيح أنه ليس بمشروع، إلا إذا أراد أن يصلي ركعتين ولم يجد ماء فإنه يكتفي بالتيمم، فأما إذا كان الماء موجوداً فإنه يتوضأ ويصلي ركعتين، وأما غسل الإحرام فلا حاجة إلى أن يتيمم بدله، وذلك لأننا عرفنا أن الاغتسال شرع لأجل النظافة، ومعلوم أن التيمم لا ينظف ولا تحصل به نظافة البدن ولا نظافة أعضاء الوضوء.

    استحباب تعاهد خصال الفطرة قبيل الإحرام

    ويستحب أن يتنظف عند الإحرام، والمراد بالتنظف هنا تعاهد خصال الفطرة، فيقص من شعره، ويقلم أظفاره، وينتف شعر الإبط، ويحلق عانته مخافة أن يطول الشعر بعد ذلك فيتأذى به وهو ممنوع من أخذه بعد عقد الإحرام؛ لأنهم كانوا إذا أحرموا مفردين بقوا خمسة عشر يوماً، ففي هذه الخمسة عشر يمكن أن تطول الأظافر، ويطول الشارب، ويطول الشعر فيتأذى به، فأمر أن يتعاهده قبيل عقد الإحرام حتى لا تؤذيه بعد ذلك، وهذا هو السبب في تعاهد الشعر.

    وفي هذه الأزمنة لا تبقى مدة الإحرام إلا قليلاً، فالإحرام بالعمرة لا يمكث إلا ساعتين أو ثلاث ساعات، والإحرام بالحج لا يمكث إلا يومين أو ثلاثة أيام، فنقول: إذا كانت أظافره أو شعره ليس طويلاً فلا حاجة إلى التعهد، حتى الذين يحرمون من المدينة بدل أن كانوا يبقون محرمين عشرة أيام أصبحوا يبقون ثلاث أو أربع أو خمس ساعات ثم يصلون إلى مكة.

    فالتنظف إزالة شعر العانة، ونتف الإبط، وقص الشارب، وإزالة الرائحة الكريهة ونحو ذلك، ولا شك أنه إذا كانت فيه رائحة كريهة فإن عليه أن يزيلها ويحرص على إزالتها.

    استحباب الطيب للمحرم قبيل إحرامه

    ويتطيب في بدنه قبل الإحرام؛ لأنه ممنوع من الطيب بعد ذلك، وقد تطول مدة منعه من الطيب فيتأذى بالرائحة؛ لأنه يبقى عشرة أيام أو نصف شهر وهو ممنوع من الطيب، فلذلك سن له أن يتطيب قبيل عقد الإحرام، أما إذا كانت مدة الإحرام لا تطول فلا حاجة إلى أن يتطيب، وإن تطيب فلا بأس ولكن يكون الطيب في البدن، أي: في شعر الرأس أو في الخدين، أو في اليدين، ولا يجوز أن يطيب ثيابه.

    ففي قصة ذلك الرجل الذي أحرم في جبة وقد تضمخ بالطيب في ثيابه قال صلى الله عليه وسلم: (انزع عنك الجبة، واغسل عنك أثر الطيب) فأمره بأن يغسل أثر الطيب عن ثيابه، فهذا دليل على أنه إذا طيب بدنه فلا بأس، فإن طيب ثيابه أو وقع عليها طيب من غير اختيار سن أن يغسل أثر الطيب عن ثيابه.

    صفة إحرام الرجل

    قال المصنف رحمه الله: [وإحرام بإزار ورداء أبيضين] هذا في حق الرجل، والإزار: ما يشد به عورته من السرة إلى ما تحت الركبة، والرداء يجعله على ظهره يتظلل به من حر الشمس ومن البرد ونحوه، أي: يضع على ظهره رداءً يلتف به. هذا هو إحرام الرجل.

    ليس للإحرام صلاة سنة وإنما هي للوضوء

    ويسن أن يحرم عقب صلاة، فإن كان وقت فريضة صلاها ثم عقد الإحرام بعدها، وإن لم يكن في وقت صلاة كالضحى مثلاً صلى ركعتين ينويها سنة الوضوء وليست سنة إحرام؛ لأنه لم ترد في الإحرام سنة خاصة، ولكن ينوي أنها سنة وضوء بشرط أن لا يكون في وقت نهي كبعد العصر وبعد الفجر، فإذا كان وقت إحرامه بعد العصر فلا يصلي بل يتوضأ ويحرم ويركب سيارته، وكذلك بعد الفجر إن لم يمكث حتى تطلع الشمس.

    وليس مجرد لباس الإحرام هو النية، فلو رأيت رجلاً في الرياض لابساً إزاراً ورداء كلباس المحرم فلا تنكر عليه ولا تقل: هذا خاص بالإحرام. لأن هذا لباس جائز لكل زمان ولكل مكان.

    إذاً: فمتى يكون الإنسان محرماً؟

    إذا نوى وعزم على الدخول في النسك، إذا نوى بقلبه، فلو أنه لبس الإحرام -الإزار والرداء- عند الميقات، ومكث وعليه لباس الإحرام ساعة أو نصف يوم قبل أن ينوي وقبل أن يعزم على الإحرام، ففي هذه الساعات يجوز أن يقص من شعره، ويجوز أن يتطيب، بل يجوز أن يطأ امرأته؛ لأنه ما نوى الإحرام، فلا تحرم المحظورات إلا إذا نوى بقلبه الدخول في النسك.

    إذاً فالإحرام نية، وليس الإحرام مجرد اللباس.

    حكم الاشتراط في الحج والعمرة

    ما حكم الاشتراط في الحج والعمرة؟

    ذكر أنه سنة، وصفته أن يقول: اللهم! إني أريد العمرة فيسرها لي، وتقبلها مني، وإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني. إذ كانوا يستحبونه لكل محرم بحج أو بعمرة، سواء في أشهر الحج أو في غير أشهر الحج.

    وذهب بعضهم إلى أنه لا يستحب -ومنهم شيخ الإسلام- وقالوا: لا يستحب إلا إذا خاف على نفسه عدم التمكن، بأن خاف على نفسه من أن يصده عدو، أو خاف على نفسه أن يمنعه مرض، أو كان هناك خطر، ففي هذه الحال له أن يشترط: إن حبسني حابس فمحلي -أي: موضع إحلالي- حيث حبستني.

    يقول شيخ الإسلام : إن النبي صلى الله عليه وسلم ما أمر به الصحابة، وإنما أمر به امرأة واحدة وهي ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب لما جاءته فقالت: (إني أريد الحج وأجدني شاكية -أي: مريضة. فخشيت أن مرضها يحول بينها وبين إتمام المناسك- فقال: حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني؛ فإن لك على الله ما استثنيت) هذا سبب شرعية الاشتراط، ولما لم يعلمه بقية الصحابة دل على أنه لمن خاف أن لا يتمكن فقط.

    وقد يقول قائل: إن الحوادث موجودة في هذه الأزمنة بكثرة، حوادث الاصطدام، وحوادث الانقلاب وما أشبه ذلك، نقول: هي موجودة ولكن المسافة قليلة، والعادة أنها نادرة في هذه المسافات التي هي مسافة ساعة أو ثلاث ساعات، وبالجملة فإن اشترط فلا بأس، وإن لم يشترط فلا بأس، وإن خاف لمرض أو عجز أو نحو ذلك أو عدم تمكن فيستحب له أن يشترط.

    ويحدث كثيراً أن المرأة تأتي إلى الميقات وعليها الحيض، وتخاف أن أهلها لا يقيمون حتى تطهر، فهل تحرم معهم وتشترط، أو لا تحرم، أو تحرم ولا تشترط؟ نقول: إن جزمت بأن أهلها سيمكثون إلى أن تطهر فإنها لا تشترط، فتحرم ولا تشترط، فإن خافت أنهم لا ينتظرونها بل قد ينصرفون قبل أن تطهر فلها أن تشترط، فإن علمت وجزمت بأنهم لا ينتظرونها فليس لها أن تحرم، بل تبقى وتدخل معهم مكة بدون إحرام؛ لأنها تحققت أنهم لا يبقون إلا ساعتين أو ثلاث ساعات ثم يرحلون وهي لا تطهر إلا بعد يوم أو يومين أو ثلاثة أيام، فإذا اشترطت تقول: اللهم! إني نويت بعمرة -مثلاً- فإن حبسني حابس أو منعني مانع فمحلي حيث حبستني. هذه مقدمات يعملها عند الميقات.

    1.   

    الأنساك الثلاثة

    ذكروا الأنساك ثلاثة: التمتع، والقران، والإفراد. واختلف في أفضلها، فالإمام أحمد يختار أن أفضلها التمتع، وأما الأئمة الآخرون فإنهم مختلفون، فالشافعية يختارون الإفراد، والمالكية في رواية يختارون القران، ولكل اختياره.

    صفة التمتع

    صفة التمتع أن يحرم بعمرة في أشهر الحج ويفرغ منها، ثم يحرم بالحج في عامه، وأشهر الحج هي: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة، فإذا أحرم بالعمرة في شهر شوال وفرغ منها وتحلل وبقي في مكة إلى أن يحج وحج في ذلك العام، فإنه متمتع وعليه فدية التمتع.

    وأما إذا فرغ من العمرة ثم رجع إلى بلاده ثم أحرم بالحج بعد ذلك وحده فإنه يعتبر مفرداً وليس عليه دم، ويسقط عنه دم التمتع برجوعه إلى بلده.

    أفضلية التمتع

    وهل الإفراد أفضل أم التمتع؟

    يختار بعض المشايخ أن الإفراد أفضل إذا سافر للحج سفراً مستقلاً وللعمرة سفراً مستقلاً، وذلك لأنه أكثر مئونة وأكثر تعباً، فإذا قال: أعتمر في رمضان. فسافر في رمضان واعتمر، ثم في شهر ذي الحجة سافر للحج مفرداً فإن هذا أفضل، حيث إنه سافر سفرتين، وأما لو سافر من كانوا من أهل جدة أو أهل الطائف أو منطقة قريبة من مكة للعمرة يوم سبعة، ثم فرغوا من العمرة، ثم رجعوا إلى أهليهم، ثم أحرموا بالحج من بيوتهم يوم ثمانية، ثم رجعوا ودخلوا مكة، فهل هم متمتعون أم مفردون؟

    ما بين إحرامهم بالحج والعمرة إلا نصف يوم أو يوم، والصحيح أنه يسقط عنهم دم التمتع، وأنهم والحال هذه يعتبرون مفردين؛ لأن الحج في سفر والعمرة في سفر.

    صفة الإفراد

    قال المصنف رحمه الله: [ثم الإفراد، وهو أن يحرم بحج، ثم بعمرة بعد فراغه منه] يسافر من الرياض ويمر بالميقات، ويحرم بالحج ويفرغ منه، ثم يرجع إلى بلاده، وينشئ للعمرة سفراً مستقلاً، فهذا هو الإفراد، أما ما يفعله العجزة ونحوهم أو من المعذورين الذين يأتون من مكان بعيد، كالذين يأتون من اليمن أو من الشام أو من إفريقيا أو من البلاد الفقيرة، فلقلة نفقتهم وأموالهم يقولون: لا نقدر على الفدية، ولا نقدر على العمرة مرة ثانية. فيحرمون بالحج ويفرغون من الحج، ثم بعد ذلك يعتمرون من التنعيم في اليوم الثالث عشر واليوم الرابع عشر، ويقولون: هذه عمرة الإسلام انتهينا منها. نقول: إنها وإن كانت مجزئة لكنها ناقصة، والعمرة الكاملة هي التي يحرم بها من بلده، ويفسر بعض العلماء قول الله تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196] قال: إتمامه أن تحرم به من دويرة أهلك، يعني: أن تنشئ له سفراً مستقلاً لكل واحد منهما، هذا هو الإتمام.

    نقول لهؤلاء: إذا كنتم عاجزين عن الفدية فإنكم تستطيعون الصيام، فأحرموا متمتعين بالعمرة، وانتهوا من العمرة، وبعد ذلك صوموا ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم، صوموا بين الحج والعمرة ثلاثة أيام أو في أيام التشريق فتحصل لكم عمرة تامة وحجة تامة، فأما عمرة التنعيم فإنها ناقصة؛ لأن أصل العمرة هي الزيارة، وكلمة (عَمَر المكان) تعني (زاره)، فسميت عمرة لأنهم يزورون البيت من أماكن بعيدة.

    والذين يقولون: إن الإفراد أفضل اختاروا ذلك؛ لأنهم يعتمرون في سفر مستقل، فأما الذين يعتمرون من التنعيم ويقولون: سقطت عنا العمرة فنرى أن عمرتهم ناقصة.

    صفة القران

    وأما القران فهو أن يحرم بالحج والعمرة جميعاً، أو يحرم بالعمرة ثم يدخل عليها الحج قبل أن يشرع في طوافها، بأن يقول: أحرمت بحج وعمرة. أو يقول: أحرمت بعمرة. ثم بعد أن يدخل مكة وقبل أن يطوف يقول: اللهم! إني نويت إحراماً بحج مع عمرتي. فيدخل الحج على العمرة، ويجوز ذلك، ويسمى إدخال الأكبر على الأصغر، إذ أحرم بالعمرة -والعمرة هي الأصغر- ثم نوى إدخال الحج عليها، وهذا جائز ولكن قبل أن يشرع في طوافها، فيصير قارناً، فأما إدخال الأصغر فلا يجزي، فإذا أحرم بالحج ثم قال: أريد أن أدخل على حجي عمرة حتى أنتهي من العمرة ويكفيني إحرام واحد وسعي واحد نقول: لا يجوز إدخال العمرة على الحج، لكن العكس يجوز.

    1.   

    شروط وجوب الهدي على المتمتع والقارن

    والقارن والمتمتع عليهما هدي.

    ويشترط لوجوب الهدي شروط:

    أولها: أن يكون آفاقيا، أي: ليس من ساكني المسجد الحرام؛ لقوله تعالى: ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [البقرة:196] أي: يكون آفاقيا، وأقل ذلك مسافة قصر، والصحيح أنه يكون آفاقيا حتى ولو كان من خارج حدود الحرم، فلو كان من أهل جدة اعتبر آفاقيا، وكذلك من أهل بحرة ونحوها، أما القرى المتصلة بمكة فإنها تعتبر من حاضرة المسجد الحرام.

    هذا شرط، والمؤلف رحمه الله لم يذكر هنا إلا شرطاً واحداً، وذكر الشارح سبعة شروط لوجوب الهدي على المتمتع وعلى القارن هذا أحدها، أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام.

    الشرط الثاني: أن تكون عمرته في أشهر الحج، فإذا كانت عمرته في رمضان فلا يكون متمتعاً.

    الشرط الثالث: أن يحج من ذلك العام، فلو اعتمر في سنة وحج في سنة فلا يجب عليه الدم.

    الشرط الرابع: أن لا يسافر بين الحج والعمرة مسافة قصر. هكذا قال بعض العلماء، ولكن قد اختلف في حد مسافة القصر، ومنهم من قال: لا يسقط عنه الهدي إلا إذا رجع إلى أهله ولو كان مكان أهله قريباً كجدة مثلاً.

    ومن قالوا: مسافة القصر اختلفوا: فمنهم من قال: هي خمسة وثمانون كيلو متر. ومنهم من قال: مسافة القصر أربعة برد. ومنهم من قال: مسافة القصر مسافة يوم وليلة. والمختار أنه إذا غاب عن مكة مدة يوم وليلة وقطع فيها ما لا يقطع إلا بمشقة سقط عنه دم التمتع.

    الشرط الخامس: أن يتحلل من العمرة، فإن أحرم قبل حله منها صار قارناً، ولكن مع ذلك عليه دم.

    الشرط السادس: أن يحرم بالعمرة من الميقات أو من مسافة قصر فأكثر من مكة، وهذا داخل في كونه إذا لم يحرم بها؛ فإنه من حاضري المسجد الحرام.

    الشرط السابع: أن ينوي التمتع في ابتداء العمرة أو أثنائها.

    وأكثر الفقهاء ما ذكروا إلا أربعة شروط: الأول: أن لا يكون من أهل مكة.

    ونالثاني: أن تكون عمرته في أشهر الحج.

    والثالث: أن يتيسر له الحج في ذلك العام.

    والرابع: أن لا يسافر بينهما مسافة قصر.

    هذه شروط وجوب الهدي أو شروط وجوب دم التمتع.

    يقول: [وإن حاضت متمتعة فخشيت فوات الحج أحرمت به وصارت قارنة].

    فـعائشة رضي الله عنها أحرمت متمتعة بالعمرة، ولما جاءت إلى سرف حاضت، وبقيت في عمرتها، ولما كانت بمكة وقرب ذهاب الناس إلى عرفة وهي لم تطهر أمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تدخل على عمرتها حجاً، فأدخلت الأكبر على الأصغر وصارت قارنة، ولم تطهر إلا بعرفة فطهرت واغتسلت، وقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (إن طوافك بالصفا والمروة يكفيانك عن حجك وعمرتك) ولكنها لما رأت صويحباتها قد حصلن على حج مستقل وعمرة مستقلة أحبت أن تكون مثلهن.

    1.   

    الأماكن التي تستحب فيها التلبية

    بعد ذلك ذكر التلبية، والتلبية شعار المحرم، وهي مسنونة ومؤكدة، وذهب بعضهم إلى أنها ركن من أركان الحج والعمرة، فطالما أحرم ولم يلبِ لم يصح إحرامه، وبعضهم جعلها واجبة فإذا لم يلبِ فعليه دم؛ لأنه ترك واجباً، ولكن أكثر الفقهاء على أنها سنة ولكنها تتأكد، فهي سنة مؤكدة.

    وذكر المصنف لها أحد عشر موضعاً تتأكد فيها:

    الأول: إذا علا نشزاً. أي: إذا رقى مكاناً مرتفعاً لبى.

    الثاني: إذا هبط وادياً. أي: منخفضاً.

    الثالث: إذا صلى مكتوبة. أي: فريضة من الفرائض.

    الرابع: إذا أقبل الليل.

    الخامس: إذا أقبل النهار.

    السادس: إذا التقت الرفاق، وكانوا يتلاقون في الطريق وهم يمشون أو ركباناً على الإبل.

    السابع: إذا ركب دابته أو مركوبه.

    الثامن: إذا نزل.

    التاسع: إذا سمع من يلبي، فيجدد التلبية.

    العاشر: إذا رأى البيت.

    الحادي عشر: إذا فعل محظوراً وهو ناسٍ، كتغطية رأس، ولبس مخيط، ونحو ذلك.

    1.   

    حكم الإحرام قبل الميقات

    هل يجوز أن يحرم من الطائف قبل أن يصل إلى الميقات الذي هو السيل (قرن المنازل)؟

    يجوز ولكن مع الكراهة، فإن قدر أنه ركب الطائرة فاحتاط وأحرم ولبى قبل أن يصل إلى الميقات بعشر دقائق أو بربع ساعة فإن ذلك جائز مخافة أن يتجاوزه وهو غافل، مع أن الملاحين ينبهون الذين يركبون الطائرة على قرب الوصول إلى الميقات، ولكنهم يغفلون فلا يشعرون إلا وقد تجاوزوا الميقات بعشرة كيلو، فيكون عليهم دم إذا أحرموا بعد ذلك، فنقول لهم: أحرموا قبل الميقات بربع ساعة أو بثلث ساعة أو بعشر دقائق احتياطاً حتى لا يلزمكم دم.

    1.   

    حكم الإحرام بالحج قبل أشهر الحج

    كذلك هل يجوز الإحرام بالحج قبل أشهره ولو كان فيه مشقة؟

    صفة ذلك أن يقول: سوف أحرم بالحج من نصف رمضان وأبقى بالإحرام إلى يوم العيد -عيد النحر- فيجوز ذلك مع الكراهة، أي أنه أحرم قبل دخول وقت الحج أو قبل أشهر الحج، وهذا مكروه ولكنه جائز، وينعقد حجه ولو كانت عليه مشقة؛ لأنه سوف يبقى قريباً من ثلاثة أشهر على إحرامه.

    1.   

    مواقيت الحج

    الحج له مواقيت زمانية ومواقيت مكانية، فالزمانية ذكرها الله تعالى إجمالاً بقوله تعالى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ [البقرة:197]، وكأنها كانت معروفة ومعلومة عند العرب قبل الإسلام، واتفقوا على أنها شوال، وذو القعدة، واختلفوا في ذي الحجة، فقيل: وذو الحجة كله. وقيل: العشر الأول منه، والذين قالوا: ذو الحجة قالوا: إنه يجوز إيقاع أعمال الحج في آخره، ولأن الله ذكرها بالجمع (أشهر) ولم يقل: شهران. وأكثر الفقهاء على أنها شهران وعشرة أيام، ومعنى كونها (أشهره) أي: لا يصح الإحرام به إلا فيها، وإن كان قد أجاز بعضهم الإحرام قبلها ولكن مع الكراهة كما ذكرنا.

    أما المواقيت المكانية فقد روى ابن عمر أو ابن عباس حديثاً فيه توقيت الأماكن، فوُقِّت لأهل المدينة ذو الحليفة، ولأهل الشام ومصر والمغرب الجحفة، ولأهل اليمن يلملم، ولأهل نجد قرن، هذه هي المواقيت التي ذكرت في الأحاديث.

    فذو الحليفة قريب من المدينة، وبينه وبين المسجد النبوي ستة أميال، وهو الآن قد دخل في المدينة، فقد وصل إليه البنيان والعمران، ولكنه متميز يعرف بمسجد الإحرام، ويعرف بذي الحليفة، ثم لما كثر الرافضة في المدينة سموه أبيار علي، وادعوا أن علياً قاتل الجن في هذا المكان، وقد أنكر ذلك شيخ الإسلام وقال: تسميته بأبيار علي كذب، ولم يقاتل علي أحداً من الجن، فيسمونه أبيار علي، وبين الحليفة وبين المدينة عشر مراحل، وفي ذلك الوقت كانت عشرة أيام على الإبل، والآن قد قربت فهي أقل من أربعمائة كيلو مترٍ، فكانت مع الطريق القديم الذي يمر ببدر وجدة ورابغ كانت قريباً من أربعمائة كيلو مترٍ ثم قصرت مع الطريق الجديد.

    والجحفة وقتها لأهل الشام وأهل مصر والمغرب، والمغرب يعني إفريقيا كلها، يأتون عن طريق البحر أو يأتون عن طريق البر ويمرون بالمدينة فيحرمون من الجحفة، وكانت تسمى قديماً (مهيعة)، وكانت قرية قديمة ثم صار فيها وباء وحمى، فهجرت وخربت وصار الناس يحرمون قبلها من رابغ، ورابغ أيضاً بلدة قديمة ذكرها الحافظ ابن حجر في (فتح الباري) وذكر أن الناس يحرمون من رابغ، وفي هذه الأزمنة عمرت الحكومة -أيدها الله- مسجداً في الجحفة، وسهلت له طريقاً معبداً، فمن أراد أن يحرم من الميقات الحقيقي فإنه يجد طريقاً بعدما يتجاوز رابغ ويصل إلى الجحفة وهناك مسجد مهيأ فيه كل ما يحتاجه المحرم، كما أن في ذي الحليفة مسجداً كبيراً مهيأ بالمغاسل ونحوها.

    وأهل اليمن ميقاتهم يلملم، وتسمى الآن (السعدية)، وفيها أيضاً مسجد كبير، وفيها مراحيض وحمامات ومغتسلات، وليس حوله قرى -أي: حول ذلك المكان- إلا قليل سكنوا لأجل المصالح الخاصة.

    ولأهل نجد قرن، ويسمى (قرن المنازل) أو (قرن الثعالب)، وأصله جبال صغيرة مستطيلة ممتدة شمالاً وجنوباً، مرتفعة عن الأرض قليلاً، وهي دون الجبال الكبيرة الشاهقة، وبينها وادٍ ويمرُّ من دونها أو على حدها، وتسمى الآن: (السيل الكبير)، وقد تسمى أيضاً (قرن المنازل).

    ثم في حدود عام اثنين وثمانين فتح طريق من الطائف إلى مكة مع الجبل الذي يعرف بكراء، وصار أهل الطائف ومن مر معهم يمرون مع ذلك المكان، فأين يحرمون؟

    لا يمكن أن يمروا إلى الميقات الذي هو السيل، فسألوا ووجدوا ما يسمى الآن بـ(وادي محرم) وهو أعلى قرن المنازل، فصدرت الفتوى بأنه ميقاتهم، وعمر هناك مسجد كبير، وكان ابن لادن قد عمر مسجداً صغيراً ثم عمرت الحكومة مسجداً كبيراً في وادي محرم، وكذلك أيضاً في وادي السيل وهو أشهرها، فالحاصل أن هذه خمسة مساجد: مسجد في ذي الحليفة، ومسجد في الجحفة، ومسجد في يلملم، ومسجد في وادي محرم، ومسجد في السيل، وهذه هي المواقيت التي يمر بها الناس والتي طرقها معبدة.

    أما ذات عرق فلا يمر بها الطريق، وكان أهل العراق وأهل المشرق -أي: المشرق كله الهند والسند وما وراء النهر- كانوا يمرون في طريقهم على إيران وخراسان والعراق وما إلى ذلك، ويأتون من طريق العراق، ويصعب عليهم أن يمروا بميقات أهل نجد الذي هو قرن المنازل، فلما صعب عليهم سألوا عمر وقالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم حد لأهل نجد قرناً وإنه جور عن طريقنا، فقال لهم عمر: (انظروا حذوها من طريقكم) فوقت لهم ذات عرق، فكانوا يحرمون بها طوال هذه القرون، وتسمى (الضريبة)، ولما لم تكن في تلك الجهات طريق معبدة يمر بها صاروا يأتون مع طريق الحجاز مع طريق نجد أو مع طريق المدينة، ويحرمون من قرن أو يحرمون من ذي الحليفة، ويمكن أن يمر بالضريبة هذه بعض الأهالي الذين حولها والذين لا يتمكنون من الذهاب إلى الطرق المعبدة لبعدها عنهم فيحرمون منها، ولكن ليست محرماً مشهوراً مع أنها ميقات، فطوال هذه القرون يمر بها ويحرم منها أهل المشرق كلهم، وأهل مكة يحرمون منها، وكذلك أهل جدة، وكذلك أهل الشرائع، وأهل بحرة، وأهل الهدا، وأهل الشميسي.

    وأهل القرى التي حول مكة يحرمون من بيوتهم، فإنه صلى الله عليه وسلم قال: (ومن كان دون ذلك فمحله من حيث أحرم، حتى أهل مكة من مكة).

    أما أهل مكة فإنهم إن أرادوا العمرة فإنهم يخرجون ويحرمون من الحل؛ لأنه لابد في العمرة من أن يكون فيها حل وحرم، كما أن الحج لابد من أن يكون فيه حل وحرم، فأهل مكة يخرجون من حدود الحرم إلى عرفة وهي من الحل، وكذلك لابد أن يخرجوا إلى التنعيم مثلاً أو إلى عرفة ويحرمون بالعمرة، والدليل على ذلك: (أنه صلى الله عليه وسلم أرسل عائشة لتحرم من التنعيم للعمرة).

    1.   

    محظورات الإحرام

    محظورات الإحرام تسعة:

    الأول: إزالة الشعر من البدن، من الشارب، أو من اللحية، أو من العانة، أو من شيء من البدن، والأصل تحريم حلق الرأس، قال تعالى: وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ [البقرة:196]، ولكن لما كانت إزالة الشعر فيها شيء من الترفع ألحقت جميع أشعار البدن بالرأس؛ لأن إزالته تنعم وترفع، هذا هو السبب.

    الثاني: تقليم الأظفار من اليدين أو الرجلين، ألحقت أيضاً بحلق الرأس؛ لأنه أيضاً ترفع وتنعم.

    الثالث: تغطية رأس الرجال. ودليله قوله صلى الله عليه وسلم في الذي مات وهو محرم: (اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تخمروا رأسه -أي: لا تغطوا رأسه-؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً).

    الرابع: لبس المخيط. والمراد به ما فصل على جزء من البدن، أي: على مقدار من البدن. وليس شرطاً أن يكون مخيطاً بإبرة أو ماكينة ونحوها، فلو نسج على هيئة اللباس، حيث إن بعض الماكنات تنسج الفنائل ولا تكون فيها خياطة، أو السراويلات أو ما أشبهها فإذا كان محيطاً بجزء من البدن فإنه لا يجوز لبسه، فيدخل في ذلك القميص الذي له جيب وأكمام، وتدخل فيه الجبة التي لها أكمام، والفانيلة، وكذلك العباءة التي لها أكمام، والفروة، والألبسة الجديدة وما يسمى بالبالطو والكوت وما أشبهها.

    ويستثنى من ذلك السراويل لمن لم يجد إزاراً، فإذا لم يجد إزاراً فإنه يلبس السراويل، والسراويل واحد جمعه سراويلات، وقيل: إن مفرده سروال. والأكثر على أن المفرد سراويل، والجمع سراويلات، فيجوز أن يلبس السراويل ليستر به عورته إذا لم يجد إزاراً.

    وكذلك يلبس الخفين إذا لم يجد نعلين، واختلف هل يقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين كما في حديث ابن عمر أو لا يقطعهما كما في حديث ابن عباس ؟

    اختار الإمام أحمد أنه لا يقطعهما وأنه لا يفك السراويل، وأكثر الفقهاء على أنه يقطع الخفين حتى يكونا أسفل من الكعبين، وإذا كان كذلك فلا يلبس شبه المقطوع وهو ما يسمى بالكنادر التي تحت الكعبين، والأقرب أنه لا يلبسها مع وجود النعلين؛ لأنهما كالخف المقطوع والخف المقطوع لا يلبس إلا عند عدم النعل.

    الخامس: الطيب. فلا يتطيب في بدنه ولا في ثوبه بأي نوع من أنواع الطيب، من المسك أو من الكافور أو من الورد أو من العود أو من الريحانة أو جميع أنواع الطيب التي فيها رائحة زكية أو لون زكي أو حسن كزعفران أو ورس أو ما أشبه ذلك.

    السادس: قتل الصيد. ويراد به الصيد البري المتوحش طبعاً.

    السابع: عقد النكاح، وإذا عقد النكاح فإنه لا ينعقد ولا فدية عليه.

    الثامن: الجماع.

    التاسع: المباشرة. مباشرة المرأة ولو بالتقبيل ولو فيما دون الفرج، فهذه محظورات الإحرام، والله أعلم.

    1.   

    الأسئلة

    إذا حاضت المرأة قبل غسل الإحرام

    السؤال: إذا حاضت المرأة قبل غسل الإحرام فماذا عليها؟ وهل عليها دم؟ وكيف تفعل في مكة؟

    الجواب: ذكرنا أنها إذا جاءت إلى الميقات وهي حائض فإما أن تجزم وتعتقد أن رفقتها لا ينتظرونها، بل ينصرفون قبل أن تطهر، فهذه لا تحرم، بل تدخل معهم مكة ولا تدخل الحرم.

    الثاني: أن تعرف وتتيقن أنهم ينتظرونها حتى تطهر، ففي هذه الحال تحرم معهم، وتغتسل وتفعل ما يفعله المحرم إلا أنها لا تصلي، ثم تدخل مكة وتبقى في المنزل إلى أن تطهر ثم تغتسل وتكمل عمرتها.

    الثالث: أن لا تدري، أي: تشك هل سوف ينتظرونها أم لا؟ ويمكن أن تطول مدتها، فالأقرب لهذه أنها تشترط فتقول: إذا لم أتمكن فمحلي حيث حبستني.

    امرأة اغتسلت للحيض ولم تغسل رأسها

    السؤال: امرأة حاضت لأول مرة، وعندما اغتسلت بعد الحيض لم تغسل رأسها لجهلها، ثم ذهبت إلى الحج واغتسلت للإحرام ولم تنو الطهارة من الحيض، فماذا عليها الآن وقد حجت العام الماضي ولم تتزوج بعد، هل يلزمها الطواف؟

    الجواب: تركها لغسل رأسها خطأ، وإذا صلت شيئاً من الصلوات بهذه الطهارة فتعيد ما صلته، ثم لما اغتسلت غسلاً كاملاً عند الميقات ارتفع الحدث -حدث الحيض- ولو ما نوت الطهارة من الحيض، لوجود الاغتسال الكامل الذي هو مسنون، فيصح حجها وتصح بقية أعمالها.

    إذا ترك السعي لعلة جبر بالفدية

    السؤال: امرأة اعتمرت وطافت وفي السعي أغمي عليها وذلك لصرع ينتابها أحياناً وأدخلت المستشفى وأعيدت إلى بلادها وخلعت إحرامها ولم تكمل السعي، فما عليها؟

    الجواب: الأسهل عليها الفدية، فدية ترك واجب، فتذبحها في مكة لمساكين الحرم، على القول بأن السعي من الواجبات التي تجبر بدم، وهو قول مشهور عند العلماء.

    حكم من زاد على السبعة الأشواط في السعي

    السؤال: نحن جماعة ذهبنا لنعتمر، وبعد أن انتهينا من الطواف بالبيت ذهبنا إلى السعي فسعينا أربعة عشر شوطاً جهلاً منا، فماذا علينا ؟

    الجواب: تكفيكم سبعة والسبعة الأخرى رياضة.

    الحج عمن خارج المملكة من داخل المملكة

    السؤال: والدي كان يسكن خارج المملكة وتوفي، فهل يجوز أن أحج عنه وأنا في المملكة ؟

    الجواب: إذا كان مات وهو عاجز فإنه جائز أن تحج عنه من المملكة، أما إذا كان قادراً على أن يحج بماله من هناك فلابد أن تكون الحجة من بلاده.

    حكم المتاجرة في حملات الحج

    السؤال: ما حكم المتاجرة في حملات الحج، وأن تأخذ عن الشخص ستة آلاف أو أربعة آلاف أو غيرها؟

    الجواب: لا بأس إذا كان يخدم الحجاج خدمة مناسبة، ويقوم بما يجب عليه لهم، فلا مانع من ذلك إن شاء الله.

    لا يجوز الحج عن أكثر من شخص في حجة واحدة

    السؤال: هل يجوز أن يحج الشخص عن أكثر من شخص في حجة واحدة؟

    الجواب: لا يجوز ذلك، إنما في كل سنة حجة واحدة عن شخص واحد.

    حج النافلة عن الغير

    السؤال: لي جدة كبيرة في السن ولا تستطيع الحج والعمرة، مع العلم أنه قد سبق لها أن حجت حجة الإسلام والعمرة أيضاً، فهل لي أن أحج عنها ؟

    الجواب: يجوز ذلك، وتنويها تطوعاً عنها إذا كانت عاجزة، فيجوز أن يحج عنها أحد أولادها أو أولاد أولادها.

    التحرز من المخالفات والمنكرات في حملات الحج

    السؤال: يحصل في الحج سفور الخادمات وتبرجهن وحصول كثير من المنكرات، حيث إن القيم عليهن تظهر عليه علامات الفسق، ويحصل التقاء الخدم الرجال بالخادمات معهن في أثناء الحج، وأنا على علم بهذا لأني صاحب حملة لتنظيم الحج، فما توجيهكم في ذلك؟

    الجواب: إذا كنت صاحب حملة فلا بد أن تتعهد من يحج معك من النساء بأن يتسترن غاية التستر، ولا يبرزن أمام الرجال، سواء أكان معهن محارمهن أم ليس معهن كالخادمات ونحوهن.

    نقول: ولابد من أن تتأكد أن كل امرأة لا تلتزم بشعائر الإسلام تمنعها وتردها، وتقول لها: ليس لك معنا مكان، اطلبي غيرنا. حتى يكون الحجاج صفوة خياراً رجالاً ونساءً.

    سبب الجهر بالنية في الإحرام

    السؤال: معلوم أن النية محلها القلب، فلماذا يعلن المحرم نيته بها ؟

    الجواب: لأجل أن هذا النسك يختلف باختلاف الأعمال، فلأجل ذلك شرع أن يتلفظ بذلك، فيقول: اللهم! إني أحرمت بعمرة، لبيك حجا. أو: اللهم! لبيك عمرة. أو نحو ذلك، ثم ورد فيه الحديث أن جبريل قال للنبي صلى الله عليه وسلم: (مر أصحابك أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال).

    كيفية الإهلال بالحج والعمرة عن الغير

    السؤال: كيف يقول من نوى الحج أو العمرة عن غيره ؟

    الجواب: يقول: اللهم! إني أحرمت بهذه العمرة أو بهذا الحج عن فلان، فيسره لي وتقبله مني.

    حكم تكرار العمرة في اليوم الواحد

    السؤال: هل يجوز لي أن أعتمر عدة مرات في اليوم الواحد عن نفسي وأهلي ؟

    الجواب: هذا غير مشروع، وما كان الصحابة ولا السلف يخرجون مرتين أو ثلاثاً إلى التنعيم، ونفضل لك أن تبقى في الحرم وتنوي الاعتكاف أو تشتغل بالقربات، فهو أفضل من تكرار العمرة في اليوم أو في الأيام.

    من كان مقيماً في مكان فميقاته ميقات أهل ذلك المكان

    السؤال: يقول: أنا رجل من أهل السودان وأقيم في مدينة الرياض، فأين يكون ميقاتي؟

    الجواب: ميقات أهل الرياض ونجد (السيل) الذي هو (قرن المنازل) وفيه مسجد معروف هناك.

    حكم تجاوز الميقات بغير إحرام

    السؤال: رجل رحل إلى جدة بالطائرة وله نية العمرة، لكن نيته أن يصل إلى جدة ويبقى فيها يومين أو ثلاثة ثم يذهب إلى مكة ويأتي بالعمرة، ما حكم عمله ذلك؟ وإن كان لا بأس بذلك فأين يكون الميقات، هل هو من مكانه بجدة أم ينزل إلى السيل ثم يحرم؟

    الجواب: إن أحرم من جدة فعليه دم؛ لأنه تجاوز الميقات، والطريقة التي يسلم بها من الدم أن يرجع إلى الميقات فيحرم منه، فيرجع إلى السيل ويحرم منه حتى يسلم من وجوب الدم عليه.

    زوج البنت محرم

    السؤال: هل لي أن أصافح أم زوجتي وأن تكشف لي وجهها وتجلس معي في الخلوة ؟

    الجواب: أم الزوجة محرم، وهي محرمة عليه؛ لقوله تعالى: وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ [النساء:23] فله أن يصافحها، ولها أن تكشف عنده كسائر محارمها.

    حكم سفر المدرسات من غير محرم

    السؤال: ما حكم فعل المدرسات اللاتي يسافرن مسافة مائة وخمسين ومائتين وخمسين كيلو متر بدون محرم، ويعللن ذلك بأنهن كثيرات ولا توجد خلوة، حيث يخرجن من بعد صلاة الفجر ولا يعدن إلا بعد العصر أو قريباً منه؟

    الجواب: يجوز ذلك للحاجة؛ لأنه يشق عليهن أن يذهب مع كل واحدة محرمها، فإذا كن عشراً أو عشرين، وكن ثقات، وكان السائق ثقة ومعه امرأته أو إحدى محارمه، والمسافة ساعة أو ساعتين ذهاباً ومثلها إياباً فلعل ذلك يرتكب بقدر الحاجة.

    حكم ذهاب المرأة الكبيرة للعمرة من غير محرم

    السؤال: طبيبة كندية كبيرة في السن، وقد أيست من الحيض، وتأثرت بالإسلام وأسلمت، وفيها حرص شديد على تعلم الصلاة والفاتحة والسنن والمستحبات، والآن تريد العمرة، وليس لها أحد هنا، وقد تنكر لها زميلاتها الكافرات ولمنها على إسلامها، وأنا امرأة متكفلة بالذهاب بها إلى مكة مع زوجي وأولادي فهل علي إثم؟

    الجواب: لا حرج عليكم إن شاء الله، وإن ذهبت مع الحملات فهو أولى، حيث إنها كبيرة شبه آيسة، فإذا ذهبت معكم فلا بأس.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3039343654

    عدد مرات الحفظ

    729739397