إسلام ويب

من أعمال القلوب: (المحبة)للشيخ : سفر الحوالي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • في هذه المادة تحدث الشيخ حفظه الله عن عمل من أعمال القلوب ألا وهو المحبة، وبيِّن معنى المحبة وعلاقتها بالإيمان والعبادة، وأن العبادة لا تتحقق إلا بأمرين هما: كمال المحبة مع كمال الخضوع، ثم بين منزلة المحبة عند المؤمن والمنافق، وما ينتج عنها من ثمار.

    1.   

    علاقة المحبة بالإيمان والعبادة

    الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله وحبيبه وخليله الأمين،محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، أما بعد:

    حديثنا في هذا الموضوع هو عن عمل من أعمال القلب، بل هو من أعظمها شأناً وأهمية، وهذا العمل هو: المحبة، والمحبة عمل عظيم، فهي -كما سنبين إن شاء الله تعالى- مما يجب على كل مؤمن أن يعتني بها،وأن يعرف حقيقتها،وأن يحققها لرب العالمين تبارك وتعالى كما شرع لنا وعلمنا رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

    والمحبة لها علاقة عظيمة ووثيقة بالإيمان وبالعبادة.

    فأما علاقتها بالإيمان، فإن أصل الموضوع هو الحديث عن أعمال القلب، وعمل القلب جزء من الإيمان،الذي هو عند أهل السنة والجماعة: قول وعمل، فالقول قولان والعمل عملان.

    وإذا أردنا أن نحدد كما حدده شَيْخ الإِسْلامِ -رحمه الله- في رسالته القيمة النافعة التحفة العراقية في الأعمال القلبية، فإننا نقول: إن هذا الدين الذي هو قول وعمل لكل قسم من قسميه أصل عظيم هو الأساس الذي يقوم عليه.

    فأما الأقوال فأصلها وأساسها هو الصدق: العمل القلبي الذي ترجع إليه كل الأقوال، ويدخل في كل الأقوال.

    وأما المحبة فهي العمل القلبي الذي ترجع إليه كل الأعمال، ويدخل في كل الأعمال والطاعات.

    إذاً: عرفنا بهذا أهمية هذين العملين، وهما: الصدق والمحبة، اللذان هما من أعمال القلب، وعرفنا أيضاً علاقتهما بالإيمان، فالصدق: أصل كل الأقوال، والمحبة: أصل كل الأعمال.

    وأما العبادة كما عرفها شَيْخ الإِسْلامِ -رحمه الله- في كتاب العبودية فقال: ''هي: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة'' .

    فالعبادة هي الدين كله، فكل ما أمر الله تبارك وتعالى به، فعملنا وامتثالنا به فإنه عبادة، وكل ما حذرنا الله تبارك وتعالى ونهانا عنه، فالتزامنا بتركه، ووقوعنا عند حدوده فإنه عبادة، فالعبادة تشمل هذه الأعمال جميعاً.

    والعبادة هي الغرض وهي الحكمة التي خلق لها الثقلان، وهي التي طلبها الله تبارك وتعالى وأرادها من خلقه أجمعين، وهي التي بعث بها أنبيائه ورسله أجمعين، كما قال تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36] وكما قال: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25].

    المحبة هي غاية العبادة

    فإذا علمنا أن الحكمة من خلق الثقلين هي العبادة؛ فلنعلم أن العبادة هي تأليه الله تبارك وتعالى، وإذا رجعنا للاشتقاق اللغوي لهذه الكلمة فإن المحبة: هي تأليه الله، ولذلك نحن نقول (لا إله إلا الله) مقرين وشاهدين على أننا لا نعبد إلا الله.

    ولذلك فإن حقيقة لا إله إلا الله -كما جاءت في بعض الآيات وبعض الأحاديث- هي: أن لا يعبد إلا الله كما في آية الأنبياء: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25] فهذه الكلمة هي بمعنى الآية الأخرى التي قال الله تعالى فيها: أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36] فالمعنى واحد.

    ولذلك فإن الرسل الذين قال كل واحد منهم لقومه: (لا إله إلا الله) ودعاهم إليها، هم الذين قالوا لأقوامهم أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ [هود:26] وأَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [المؤمنون:32] كما ورد ذلك في قصص الأنبياء،كنوح وهود وشعيب وصالح وغيرهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

    فإذا كانت حقيقة العبادة هي التأله، فإن المحبة هي غاية التأله، أو بمعنى آخر: إن المحبة في اللغة إذا اشتدت وغلا فيها صاحبها، أو عظمت عند صاحبها وارتقت فإنها تصبح ولهاً، ويصبح المحب الذي يحب محبة عظيمة بشغف وشوق شديد ولهاناً، ويقال له: (ولِه، وَوَاله، وولهان) من هنا فإن الوله هو: شدة المحبة، والتأله لله تبارك وتعالى هو: شدة محبة الله، ومحبة ما جاء من عند الله تبارك وتعالى.

    فإذا قيل في اللغة: فلان يتأله؛ فإن معنى ذلك أنه يتحبب إلى الله تبارك وتعالى، ويحب الله تبارك وتعالى محبةً عظيمةً.

    تحقق العبادة يكون بأمرين مهمين

    المحبة الشرعية لها علاقة بالعبادة من جهة أخرى، وذلك أن التعبد والتأله لا بد أن يجتمع فيه أمران هما: كمال المحبة مع كمال الذل والخضوع، فالعابد الذي يعبد الله تبارك وتعالى لا بد أن يجمع بين هذين الأمرين.

    وإذا تجردت المحبة عن الخضوع والذل أصبحت العبادة دعوى لا قيمة لها، وهذا ما أخطأ فيه الصوفية وأمثالهم ممن ادعوا محبة الله ولكنهم لم يأتمروا بأمر الله، ولم يخضعوا لسنة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولم يحكّموها في أقوالهم، وأعمالهم، وعباداتهم.

    وإذا أصبحت العبادة ذلاً وتجردت عن المحبة، أصبح العابد يعبد معبوده وهو لا يحبه، فعندها تتحول المحبة إلى بغضٍ وكراهيةٍ، ويصبح العابد هذا مكْرَهاً، ففي هذه الحالتين لا يقبل الله تبارك وتعالى هذه العبادة.

    فلا بد إذن من اجتماع الأمرين في العبادة: المحبة من جهة، والخضوع والذل من جهة أخرى.

    وبهذا نكون قد علمنا ارتباط المحبة بحقيقة الإيمان وارتباطها كذلك بالعبادة وبالتأله لله عز وجل، فإن هذا يقودنا إلى أن المحبة هي أصل كل الأعمال، وهي ركن لا بد منه في كل عبادة.

    فمعنى ذلك أن المحبة تدخل في كل عمل من أعمالك التي تعملها، فإن ذكرت الله تبارك وتعالى، أو صليت، أو صمت، أو قرأت القرآن، أو حججت، أو اعتمرت، أو تصدقت، أو أي عمل عملته فلا بد أن يكون ركن المحبة، وعنصر المحبة متوفراً فيه، وهذا هو الفرق بين المؤمن والمنافق.

    المحبة بين المؤمن والمنافق

    الفرق بين المؤمن والمنافق هو: أن المنافق حاله كما أخبر الله تبارك وتعالى عنه بقوله: وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ [التوبة:54] فلم ينفعهم ذلك؛ لأنهم آمنوا كرهاً لكي تنجوا رقابهم من السيف، كما أنهم إذا خرجوا مع المؤمنين إلى الجهاد يخرجون وهم كارهون له، بل هم كارهون لنصر الله، ولا يريدون أن ينصر الله هذا الدين، وأيضاً وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى [النساء:142] لأنهم يكرهون الصلاة، وهذا التثاقل منهم عن العبادة نتج لما في قلوبهم من الكراهية وعدم المحبة، وإلا فإن الذي تحبه مهما كنت متعباً، أو مجهداً، أو مرهقاً، فإنك تبادر إليه وتقوم وتنطلق وتسعى، وتنسى كل ما كنت تشعر به من تعب، فهكذا فطر الله القلوب والنفوس.

    أما المنافقون فلو نام أحدهم الليل كله، وكان في غاية الراحة البدنية، ثم دعي إلى الصلاة، فإنه لا يؤديها إلا وهو كسلان -والعياذ بالله- ويجدها ثقيلة على قلبه، وإذا دخل المسجد فهو كالطير المحبوس في القفص، لأنه لا يحب المسجد ولا الصلاة ولا ذكر الله تبارك وتعالى.

    أما المؤمن فهو بعكس ذلك، فالمؤمن يحب الله تبارك وتعالى ويحب طاعته، ويحب أن يقرأ القرآن ويجد في قراءته من الحلاوة واللذة والمتعة ما ينسيه أعظم الهموم، ويجلي أحزانه، ويشرح صدره، ويثلج خاطره، وكما أن حبه للصلاة تدفع عنه همه، وغمه، وألمه، ولذلك تجد قلبه معلقاً بالمساجد، كما جاء في حديث من يظلهم الله تبارك وتعالى تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله: {ورجل قلبه معلق بالمساجد} وذلك من محبة المؤمنين لطاعة الله، فإذا ذهب هذا المؤمن أو سافر إلى أي مكان، فإن أول شيء، وأهم شيء يسأل عنه، هو: سؤاله عن مكان المسجد والعالم والمكتبة؛ لكي يستفيد منها علماً يقربه من الله تبارك وتعالى، فهذا قلبه معلق بالمساجد، ومحبته تابعة لطاعة الله، ولعبودية الله، ولرضى الله تعالى، فحيث ما كانت فإنه يتبعها ويتجه إليها.

    أما أولئك المنافقون فإن صدورهم تنشرح باللهو واللعب ولأماكنها، ولو أن أحدهم ظل الليل كله يغني ويطرب، ويهتز، ويرقص لما تعب ولا تألم، فإذا قيل له: الصلاة.. الصلاة ولو كانت ركعتين ثقلت عليه وكأنه يحمل على ظهره أشد ما تكون الأثقال والأحمال...، نسأل الله العفو والعافية، فهذا حالهم في الصلاة.

    وأما حالهم في النفقة فإنهم كما قال الله تعالى عنهم : وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ [التوبة:54] فيدفع الواحد منهم ويستلذ أن يدفع في الشر والفجور، وفي مقاومة الخير الشيء الكثير؛ ولذلك لما بنوا في عهد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مسجد الضرار، فقد كلفهم ذلك البناء نفقة وجهداً، لأنه لا بد في أي عمل من الأعمال من نفقة وتكاليف، ولكنهم استحبوا هذا العمل، ووجدوا أنه لا حرج فيه ولا غضاضة.

    فحالهم كحال كثير من الناس اليوم -والعياذ بالله- ينفق ما ينفق على نوادي اللهو، واللعب والكرة، وعن كل ما هو مبعد عن طاعة الله تبارك وتعالى، لكن إذا قيل له أن يفعل عملاً خيرياً كأن يطبع كتاباً، أو ينفق لطباعة كتاب يعلم بعض المسلمين دينهم، أو أن يتصدق على الفقراء في أنحاء العالم الإسلامي -وما أكثر الفقراء اليوم- أو أن يشارك في إتمام بناء مسجد وبمبلغ أقل مما يدفع في الشر، فإنه لا ينفق إلا إذا كان للدين قوةً، أو كان للذي كلمه هيبة لديه، فإنه ينفق وهو كاره -والعياذ بالله- فهو لا يحب الطاعة ولا يريدها.

    فلهذا فإن الله تعالى لا يقبل منهم نفقاتهم أو صدقاتهم؛ لأن أساس القبول هو: المحبة، فمن كان راغباً فيما عند الله تبارك وتعالى محباً له، فمهما قل عمله، ومهما قلت نفقته، فإنها كثيرة عند الله عز وجل؛ لأن المطلوب من العبد أن يتعبد الله بما يستطيع، لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286] ولا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا [الطلاق:7].

    وفي عهد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان بعض الصحابة يأتي بعذق من الرطب للتصدق به، وربما يكون العذق حشفاً أو قريباً من الحشف؛ لكنه لا يملك إلا ذلك، فإن الله تبارك وتعالى يأجره عليه كمثل الذي يملك ذهباً وتصدق به، فهذا تصدق بما يملك وذاك تصدق بما يملك.

    أما المنافقون فإنهم -كما ذكرهم الله- ينفقون وهم كارهون، ومع ذلك يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات ويلمزون الذين لا يجدون إلا وسعهم، فيقولون: هذا الذي لم يأت إلا بهذا العذق الرديء، لو لم يأت به لكان خيراً.

    كما يقول كثير من الناس اليوم: إن كانت الدعوة هكذا فإننا لا نريدها، وإن كانت الموعظة بهذه الطريقة فلا تتعب نفسك، وإن كان المركز بهذا الشكل؛ فلا تتعبوا أنفسكم، مع أنك قدمت ما في وسعك، لكن غرضهم ليس أنهم يريدون الأفضل، ولكن الغرض هو: الطعن، واللمز، والهمز الذي هو من أعظم صفات المنافقين لأنهم يكرهون الطاعة، ويكرهون من يعمل لطاعة الله تبارك وتعالى.

    المحبة بين المؤمن والمشرك والكافر

    إن محبة الله كما أنه يفترق فيها المؤمن عن المنافق -كما ذكرنا- فكذلك يفترق فيها المؤمن والمشرك والكافر، والله تبارك وتعالى يقول: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ [البقرة:165].

    الكل يقول: إنه محب لله، لكن المشركين خلطوا محبة الله بمحبة آلهتهم، ولذلك فالمؤمنون أشدُّ حباً لله من محبة الكافرين لله ولآلهتهم، فإن كانوا -كما يدَّعون- يحبون الله، فإنهم لا يعيبونه إذ ليس في إمكان أي متأله أن يقول: إنني لا أحب الله، فكل متأله يزعم أنه يحب الله وإن كان مشركاً، فالمشركون الأولون يقولون: نحن نحب الله، والمشركون المعاصرون في هذا الزمن يدّعون ذلك أيضاً.

    لكن هناك فرق بين المحبة الإيمانية، وبين تلك المحبة التي شابها وخالطها الشرك فأبطل عمل صاحبها.

    ثم إنه من خلال المحبة، والتعظيم، والإجلال، والطاعة، والتشريع وقع الناس في الشرك، كما ذكر ووضح ذلك ابن القيم رحمه الله في المدارج، فالذين أشركوا بالله تبارك وتعالى قديماً لم يشركوا به في ربوبيته، ولم يجعلوا خالقاً آخر غير الله خلق كخلقه أو خلق معه، أو يجعلون رازقاً يرزقهم من دونه أو معه، أو مدبراً يدبر الأمر كما قال تعالى: وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ [يونس:31] فهم يقرون لله بهذا، وإنما كان شركهم وعدلهم وتسويتهم في المحبة بين الله وخلقه، والإجلال، والتعظيم، والطاعة، والتشريع لغيره، كما يدل على ذلك القرآن في قول الله تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ [التوبة:31] فلما اتبعوا غيره وأطاعوهم في تحليل الحرام وتحريم الحلال فهم بذلك جعلوهم أرباباً من دون الله.

    1.   

    الشرك في المحبة

    من خلال ما سبق يتبين لنا أن الشرك في المحبة شرك عظيم، وأصل عبادة كل معبود هي محبته، فالذين عبدوا وداً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسراً، والذين أحبوا المعبودات والمألوهات من دون الله تبارك وتعالى إنما غلوا في محبتهم تلك فعبدوهم.

    فهذه المحبة إن كانت للصالحين فهي غلو، وإن كانت للأحجار وما أشبهها فتعتبر صرفاً لما لا يجوز أن تصرف له تلك المحبة، وصرفٌ لعبادة الواجب فيها أن تكون خالصة لله تبارك وتعالى، ومن صرفها لغير الله عز وجل فقد وقع في الشرك، ووقع في العدل، ووقعت التسوية، وسيندمون على ذلك يوم القيامة ويقولون: إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:97-98] وهو العدل الذي ذكره الله تبارك وتعالى في قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام:1] أي: يساوون به غيره في هذا الأمر.

    والعبادات منها ما هو حق خالص لله ومنها ما هو حق للمخلوقين، فأما ما هو حق خالص لله تبارك وتعالى فهي نوع لا يشترك فيها أحد مع الله، ويحرم أن يشرك بالله فيها كما قال عز وجل في -الحديث القدسي-: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل لي عملاً أشرك معي فيه غيري؛ فهو للذي أشرك) وفي الرواية الأخرى:(تركته وشركه) هذا ما كان حقاً لله من العبادات.

    وأما ما هو حق للمخلوقين من العبادات فمنها بر الوالدين، والإحسان للجار، والفقراء وما أشبه ذلك، من حقوق المسلم فهذه تدخلها المحبة، وهي من حق المسلم على المسلم، وكما يجب عليك أن تحب المؤمنين فيجب عليك أن تبغض الكافرين.

    فإذاً: نجد أن المحبة تدخل في كل أنواع العبادات، وسنركز على النوع الخالص والخاص بالله تبارك وتعالى، فهذا النوع كلما كمل العبد فيه كان ذلك أرقى، وكلما اجتهد في تحقيقه كان أكمل وأعظم درجة، ولذلك فإن من أعظم الناس محبة لله تبارك وتعالى هو الذي كمل في المحبة حتى بلغ الدرجة العليا من العبودية لله عز وجل.

    أكمل الناس في المحبة

    وأكمل الناس محبة لله عز وجل هم الأنبياء وأفضل الأنبياء في ذلك الخليلان: إبراهيم ومحمد صلوات الله وسلامه عليهما، ولذلك يقول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً} أي أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يتخذ من أمته خليلاً، مع شدة محبته لـأبي بكر ولـعائشة رضي الله تعالى عنها، من أجل أن تكون خلته لله وحده، فهو خليل الرحمن، كما أن إبراهيم خليله صلوات الله وسلامه عليهما، ولذلك كانت أعمال الخليلين، وحياة الخليلين شاهدة على كمال الخُلّة التي حققاها.

    فهذا إبراهيم عليه السلام عندما ابتلاه الله بأن يترك ابنه وزوجته في صحراء مكة القاحلة، بواد غير ذي زرع، وأمر أن يذهب ويرجع إلى بلاد الشام ولا يترك معهما شيئاً وأن يوكلها إلى الله، وأيقن بذلك، وذهب وتركهما.

    ثم لما ابتلي بأكثر من ذلك؛ بأن يذبح ابنه إسماعيل حقق ذلك، فأضجعه وتله للجبين، ولولا أن الله تبارك وتعالى فداه بالذبح العظيم لذبح ابنه، لأن قلبه قد تجرد عن كل محبة تخالف محبة الله تبارك وتعالى، وأصبح خليلاً للرحمن، والخليل لا يمكن أن يخالف أمر خليله أبداً، بل يأتمر بأمره ويطيعه في كل شيء وفي كل أمر.

    الاتباع هو من كمال المحبة

    ولهذا ربط الله تبارك وتعالى بين المحبة والاتباع كما قال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران:31] فحقيقة المحبة، أن يتبع العبد ما أنزل الله، وأن يتبع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأن يتبع ما شرع الله وما أمر به ولا يخرج عن شيء من ذلك أبداً، فإن تمسك بهذا ترقى به في مدارج العبودية، وهو الذي يتحقق به كمال العبودية وبالتالي كمال المحبة.

    ولذلك لما كان أعظم وأشق أنواع العبادات هو الجهاد اقترن بالمحبة؛ لأنك إن كنت تحبه فلا بد أن تجاهد في سبيله، وتضحي بالغالي والنفيس من أجله، ولذلك يقول الله تبارك وتعالى: قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ التوبة:24].

    فهنا قارن الله بين المحبتين، فإما أن تكون هذه أحب أو تلك وهذا حال أكثر الناس مع الأسف الشديد محبة الأبناء والأزواج والعشيرة والأموال والمساكن والدنيا والأراضي والشركات والمؤسسات، وكل ما هو من زينة الحياة الدنيا.

    فإن كانت هذه أحب إليك من الله ورسوله وجهاد في سبيله، والجهاد: خصه الله من بين سائر العبادات لأنه أشق العبادات، وهو الغاية قال: وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ [التوبة:24] فإن حدتم عنها فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ [التوبة:24] وهذا وعيد من الله تبارك وتعالى، فإما أن يسلط الله عز وجل الذل على المؤمنين، كما جاء في الحديث {إذا تبايعتم بالعينة، واشتغلتم بالزرع، وأخذتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد؛ سلط الله عليكم ذلاً لا يرفعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم} وإما أن ينزل علينا عقوباته السماوية، وإما أن يعاقب من فعل ذلك بتسليط بعض خلقه عليه، فهو يعاقب كما يشاء وكيف يشاء.

    1.   

    من صفات عباد الله أنه يحبهم ويحبونه

    قال الله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة:54] فهذا الصفة العظيمة أول ما ذكر يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ فجمع بين المحبة وبين الجهاد في سبيل الله، ولذلك جعل الله هذه المحبة متبادلة يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ فهذا دليل على أنه اصطفاهم واختارهم من بين خلقه، وإلا فهو تعالى يخلق ما يشاء، فكل هذا الكون بيده، والكل في ملكه وفي سلطانه عز وجل، وكل ما ترى أعيننا من خلائق فهي مسبحة بحمده كما أخبر به الله بقوله: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء:44]، ومع ذلك فقد اختار هؤلاء ليحبهم وليحبوه عز وجل.

    فهو الودود، والمؤمنون يودونه، هو يُحِب ويُحَب -وهو القول الذي لا يجوز الذهاب إلى سواه- وهذا قول أهل السنة والجماعة بخلاف من أنكر ذلك من غلاظ القلوب والأكباد من الجهمية وأمثالهم من المؤولين كـالأشعرية الذين ينكرون أن الله يحب أو يحب.

    يحبهم ويحبونه هذا أول الأمر، علاقة مع الله تبارك وتعالى، أما في العلاقة مع الخلق فتتصف أخلاقهم بالذل للمؤمنين والعزة على الكافرين، فهذه هي العلاقة الصحيحة التي هي صفة من يختاره الله جل وعلا، إذا ارتد الناس عن دينه فإنه يختار ويصطفي هؤلاء.

    أما المحب للكافرين والكاره للمؤمنين فهذا لا يمكن أن يصطفيه أو يختاره الله، بل هو من الهالكين، وممن يشمله الوعيد الذي في الآية السابقة من سورة التوبة.

    ثم يأتي من صفات أحباء الله أنهم يجاهدون في سبيله، لأنه من كمل محبته لله، وكمل ولاؤه للمؤمنين لا بد أن يجرد سيفه لمقاتلة أعداء الله عز وجل الذين يبغضون الله ويبغضهم الله تبارك وتعالى، والذين يبغضون المؤمنين ويبغضهم المؤمنون، ولا يخافون في الله لومة لائم، لأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويقولون كلمة الحق، ولو خافوا في الله لومة لائم ما قالوا الحق، وهذه سمة واضحة في كل من خاف الخلق في الله؛ أنه لا يقول كلمة الحق أبداً، لأن أهواء الناس تخالف ذلك الحق.

    فإن تكلم في الأخطاء والانحرافات والضلالات التي يقع فيها الحكام والسلاطين لم يرض عنه الحكام، وإن تكلم فيما يقع فيه التجار من المحرمات والمعاملات المحرمة وما أشبه ذلك، فهذا لن يرضى عنه التجار، وإن تكلم في ما يقع فيه طلاب العلم غضبوا عليه، وإن تكلم في أي طائفة من الناس ممن خالفوا أمر الله ودينه، وأمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر فإن ذلك لا يعجبهم.

    ولذلك فالمؤمن من صفاته أنه لا يخاف في الله لومة لائم، فمن كانت هذه صفته فهو من المختارين، وهو البديل لمن يرتد عن دين الله تبارك وتعالى، ولا يقوم بحمل أمانة هذا الدين التي هي أعظم الأمانات وأثقلها إلا من كانت هذه صفته.

    ولذلك نعود إلى الأصل وهو اقتران الجهاد بالمحبة: فالمؤمن لا يبالي بمن يلومه ولا نقول: إن حقيقة الملام هي ما يسعى إليه المؤمنون، ولكن كل من عمل بتقوى الله وأحب الله وأحب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأطاع الله واتقاه، وأحب المؤمنين وأبغض الكافرين فلا بد أن يتعرض لهذا اللوم.

    أما الذين سموا أنفسهم الملامتية من الصوفية وأشباههم ويقولون: نتعرض للوم لكي نهين أنفسنا، ولكي نرغمها، ويتظاهرون بالمعاصي أمام العامة حتى يهينوهم ويذلوهم، ويقولون: ندفع بذلك الرياء وأمثال ذلك من الأباطيل، فهذا انحراف عن منهج التربية والتزكية الذي شرعه لنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأمر من الله، وهذا هو الملام المذموم، فهم مذمومون في أعمالهم وإن لحقهم اللوم فهو في محله.

    أما المؤمنون فإنهم بإخلاصهم في دين الله واجتهادهم في طاعة الله، لا بد أن يلاموا، لأنه لم يقم أحد بشيء من هذا الدين وعمل من أجله وجاهد عليه إلا تعرض للوم.

    والرسل الكرام صلوات الله وسلامه عليهم قيل عنهم: هذا ساحر، وهذا شاعر، وهذا كاهن، وهذا كذاب، وقالوا عن القرآن: أساطير الأولين اكتتبها وأعانه عليه قوم آخرون، أشياء عظيمة قيلت فيهم، فلا بد أن يقع اللوم، فما على المؤمن إلا أن يستقيم على أمر الله؛ فإن وقع عليه من اللوم -وهو لا يطلبه- فليحمد الله الذي أعانه ووفقه للصبر والثبات لكي يكون ممن اختارهم الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

    1.   

    حقيقة المحبة وأثر تحقيقها

    المحبة لله يتفرع عنها محبة عظمى، وهي محبة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولهذا قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما في الحديث المتفق عليه: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين) ومحبة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عمل قلبي عظيم، وقربة عظمى، فهي قرة عيون المؤمنين، فأما من رآه منهم فوالله ما يعدلون برؤيته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شيئاً في هذه الدنيا، وإن كانوا ممن لم يروه -كما هو حالنا- فوالله لا يرون أن شيئاً في هذه الدنيا يساوي أن يكونوا قد رأوا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مهما أوتوا من متاعها، وإن أعظم ما يرجوه عند الله في الجنة أن يروا ربهم عز وجل، وأن يروا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ويكونوا رفقاءه في الجنة، فهذا غاية ما يسعى إليه كل مؤمن.

    ومن لوازم محبته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الاهتداء بهديه والاقتداء بسنته، ومحبة ما أحب، وأعظم ما أحب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه أحب الله، وأحب الجهاد، وأحب الأمر بالمعروف، وأحب النهي عن المنكر، وأحب الصلاة، وأحب المؤمنين، وأبغض صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الكفر، والشرك، والنفاق، والكافرين، والمشركين، والمنافقين، والفجار، والكذابين، والظالمين، وهكذا.

    فإذا أحب الإنسان ما أحبه الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأبغض ما أبغضه الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان الإنسان سائراً على درب المحبة وطريقها، كما قال عز وجل: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [آل عمران:31].

    حقيقة المحبة لله

    جعل الله تعالى حقيقة محبته في اتباع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم رتب على ذلك فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله [آل عمران:31] فرتب على اتباع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يحبهم الله، فإذاً: ليس الغرض أن يدعي أحد محبة الله، كما قال بعض السلف: ادعى قوم محبة الله فأنزل الله هذه الآية، فهذه آية المحنة أو آية الامتحان، لأنها امتحان لهم في حقيقة المحبة.

    فليس الغرض فقط أن يدعي قوم أنهم يحبون الله، بل الغاية أن الله يحبهم، فلو أن أحداً ظن أنه يحب الله، ولكن الله لا يحبه فلن ينفعه ذلك أبداً!

    فانظر إلى عباد النصارى الذين حجروا على أنفسهم في الأديرة والصوامع، وحرموا ما أحل الله اعتقاداً وظناً منهم أنهم يفعلون ذلك قربة إلى الله، وأن الله يحبهم؛ ولكن لم ينفعهم ذلك، لأن الله لا يحبهم، فلذلك لم ينفعهم أي عمل، فالغرض من هذه العبادات حصول الثمرة وهو أن يحبهم الله، وليس أن يدّعوا هم محبة الله، فلهذا قال فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ [آل عمران:31] فإذا أحبك الله فهذه هي النعمة، وهذا هو الرضوان، وهذه هي البشرى، فأبشر بالجنة وأبشر بالخير، وبمحبة الناس لك في هذه الحياة الدنيا، فإن الله تبارك وتعالى كما ثبت في الحديث: {إذا أحب عبداً نادى جبريل -عليه السلام-: إني أحب فلان فأحبه، فيحبه جيريل عليه السلام، وينادي في أهل السماء: إن الله تبارك وتعالى يحب فلاناً فأحبوه، فيحبونه، ثم يوضع له القبول في الأرض؛ فيحبه أهل الأرض} فهذا الفضل من الله لمن يحبه الله عز وجل.

    فنحن محتاجون إلى محبة الله لنا، أما دعوانا أننا نحب الله، فيمكن لكل كافر وزنديق وملحد وأي إنسان من بر أو فاجر أن يدعيها، لكن ما حقيقة ذلك وما دلالته؟!

    المحبة لله ورسوله تكون في الاتباع

    لا بد أن يعلم الإنسان أن المحبة في الحقيقة هي في الاتباع، ولا نقول: إن الاتباع يتجرد عن المحبة بمعناها القلبي، لأن المحبة القلبية هي من الاتباع، فما محبة الله ومحبة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا في الاتباع العام، والالتزام بسنته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أثر لازمٌ وظاهرٌ لهذه المحبة التي هي عمل قلبي، فإن كانت المحبة صادقة فإن هذا يظهر في سلوك جوارح وأعمال المحب. وذلك بأن يحب العبد كل ما أحبه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ويبغض كل ما أبغضه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ويتأسى به في كل عمل، وفي كل ما ثبت عنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

    وتقديم محبة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على غيره يثمر للعبد ثمرةً عظيمة ونعمة كبرى، لا تعادلها كنوز الدنيا جميعاً ولا ملذاتها، ألا وهي حلاوة الإيمان، جاء في الحديث {ثلاث من كن فيه وجد بهنَّ حلاوة الإيمان} فالإيمان شيء وحلاوته شيء آخر، فكونك تجد حلاوة الإيمان وتعلم نعيمها، فإنه يهون أمامك كل شيء، وتشعر بأن هذه هي جنة الدنيا، كما قال شَيْخ الإِسْلامِ رحمه الله: ''إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة'' فبقدر تنعمك بحلاوة الإيمان في قلبك يكون تنعمك بالجنة بإذن الله.

    أما الذين أغلقت قلوبهم وحجبت، وطمست بالكفر والشهوات والشبهات في الدنيا عن ذكر الله ومحبته فهؤلاء هم أهل النار والعياذ بالله، قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حلاوة الإيمان : {أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما} فلا يقدم عليهما في المحبة أي شيء، وإن حدث تعارض بين مقتضى محبة الله مع مقتضى محبة الأهل أو النفس أو الزوجة أو غير ذلك من الأحباب والأخلاء والأصدقاء، فإنه يجب أن يقدم مقتضى محبة الله تبارك وتعالى على ذلك، قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : {وأن يحب المرء لا يحبه إلا الله} وهذا فرع عن الأول، لأن الناس لا بد لهم من علاقات فيما بينهم، على أن تكون هذه العلاقات بين الخلق مبنية على المحبة في الله، وهذا ما دلت عليه الآية يحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ [المائدة:54].

    فكل الآيات والأحاديث في مدلولاتها وتطبيقاتها في منهج أهل السنة والجماعة تترابط دائماً وتدل على معنى وحقيقة واحدة.

    فمن ذاق طعم الإيمان، وذاق حلاوته، وأحب الله ورسوله، وقدم محبتهما على كل شيء، وأحب المرء أخاه ولم يحبه إلا لله خالصاً لوجهه الكريم، فإنه لا بد أن تثمر عنده: {وأن يكره أن يعود إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار} فهذه هي الحالة الثالثة، وكما قد جرى لأصحاب الأخدود، وعذب أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكما يفتن المؤمنون في كل زمان ومكان، ولا يرجعون عن دينهم أبداً، لأنهم ذاقوا حلاوة الإيمان.

    ولهذا يجعل الله تبارك وتعالى من الذين يظلهم الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله: {رجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وافترقا عليه} لأن محبتهما تجردت عن أن تكون لهوى أو لشهوة أو لغرض مما يجتمع عليه الناس، وهذه هي المحبة التي تدوم عند الله تبارك وتعالى.

    أما ما عداها: فكل نسب، وكل علاقة، وكل صلة، وكل محبة يوم القيامة ليست لله عز وجل فهي مقطوعة، ويتبرأ بعضهم من بعض، ويلعن بعضهم بعضاً، ويعادي بعضهم بعضاً على مودتهم في الحياة الدنيا الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف:67] فالمتقون أحباء في الدنيا وأحباء في الآخرة.

    ولهذا كما في حديث أنس في الصحيح أنه قال: لم يكن عند الصحابة أرجى من قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {المرء مع من أحب} قالوا: هذا أرجى ما سمعنا، فنحن نحب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ونحب أبي بكر وعمر، ونرجوا أن نكون معهم.

    فمعنى كلامهم: إن لم نلحق بهم بأعمالنا فإننا نرجو أن نلحق بهم بمحبتنا لهم.

    أثر محبة الله وأثر تحقيق المحبة

    أثر محبة الله وأثر تحقيق المحبة أنها: تثمر لصاحبها علواً ورفعةً في الدرجة، لم يكن ليصل إليها لولا هذه المحبة، إن قصر بك عمل الجوارح من أن تجاهد كجهادهم، أو أن تأمر بالمعروف كأمرهم، أو تتعبد كعبادتهم، فيجب أن تحبهم بقلبك، وأن تسأل الله تبارك وتعالى مرافقتهم، وأن تبغض من أبغضهم، وتعادي من عاداهم، وبذلك تصل -بإذن الله تبارك وتعالى- من الخير الكبير، وأن تصل إلى قربهم أو أن تدنو منهم، وهذا شرف عظيم، وفخر كبير، وغاية لو شمر لها العابدون والساعون الدهر كله لكانت مستحقة لذلك.

    فحقيقة المحبة إذاً هي ما قدمنا من حيث علاقتها بالإيمان، والعبادة حيث إن المحب على الحقيقة لا يقدم أمراً ولا نهياً، على أمر ونهي من يحبه وهو الله تبارك وتعالى، مما يثمر ذلك لديه الاستقامة في السر والعلانية، وفي كل شأن من شئون الحياة، واتباع سنة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي جُعل اتباعه امتحاناً لحقيقة المحبة وامتثالها.

    أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يجعلنا ممن يحبهم الله ويحبونه، وممن يقيم هذه الأعمال وهذه الحقائق القلبية الإيمانية في نفسه وأهله ومجتمعه، ويدعو إلى ذلك، إنه سميع مجيب.

    1.   

    الأسئلة

    المحبة عند أهل الكلام وأهل التصوف

    السؤال: اقتصرتم في ذكر أعمال القلوب عند أهل السنة والجماعة فهل من إشارة إلى هذه الأعمال عند بعض الفرق وإزالة شبههم التي قد غيرت أفكار كثير من الناس؟

    الجواب: المحبة عند الصوفية أو الزنادقة -وهكذا سماهم السلف لأن كل من ادعى المحبة من غير تعبد واتباع للسنة فهو يسمى ويعدُّ زنديقاً- لها معنى آخر، فهناك منهجين مخالفين لـأهل السنة والجماعة هما:

    أهل الكلام وأهل التصوف وكلاهما غلط وضل في حقيقة المحبة لله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فأما أهل الكلام فهم ينكرون أن الله تعالى يُحِب أو يُحَب، وهذا ضلال عظيم -والعياذ بالله- فهم غلاظ القلوب والأكباد، فكيف نتخيل أن يعبدوا الله وهم يعتقدون أنه لا يُحِب ولا يُحَب، وهم لا يحبون الله، وهذا من ضلالهم.

    أما ضلال الصوفية وهو الأشهر والأظهر، أنهم لم ينكروا المحبة بل صرفوها وصرفوا الأمة معهم عن حقيقتها، فأصبحت المحبة عندهم بالنسبة لله تبارك وتعالى هي أناشيد، فتراهم يأتون بشعر قيس مجنون ليلى. أو أي شعر في الديار أو في الأوطان أو في الغربة أو في غيرها، وينشدون ويغنون ويقولون: نحن نعني بذلك محبوبنا وهو الله، وليلى ليست هي المقصودة وإنما المقصود هنا هو ذات الله، تعالى الله وتبارك عن ذلك علواً كبيراً.

    فأصبحت جلساتهم وحضراتهم كلها من ذلك الغناء، ومن هذه الأناشيد, ومن هذا اللهو, واستحلوا تبعاً لذلك الرقص، والدف، وأنواع المزامير، فأصبحت جلساتهم هي جلسة غناء لا أكثر ولا أقل، إلا أنه غناء -كما يزعمون- للدين، وذاك غناء أهل الطرب للطرب، لكن الباعث والمحرك واحد وهو حظ النفس، نسأل الله العفو والعافية.

    وضلوا عن محبته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فزعموا أن من محبته أن تتحدث عنه عن مولده، وكيف كان، والعجائب في ذلك ضعيفها أو موضوعها أو صحيحها، ثم لا يذكر جهاده، ودعوته، وما دعا إليه، وإنما كله يتعلق بشخصه وببدنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فبعد أن يتحدثوا عن مولده ويعدون ذلك حباً، بل يسمونه أحياناً عشقاً -والعياذ بالله- ويتكلمون في ذلك ما ثبت عنه أيضاً وما لم يثبت، عن لونه، وشعره، وعينيه، صلوات الله وسلامه عليه، ويقتصرون على هذا الجانب ويخلطون الصحيح بالضعيف والموضوع.

    فهذه محبة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عندهم، أما المؤمنون أهل السنة والجماعة فمحبتهم كما ألمحنا آنفاً.

    نبذة عن رابعة العدوية

    السؤال: فضيلة الشيخ: عندما تذكر المحبة عند الصوفية تذكر رابعة العدوية نريد نبذة موجزة عنها وما موقفنا منها؟

    الجواب: عندما تذكر رابعة التي يسميها البعض شهيدة الحب الإلهي، أو شهيدة العشق الإلهي، وكان هذا في القديم حيث كتب وقيل فيها ما قيل، ثم حديثاً عُمِلت الأفلام باسم رابعة العدوية والعياذ بالله.

    فالذي أراه في رابعة العدوية أن نقول فيها ما قاله أئمة الجرح والتعديل، حيث إن أبا داود -رحمه الله وهو تلميذ الإمام أحمد في الحديث وفي الجرح والتعديل- يقول عنها: ''ورابعة رابعتهم على الزندقة'' أي: أن رابعة العدوية كانت، من ضلال العباد، الذين ضلوا في عبادتهم وخرجوا عن سنة نبيهم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فهي كانت تزعم أن أمرها وشأنها كله محبة، فأسقطت الخوف والرجاء بالكلية، وعلقت نفسها بالمحبة، وامتنعت عما شرع الله تبارك وتعالى للنساء من الزواج وغيره، وتبتلت وترهبنت ترهب النصارى، وليس بالتبتل الذي شرعه الله تبارك وتعالى لعباده، فهي كما قال رحمه الله، فما ثبت وما صح وما يصح عندنا هو ما يقوله علماء الجرح والتعديل.

    أما ما يفتريه الصوفية وأمثالهم فهذا لا شأن لنا به، وإن كان فيما يذكرون عنها طوام، ومكفرات، وأنها عندما تقول: '' إنني لا أحب الجنة ولا أخاف النار وإنما أحب الله فقط '' وتقول: '' إن من أحب الله من أجل الجنة أو النار أو من اجتهد في العبادة لأجل الجنة والنار فهو أجير '' كما ينسب إليها، هذه الأبيات الشعرية التي تقول فيها:

    أحبك حبين حب الهوى     وحب لأنك أهل لذاك

    فأما الذي هو حب الهوى     فشغلي بذكرك عمن سواك

    وأما الذي أنت أهل له     فكشفك للحجب حتى أراك

    إلى غير ذلك مما ينسب إليها، وهذا فيه انحراف وفيه ضلال ومنه ماهو كفر، كما ينسبون إليها أنها سمعت قارئاً يقرأ ويقول: وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ [الواقعة:21-22] فقالت: '' يمنوننا باللحم وبالطير كأننا أطفال، وإنما الغرض المحبة'' .

    انظر كيف تعترض حتى على ما جاء في القرآن، أما مسألة نعيم الجنة، فما يهم، والمهم هو المحبة، فهذه محبة عباد الهندوس وأمثالهم الذين يرون أن غاية العبودية هي الاتحاد في برهما، أو الفناء في برهما الذي هو الرب المعبود عندهم تعالى الله عما يصفون.

    نوع التعامل مع الكفار

    السؤال: من محبة الله البغض فيه والحب فيه، وبغض الكفار من محبة الله، فكيف يكون تعاملنا معهم إذا كانوا معنا في العمل، ونحتك بهم يومياً، وكيف يكون التسليم عليهم إذا رأيتهم؟

    الجواب: هذه دائماً نُسأل عنها ولا بد أن نبدأ الأمور من جذورها.

    الأمر الأول: أنه لا يجوز أن يُدخَلَ الكفار إلى جزيرة العرب أو أن يقيموا فيها لقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لا يجتمع في جزيرة العرب دينان} فلا يجوز للحكومة، أو للشركات، أو للمؤسسات أن تتعاقد معهم، أو أن تعطيهم إقامة في جزيرة العرب وإذا كان لا بد اضطراراً فلأفراد معدودين وفي وقت محدد ولحالة طارئة، أما أن يستقدم الكافر، بل والعياذ بالله أن يشترط في بعض العقود كما في الهند والفلبين وغيرها أن تكون نسبة كذا من المسلمين ونسبة كذا من غير المسلمين، فهذا شرط باطل، والعمل بهذا الشرط مخالفة صريحة لما نهى عنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومخالفة لأمر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بإخراجهم من جزيرة العرب وأن لا يجتمع فيها دينان، وهذا من ما لم ينسخ قط، فإن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قاله وحذر وأوصى به في مرض موته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأنفذ ذلك خلفاؤه الراشدون، وما علمنا في تاريخ المسلمين، ولا في تاريخ الخلفاء الراشدين، ولا الأمويين، ولا العباسيين، ولا من بعدهم أن كفاراً استوطنوا جزيرة العرب وأقاموا فيها إلا مع قدوم الاستعمار الغربي الخبيث، وأول ما ابتدءوا في مناطق معينة في الخليج، وكان الذي يأتي منهم إلى جدة يكون في غاية الخوف، ثم لما فتح الله علينا بهذه النعمة، وامتحننا وابتلانا بهذه الثروة جئنا بهم واستسهلنا ذلك، وأصبح كأنه أمر لا حرج فيه -نسأل الله العفو والعافية- فهذه من الذنوب والكبائر التي قد توجب غضب الله، ونزول عقابه علينا، والناس يستهينون بهذا الذنب، فترى الخادمة، والعامل، والمحاسب، والمدير كفار، وفي كثير من الإدارات يولى الكفار على المسلمين، وهذا مناقض لما جاء في الآية السابقة: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ [المائدة:54] فيجب أن تكون الذلة للكافرين من المؤمنين والعزة للمؤمنين، أما أن تكون الأمور بعكس ذلك، وأن يتسلط الكافر على المسلم، فهذا مما لا يرضي الله تبارك وتعالى أبداً.

    أما وقد ابتلينا بهم فما علينا إلا أن نتعامل معهم في ما من شأنه -إن شاء الله- أن يفتح قلوبهم للحق، فإن رأينا أن ذلك يجدي وينفع، فالمعاملة الحسنة مطلوبة من الإنسان، والعدل مطلوب منه حتى مع هؤلاء الذين هم كفار، والذين لا يجوز أن يؤتى بهم إلى هنا.

    لكن المعاملة الحسنة والاجتهاد في إتقان العمل، وغير ذلك من الأمور، التي يمكن أن يفتح الله بها قلوب بعضهم ليهتدوا فهذا أمر حسن.

    أما ما شرعه الله من ترك البدء بالسلام عليهم، واضطرارهم إلى أضيق الطريق، وترك أكلهم أو ذبائحهم خاصة إن لم يكونوا من أهل الكتاب، أو كانوا أهل كتاب لكن لم يذبحوها وغيرها من الأمور العملية، فهذه وإن كانت مشروعة في الأصل في أهل الذمة، -وأهل الذمة موضعهم بلاد الشام ومصر وأمثالهما إلا أن هذه الأحكام تسري هنا ما دام أنهم قد جاءوا إلى هنا، وإن كان الذين هنا ليسوا بأهل ذمة ولا ينطبق عليهم ذلك العقد.

    الصبر ناتج عن المحبة وتالٍ لها

    السؤال: فضيلة الشيخ، ذكرتم أن الذي يقوم إلى الصلاة ويحس بثقل في نفسه أنه ليس بمؤمن، ويكون فيه صفة من صفات المنافقين، ونعلم أن الصبر ثلاثة أنواع:

    صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على أقدار الله المؤلمة

    فهذا الذي يقوم إلى الصلاة ويجدها ثقيلة ألا يكون من الصبر على طاعة الله، ثم إن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يقول: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ [البقرة:216] فهذا القتال طاعة لله وعبادة، ومع ذلك هو كارهاً على نفوس المؤمنين، فكيف تكون المحبة شرطاً في العبادة؟

    الجواب: هذا الأخ اختلط في ذهنه مقدمة العمل ونتيجته، فقد جاء رجل إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كما رواه الإمام أحمد في المسند فقال له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {أسلم قال: أجدني كارهاً. قال: أسلم ولو كنت كارها} حتى لو كنت كاره فأرغم نفسك على الحق وقل: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، فإذا فعل ذلك فيجب أن يحب الإيمان، وأن يحب الصلاة، فالإنسان إذا كان متعباً مجهداً وهو يحبها، فإنه يقوم وهو راضٍ منشرح الصدر، ويصبر على هذا القيام الذي يقومه وهو متعب، فلا تعارض بين هذا وهذا، لأن الباعث والمقدمة للعمل هي المحبة، والصبر ينتج عن محبتك لهذا العمل وأن تصبر عليه وإن كان مؤلماً لأنك تحبه وتريده بقلبك، فالقتال كره، لكن حبك لهذا العمل يجعلك تصبر عليه، وحبك نابع من أن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى شرعه فتكون بذلك قد امتثلت أمر الله.

    فليس المقصود أن نجتث ما هو خلقيٌ جبلِّيٌ في نفوسنا من كراهية القيام، أو النهوض مع التعب، أو من كراهية الجهاد، أو من كراهية الإنفاق، فمثلاً ليس المقصود ألا ننفق ونحن نحب المال، فنحن نحب المال حباً جماً -كما ذكر الله ذلك- عن الجميع -لكن المؤمن يصبر على الطاعة بدافع محبة الله تبارك وتعالى، فينفق ويجاهد عن رغبة وليس عن كسل.

    حكم حضور دورات تطويرية يتضمنها محرمات

    السؤال: فضيلة الشيخ: نحن نعمل في مطار جدة وأحياناً تعطى لنا دورات لتطوير مهارات في العمل، ويتخلل هذه الدورات أفلام فيديو أو غيره وبداخل هذا الفيلم موسيقى وصور نساء، فهل يجوز لنا أن نحضر هذه الدورات التي بداخلها من ما لا يحبه الله ورسوله علماً بأن هذه الدورات مهمة في الترقيات؟

    الجواب: الأمر في مثل هذه الأمور دائر بين المصلحة والمفسدة، والقاعدة فيه ما الراجح: هل المصلحة أم المفسدة؟ فإن كانت المصلحة أرجح بأن نستفيد من علوم هؤلاء الكفار، لكي تترقى لتحل محل واحد منهم، ثم تعلم أنك بعد ذلك تصبح مدرباً وتعلم المسلمين وأن تبعد هذا المنكر وما أشبه ذلك، فيجوز لك أن تحضر وتغض النظر عن الصورة المحرمة، وأيضاً تقفل سمعك عن المسموع المحرم من موسيقى أو كلام لا يليق.

    وأما إن كانت المفسدة فيها أرجح وأعظم، فهذا مما يجب على الإنسان أن يتركه، وأن يحتسب ذلك عند الله تبارك وتعالى.

    معايشة الروافض

    السؤال: فضيلة الشيخ: السلام وعليكم ورحمة الله وبركاته، نحن طلبة في الكلية التقنية بـجدة ونسكن في السكن الداخلي، ويسكن معنا رافضة وإمامية وهم يصلون معنا في مسجد الكلية، فهل صلاتهم معنا في هذا المسجد جائزة، وهل هم كفار، وجزاكم الله خيراً؟

    الجواب: إذا أظهروا شعائر الدين وصلوا صلاتنا، واستقبلوا قبلتنا، وأكلوا ذبائحنا فهذا حسن، ونحن نكلهم إلى الله تبارك وتعالى في بواطنهم، وإن لم يظهروا عقائدهم وعملوا هذا العمل، فهذا أمر مطلوب، وهذا الذي نريده منهم.

    هذا غاية ما نريده نحن في الدنيا، أما قلوبهم وبواطنهم فهي عند الله، فعلينا بعد ذلك أن نُذكّر وننصح على سبيل العموم في ما يتعلق بالتحذير من الشرك، وفي التحذير من الطعن والنيل من الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - وأمثال ذلك مما نعلم أنه من عقائدهم، فلعل الله أن يصلح قلوبهم، وإلا نكون قد أقمنا الحجة عليهم.

    حكم من يدعي التجديد في الدين

    السؤال: فضيلة الشيخ: هناك من يدعي تجديد الدين، ويريد بذلك تغيير معالم الدين الإسلامي، وله كتابات مثل تجديد الفكر الإسلامي وتجديد الفقه الإسلامي وهكذا يريد طمس معالم الدين، كأمثال الدكتور الترابي فإن ثبت هذا فهل نسميه زنديقاً أم لا؟

    الجواب: في الأصل أن من انحرف وضل في هذا الباب، ويحسب أنه يمكن أن يأتي بتجديد الدين، وتجديد أصوله، لا تجديد العمل به وإحيائه، ولكن من يعتقد ويظن تحديد أصول الدين وحقائقه مما لم يشرعه لنا الله على لسان رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلا شك أنه زنديق، ولا شك أن الزنادقة بهذا المعنى كثير قديماً وحديثاً.

    أما إطلاقه على فلان بعينه فهذا يحتاج إلى تحرٍ وتثبت، ولا بأس أن يطلق على أفكاره أنها أفكار ضالة مضلة، أو أفكار زنديقية أو ما أشبه ذلك، لكن إطلاقه على فلان باسمه وعينه يحتاج إلى تثبت، ولا سيما إذا كان ممن ضعفت صلته وعلمه بهذه الشريعة من جهة، وضعف من يقيم الحجة عليه من جهة أخرى.

    ومن أكثر ما يسبب الضلال عند هؤلاء العصرانيين -كما يسمون- ويدفعهم إلى الضلال، أنهم لا يجدون من أهل السنة والجماعة من يقيم الحجة الكافية عليهم، فعلمهم محدود وضحل، بل إن علمهم غربي محض، وليس لهم إلا اطلاعات عابرة على الشريعة وكون هذا المذهب منتشر في أوروبا وأمريكا فإنهم لا يجدون إلا شباباً يحبون السنة ولكن لا يفقهون من الأصول ومن قوة الحجة والإقناع والمناظرة ما يقيمون به الحجة عليهم، فيقولون: إن هؤلاء جزئيون أو شكليون أو ظاهريون، أو ما أشبه ذلك من التهم التي يلصقونها بـأهل السنة والجماعة المتبعين لمنهج السلف الصالح، ويزيدهم ذلك اقتناعاً بشبهاتهم وبضلالهم، نسأل الله العفو والعافية.

    والواجب على علماء الأمة وعلى دعاتها محاربة هذا الفكر الهدام والتصدي له، والكتابة عنه فهو خطير ومهم جداً، سواءً سمي تجديداً أو عصرنةً.

    وللأستاذ جمال سلطان كتابات مفيدة في هذا، وهي موجودة ومتوفرة لمن أراد أن يطلع عليها، وليحرص كل منا على الاطلاع عليها.

    التنقل في المحبة وعدم الاستقرار

    السؤال: فضيلة الشيخ: إني أحبك في الله:فأنا شاب في أحد المراكز وأحب الملتزمين كثيراً، ولا أود فراقهم، ولكني غبت عن المركز يوماً واحداً وهو أمس، ولعبت مع شباب ليسوا ملتزمين وليسوا فاسقين فأحببتهم كثيراً، وأصبحت أتضايق من المركز ومن طلاب الأسرة، وأصبحت أفكر في ترك المركز لأذهب إلى من أحببتهم، ودخلوا قلبي حباً في الله، وأصبحت محتاراً جداً، فما الحل؟ أفيدونا أفادكم الله وجزاكم الله خيراً؟

    الجواب: من كان حاله كحالك فيخشى عليه الاضطراب؛ فكيف يكونوا ليسوا ملتزمين وتحبهم في الله، وفي يوم واحد تحبهم محبة تفوق أو تساوي محبة المركز بما فيه من خير وشباب صالحين وغير ذلك.

    فأخشى أن تكون ممن هو سريع في التنقل، وأرجو أن يكون حالك كما قال الشاعر:

    نقل فؤادك حيث شئت من الهوى     ما الحب إلا للحبيب الأول

    فالحبيب الأول هو المركز، والمشاركون فيه، فلا تكثر التنقل -بارك الله فيك- في المحبة، وهذا يدل على أمر أقوله دائماً وأكرره وهو: أن الشاب بحاجة إلى من يربيه، وإلى من يوجهه، وإلى من يقومه، فإنه لا يعلم المصلحة في أي شيء، فبمجرد الاندفاع والرغبة والمحبة تجعله متنقلاً في المحبة، فربما يكون في حلقة تحفيظ قرآن، ويجد شاباً يلعب الكرة فيترك التحفيظ ويذهب للعب معه وربما يكون في مكان نافع خير، فيتركه ويذهب إلى مكان آخر وإن لم يكن ضاراً فهو أقل نفعاً؛ فعليه قبل أن يترك ذلك أن يستشير من يوثق بعلمه، وفهمه، وحسن تربيته، وتزكيته، ثم يعمل بمشورته.

    من ابتلي بحب النظر إلى النساء

    السؤال: الرجاء الإجابة على ما وقعت فيه، ونصحي بما يبعدني وينجيني من هذه المعصية -عافاكم الله والمسلمين جميعاً- فقد ابتليت بحب النظر إلى النساء، فأصبح هذا مرض في نفسي -ولكني أحب الله ورسوله- مما أتعبني كثيراً؛ فكيف الخلاص، وأرجو الدعاء لي وجزاكم الله خيراً؟

    الجواب: نسأل الله أن يهدينا وإياك، ويثبتنا على الحق ويعصمنا من الضلال.

    ما دمت أنك تحب الله ورسوله فأبشر بخير، واجعل هذه المحبة وسيلة لك إلى ألا تحب إلا الله، وتترك المحبة لما حرمه الله، فكيف تحب ما حرمه الله وقد حرمه! ومن بين هذه المحرمات النظر إلى النساء الأجنبيات وقد أمر الله المؤمنين بقوله: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ [النور:30] فلا بد من غض النظر وحفظ الفرج كما أمر الله تبارك وتعالى.

    فإن فعلت ذلك فإنك تكون محباً لله ومحباً لرسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وما هذا إلا ذنب من الذنوب التي تطرأ على العبد، فعليك بعلاجه بما تعالج به سائر الذنوب، بالتوبة والإقلاع عنه، والاستغفار، والعزم على أن لا ترجع إليه أبداً، والاستعانة بالله تبارك وتعالى، ثم بمجالس الخير وحِلَقِ الذِكْرِ، وترك المثيرات والمغريات، وأن تعلم أنك مهما نظرت فإنما هي سهاماً توجه إلى قلبك، فهذا شأن النظر.

    واعلم أن هذه النظرات ما هي إلا من تزيين الشيطان، حيث إنه يزين لك المرأة التي إن كانت النظرة حراماً، ويجعل قلبك معلقاً، ولكنك لو تزوجتها بالحلال لكانت أقل بكثير في عينك عما كنت تراها عليه وهي حرام.

    وهذه حالة لا يسع المقام للتفصيل فيها، لكن المقصود أن تزيين الشيطان وأزه وإغرائه، هو الذي يدفع الشباب لهذا، ولو أن العبد اعتصم بالله تبارك وتعالى فإن هذا الاعتصام سيكون له عوضاً عن ذلك، وسيجد في قلبه حلاوة الإيمان كما ورد ذلك في الحديث، وأنصحك بقراءة كتاب الجواب الكافي. وكتاب ذم الهوى لـابن الجوزي، فلعل فيهما ما يردك إن شاء الله.

    حكم من ينفر الشباب من المراكز الصيفية

    السؤال: فضيلة الشيخ: ما هو رأيكم في المراكز الصيفية فإن هناك من ينفر الشباب من هذه المراكز، وفي المقابل هناك من يحث الشباب ويرغبهم فيها، فما رأيكم في ذلك؟

    الجواب: كل مركز يختلف عن الآخر، ففي المراكز من المحاسن كما أن في بعضها قبائح، فهي كالمدارس، وكأي أمر من الأمور الأخرى، فهناك المراكز التي يكون فيها الخير والعلم النافع والسنة والحق.

    وهذا -والحمد لله- هو الذي لاحظناه وشاهدناه عندما زرنا المركز، ولا أزكي أحداً على الله، وقد يكون في بعض المراكز انحراف أو أخطاء أو معاصي أو ما أشبه ذلك؛ فهذا قد يكون في بعض هذه المراكز، لكن لأنا لم نعلم ولم نر كل المراكز فأقول: إن من العدل ألا يذم أحدنا شيئاً أو يمدح مطلقاً بمجرد الاسم، فمجرد الاسم لا يعطي معنى لأن اسمه مركز، لكن هل هو مركز سنة وحق وطاعة وفائدة، أو مركز بدعة وضلالة وضياع؟ فبهذا يكون التفريق.

    فما عليك إلا أن تختار الحق والخير والطاعة، وما يفيدك في دينك ودنياك، وإن لحظت على غيرك أو رأيت أو علمت عنه أمراً فلإنكار المنكر وسائله الكثيرة المعروفة، فأنكر بنفسك أو عن طريق من يؤثر عليهم أو ما أشبه ذلك، أما أن تذم مطلقاً فهذا من الظلم ومن الإجحاف.

    انتشار الشحناء بين الدعاة إلى الله

    السؤال: فضيلة الشيخ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هناك بعض طلبة العلم، ومن الذين لهم القيادة بين الشباب، ولكن المشكلة أن هؤلاء الشباب -أي طلبة العلم- بينهم من البغضاء والشحناء ما يشيب له الرأس، فهل من كلمة توجيهية لنا جميعاً، وجزاكم الله خيراً؟

    الجواب: هذه هي الحالقة كما أخبر عنها صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {لا تحلق الشعر ولكن تحلق الدين} وهذا هو التحريش الذي رضي به الشيطان، بعد أن يئس أن يعبد في جزيرة العرب وهذه البغضاء تولد قسوة في القلب، وجفوة في التعامل، وربما أورثت صاحبها الخروج عن النهج القويم، بأن يظلم، وأن يفتري، وأن يبغي على من خالفه أو من يرى أنه عدو له.

    وهذا من التفرق الذي نهينا عنه، فإن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لم ينفِ أن يقع بين المؤمنين اختلاف أو اقتتال فقال: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا [الحجرات:9] الاقتتال قد يقع، والاختلاف لا بد أن يقع لكن يُحل ذلك بالتفاهم، يحل بالصلح، يحل بالتناصح، وبترك الغيبة، أما البغي والظلم والعدوان لمجرد المخالفة، فهي مؤلمة وسيئة وشر بين الأمة، فكيف بها بين الشباب وبين طلاب العلم!

    فأقول لنفسي ولإخواني: إنك لن تعامل من عصى الله تبارك وتعالى فيك بخير من أن تطيع الله تعالى فيه، فإن ذمك بما ليس فيك فاصبر، واصفح واعف، وقل فيه ما تعلم أنه خير، ولا تقابل الإساءة بالإساءة، ولا تقابل الذم بالذم، فإن كان ولا بد فلا تزد ولا تبغ.

    وهذه من صفات المؤمنين، ولا سيما الدعاة منهم، فإن الدعاة أرقى من أن ينزلوا إلى مستوى المهاترات، وإلى أن يردوا على كل من رد عليهم، أو يتكلموا فيمن تكلم فيهم، فإن فعلوا ذلك لم يعودوا دعاة، بل شُغِلوا عن الدعوة بهذه الأمور.

    فهذه أمور لا شك أنها عظيمة، وأنه: وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [فصلت:35] والذين جعلوا لنفوسهم من الزكاء ومن الرفعة، وكانوا كما وقف عمر رضي الله تعالى عنه لما قال له ذلك الأعرابي: ''إنك لا تعدل بين الرعية، ولا تقسم بالسوية، فهمَّ به فقال له الشاب التقي الحر بن قيس -رضي الله تعالى عنه-: يا أمير المؤمنين: إن الله تبارك وتعالى يقول: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ [الأعراف:199] فوقف عمر رضي الله تعالى عنه'' فهكذا يكون الصفح والعفو والإحسان حتى إلى من أساء إليك، خاصةً إذا كان يعلم شيئاً مما أنزل الله ويعلم شيئاً من حدود الله، فاعلم أنه سيؤدي به هذا الأمر إلى أن يندم ويتأسف، ويحبك عندما يرى أنه يرد عليك ولا ترد عليه، ويهاجمك ولا تهاجمه، ويتكلم فيك ولا تتكلم فيه، فلا بد أن يرجع إن كان في قلبه إخلاص لله تبارك وتعالى.

    وأما من لم يكن كذلك فاعلم أنه لا بد في كل زمان من حثالة تقف في وجوه الدعاة، وتبث الفرقة بين الشباب، من أهل الخير، فهذه الحثالة لا دواء ولا حيلة معها أبداً، كما قال الشاعر:

    لي حيلة في من ينمّ     وليس لي في الكذاب حيلة

    من كان يخلق ما يقول     فحيلتي فيه قليلة

    فالنمام قد تقفل أذنيك عنه وتتركه، لكن الكذاب الذي يختلق أي شيء، فلا حيلة فيه إلا أن تصبر وتحتسب ذلك عند الله، فإذا علمنا أنه لا بد أن يظل هناك فئة شأنها القطع والتشهير والتضليل والتبديع لأهل الحق ولأهل الهدى ومهاجمتهم بالباطل، فلا بد أن نحتمل وأن نغض الطرف عنه، وكأنه لم يكن، فأرجو أن يكون في الشباب الصالحين من الأخلاق الرفيعة السامية العالية ما يجعلهم يترفعون عن البغضاء وعن الشحناء فيما بينهم، أو سماع من يثير هذه الشحناء والبغضاء في ما بين شباب الدعوة والخير والهدى.

    ثمرة المحبة في واقع عبادة المسلم

    السؤال: فضيلة الشيخ: إني أحبك في الله، ما هي ثمرة المحبة في واقع عبادة المسلم، وفي واقع أحوال المسلمين وأوضاعهم المعاصرة؟ ونسأل عن أوضاع المسلمين في البوسنة والهرسك وأفغانستان وفي تونس وفي اليمن؟

    الجواب: ثمرة ذلك كما ألمحنا في المحبة هي الترابط الذي قال فيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم، كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى}

    وأما ما يتعلق بأخبار إخواننا وأحوالهم، فقد تكلمنا عن البوسنة وعن أفغانستان ولا جديد عندي عما قلته إن كان فيه ما يشفي أو يغني.

    وفي تونس واليمن، فحال إخواننا في تونس سيئة للغاية، فالدعاة إلى الله قد زج بهم بالآلاف إلى السجون، وهم يعانون أشد المعاناة من حكومة علمانية لا تقيم دين الله ولا حدوده، ولا تتحاكم إلى شريعته، ولا تخشى ولا تخاف الله فيما تعمل، فقد ارتكبت من أبشع وأفظع أنواع التعذيب، ما اقشعرت منه جلود الذين زاروا ورأوا تلك المعتقلات حتى من الكفار أنفسهم، من المحايدين، ومن منظمات حقوق الإنسان، وذكرت ما لا يطيق المؤمن أن يذكره، أو أن يسمعه من حال إخواننا المؤمنين المعذبين هنالك، نسأل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أن يفك أسرهم، وأن يفرج كربهم، وأن يجعل الدائرة على أعدائهم إنه سميع مجيب.

    وكذلك المحاكمات الظالمة التي لا ينتج عنها إلا ظلماً.

    وأما الوضع في اليمن فهو مضطرب قلق، حيث إنهم يعلقون الخروج من الأزمة بإجراء الانتخابات -كما يعتقدون- لكن لا ندري هل تجري هذه الانتخابات أم لا، وإن جرت فماذا تكون نتيجتها!! فحقيقةً أن مستقبل اليمن مظلم، ولكن نسأل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أن ينيره بحكومة إسلامية عادلة تحكم بما أنزل الله وتقيم كتاب الله وسنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في هذا الشعب المسلم الأبيّ، الذي لا يرضى -بإذن الله- سوى الإسلام ديناً مهما أغشي على عينيه، ومهما صنع هؤلاء المجرمين، من قوميين وبعثيين وناصريين واشتراكيين وأمثالهم من الكفرة والمرتدين والمجرمين.

    نصيحة لأهل اليمن

    السؤال: نحبك في الله، ونحن من أهل اليمن فأرجو نصيحة لنا في نهضة هذه الصحوة في هذا الوقت وجزاكم الله خيراً؟

    الجواب: جزاكم الله خيراً، فأنا أحبكم في الله، ثم أريد أن أنبه أنه على المسلم ألا يعتبر ولا يعترف بهذه الفواصل التي أنشأها الاستعمار، أو أنشأناها نحن بتأييد من الاستعمار، فهذا يمني وهذا مصري وهذا سعودي وهذا وهذا، فنحن كلنا أمة واحدة في الإيمان، وفي التقوى، وفي الاتباع لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

    فعندما نقول: أهل اليمن أو أهل مصر أو أهل الشام فإنما أقصد به البقعة الجغرافية كما كان السلف الصالح يقولون: أهل اليمن فيعنون بذلك من كان يسكن جهة اليمن.

    أما الحدود الذي وضعها هؤلاء فنحن لا نعترف بها، وجنسية الإنسان عندنا هي عقيدته، فنصنف الناس بحسب عقائدهم لا بحسب بلادهم ومواطنهم إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13].

    هذه حقيقة أحب أن أوضحها، ثم بعد ذلك يجب علينا جميعاً أن نحب أهل اليمن؛ لأن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحبهم وأثنى عليهم، ووصفهم برقة القلب ونسبهم إلى الحكمة، وهذا لا شك فيه وهو مشاهد وملموس ومن هنا فهذا الشعب جدير بالعناية، وخاصة مِمَن هم من أهل تلك البلاد وجاءوا إلى هذه البلاد؛ أن يهتموا بطلب العلم الشرعي النافع الصحيح، وأن ينشروه في أماكن تجمعهم وفي مساكنهم هنا، وأن ينشروه إذا رجعوا إلى أهليهم، وأن يبعثوا إليهم بالكتاب، وبالشريط، وبالموعظة، وبالداعية ليكون التواصل بإذن الله، بين أهل السنة والجماعة هنا وهناك.

    نصيحة لشباب مركز الصديق

    السؤال: يقول: فضيلة الشيخ: شباب مركز الصديق يطلبون منكم توجيه كلمة لهم، وجزاكم الله خيراً؟

    الجواب: الذي أريد أن أقوله وأوجه به إخواني، ونفسي أولاً هو: أن نتقي الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فهذه وصية الله إلى الأولين وإلى الآخرين -ولا حرج في أن نكررها- كما قال الله تبارك وتعالى: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ [النساء:131].

    ثم أوصيكم بأن تقدروا أمانة الدعوة وحمل هذا الدين، وأن تجتهدوا في تحقيق الدعوة إلى الله تبارك وتعالى بإخلاص لله واتباع لسنة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومنهج السلف الصالح والبعد عن البدع وعن مضلات الفتن، والأهواء، وأن تتحابوا فيما بينكم، وأن تتآخوا، وأن تتعاونوا، وأن تتشاوروا، وأن لا يجعل الشيطان هذا الشباب الزاكي الطيب الغض، في هذه الأمواج من شباب الشهوات والشبهات، أن لا يجعلهم أحزاباً وفرقاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ [المؤمنون:53] وكل منهم يطعن في هذا، أو يغتابه، أو يتكلم فيه، أو يوقع بينهم ما يريد أن يبث من الفتن، نسأل الله أن يحفظنا وإياكم من الفتن ما ظهر منها وما بطن.

    ثم أوصي القائمين على هذه المراكز وأمثالها، بالصبر والتحمل والأناة، ومتابعة هؤلاء الشباب ما أمكن في بيوتهم بعد ذهابهم؛ من أجل أن تكون تربيتهم أشمل وأعمق وأزكى لهذه القلوب الغضة الطرية بإذن الله.

    وأوصي الشباب المسلم أن يطيع المربين والموجهين في طاعة الله تبارك وتعالى، وأن يكونوا من الانضباط ومن النظام بحيث يمتثلون ما يوجهونهم به، وأن يعوِّدوا أنفسهم على ذلك، ففي هذا خير لهم وحصول للنفع والفائدة من التربية أكثر وأكثر.

    هذا، وأسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يمنَّ علينا جميعاً بالهدى والاستقامة، وأن يؤتي نفوسنا وقلوبنا تقواها فإنه خير من زكاها، وهو وليها ومولاها، إنه سميع مجيب، والحمد لله رب العالمين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3010422786

    عدد مرات الحفظ

    721948029