إسلام ويب

شرح اعتقاد أهل السنة [6]للشيخ : عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين

  •  التفريغ النصي الكامل
  • عقيدة أهل السنة والجماعة هي وسط بين عقائد الفرق في كل شيء، فهم يثبتون عقيدتهم دون أي تناقض أو زيادة أو نقص، أو خضوع لآراء الرجال على مر الأزمان، ومن ذلك أنهم يثبتون لله عز وجل مشيئة كما يليق به سبحانه وتعالى، وكذلك يثبتون للعبد مشيئة ولكنها تعمل تحت مشيئة الرب تعالى العامة، وتحت تصرفاته الكونية، ولهم في ذلك أدلتهم الواضحة من الكتاب والسنة، كما أنهم يعتقدون أن القرآن كلام الله ليس بمخلوق، لفظه ومعناه من الله تعالى.

    1.   

    مشيئة الله ومشيئة العبد عند أهل السنة

    إن من أهم أمور العقيدة معرفة الله تعالى والإيمان به، وذلك يستدعي الإيمان بوجود الله وبكمال قدرته، وبكمال تصرفه في خلقه، وكذلك الإيمان بأسمائه وصفاته التي هي أسماء حسنى وصفات علا، والتي هي صفات كمال ونعوت جلال، وما سوى ذلك فإنه يعتبر تابعاً لبقية أركان الإيمان، وكذلك أمور العقيدة تابعة للإيمان بالله، وذلك لأن من آمن بالله تعالى وبصفاته وبوحدانيته وبكماله استدعى ذلك عبادته، واستدعى ذلك طاعته وحده، وتصديق رسله الذين بلغوا عنه، واستدعى ذلك وحدانيته وتوحيده، وإخلاص العبادة له، وما يتفرع عن ذلك من الأعمال تابع لهذا الاعتقاد.

    قال الشيخ الحافظ أبو بكر الإسماعيلي رحمه الله تعالى في بيان اعتقاد أهل السنة: [ويقولون ما يقوله المسلمون بأسرهم: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لا يكون، كما قال الله تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [التكوير:29].

    ويقولون: لا سبيل لأحد أن يخرج عن علم الله، ولا أن يغلب فعله وإرادته مشيئة الله، ولا أن يبدل علم الله، فإنه العالم لا يجهل ولا يسهو، والقادر لا يغلب.

    ويقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق، وإنه كيفما تصرف بقراءة القراء له وبلفظه فإنه كلام الله، وأنه محفوظ في الصدور، متلو بالألسن، مكتوب في المصاحف غير مخلوق، ومن قال بخلق اللفظ في القرآن يريد به القرآن فقد قال بخلق القرآن].

    قال المعلق جزاه الله خيراً: مسألة اللفظ في القرآن اضطرب فيها أقوام من أهل الحديث والسنة، قال ابن قتيبة في كتاب (الاختلاف في اللفظ): ثم انتهى بنا القول إلى ذكر غرضنا من هذا الكتاب وغايتنا من اختلاف أهل الحديث في اللفظ بالقرآن وتشانئهم وإكفار بعضهم بعضاً، وليس مما اختلفوا فيه مما يقطع الألفة، ولا مما يوجب الوحشة؛ لأنهم مجموعون على أصل واحد وهو: القرآن كلام الله غير مخلوق.

    وقال ابن القيم : وأئمة السنة والحديث يميزون بين ما قام بالعبد وما قام بالرب، والقرآن عندهم جميعه كلام الله؛ حروفه ومعانيه، وأصوات العباد وحركاتهم وأداؤهم وتلفظهم كل ذلك مخلوق بائن عن الله. إلى أن قال: البخاري أعلم بهذه المسألة، وأولاه بالصواب فيها من جميع من خالفه، وكلامه أوضح وأمتن من كلام أبي عبد الله ، فإن الإمام أحمد سد الذريعة حيث منع إطلاق لفظ المخلوق نفياً وإثباتاً على اللفظ إلى أن قال: والذي قصده أحمد أن اللفظ يراد به أمران:

    أحدهما: الملفوظ نفسه، وهو غير مقدور للعبد ولا فعل له.

    الثاني: التلفظ به والأداء له فعل العبد.

    فإطلاق الخلق على اللفظ قد يوهم المعنى الأول، وهو خطأ، وإطلاق نفي الخلق عليه قد يوهم المعنى الثاني، فمنع الإطلاقين، وأبو عبد الله البخاري ميز وفصل، وأشبع الكلام في ذلك، وفرق بين ما قام في الرب وبين ما قام في العبد، وأوقع المخلوق على تلفظ العباد وأصواتهم وحركاتهم وأكسابهم، ونفى اسم الخلق عن الملفوظ، وهو القرآن الذي سمعه جبرائيل من الله، وسمعه محمد من جبرائيل.

    تنبيه: لقد زعم كثير من أهل الأهواء أن الإمام البخاري قال: لفظي بالقرآن مخلوق. ولكن بعد التحقيق تبين أن نسبة هذا القول للإمام البخاري رحمه الله من قبل شهادة الزور عليه، وأنه براء من هذه المقالة، ولقد صرح الإمام البخاري نفسه أن من قال: إني قلت: لفظي بالقرآن مخلوق فقد كذب عليَّ.

    قال محمد بن نصر : سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول: من زعم أني قلت: لفظي بالقرآن مخلوق فهو كذاب، فإني لم أقله. فقلت له: يا أبا عبد الله! قد خاض الناس في هذا وأكثروا فيه! فقال: ليس إلا ما أقول. وقال أبو عمرو الخفاف : أتيت البخاري فناظرته في الأحاديث حتى طابت نفسه، فقلت: يا أبا عبد الله ! هاهنا أحد يحكي عنك أنك قلت هذه المقالة. فقال: يا أبا عمرو ! احفظ ما أقول لك: من زعم من أهل نيسابور وقومك والري وهمذان وحلوان وبغداد والكوفة والبصرة ومكة والمدينة أني قلت: لفظي بالقرآن مخلوق فهو كذاب، فإني لم أقله، إلا أني قلت: أفعال العباد مخلوقة.

    فالثابت عنه أنه قال: أفعالنا مخلوقة. فيدخل في هذا تلفظ القارئ بالقرآن، وكتابة الكاتب لألفاظ القرآن، وحفظ الحافظ للقرآن، وجهر القارئ بالقرآن، وحسن صوته وتغنيه بالقرآن، فهي أمور مخلوقة؛ لأنها من أفعال العباد، فهذا ما ذهب إليه رحمه الله، وهذا تفصيله في المسألة فتأمل.

    1.   

    أدلة أهل السنة في إثبات الصفات الذاتية والفعلية

    ذكرنا أن صفات الله تعالى تنقسم إلى قسمين: صفات ذاتية، وصفات فعلية.

    فصفة الوجه في قوله تعالى: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ [الرحمن:27]، وقوله تعالى: إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى [الليل:20] ونحوه صفة ذات؛ لأن الوجه بعض من الذات.

    وصفة السمع والبصر في قوله: وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً [النساء:134]، وقوله: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ [المجادلة:1]، وقوله: الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ [الشعراء:218]هاتان صفتان ذاتيتان.

    وصفة العلم والقدرة صفات ذاتية أيضاً ولا شك أنه دائماً متصف بالعلم وبالقدرة، وما ذاك إلا أنها صفات كمال، وإذا فقدت حل بدلها نقص، فلذلك نقول: إنها صفات ذاتية.

    وكذلك صفة القوة والعزة صفات ذاتية أيضاً، وذلك لأنها ملازمة للموصوف، فهو تعالى قوي، ولا يكون في وقت من الأوقات مخالفاً للقوة، وكذلك عزيز لا تنتفي عنه العزة في وقت من الأوقات.

    فلذلك يثبت أهل السنة هذه الصفات ويجعلونها صفات ذاتية، ويوافقهم الأشاعرة على إثبات السمع والبصر والقدرة والإرادة والحياة والعلم والكلام، وذلك لأنهم أثبتوها بالعقل، ولم يستندوا في إثباتها إلى النقل، فلما رأوا أن العقل يثبتها أثبتوها، ولكن ألزموا بالبقية كالقوة والعزة والحكمة، وبإثبات صفات الذات كالوجه واليد وما أشبه ذلك، فيلزمهم إثبات ذلك.

    وقد ذكرنا أن الله تعالى وصف نفسه بأنه بصير، كما في قوله: وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً [النساء:134]، والبصر هو إدراك الأشياء.

    ويقول العلماء: إن الله تعالى سمى نفسه بصيراً، فيلزم إثبات كمال البصر.

    ويقولون أيضاً: إنه سبحانه كما أثبت الاسم-بصيراً- فقد أثبت الفعل، كما في قوله: إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه:46]، (أسمع وأرى) هذان فعلان، وكذلك في قوله: الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ [الشعراء:218] (يراك) فعل مضارع، فيدل على إثبات أن الله تعالى يرى العباد، وأنه لا يخفى عليه منهم خافية.

    وكذلك أيضاً أثبت لنفسه صفة العين في قوله تعالى: وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه:39]، وأثبت الأعين: تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا [القمر:14] وَاصْنَعْ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا [هود:37] والعين هي آلة البصر، فأثبت لنفسه هذه الصفات -البصر والعين والرؤية- أي أنه يرى، وكل ذلك أدلة واضحة في إثبات هذه الصفات، فيثبتها أهل السنة كما جاءت.

    وقد ورد في آية طه: وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه:39]، فهذا فيه إثبات العين مفرد، ولكن يراد بها الجنس، كما أثبت اليد في قوله: تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ [الملك:1]أي: جنس اليد. وورد في آية القمر: تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا [القمر:14] بلفظ الجمع، والجمع هاهنا مضاف إلى ضمير الجمع (أعيننا)، وقد ذكرنا أن هذا الجمع لأجل التعظيم، فالله تعالى يذكر نفسه بلفظ الجمع، كما في قوله: نَحْنُ قَسَمْنَا [الزخرف:32] والجمع يذكره من يعظم نفسه، قال تعالى: نَحْنُ قَسَمْنَا [الزخرف:32]، إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر:1] بِأَعْيُنِنَا [هود:37]، فقوله: تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا [القمر:14] وَاصْنَعْ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا [هود:37]من باب ذكر الجمع لمناسبة ضمير الجمع. فهذا هو دليل إثبات هذه الصفات.

    1.   

    مشيئة العبد تحت مشيئة الله

    يتكرر إسناد المشيئة إلى الله تعالى في الآيات والأحاديث، وقد ثبت أنه عليه الصلاة والسلام قال في الدعاء: (ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن).

    ودليل ذلك من القرآن قوله تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [التكوير:29]، وقوله: وَمَا يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [المدثر:56]، ولا شك أن الله تعالى قد أعطى العباد مشيئة تناسبهم، ولكن مشيئتهم مرتبطة بمشيئة الله، فلا يشاؤون إلا ما شاءه الله، فهو أولاً أثبت لهم المشيئة: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ [التكوير:28]، ثم ربط مشيئتهم بمشيئته: وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [التكوير:29]، ومن هنا نعرف أن مشيئة الله تعالى غالبة لمشيئة العبد، وأن العبد له مشيئة تناسبه. ذلك أن الله أعطاه قوة يزاول بها الأعمال وتنسب إليه، سواءٌ أكانت أعمالاً بدنية، أم قلبية، أم قولية، فإنها تنسب إليه، كما نسب الله تعالى بعض الأقوال إلى أصحابها، فنسب الله إلى فرعون قوله: أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى [النازعات:24]، وقوله: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص:38]، ولو شاء الله تعالى لأخرس لسانه ولم ينطق بهذه الكلمة، وكذلك النمرود الذي قال: أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ [البقرة:258] لو شاء الله لأعجمه وحال بينه وبين أن ينطق بهذه الكلمة الكفرية، ولكن الله تعالى مكنه منها، فالكلمة تنسب إليه، ويعاقب عليها ويحاسب، وهي داخلة تحت مشيئة الله تعالى، فهو الذي مكنه وأقدره على ذلك، وتنسب الأفعال إلى العباد لأنهم مصدرها.

    وكذلك الأعمال الصالحة تنسب إليهم لأنهم الذين باشروها ولو كان وجودها متوقفاً على إرادة الله تعالى وقدرته ومشيئته، يقول الله تعالى: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً [يونس:99]،يعني: لو شاء مشيئة قدرية لآمنوا، ولو شاء الله لهدى الناس جميعاً واهتدوا كلهم، ولكن حكمته اقتضت أن يكون منهم بر وفاجر، ومؤمن وكافر، وذلك كله خاضع لإرادة الله تعالى، حيث خلق دارين الجنة والنار، وجعل لكل منهما أهلاً.

    ولو أنه أعطى كل نفس هداها وهدى الناس كلهم لما كان هناك فرق بين المؤمن والكافر، ولما كان هناك جنة ونار، لكن جعل من حكمته أنه هذا ميله إلى الكفر، وهذا ميله إلى الإسلام، فمكن لهؤلاء ومكن لهؤلاء، قال تعالى: إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنْ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ [الشعراء:4]، فإذا شاء الله تعالى خضعوا وأقبلوا كلهم وأنابوا إلى ربهم، ولكن حكمة الله تعالى اقتضت أن يكونوا قسمين, وأن يكونوا في الآخرة فريقين فريق في الجنة وفريق في السعير، مع أن الحجة لله عليهم، فإذا قالوا: أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ [يس:47] فالجواب: إن الله أعطاكم قدرة ومشيئة تناسبكم تقدرون بها على أن تطعموا من تريدون إطعامه.

    وإذا قالوا: لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا [النحل:35] فالجواب أن نقول: مشيئة الله نافذة، ولكنه سبحانه قد مكنكم وأعطاكم هذه المشيئة التي تناسبكم وتستطيعون بها مزاولة الأعمال والبقاء عليها، فأنتم قد مكنكم الله، وأعطاكم السمع والبصر والأفئدة، وفتح لكم أبواب المعرفة، وأقام عليكم الحجة، وأزال عنكم الأعذار، وبين لكم طرق الخير وطرق الشر، وهدى من شاء فضلاً منه، وأضل من شاء عدلاً منه، وجعل هناك وسائل تجذب هؤلاء إلى الخير ووسائل تصد هؤلاء عن الشر، فسلط على الإنسان أعداءه من الشياطين، كما في قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً [مريم:83] هي فتنة وابتلاء من الله، وخص الكفار بالشياطين، قال الله تعالى: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ ، يعني: الكفار. (وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ [النحل:100]ولهذا يعترف الشيطان فيقول: وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ [إبراهيم:22].

    الأدلة العقلية على وجود مشيئة للعبد

    إن الله سبحانه قد أقام الحجج, وقطع الأعذار، وبين الخير والشر، وهدى من هدى فضلاً منه، وأعطى الجميع قدرة تناسبهم ومكنهم، وأعطاهم السمع والبصر والفؤاد والقوة والأيدي والأرجل يعملون ويتمكنون، وهكذا، فأمرهم بأن يعملوا، فمنهم من عمل ومنهم من لم يعمل.

    وهذا فيما يتعلق بالأعمال الصالحة وغيرها، وهذا أيضاً يطرد على الأعمال الدنيوية، وذلك لأن الله تعالى أعطى الإنسان القدرة على مزاولة الأعمال والتكسب وتحصيل الأرزاق، فليس قوت الإنسان ينزل عليه من السماء طعاماً ناضجاً، ولكن يؤمر بأن يتكسب ويتسبب ويحترف ويحرث ويستعمل ما أعطاه الله من القوة، فهو بهذا يستطيع مزاولة الأعمال الدنيوية، وهذه القدرة التي مكنه الله تعالى منها هي خاضعة لقدرة الله، ولو شاء لشل حركته كما يفعل بالمعوقين، أو لأقعده فلم يستطع القيام، ولشل يديه فلم يستطع العمل، ولأخرس لسانه فلا يستطيع النطق، ولأعمى بصره وأصم سمعه فلم يستطع السمع والبصر، كما فعل ذلك بمن شاء من خلقه، ولكن أعطاه هذه الأمور حتى يعمل لدنياه ولآخرته.

    ومن طبع الإنسان أنه ينبعث لطلب المكاسب والرزق، كما أن من طبع الحيوان والبهائم أنها تنتشر في الأرض وتطلب الرزق، ولا تجلس في أوكارها ولا بيوتها، والطيور أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها تتقلب: (تغدو خماصاً وتروح بطاناً)، والبهائم إذا أطلقت فإنها تنتشر في الأرض وترعى بأفواهها، والإنسان كذلك ينتشر في الأرض ويطلب الرزق فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ [الملك:15] يمشي في مناكبها فيحرث إذا كان يستطيع، ويحفر إذا كان يحفر، ويتكسب بأنواع المكاسب، ويتعاطى حرفة وصناعة أو ما أشبه ذلك ليحصل منها على قوته الذي يقتات به، فكما أنه لا يجلس في منزله ويطلب الرزق أن ينزل عليه من السماء نقول له: فكذلك الآخرة اعمل لها كما تعمل للدنيا، ولا تعتمد على القضاء والقدر وتقول: ما هداني الله، ولو هداني الله لفعلت كذا وكذا. وقد عاب الله تعالى على الذين يقولون هذا، كما في قوله تعالى: أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنْ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنْ الْمُتَّقِينَ [الزمر:56-57] كأنهم يحتجون بالقدر، وأن الله ما هداهم، فإذا رأيت الذين يقولون هذا فقل: إن الله أعطاك ما تقدر به.

    وكثيراً ما ننصح بعض الجهلة ونقول لهم: استقيموا على طاعة الله، وأقيموا عبادة الله، وأنقذوا أنفسكم من عذاب الله فيحتجون بالقدر، ويقول أحدهم: لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنْ الْمُتَّقِينَ [الزمر:57]، وما علم أن الله تعالى قد أعطاه أسباب الهداية، كما في قول الله تعالى: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس:7-8].

    والكلام على هذه المسألة -مسألة الاحتجاج بالقدر- طويل فكثيراً ما نلقى منهم عنتاً وتعنتاً وصعوبة رد، حيث إن هؤلاء العصاة يتمادون في معصيتهم ولا يرجعون إلى رشدهم ولا إلى الحق، فيقال لهم: أربعوا على أنفسكم، فأنتم الآن لا توافقون على الاعتداء عليكم، فكيف نجمع بين هذين النقيضين؟ ولعله يأتينا زيادة بحث في هذا.

    1.   

    علم الله قائم لا يتبدل

    قال المصنف رحمه الله: [ويقولون: لا سبيل لأحد أن يخرج عن علم الله، ولا أن يغلب فعله وإرادته مشيئة الله، ولا أن يبدل علم الله، فإنه العالم لا يجهل ولا يسهو، والقادر لا يغلب].

    لا سبيل لأحد أن يخرج عن الملة، فالله تعالى عالم بنا وبأحوالنا، قال تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ق:16]، فإذا كان يعلم وساوس النفس وخطرات القلب فإنه لا تخفى عليه أعمال العباد كلهم، يعلم السر وأخفى، ويعلم الجهر وما يخفى، ويعلم ما كان وما لم يكن وما سوف يكون، فلا يخرج عن علم الله تعالى شيء.

    وكذلك أيضاً أفعال العباد وقدرتهم لا تخرج عن مشيئة الله، ولا قدرة لهم على أن يخالفوا مشيئة الله تعالى، فمشيئة الله غالبة، ولهذا قال: وَمَا يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [المدثر:56] وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الإنسان:30] في موضعين، وكثيراً ما يذكر أن مشيئة الله تعالى غالبة على كل شيء، ولكن المشيئة والقدرة التي منحها العباد تناسبهم، إذا ليس لأحد أن يبدل علم الله تعالى.

    فالله تعالى هو العالم، فمتى علم في هذا الإنسان شيئاً فلابد أن يحصل ما علمه الله فيه، سواءٌ أكان قريباً أم بعيداً، فإذا علم الله تعالى في هذا الإنسان أنه يموت سعيداً فلو حاول الناس كلهم أن يردوه عن السعاة لم يستطيعوا، ولو شقي وعصى في وقت من الأوقات لرد الله له رشده إلى أن يموت وهو على السعادة، وكذلك العكس، فإذا علم الله شقاوة عبد وحاول الناس كلهم أن يهدوه لم يستطيعوا، ولو اهتدى في زمان من الأزمنة فإن الله تعالى إذا قدر أنه يموت على الشقاوة لابد وأن يموت عليها مهما كانت الحال.

    1.   

    أدلة أهل السنة على أن القرآن كلام الله

    يقول المؤلف: [ويقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق، وإنه كيفما تصرف بقراءة القراء له وبلفظه فإنه كلام الله، وأنه محفوظ في الصدور، متلو بالألسن، مكتوب في المصاحف غير مخلوق، ومن قال بخلق اللفظ في القرآن يريد به القرآن فقد قال بخلق القرآن].

    مسألة خلق القرآن من أقدم المسائل خلافاً بين أهل السنة وبين المعتزلة، وما ذاك إلا أن المعتزلة أنكروا صفة الكلام، وينكرون أن يكون الله تعالى متكلماً، ويرمون من أثبت الكلام بأنه مشبه وممثل، وذلك لأنهم يعتقدون أن الكلام لا يخرج إلا من بين الشفتين، ومن اللسان واللهوات والحنجرة التي تدفعه بالنفس وبالهواء، وأن هذه إنما هي في المخلوق، فإذا قلنا: إن الله متكلم فلابد أن يكون كلام الله مثلما نعقله، أي أنه يخرج من هذه المخارج التي يخرج منها كلام البشر، فيكون ذلك تشبيهاً، هذا هو الذي دفعهم إلى إنكار صفة الكلام، فأنكروا ما أخبر الله تعالى به من أنه كلم موسى عليه الصلاة والسلام.

    الأدلة من القرآن الكريم

    الآيات الواردة في إثبات صفة الكلام مثل قوله تعالى: فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [التوبة:6]، وقوله: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً [النساء:164] وما أشبه ذلك، فكثيراً ما يذكر الله تعالى أنه كلم موسى، قال تعالى: مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ [البقرة:253] يعني: موسى، وقال تعالى: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً [النساء:164]، ولاشك أن هذا كلام صريح على أنه كلم موسى.

    ذكروا أن بعض المعتزلة جاء إلى أبي عمرو بن العلاء -أحد القراء السبعة- وطلب منه أن يقرأ هذه الآية بنصب الاسم الشريف، فقال اقرأها: (وكلم الله موسى تكليماً) وقصده بذلك أن يكون موسى هو الذي كلم الله، وأن لا يكون الله مكلماً له، ولكن أبا عمرو بن العلاء كان ذا فطنة وفهم، فقال: هب أني قرأت هذه الآية كذلك، كيف تصنع بقول الله تعالى في سورة الأعراف: وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ [الأعراف:143]؟ فبهت ذلك المعتزلي، وعرف أن هذه الآية لا حيلة له في تحريفها.

    ثم ذكر شيخ الإسلام أن المعتزلة حرفوا قوله: وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ [الأعراف:143] وقالوا: التكليم: هو التجريح، فـ(كلمه) أي: جرحه بأظافر الحكمة، ويريدون بذلك نفي أنه كلمه بكلام سمعه.

    والتكليم الأصل أنه المخاطبة، والعرب إذا أرادوا التجريح فلابد أن يكون هناك قرينة تدل عليه، وليس في القرآن هذه اللفظة وإن كانت في اللغة، وفي الحديث: (ما من مكلوم يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة وكلمه يدمي اللون لون دم والريح ريح المسك)، ولكن بعيد أن يفسر التكليم بأنه التجريح، وذلك لأن المتبادر أنه الكلام.

    ثم إن تفسيرهم للتكليم بأنه التجريح يرده التصريح بالكلام، قال الله تعالى: إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي [الأعراف:144] فصرح بالكلام، ولم يقل: بتجريحي. فلا حيلة لهم في أن يردوا هذه اللفظة.

    كذلك آيات النداء: وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى [الشعراء:10]، إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى [النازعات:16]، وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ [مريم:52] ولاشك أن النداء لا يكون إلا بكلام مسموع، فهو يرد تأويلهم التكليم بأنه التجريح، والنداء صوت يسمع ويظهر.

    كذلك أيضاً الكلام الذي حكاه الله تعالى عن نفسه لموسى وخاطبه به كلام صريح في قوله تعالى: إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى [النازعات:16](اذْهَبْ) هذا هو الكلام الذي ناداه به: اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى [النازعات:17]، كذلك أيضاً قوله تعالى: وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي [الأعراف:143]هذا أيضاً كلام صريح، وهكذا قوله تعالى: إِذْ رَأَى نَاراً فَقَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى * فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ ... [طه:10-13]إلى آخر الكلام، هذا هو الذي سمعه من ربه، أنه ناداه بهذا الكلام: إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى ، وكذلك قوله تعالى لما ذكر أنه نودي في الوداي المقدس من الشجرة أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ [القصص:30-31] لاشك أن هذا هو الكلام.

    فهل يقال: إن هذا تجريح؟ لاشك أن المعتزلة في تأولهم وفي تكلفهم قد وقعوا في تحريفهم للكلم عن مواضعه، وأشبهوا في ذلك اليهود الذين يحرفون الكلم عن مواضعه.

    وأول من أظهر ذلك القول هو الجهم بن صفوان ، وكان قد أخذه عن شيمته الجعد بن درهم الذي لما قرأ في القرآن أن الله كلم موسى أنكر ذلك وقال: ما كلم الله موسى، وما اتخذ الله اتخذ إبراهيم خليلاً -والخليل هو الحبيب- أنكر ذلك وقال: لم يكن الله ليحب أحداً، ولا ليتخذ أحداً خليلاً. فاشتهرت هذه المقالة عنه فقتل في القصة المشهورة التي ذكرها البخاري بسنده في خلق أفعال العباد، وهي أنه أوثقه أمير الكوفة- خالد القسري، ثم خطب الناس في يوم العيد، ولما انتهى من خطبته قال لهم: أيها الناس! ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضحٍ بـالجعد بن درهم ؛ فإنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً، ولا كلم موسى تكليماً، تعالى الله عما يقول الجعد علواً كبيراً. ثم نزل فقتله، فجعله بمنزلة الأضحية التي تذبح في يوم العيد، وكان أضحيته، أي: تقرب بها إلى الله تعالى.

    وذكر ذلك ابن القيم في أول النونية في قوله:

    ولأجل ذا ضحـى بـجعد خالد القسري يوم ذبائح القربان

    إذا قال إبراهيم ليس خليـلـه كلا ولا موسى الكليم الداني

    شكر الضحية كل صاحب سنة لله درك من أخي قربان

    فذكر السبب أنه قال: ليس إبراهيم خليل الرحمن، وليس موسى كليم الرحمن، ولم يكلم الله أحداً من خلقه.

    الأدلة من السنة النبوية

    الأدلة من السنة واضحة أيضاً، منها قوله صلى الله عليه وسلم : (إذا كان يوم القيامة نادى الله تعالى آدم، فينادي بصوت: يا آدم! إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار)

    وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان) يكلمه ربه بدون مترجم، يسمع كلام الله ويكلمه، ولاشك أن هذه أدلة واضحة.

    كذلك أيضاً من القرآن يذكر الله تعالى كلماته، كما في قوله تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ [هود:119]، وقوله تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً [الأنعام:115] (تمت) أي: أنها وصفت بالتمام وبالكمال، وكذلك قوله تعالى: قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي [الكهف:109]، وكذلك قوله: وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ [لقمان:27] تكلم العلماء على مثل هذه الآيات وقالوا: كيف ينفد كلام الله؟ ليس لكلماته نهاية وليس لها بداية، والمخلوق له بداية ونهاية، وذلك لأن الله تعالى أخبر بأنه لو أن بحار الدنيا صارت مداداً -يعني: حبراً- وأن أشجار الدنيا من أولها إلى آخرها صارت أقلاماً، فكتب بتلك الأقلام وكتب بذلك المداد، وجعل مع البحار مثلها سبع مرات لنفد البحر وكتب به حتى ينفد. مع غزارة البحر، ولتكسرت الأقلام دون أن ينفد كلام الله.

    فهذه أدلة واضحة في إثبات صفة الكلام لله تعالى.

    1.   

    الرد على شبهة المعتزلة بخلق القرآن

    لما أنكر المعتزلة صفة الكلام وقالوا: إن ذلك يستدعي تشبيهاً بين لهم أهل السنة أنه لا يستدعي تشبيهاً، فالله تعالى يتكلم كما يشاء، ولا يلزم أن يكون كلامه يخرج من المخارج التي يخرج منها كلام الآدمي، فلا يلزم أن يكون هناك قصبة هوائية، ولا أن يكون هناك لهاة أو أسنان أو شفتان أو لسان أو نحو ذلك، فإن الله تعالى قادر على أن يتكلم كما يشاء، ونحن الآن نشاهد الأدوات التي يخرج منها الكلام، وليس لها هذه الأدوات التي لدينا، فعندنا -مثلاً- هذه الأشرطة التي هي جماد، ومع ذلك تسجل الكلام وتحفظه، ثم بعد ذلك يخرج كما هو، ولا نقول: إن هذا الحديد أو إن هذه الأشرطة لها ألسنة وقصبات وشفاه وما أشبه ذلك، بل يخرج منها الكلام كما دخل، فلا يلزم أن يكون هناك ما التزموه.

    إذاً فالله تعالى قادر على أن يتكلم كما يشاء، وأن يسمع كلامه من شاء من عباده كما أسمعه موسى، وكما كلم نبينا صلى الله عليهما وسلم ليلة الإسراء.

    وبعد أن أنكر المعتزلة هذه الصفة احتج عليهم أهل السنة بالقرآن، وقيل: إذا قلتم: إن الله تعالى لا يتكلم نخصمكم بالقرآن؛ لأن القرآن من الله تعالى فهو كلامه. فعند ذلك انتقلوا إلى حجة أخرى، ألا وهي أنه مخلوق، سبحان الله! أليس من الأعراض؟ فكيف يكون العرض مخلوقاً؟

    فقالوا: مخلوق. قيل لهم: كيف خلقه؟ قالوا: خلقه كما خلق الأرض والشجر والبشر والأعراض والجواهر وما أشبهها.

    فقيل لهم: كيف خلقه؟

    قالوا: مخلوق فقط.

    يحاول خصومهم أن يجدوا جواباً واضحاً يتضح به أنهم يقولون بأنه مخلوق بصفة كذا وكذا، ولكنهم يتوقفون عند كلمة (مخلوق).

    فلما تمكنت هذه الشبهة عند ذلك أوضح العلماء رحمهم الله ما عندهم من العلم وما يعتقدونه، فأوضحوا بأن القرآن كلام الله تكلم به كما شاء، وأنه من جملة كلام الله، وكلام الله تعالى ليس بمحصور، بل لا يمكن حصره، كذلك أيضاً الكتب التي أنزلها على الأنبياء كلها كلامه، فالتوراة والإنجيل والزبور كلامه، والصحف التي أنزلها على موسى وعلى إبراهيم كما قال تعالى: أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى [النجم:36-37] هي كلام الله، والألواح التي أعطاها الله موسى هي كلامه، كما في قوله تعالى: وَأَلْقَى الأَلْوَاحَ [الأعراف:150]، وقوله تعالى: أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ [الأعراف:154]، وكذلك: وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ [الأعراف:145] لا شك أن هذه كلها كلام الله تكلم بها كما يشاء.

    وإذا اعتقدنا أنها كلام الله فإننا نعتقد أنه تكلم بها حقيقة، وأنه أوحاها إلى أنبيائه من البشر بواسطة رسله من الملائكة، قال تعالى: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء:192-195] يعني: جعله الله تعالى بهذا اللسان العربي الواضح الذي يكون مفهوماً للمخاطبين.

    إذاً فهو كلام الله أنزله على أنبيائه، وكل من أنزل عليه وحي فإنه كلامه، ينزل عليهم كلامه الذي تكلم به كما يشاء، فالقرآن كيفما تلي وكيفما قرأ فهو كلام الله لا يخرج عن ذلك، إذا كتب في المصاحف فهو كلام الله، وإذا سمعنا القارئ يقرؤه فهو كلام الله تعالى، وإذا حفظه الحافظ في صدره قلنا: هذا يحفظ كلام الله تعالى. وإذا رتله قلنا: هذا يرتل كلام الله. وإذا لحنه فإنا نقول: هذا يلحن كلام الله. فالكلام في الأصل هو الكلام الذي يتكلم به الله تعالى كيفما قرئ وتلي وتصرف في قراءة القارئ وبألفاظ القراء، فهو كلام الله يحفظونه في صدورهم، وهو كلام الله يكتبونه في مصاحفهم، وهو كلام الله تعالى لا شيء منه مخلوق، ابتدأ الله تعالى كلامه وإليه يعود، كما ورد في الأحاديث أنه في آخر الزمان يمسح من المصاحف والصدور، عندما لا يعمل به، فهو كلام الله تعالى منزل غير مخلوق.

    وإذا قرأه القارئ فإننا نقول: حركات القارئ مخلوقة، وأما نفس الحروف التي يقرأها والكلام الذي ينطق به فإنه غير مخلوق، بل هو كلام الله، وكلام الله تعالى من علمه، وعلمه ليس بمخلوق؛ لكونه صفة من صفاته، ومن ادعى أن علم الله تعالى أو شيئاً من صفاته الذاتية مخلوقة فقد كفر؛ حيث جعل ربه الذي هو خالق كل شيء محلاً للحوادث.

    1.   

    فتنة القول بخلق القرآن وصمود أحمد بن حنبل

    لما وقعت فتنة القول بخلق القرآن تمكنت في آخر القرن الثاني، ولكن ما اشتهر الإلزام بها إلا في أول القرن الثالث، وذلك لأن الخليفة المأمون انخدع ببعض المعتزلة فقربهم، ومن أشهر من قربه أحمد بن أبي دؤاد ، وكان لسناً جريئاً في الكلام قوي الحجة، عنده من الجرأة والفصاحة والبلاغة ما جعله يكون محلاً للثقة، فوثق به الخليفة المأمون ، ولما وثق به قربه وولاه القضاء، وصار وزيراً له وجليساً، فكان من جملة ما دعا الخليفة إليه أن يبين له أن هذا القول من واجب المسلمين ومن عقيدتهم، وأن الذي يقول: إن الله متكلم فقد شبه الله تعالى بالمحدثات، ويكون بذلك كافراً.

    حتى أدى الأمر إلى أن قتل كثير من أهل السنة بسبب تصلبهم في هذا الأمر وعدم امتناعهم من القول بخلق القرآن، وكان من جملة الذين تصلبوا وصبروا إمام أهل السنة الإمام أحمد بن محمد بن حنبل رحمه الله تعالى، فأصر على أن يصبر على الحبس والضرب، فضرب وجلد جلدات، ولما استدعاه المأمون دعا الله ألا يريه وجهه، فمات المأمون قبل أن يصل إليه، ولكنه أوصى أخاه المعتصم بأن يستمر في هذه الفتنة، فاستمر فيها، وحبس الإمام أحمد وبقي سجيناً مدة طويلة، وجلد جلدات كثيرة، ولكنه تصلب وصبر.

    ثم جاءه بعض المعتزلة وقال: يا أحمد ! قل في أذني إن القرآن مخلوق وأنا أخلصك من هذه الأنكال وهذه الأغلال ومن هذا العذاب. فقال له أحمد: قل في أذني: إن الله متكلم، وإن القرآن كلام الله وأنا أشفع لك عند الله وأشهد لك بأنك من المؤمنين بكلام الله.

    ومن جملة ما احتج به عليهم من الأدلة أن كلام الله تعالى لا يمكن أن يتغير، فقرأت في بعض التراجم أنه جيء به وقيل له: هل رأيت رؤيا؟ فقال: نعم، رأيت رؤيا. قالوا: ما هي؟ قال: رأيت كأني قمت لأصلي، فقرأت في الركعة الأولى بـقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ [الفلق:1]، فلما قمت للركعة الثانية أردت أن أقرأ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ [الناس:1] فلم أقدر، فالتفت فوقي وإذا القرآن ميت، فعند ذلك أخذته وغسلته وكفنته. فقال المعتصم ومن حوله: وهل القرآن يموت؟! فقال: أنتم تقولون: إن القرآن مخلوق، وكل مخلوق يموت. فعرفوا أن هذه حجة عليهم، يقول: لو كان القرآن مخلوقاً فالمخلوق يموت ويأتي عليه العدم، فإذا أنكرتم هذه الرؤيا فأنكروا قولكم: إن القرآن مخلوق.

    والرؤيا التي ذكرها رأيتها مكتوبة، فيمكن أنها أيضاً مطبوعة في بعض الكتب المطولة كترجمة الإمام أحمد المطولة لـابن الجوزي وغيرها.

    فعلى كل حال القرآن كلام الله تعالى حروفه ومعانيه، ليس كلام الله الحروف دون المعاني ولا المعاني دون الحروف.

    مناقشة المبتدعة في قولهم بخلق القرآن

    مسألة الكلام هي من أقدم المسائل الخلافية بين أهل السنة والمبتدعة، حيث أنكر المبتدعة أن الله تعالى متكلم، ثم احتج عليهم بالقرآن فادعوا أنه مخلوق، فعند ذلك طال الخصام والنزاع بينهم وبين أهل السنة في تفنيد شبهاتهم والرد عليهم، واتفقت كلمة المسلمين من أهل السنة والجماعة على أن القرآن كلام الله، وصرحوا بأنه غير مخلوق، بل إنه عين الكلام الذي أتى به جبريل ينسخ حكم كل كتاب، وهو عين كلام الله الذي تكلم به وحياً وسمعه منه رسوله الملكي وبلغه إلى رسوله البشري، وهو على ما هو فيه حكم وأحكام، وأوامر ونواهٍ، وقصص وأمثال، وعبر ومواعظ، ووعد ووعيد، ومحكم ومتشابه، ومطلق ومقيد، كل ذلك كلام الله تعالى.

    ثم معلوم أن الله تعالى تكفل بحفظه وتولى ذلك، حفظه الله حتى وصل إلينا كما هو، نحفظه في الصدور، ونكتبه في السطور، ولا يخرج بذلك عن كونه كلام الله حروفه ومعانيه، فنرد على المعتزلة الذين قالوا: إنه مخلوق بأن الله تعالى سماه كلامه في قوله تعالى: وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ [البقرة:75]، ومعلوم أنهم يسمعونه من القراء، يسمعونه من قراءة النبي صلى الله عليه وسلم وقراءة الصحابة، ومع ذلك لم يخرج عن كونه كلام الله، وكذلك قوله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [التوبة:6]، ومعلوم أنه لا يسمعه إلا من القراء، لا يسمعه من الملك ولا من الرب تعالى، بل بواسطة القراء، وكذلك قوله تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ [الفتح:15].

    وقد أثبت الله تعالى لنفسه القول في عدة آيات، كقوله تعالى: وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ [الأحزاب:4] ، قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ [المائدة:119] ، قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ [المائدة:115] فالقول لا شك أنه هو الكلام.

    كذلك يرد على الأشاعرة الذين يدعون أن هذا القرآن عبارة أو حكاية عن كلام الله، وأنه ليس هو كلام الله عيناً، وذلك لأنهم اعتقدوا أن الله تعالى لا يتكلم بمثل هذه الحروف، وقالوا: كلام الله هو المعاني دون الألفاظ. وشبهتهم بيت ينشدونه كثيراً، وهو قول القائل:

    إن الكلام لفي الفوائد وإنما جعل اللسان على الفوائد دليلاً

    يرددون هذا البيت ويقولون: هذا قول الشاعر العربي، والشاعر العربي يجعل الكلام هو المعنى لا أنه هو اللفظ. وقد بحث العلماء عن هذا الشاعر فقالوا: إنه الأخطل فنظرنا فإذا البيت لم يوجد في ديوانه المشهور، ثم رواه بعضهم: (إن البيان لفي الفؤاد)، وهذا أقرب على تقدير ثبوته عن الأخطل ، ثم نظرنا فإذا هذا الشاعر نصراني لم يدخل في الإسلام، تمسك بنصرانيته ولو كان من العرب من بني تغلب، والنصارى قد ضلوا في معنى الكلام، حيث اعتقدوا أن عيسى هو نفس الكلمة، فعلى هذا يكون هذا الشاعر تكلم به على معتقده الباطل، فلا يكون حجة.

    هذا هو دليل هؤلاء الأشاعرة، يقبلون هذا البيت ويعتمدونه في الكلام الذي هو أوضح شيء، فيقولون: إن الكلام هو المعاني، وأما الحروف التي تسمع فليست كلاماً. وهذا مخالفة للحس ومخالفة للظاهر؛ إذ العرب لا يسمون الساكت متكلماً، وما دام ساكتاً فلا ينسب إليه كلام ولو حدث نفسه، ولو تصور في قلبه أشياء.

    فالكلام هو ما ينطق به، هذا هو الصحيح، وعلى هذا فالقرآن الذي هو كلام الله هو عين الحروف والكلمات الموجودة، والآيات والسور هي عين كلام الله، وهي التي ذكرها الله تعالى للمشركين وتحداهم بها في قوله: فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ [الطور:34]، ومعلوم أن المراد بـ(مثله) هي هذه الحروف، وفي قوله تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ [الإسراء:88]، فليس المراد المعاني بل الألفاظ والحروف، وهو الذي قال المشركون فيه: إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ [المدثر:25] يريدون به هذا القرآن الذي هو حروف وكلمات، فبطل بذلك دعوى هؤلاء الذين يقولون: إن الكلام هو المعنى دون اللفظ.

    والسلف رحمهم الله بدعوا وشنعوا على من يقول: إنه مخلوق. وجعلوهم جهمية معتزلة مبتدعة منكرين لصفة من صفات الله تعالى.

    ثم جاءتنا -أيضاً- عبارة قد ترد في بعض كلامهم، وهي قولهم: لفظي بالقرآن مخلوق. وهذه العبارة محتملة، فلأجل ذلك نهى عنها السلف رحمهم الله، وشددوا في النهي عن استعمالها، وبدعوا من يقول: لفظي بالقرآن مخلوق. لأنه إذا قال: لفظي بالقرآن مخلوق فإنه يحتمل معنيين: يحتمل أن يريد باللفظ الملفوظ، ويحتمل: أن يريد باللفظ الحركات، فمعلوم أن حركات الإنسان مخلوقة، حركات فمه، وحركات شفتيه، وحركات لسانه، وحركات قصبته الهوائية، وحركات نفسه مخلوقة، فالإنسان بحركاته وبأفعاله مخلوق، كما قال تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات:96].

    فإذا قصد الإنسان أن حركاته مخلوقة فإنه صحيح، وعلى هذا بين العلماء أن أفعال العباد مخلوقة.

    أما إذا كان يريد باللفظ الملفوظ فإن القرآن كلام الله ولو تلفظ به من تلفظ به، فهو كلام الله أينما قرئ وأينما تلي وأينما نسخ، عبر شيخ الإسلام ابن تيمية في الواسطية بقوله: إن الكلام إنما ينسب إلى من قاله مبتدئاً لا إلى من قاله مبلغاً مؤدياً. عبارة واضحة، ولأجل ذلك نقول: إذا سمعنا من يقول مثلاً: (إنما الأعمال بالنيات) قلنا: هذا كلام النبي صلى الله عليه وسلم. وإذا سمعنا من يتكلم بقوله: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً) قلنا: هذا كلام النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه الذي ابتدأه. فكذلك إذا سمعنا من يقول -مثلاً-: سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا [البقرة:142] قلنا: هذا كلام الله. فهو الذي تكلم به ابتداءً، وإذا جاء في القرآن حكاية لكلام غير الله فإننا ننسبه إلى أنه كلام الله، فنقول مثلاً: قال الله تعالى عن فرعون: فَحَشَرَ فَنَادَى * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات:24]، وقال الله عن إبليس: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [ص:82]، وقال الله عن نوح: رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا [نوح:21] ، وقال الله عن موسى: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي [القصص:16]، أي: حكى الله تعالى قول موسى، فيكون القول لموسى ولكن بعدما حكاه الله تعالى في القرآن أصبح من كلام الله.

    فعبارة السلف رحمهم الله إذا أرادوا التعبير الواضح يقولون: القول قول الباري والصوت صوت القاري. فيقال: استمعوا للقرآن بصوت القارئ فلان بن فلان. فصوت القارئ وحركاته لا شك أنه مخلوق، وأما نفس المقروء الذي هو كلام الله فإنه ليس بمخلوق.

    1.   

    الأسئلة

    رد الاستدلال بقوله: (إنا جعلناه قرآناً عربياً) على خلق القرآن

    السؤال: إذا قال قائل: إن القرآن مخلوق، واستدل بقول الله جل وعلا: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا [الزخرف:3] فبماذا نجيبه؟

    الجواب: ذكر هذا ابن أبي العز في شرح الطحاوية في مناقشة أدلة المعتزلة، فإنهم استدلوا بعمومات، فاستدلوا بآيات الجعل في مثل قوله تعالى: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا [الزخرف:3]، وكان قد استدل بها بشر المريسي في مجادلته مع عبد العزيز الكناني كما ذكر ذلك في رسالته التي تسمى (الحيدة)، فخاصمه الكناني وقال له: الجعل ليس هو الخلق، بل الجعل هو التصيير، فإنا نخصمكم بقول الله تعالى: الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ [الحجر:91] فهل المراد أنهم خلقوا القرآن عضين؟ وقول الله تعالى: وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا [الزخرف:15] فهل المراد: خلقوا له من عباده جزءاً؟ وأشباه ذلك، فكذلك الجعل في هذه الآية بمعنى التصيير، (جعلناه) أي: صيرناه عربياً. أي: أنزلناه بهذا اللسان العربي.

    وقد تقرأ في القرآن من أوله إلى آخره فلا تجد لفظاً صريحاً يفهم منه أن القرآن وصف بأنه مخلوق، بينما سائر المخلوقات يصرح بها بذلك، قال بعض العلماء: إن الله ذكر القرآن في أكثر من خمسين موضعاً، ولم يصرح في موضع واحد بالخلق، وذكر الإنسان في سبعة عشر موضعاً وصرح فيها كلها بالخلق، ومن أقرب ذلك أول سورة الرحمن الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنسَانَ [الرحمن:1-3] انظر كيف فرق: (عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنسَانَ).

    ويستدل المعتزلة بعموم قوله: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الرعد:16]، وأجاب أيضاً عن هذه الآية الكناني في رسالته الحيدة، وذلك أن بشراً قال له: أتقر بأن الله خالق كل شيء؟ فإن قلت: إنه خالق كل شيء وإن القرآن شيء خوصمت؛ لأنه مخلوق، وإن قلت: إنه ليس بشيء كفرت؛ لأنه مشاهد أنه من الأشياء.

    فأجابه بأنه شيء لا كالأشياء، وأن الآية ليست على عمومها، ويستثنى منها صفات الله، فالله تعالى بصفاته ليس شيء منه مخلوق.

    حكم قول: اللفظ بالقرآن مخلوق

    السؤال: ورد أن من قال: اللفظ بالقرآن مخلوق هو الذهلي شيخ البخاري ، فهل هذا الكلام صحيح؟

    الجواب: محمد بن يحيى الذهلي هو الذي اتهم البخاري بأنه يقول: إن اللفظ بالقرآن مخلوق، وهو الذي شنع على البخاري وقال: إن البخاري يقول: إن اللفظ بالقرآن مخلوق. فلأجل ذلك وقعت بينه وبين البخاري وحشة، فامتنع من أن يصادق البخاري حتى اضطر البخاري أن خرج من بلده نيسابور التي هي بلاد الذهلي .

    ثم حقق العلماء أن البخاري لم يقل هذه المقالة، كما في النقول التي وردت في التعليق، وإنما قال: إن حركاتنا بالقرآن مخلوقة. وعبارة أهل السنة أنهم يقولون: القول قول الباري واللفظ لفظ القاري. اللفظ والحركات التي يتحرك بها اللسان هذه مخلوقة، فحركات الإنسان بيده وبلسانه مخلوقة؛ لأن الله خالق كل شيء، ومن جملة مخلوقاته حركات وأفعال العباد، لكن الملفوظ الذي يتلفظ به إذا كان هو القرآن فإنه ليس بمخلوق؛ لأنه كلام الله.

    القراءات السبع عين كلام الله

    السؤال: هل القراءات المختلفة أو الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن من كلام الله، أو أن كلام الله واحد ولكن رخص في قراءته على سبعة أحرف؟

    الجواب: الأحرف السبعة التي أنزل عليها القرآن كلها كلام الله، أي أن الله تعالى تكلم بها على أية لغة وكذلك على أية قراءة، فكلها كلام الله، فعلى أي قراءة قرأتها فإن ذلك عين كلام الله، نشهد بذلك ونقر أن هذا القرآن كلام الله الذي بلغه جبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم.

    شمول الفعل الماضي للمتصف به مستقبلاً

    السؤال: قوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران:110]، وقوله تعالى: وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا [النساء:134] فقوله: (كنتم) و(كان) إنما هي لمن كان في الماضي فقط، فكيف نرد على من يقول ذلك؟

    الجواب: لو كان بلفظ الماضي فلا يمنع أن يكون ذلك في المستقبل، فقوله تعالى: وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا [النساء:134] يعني: كان في الماضي وهو كذلك في المستقبل. فالله تعالى موصوف بأنه سميع بصير في الأزل وفي الحال وفي المستقبل، فلا يلزم من قوله: (كنتم) أن الخيرية خاصة بالذين مضوا، بل الخيرية للذين مضوا وللحاليين الذين نزلت الآية وهم مخاطبون بها، ولمن سار على نهجهم ممن أتى بعدهم، فإن لفظ الماضي المراد به المتصف بهذا الصفة يبقى على صفته في مستقبل حياته.

    حكم الصلاة خلف من يقول بخلق القرآن

    السؤال: ما حكم السلام على من يعتقد أن القرآن مخلوق، وما حكم الصلاة خلفه؟

    الجواب: قد صرح العلماء الأولون بأنه كافر إذا كان يعتقد ذلك؛ فإنه يصف الله تعالى بصفات العدم، فما دام أن التصريحات المنقولة عن السلف رحمهم الله تقتضي كفره فنقول: يجب البراءة منه والبعد منه، وإعادة الصلاة إذا صليت خلفه وعلمت أنه من المعتزلة الذين يقولون بأن القرآن مخلوق، ويجب عدم الإقرار له حتى يسلم للإنسان دينه.

    لكن إذا اضطررت إلى أن تصلي خلفه فنرى أن تعيد الصلاة فيما بعد.

    كثرة من يقول بخلق القرآن في الوقت الحاضر

    السؤال: هل لا زال أحد في هذا الزمان يقول بخلق القرآن؟

    الجواب: المعتزلة لم ينقطعوا، فالرافضة بأسرهم على طريقة المعتزلة، وكذلك كثير من الذين يقولون: إنهم على مذهب زيد ؛ فإنهم على طريقة المعتزلة، والمعتزلة معلوم أنهم يقولون بخلق القرآن، وكذلك بقايا من المعتزلة موجودون في كثير من البلاد الأفريقية، وفي كثير أيضاً من سوريا وغيرها، والطائفة الإباضية الذين في عمان وأفريقيا ونحوهم يقولون بهذه المقالة، والغالب أن الرافضة هم الذين بالغوا في ذلك وجعلوه دينهم وديدنهم، واعتقادهم أن القرآن مخلوق.

    ضرورة الجمع بين الأسماء المتقابلة لله تعالى

    السؤال: لماذا يقال: إن أسماء الله المتقابلة لا تذكر إلا مع بعضها مثل: المعز المذل، والمعطي المانع؟

    الجواب: قد تكلم العلماء عليها، فذكر ذلك ابن القيم في (الصواعق)، وكذلك حافظ الحكمي في (شرح السلم)، والشيخ ابن سلمان في (الكواشف شرح الواسطية)، وذلك لأن في ذكر واحد منها نقص، والكمال إنما يكون بالاثنين، فإذا دعوت الله وقلت: (يا مذل) فإن هذا وصف مدح، أما إذا قلت: (يا معز يا مذل) فإنك وصفته بالكمال؛ لأنه يعز من يشاء ويذل من يشاء، وكذلك إذا وصفته بأن قلت: (يا خافض) فإن في هذا شيئاً من النقص؛ لأن الخفض كأنه وصف فيه شيء من الإهانة، فإذا قلت: (يا خافض يا رافع) فقد أتيت بالوصفين المتقابلين، فالحاصل أن هذه أسماء مزدوجة: المعطي المانع، الخافض الرافع، المعز المذل، المحي المييت، وأشباهها.

    حكم استخدام المساجد للدعاية غير المباشرة

    السؤال: توجد شركة تصنع مناديل وتضعها في المساجد وتكتب عليها اسم الشركة وأرقام هواتفها والخدمات التي تقدمها، وهذا من باب الدعاية لها، فهل يجوز وضع هذه المناديل في المساجد؟

    الجواب: يجوز ذلك للحاجة، والناس لا يكون فيهم اهتمام بقراءة الكتابة عليها، إنما يأخذون المناديل للاستعمال والتمسح بها، ولا يضر كونها مكتوباً عليها اسم الشركة التي تنتجها أو غيره.

    ومعلوم أن الكتابة التي على كرتون المناديل لا يتلفت إليها ولا يؤبه لها.

    أهم المتون التي يحفظها طالب العلم

    السؤال: يسر الله لي بحمده حفظ كتاب التوحيد، فماذا أحفظ بعده من كتب العقيدة؟

    الجواب: هذا خير كثير، فحفظ هذا الكتاب نعمة عظيمة؛ لأن فيه مجامع توحيد العبادة، ونوصيك أن تحفظ العقيدة الواسطية لـابن تيمية، فإنها مهمة في باب المعتقد مع اختصارها، ومحتوية على جل ما يعتقد، فهذا في باب العقيدة، وبعد ذلك أقبل على حفظ ما تيسر من الكتب الأخرى، مثل عمدة الأحكام، والأربعين النووية، وعمدة الفقه فيما يتعلق بالفقه، وحفظ بلوغ المرام فيما يتعلق بالأحاديث، وكلها -إن شاء الله- لها أهميتها.

    القصر مع التردد الدائم على سكن بعيد للمكلف

    السؤال: يوجد لدينا مزرعة تبعد عن الرياض حوالي خمسين كيلو متر، ويوجد فيها مسكن، وأذهب إليها دائماً، فهل يجوز لي القصر إذا ذهبت إليها؟

    الجواب: إذا كان فيها مسكن لكم وتعتبرون أنفسكم ساكنين في بلدتكم ومستقركم فليس لك القصر في هذا.

    نصيحة أصحاب الدشات

    السؤال: نرى في الآونة الأخيرة أنه قد قل من ينصح أصحاب الدشات، وذلك بأن بعضاً من أصحاب هذه الأجهزة يقول: إني لا أستخدمه إلا لرؤية الأخبار فقط، وبعض البرامج التي ليس فيها مخالفات كبيرة. فما حكم من يستخدم هذه الدشات فيما ذكر؟ ومن يستخدمها في جميع ما تبث من البرامج؟ وهل يجوز على الجار الاستمرار في نصح جاره الذي يمتلك هذا الجهاز؟ وإذا ظهر منه عدم تقبل النصيحة فماذا يعمل معه؟

    الجواب: هذه الدشات مصيبة كبيرة، ولا شك أنها بلية عظيمة في هذه الأزمنة، ولكن إذا كثرت وتمكنت تهاون الناس بها وعدوها أمراً عادياً، وننصح من عنده مثل هذه الأجهزة أن يطهر منزله منها، فإنها مفتاح كل شر، تجلب إليه الشرور شاء أم أبى، ولو تحفظ هو لا يستطيع أن يحفظ أولاده وهم شباب فارغون ذكوراً وإناثاً، لا يستطيع أن يتحكم فيهم، ونقول أيضاً للجيران: عليكم بالتناصح وتبادل النصيحة رجاء أن ينفع الله تعالى بها.

    كيفية قضاء المفرط للصيام

    السؤال: امرأة كان عليها قضاء بعض الأيام منذ اثني عشر عاماً مضت، فكيف تقضي ذلك؟

    الجواب: لابد مع القضاء من الكفارة، وتقضيه ولو متفرقاً، ثم عن التفريط والتأخير كفارة إطعام مسكين عن كل يوم.

    سبب تعلم أهل السنة لمعتقدات غيرهم

    السؤال: لماذا نتعلم أقوال الفرق ومعتقداتهم؟ ولماذا لا نكتفي بتعلم عقيدة أهل السنة؟

    الجواب: إن الإنسان يبتلى غالباً بمجالسة أولئك المعتزلة والضلال والمبتدعة، وإذا ابتلي بمجالستهم فالغالب أنهم يلقون شيئاً من شبهاتهم وأدلتهم التي يشوهون بها ويموهون بها، فإذا كان الإنسان عنده أسلحة قوية وأدلة متمكنة استطاع حينها أن يرد عليهم أقوالهم، فمعرفتها لأجل الحذر منها، ولذلك يقول حذيفة : (كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن أقع فيه).

    فأنت عليك بمعرفة مذهب أهل السنة ومعتقدهم، وإذا كنت تخشى أنك تبتلى بمجالسة أولئك المبتدعة فإن عليك أن تسأل عن مذهبهم وشبهاتهم، حتى إذا عرفتها وعرفت كيف تردها استطعت إبطالها والرد عليهم حتى لا تصل إلى فكرك، ويصعب بعد ذلك تخليصها من ذاكرتك.

    حكم من اقترض من البنك بالتزوير

    السؤال: حصلت على قرض من بنك التسليف منذ سنتين عن طريق التزوير، والآن أنا تبت إلى الله عز وجل وأحس بهذا الذنب، فماذا علي؟

    الجواب: ننصحك أن ترد هذا القرض دفعة واحدة إذا استطعت أن تقترض من هنا ومن هنا حتى تسلم من هذا الإثم.

    حكم ما ورد من أقوال البشر في القرآن

    السؤال: قوله تعالى حكاية عن نوح عليه السلام: قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي [نوح:21]، فكلام نوح مخلوق، وكلام الله عز وجل ليس مخلوقاً، كيف يجمع بين هذا وهذا؟

    الجواب: كلام الله تعالى ليس بمخلوق، ولكن الله تعالى يحكي عن أنبيائه أنهم قالوا كذا، وأنهم سيقولون كذا وكذا، فالله تعالى تكلم في الأزل بما سيكون من كلام المخلوقين الذين ذكر الله عنهم أنهم سيقولون كذا وكذا.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3010867577

    عدد مرات الحفظ

    722042043