إسلام ويب

الدين اتباع وليس ابتداعاًللشيخ : سفر الحوالي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • في هذه المادة افتتح الشيخ الدرس ببيان أهمية اللقاءات الأخوية، ثم تكلم عن مسألة الاتباع، مبيناً وجوب الاتباع وترك الابتداع، وشرح خلال ذلك سورة الفاتحة مبيناً اشتمالها على أنواع التوحيد، ثم تكلم أول شرك وقعت فيه البشرية، وبيّن أن اختلال أحد شرطي العمل الصالح يؤدي إلى عدم قبول هذا العمل، ثم ذكر صوراً لضلال اليهود والنصارى، وبعض الفرق الإسلامية التي شابهتها.

    1.   

    أهمية حلقات الذكر

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد،،،

    فإن خير الكلام كلام الله عز وجل، وخير الهدي هدي محمدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    نسأل الله تبارك وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يجعل قلوبنا خاشعةً بما نسمع من آياته، وجوارحنا وأعمالنا تابعةً لما بلغنا عن هدي نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

    تنبع أهمية حلقات الذكر من أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر بها، وكان يبايع عليها أصحابه الكرام، فإنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد قال: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) وقد قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (الدين النصيحة) هذه الكلمة العظيمة الجامعة، ولذلك لا بد من التناصح، ولا بد من إعلاء ذكر الله تبارك وتعالى، ولا بد من إغاظة أهل البدع والفجور، بأن يجتمع المؤمنون في بيوت الله تبارك وتعالى كما قال تعالى: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ [النور:26-27].

    والإخوة الذين تجمعهم رابطة شهادة أن لا إله إلا الله، والإيمان بالله تبارك وتعالى، وتوحيده، واتباع سنة نبيه محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هذه المجالس وحلقات الذكر هي رياضهم، وهي روحهم وريحانهم في هذه الحياة الدنيا، وهي خير البقاع التي يسعى إليها كل مؤمن، ويهفو إليها كل قلب.

    1.   

    الدين اتباع وليس ابتداعاً

    دين الله الذي أمرنا باتباعه هو دين محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، دين الإسلام الذي أنزله الله تبارك وتعالى ليمحو به من الأرض كل بدعةٍ ورجسٍ أحدثه المبتدعون، من الشرك والضلالات.. إلى أقل معصية عُصي الله تبارك وتعالى بها، فهو اتباع وليس ابتداعاً، فما معنى هذا؟

    إن الله تبارك وتعالى أنزل في كتابه الكريم آياتٍ في آخر سورة الأنعام، هذه الآيات هي الوصايا العشر، التي قال عبد الله بن مسعود رضي الله تبارك وتعالى عنهما: [[من أراد أن ينظر إلى وصية محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التي عليها خاتمه -أي التي كأنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كتبها وختمها، وبعث بها إلى كل واحد منا كأنها رسالة خاصة مختومة من النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فليقرأ هذه الآيات: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً [الأنعام:151] إلى قوله: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ [الأنعام:153] ]].

    الأمر بالاتباع وعدم الابتداع في الوصية الخاتمة

    هذه الوصايا العشر بدأها الله تبارك وتعالى بالوصية الأولى، وهي الوصية العظمى، وهي توحيد الله وعدم الشرك به سبحانه وتعالى، فهذه أول ما يجب علينا أن نعلمه من ديننا، وأول ما يجب أن نتمسك به، وأول ما يجب أن ندعوا إليه، كما بعث النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ معاذاً إلى اليمن فقال له: { إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله } وفي رواية: {إلى توحيد الله} وفي رواية {إلى عبادة الله} ولا تنافٍ بينها، وكلها روايات صحيحة، فعبادة الله هي توحيده، وهي شهادة أن لا إله إلا الله، فهذا أول ما يجب.

    ثم بعد ذلك آخر الوصية التي كأنها وصية النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التي عليها خاتمه، وهي قوله تعالى: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام:153] أي: التمسك بهذا الهدي، والسير عليه، وعدم الالتفات يميناً أو يساراً، فهذه الوصية الخاتمة الأخيرة من الوصايا العشر، وهي التي تضبط كل الوصايا، فكل عملٍ لله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- لا بد أن يكون وفق ما شرع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

    ولهذا قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد} أي مردود على صاحبه، ليس عليه أمرنا بمعنى: أن كل الأعمال تحت هذا الأمر، هي خاضعةٌ لسنة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهي تحته، وهذا الأمر عليها وفوقها، حاكماً ومهيمناً، فإذا لم يكن أي عملٍ من الأعمال -ابتداءً من التوحيد وانتهاءً بأمور المعاملات وفروع الشريعة- وفق ما جاء به محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فهو مردود على صاحبه.

    سورة الفاتحة وما تضمنته من بيان حقيقة الاتباع

    ولكون هذا الدين اتباعاً وليس ابتداعاً ولا يخضع للهوى -لأهميته ولعظم شأنه- جعله الله تبارك وتعالى في كل ركعةٍ من ركعات الصلاة، فكل مسلم يقرأ في كل ركعة من صلاته سورة الفاتحة، التي هي أم القرآن، والتي هي أفضل سورة في كتاب الله تعالى، نقرؤها في كل ركعة من الركعات وجوباً، كما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {من صلى صلاةٍ لم يقرأ فيها فاتحة الكتاب فهي خداج } فهذه فاتحة الكتاب تضمنت هذا المعنى وهو أن الدين اتباع وليس ابتداعاً.

    وقد تضمنت سورة الفاتحة أمور التوحيد وأمور الدين، ولو أخذنا بالقسمة التي يقسمها بعض العلماء، وهي أن التوحيد أربعة أقسام: توحيد الألوهية، وتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، وتوحيد الطاعة والاتباع؛ فإنها متضمنة في سورة الفاتحة.

    والقسمة هذه قسمة اصطلاحية، ولا مانع أن تكون أربعة أو أن ترد إلى نوعين، فيقال: إن التوحيد على نوعين: توحيد علمي اعتقادي، وهو يشمل توحيد الأسماء والصفات، وتوحيدٌ عمليٌ طلبي، وهو توحيد العبادة، أو ما يسمى بتوحيد الألوهية، ويدخل توحيد الربوبية في ضمن توحيد الأسماء والصفات , وقد تدخل بعض جوانبه في توحيد الألوهية.

    والمراد أن التوحيد الذي هو أعظم واجب، والذي هو حق الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى على العبيد قد تضمنته سورة الفاتحة بأنواعه وبأقسامه، سواءً جعلنا توحيد الطاعة والاتباع قسماً مستقلاً، أو قلنا إن توحيد الطاعة والاتباع هو قسمٌ من توحيد العبادة أو من توحيد الألوهية، فالنتيجة واحدة.

    فالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ذكر في سورة الفاتحة توحيد الربوبية في قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2] فهذه الآية تضمنت توحيد الربوبية، ثم قال: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:3] وهذا توحيد الأسماء والصفات مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:4] وهذه تضمنت -بالإضافة إلى أنها من الأسماء والصفات- تضمنت التذكير بأعظم يوم، وبركن عظيم من أركان الإيمان وهو يوم القيامة ويوم الجزاء، الذي فيه تُنصب الموازين وفيه تقبل الأعمال أو ترد، وفيه يكون الناس فريقين: فريق في الجنة، وفريق في السعير.

    ثم قال بعد ذلك: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] وهذا هو توحيد العبادة وتوحيد الألوهية، وهو إفراد الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بالعبادة، ولذلك قدم الضمير إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] وذلك لحصر العبودية والاستعانة به سبحانه، وذلك مثل قوله تعالى: قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا [الملك:29] فهذا هو مضمون ذلك، فعبادة الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هي الغاية التي نسعى من أجلها، وهدفنا وغايتنا هي رضا الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، ورؤية وجه الله الكريم في الجنة -جعلنا الله وإياكم من أهلها- فهذه هي غاية كل مؤمن يعبد الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

    "إِيَّاكَ نَعْبُدُ" نعبدك وحدك يا رب، نريد وجهك، ونريد أن تجعلنا من أهل الجنة، وأن تمتعنا بالنظر إلى وجهك الكريم، والنظر إلى وجهه الكريم هو الغاية التي شمر لها الصالحون والسابقون.

    ثم قوله تعالى: "وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" فالوسيلة والمعين في هذا الطريق لتحقيق هذه الغاية؛ لا يمكن أن تكون إلا منه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فالأمر كله منه وإليه جل شأنه، وليس لنا حول ولا طول في هذا الأمر.

    وقد قال الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في الحديث القدسي: {قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين} فلننظر ما بين النصف الثاني في سؤال العبد عندما يقول: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:6-7] يجب علينا أن نتدبر كتاب الله، وأن نعي كلام الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فإننا لم نؤمر ولم يفرض علينا أن نردد هذه السورة العظيمة في كل ركعة إلا لحكمة عظمى، وكل كلام الله فيه الحكمة، وفيه العبرة والعظة، فما ظنك بأفضل سورة وهي تردد في كل ركعة من فريضة أو نافلة؟!

    اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6] فهذا هو طلبنا الذي نطلبه من الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في كل ركعة أن يهدينا الصراط المستقيم، فما هو الصراط المستقيم؟

    الصراط المستقيم هو مضمون قولنا إن الدين اتباع، فالصراط المستقيم هو الإسلام، وهو هدي النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو طاعة الله تبارك وتعالى دون أن يحيد الإنسان عنها لا ذات اليمين ولا ذات الشمال، حتى قال من قال من السلف: إن الصراط المستقيم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما؛ أي الطريق الذي كان عليه أبو بكر وعمر، والسلف الصالح، فإذا قلنا القرآن، أو الإسلام، أو الدين، أو السنة، أو الخلفاء الراشدين، كل ذلك يدخل في أنه هو الصراط المستقيم الذي ندعو الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أن يهدينا إليه.

    ولهذا فالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مثَّل هذه الآية: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ [الأنعام:153] مثلها عملياً مثل وسائل الإيضاح التي تعرض على الطلبة في المدارس لتتضح لهم بعض المعالم الجغرافية أو الرياضية، خط رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خطاً مستقيماً، وخط خطوطاً ذات اليمين وذات الشمال، وقال: هذا هو الصراط، وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ [الأنعام:153] فهذا الصراط هو الإسلام وهو السنة، وهذه الخطوط: هي الأهواء والبدع والضلالات التي كثرت، والتي تكثر في كل زمان ومكان تصديقاً لما قاله الرسول: {افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة. قيل: يا رسول الله من هي؟ قال: الجماعة} وفي رواية قال: {ما أنا عليه اليوم وأصحابي} وهذه السبل التي على جنبات الصراط هي هذه الفرق والأهواء، وهي الضلالات التي ندعو الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أن يجنبنا إياها، وندعوه أن يثبتنا على الصراط المستقيم، وهو اتباع دين محمدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وسنته.

    1.   

    الابتداع هو أصل ضلال البشرية

    والانحراف عن الصراط واتباع الأهواء والبدع قديم، وهذه الآية نفسها تشير إلى ذلك، فهي تشير إلى أمتين انحرفتا عن الطريق وهما اللتان آتاهما الله الكتاب من قبلنا: اليهود والنصارى.

    بل لو رجعنا إلى أبعد من ذلك؛ لوجدنا أن أصل ضلال البشرية جميعاً وانحرافها من التوحيد إلى الشرك كان بسبب الابتداع وعدم الاتباع.

    ما وقع الشرك في ذرية آدم إلا بسبب البدع والابتداع واتباع الهوى وتزيين الشيطان، فإن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى خلق أبانا الأول آدم نبياً مفطوراً على التوحيد، وفطر جميع ذريته على التوحيد، أي جعل التوحيد فطرةً في قلب كل إنسان، فجعله يعلم أن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هو وحده الرب المعبود الذي يطلع على كل شيء، والذي يجب أن يتوجه إليه الإنسان بكل نوع من أنواع العبادة، ولهذا كان كل مولود من آحاد الجنس البشري يولد على الفطرة، ثم بعد ذلك: (فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) أي أن المجتمع والبيئة والتربية تصرفه عن ذلك.

    وهذا تصديق لما قاله الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا [الأعراف:172] هؤلاء ذرية آدم الذين مسح الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى على ظهر آدم فكان منه فرقتان سود وبيض وقال تعالى: (هؤلاء للجنة ولا أبالي، وهؤلاء للنار ولا أبالي) وحينئذٍ أخذ الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى منهم الميثاق، ويذكر بهذا الميثاق من نسيه يوم القيامة، فيقول: قد أخذت عليك الميثاق وأنت في صلب أبيك ألا تشرك بي شيئاً.

    أول ضلال وشرك وقعت فيه البشرية

    لقد بقيت ذرية آدم على التوحيد كما قال حبر هذه الأمة عبد الله بن عباس -رضي الله تعالى عنه- عشرة قرون.

    وكان في القرن العاشر رجالٌ صالحون عبَّاد، مشهورون بالعبادة، والتقوى، وبالورع، والخشوع، أحبهم الناس وعظموهم وقدَّروهم لعبادتهم ولخشوعهم، واعتقدوا فيهم الخير والولاية والصلاح؛ لما كانوا يرون فيهم من علامات الخير والتقرب إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وقد ذكرهم الله في كتابه وداً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسراً، هؤلاء كانوا رجالاً صالحين وعبَّاداً مجتهدين، كانوا قبل قوم نوح في الجيل الأخير الذي انقطع منه التوحيد، ثم وقع الشرك فيمن بعده.

    ماذا فعل أتباع هؤلاء القوم لما ماتوا؟ قالوا: إنَّا كنَّا -القول بالمعنى- نتذكر عبادة الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بوجود هؤلاء الناس، يذكروننا بالله، ويأمروننا بالمعروف، وينهوننا عن المنكر، فكل ما يقرب إلى الله عز وجل يذكروننا به ونراه متمثلاً فيهم، والآن ماتوا؛ فكيف نتذكر عبادتهم، ونجتهد مثل اجتهادهم ونكون مثلهم في الطاعة؟

    جاءهم الشيطان وقال لهم: ما دام هؤلاء قد ماتوا فلو صورتموهم، فتذكرتم عبادة الله تعالى عندما ترون هذه الصور -فكأن الصورة هي تعبير عن الحقيقة المفقودة ومثال لها- إذا رأيتم الصورة كأنكم ترون هذا العبد الصالح: وداً، أو سواعاً، أو يغوث، أو يعوق، أو نسراً، فتعبدون الله وتجتهدون في طاعة الله، مثلما كنتم تجتهدون وتذكرون الله عز وجل إذا رأيتم هؤلاء الأشخاص وهم أحياء -كما كنتم من قبل- ففعلوا ذلك، فصوروهم.

    فهل أذن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بذلك؟ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [الشورى:21] فعلوا ذلك، ثم جاء الجيل الثاني، ثم الجيل الثالث، وكان الجيل الأول يرونهم فيتذكرونهم، فيعبدون الله عز وجل، لكن بعد ذهاب الجيل الأول ماذا جرى؟ نسخ العلم كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه أي أن العلم يضمحل ويقل مع مرور الزمن، جيلاً بعد جيل حتى يأتي الله تعالى بدعوةٍ جديدة، أو بنبي جديد، وهذا قبل بعثة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فكان يبعث في كل فترة رسولاً، وفي هذه الأمة يهيئ الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في كل قرن من يجدد لهذه الأمة أمر دينها.

    فجاء الشيطان إلى الأجيال الأخيرة، وقال لها: إن من كانوا قبلكم كانوا يعبدون هذه الأصنام وهذه الصور، فصاروا يعبدونها ويدعونها من دون الله عز وجل ويقولون: إنها تقربنا إلى الله زلفى، ويقولون: نحن أناس ضعفاء، مساكين، وفينا ذنوب، وفينا أخطاء، كيف نتوجه إلى الله؟ كيف نتقرب إلى الله؟ هذا لا يمكن.

    وهكذا الشيطان سول لهم وأملى لهم أن: نعبد الله عن طريق هؤلاء الصالحين، فنجعلهم واسطة ووسيلة إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، يقربونا إلى الله، فهم شفعاء يشفعون لنا عند الله.. فعبدوا هذه الصور بهذه الشبهات الشيطانية الكاذبة، عبدوا الصور وعبدوا الأوثان من دون الله، ونُسي توحيد الله، وبعث الله تعالى فيهم نوحاً عليه السلام، وأخذ يدعوهم إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ألف سنة إلا خمسين عاماً، سبحان الله! كانت الأجيال البشرية طويلة العمر، والله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أقام الحجة عليهم بهذه الأعمار، وبهذه الدهور الطويلة، ومع ذلك ما آمن له إلا قليل، كما ذكر الله تبارك وتعالى، وكان ذلك أول شرك وقع في بني آدم، وبذلك كان نوح عليه السلام أول رسول أرسله الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إلى الناس ليردهم من الشرك إلى التوحيد.

    النية الصالحة وحدها لا تكفي في صلاح العمل

    الذين صوروا هذه الصور -صور الرجال الصالحين- هل كانت نيتهم الشر؟ هل كانوا يريدون أن يعملوا هذه الأعمال لتدخلهم النار؟ هل عملوها ونصبوها وعظموها ليبتعدوا عن الله، ولينالهم غضب الله عز وجل؟

    هذا شيء لم يريدوه مطلقاً كما هو ظاهر في القصة السابقة، ولذلك لا حجة لأي مبتدع، ولا صاحب هوى، أن يقول: ما قصدنا إلا الخير، ونيتنا طيبة، وهدفنا سليم، هذا صحيح، ونحن لا نتكلم عن نياتكم، فيمكن أن تكون نياتكم طيبة، فإن هدف قوم نوح ونيتهم وغرضهم كان سليماً وما كانوا يريدون لأنفسهم أن يكونوا من أصحاب الجحيم، ولا كانوا يقولون: نريد أن نبتدع في الدين؟ بل كان الغرض سليماً، لكن هذا الغرض لمّا كان من عند أنفسهم، ولما كان ابتداعاً لم يتبعوا فيه شرعاً ولا وحياً من الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لم ينفع ذلك الغرض.

    ولهذا لما ننتقل إلى الأمتين -اللتين نستعين الله عز وجل في كل ركعة وفي كل صلاة على ألا يجعلنا كحالهما، وأن يثبنا على الصراط المستقيم، ويجنبنا طريقهما - نجد هذا أيضاً موجوداً بالذات في أمة الضلال: اليهود المغضوب عليهم، خصت الأمة اليهودية بالغضب، كما خصت الأمة النصرانية بالضلال، وكلاهما مشرك، وحكى الله عنهم: وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ [التوبة:30] كلاهما مشرك بالله عز وجل، وكلاهما كافر ومتوعد بالنار، كما نص على ذلك كتاب الله عز وجل، وكما نص عليه نبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلا يبلغ أحداً من هاتين الأمتين دين محمدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فلا يؤمن به؛ إلا كان من أهل النار.

    ثم لننظر إلى حال هاتين الأمتين، فبعد سورة الفاتحة تقرءون سورة البقرة في كتاب الله، وهذا الكتاب العظيم يشمل كل الكتب السابقة، ومصدقاً لها، ومهيمناً عليها، وكل خبر جاء في الكتب السابقة، فإن القرآن قد شملها وزاد عليها، والقرآن كله شملته بالجملة سورة الفاتحة، فإذا قرأنا سورة الفاتحة فقد قرأنا مجمل ما في القرآن.

    1.   

    أصل الضلال هم اليهود والنصارى

    عندما نقرأ سورة البقرة، فإننا نقرأ تفصيل ما قرأنا في سورة الفاتحة، فماذا نجد في سورة البقرة؟ كم فيها من الحديث عن بني إسرائيل! أخبار كثيرة عن بني إسرائيل بنوعيهم: اليهود والنصارى، وإن كان الحديث عن اليهود أكثر، وهنا سؤال هام وهو: لماذا خصت الأمة اليهودية بالغضب؟ ولماذا وكيف عاندوا الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى؟.

    صور من ضلال اليهود

    عندما نقرأ قصة اليهود تقشعر منها قلوب المؤمنين، فنجد أن الله -تبارك وتعالى- ينجيهم من فرعون وملئه وقومه، ويهيئ لهم طريقاً في البحر يبساً، بعد أن أدركهم العدو، وقالوا: إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشعراء:61] وينجيهم الله تبارك وتعالى ويخرجون إلى البر، ويغرق عدوهم ويهلكه، ماذا قالوا بعد ذلك؟

    هل شكروا الله؟

    هل استقاموا على دين الله؟

    هل اتبعوا رسول الله موسى عليه السلام؟

    لا، وجدوا أناساً يعبدون الأصنام، أولئك في مصر يعبدون فرعون، ووجدوا هؤلاء يعبدون أصناماً، فحكى الله عنهم: قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً [الأعراف:138].

    سبحان الله العظيم! أين نعمة الله؟!

    وأين توحيده؟!

    وشكره؟!

    طلبوا إلهاً كما أن لأولئك آلهة.

    ثم يذهب موسى عليه السلام ليتلقى التوراة، ويتلقى الألواح من الله عز وجل، ويغيب عنهم أربعين ليلة، ويأتي وإذا بـالسامري الضال قد ابتدع لهم بدعة، وصرفهم من التوحيد إلى الشرك، هذا السامري قبض قبضةً من أثر الرسول، أي: أخذ قبضة من أثر الرسول، وصنع العجل الذهبي، وقال: هذا إلهكم وإله موسى، وصدقه أكثرهم وآمنوا به وعبدوا العجل، وما يزالون إلى اليوم؛ فرقة من اليهود تسمى -السامرة أو السامريون، سبحان الله العظيم يعبدون العجل!

    وحدثت لهم الأحداث بعد ذلك؛ فقالوا: أرنا الله جهرة، ثم أعطاهم المن والسلوى، فقالوا: لا نريد المن والسلوى، نريد البقل والقثاء والفول والعدس، وعندما أمرهم الله أن يذبحوا بقرة: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً [البقرة:67] أي: خذوا بقرة واذبحوها، أخذوا يتعنتون ويتشرطون، ثم في الأخير: فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ [البقرة:71] أخيراً بعد العناد وبعد المشادة ما كادوا يفعلون ذلك.

    ولا نريد أن نطيل في الحديث عن هذه الأمة إلا لنأخذ العبرة، إذاً ما هي الصفة التي نلمحها في اليهود؟ أنهم يعصون الله -عز وجل- ويشركون بالله على علم، كما قال علي -رضي الله تعالى عنه-: [[ما جفت أقدامهم من ماء البحر حتى قالوا: اجْعَل لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ [الأعراف:138] وما غاب عنهم موسى عليه السلام إلا أربعين ليلة حتى عبدوا العجل!]].

    هؤلاء الناس يأمرهم الله عز وجل أن يدخلوا القرية الأرض المقدسة ويعدهم بالنصر؛ فيقولون لموسى: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [المائدة:24] هذا خذلان! نعوذ بالله من الخذلان، دين الله بين أيديهم، وكليم الله يهديهم ويدعوهم، ولكنهم قومٌ معرضون، فأعرضوا عن علم.

    ولهذا قال الإمام الجليل سفيان بن عيينة -رضي الله تعالى عنه- وهي منقولة أيضاً عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما حبر هذه الأمة قال: ''من ضل من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن ضل من عبادنا ففيه شبه من النصارى'' .

    فقولنا اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:6-7] لا نريد الضلال على علم -مثل ضلال اليهود- ولا نريد عبادة الله تعالى بالجهل والضلال عن طريق الجهل وهو عبادة النصارى وطريق النصارى، إنما نريد طريق الذين أنعم الله عليهم، الذين ذكرهم الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في الآية الأخرى: فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً [النساء:69] وهذا هو الصراط المستقيم.

    أهل الكلام شابهوا اليهود في الضلال

    وأصحاب الضلال الذين ضلوا عن طريق العلم لهم نموذجٌ في هذه الأمة كثير، فمن أعظم النماذج أصحاب الكلام الذين يسمون علماء الكلام، الذين جعلوا دين الله عز وجل فلسفات وأموراً معقدة وغامضة، وأدخلوا فيه كلام اليونان وقواعدهم المنطقية، وأشباهها من الأمور التي يطلع عليها المختصون، ووصل غبارها إلى العامة أيضاً في كل أمر من الأمور، هؤلاء أشبه شيء بالأمة المغضوب عليها التي عصت الله عز وجل على علم.

    وهؤلاء يقولون: إن الدين ليس اتباعاً، فلا نأخذه بالوحي، ويقولون: إن النصوص من الكتاب والسنة لا تفيد اليقين -نعوذ بالله- من أين نأخذ اليقين؟ قالوا: اليقين في القواطع العلمية، وفي البراهين النظرية التي تتفتق عنها عقولهم، أما نصوص الكتاب والسنة فهي ظواهر ظنية، هكذا يقولون وهكذا سول لهم شيطانهم والعياذ بالله.

    ونضرب مثالاً فقط ليفهمه الجميع: علو الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى على خلقه، هل أحد ينكر أنه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فوق العالمين وفوق العرش؟ كما قال سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5].

    وأوضح من الاستواء: العلو نفسه، الفطرة الموجودة في كل إنسان تشهد أن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في العلو، في السماء فوق العالم، فجاء هؤلاء وكابروا الفطرة وجحدوها وأنكروها، وقالوا: البراهين العقلية لا تدل على أنه في السماء، كما أخبر -والعياذ بالله- وردوا كل الآيات وكل الأحاديث، وقالوا: هو لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوقه ولا تحته، ولا عن يمينه ولا عن شماله نسأل الله العافية.

    يقول شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية: لو قيل لأحد عرِّف العدم فعرفه بهذا، فقال: لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته ولا يمينه ولا شماله لما كان أتمّ من ذلك، لكن هؤلاء يقولون: هذه هي القواطع والبراهين العقلية.

    إذاً فالمتبع لديهم ليس كتاب الله ولا سنة نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، المتبع هو عقولهم وآراؤهم، ولهذا عاشوا في حيرة عظيمة.

    هؤلاء أصحاب العقول وهم كثير في الناس حتى من العامة -إلا من رحم الله- تقول لهم: قال الله وقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فيقول لك: لكن هذا -في عقلي- لا يمكن! في عقلك.. سبحان الله! وهل أحالنا الله عز وجل للعقول؟!

    أرسطو وأفلاطون وهؤلاء الذين يأخذون عنهم هذه العقول وغيرهم من الفلاسفة، كانوا موجودين قبل بعثة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أليس كذلك؟ لو أن هؤلاء لديهم الهدى، ولديهم الخير، والحق وسبيل الرشاد، ما احتاج الناس إلى أن يبعث الله تعالى إليهم نبيه محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أما وقد بعثه الله وأمر أن نتبعه فإن كل ما عدا شريعته ضلال، مهما كان قائله، لو أن العقول تشرع في دين الله، وتشرع في صفات الله، وتشرع في أمور التوحيد، لكان هذا شرك.

    ويقول لك أحد العامة: ليس هذا شرك، وهذا ظاهر بالعقل، فأنا لا أعتقد أن غير الله يؤثر، بل التأثير كله لله، لكن هذا واسطة! فنقول: ما هو الدليل؟ هل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمرنا أن نتوسل بالأموات وبأصحاب القبور؟ فسيقول: لا يوجد دليل، ولكن هذا واضح بالعقل والفكر، فبذلك رجعنا لقضية اتباع الهوى، واتباع الخرص والظن، وإن سموه عقلاً، فوقعوا في الحيرة، ووقعوا في الضلال.

    وكل من خاض في علم الكلام وهذه الأمور الجدلية بغير هدىً من الله، ندم وحار وضل وتخبط، والسعيد منهم والناجي منهم الذي قال عند الموت، كما قال الجويني: لقد ركبت البحر الخضم وخضت فيما نهى عنه علماء الإسلام، وهأنذا أموت على دين عجائز نيسابور، فالويل لـ ابن الجويني إن لم يغفر له الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

    فهذا يموت على دين العجائز -يعني الفطرة الأولى- ترك البحر الخضم وما خاض فيه، فكل ما كان مخالفاً لشرع الله عز وجل وإن سميت فلسفات وإن سميت علوماً: علم اجتماع، علم نفس، علم اقتصاد، علم سياسة، القضية ليست قضية العلم، ولا تسمية العلم.

    فالسحر تعلمه كفر، هكذا قال الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ [البقرة:102] المعلمان هاروت وماروت هما أول من علم الناس السحر، يقولان: هل تريد أن تتعلم السحر؟ يقول: نعم، فيقولون: إنما نحن فتنة فلا تكفر، أي: لو علمناك تكفر. فالسحر إذاً كفر، ومع ذلك، سماه الله علماً.

    إذاً القضية ليست قضية علم فقط، ولكن هل هذا العلم اتباع؟ وهل هو وحي من الله؟ هل هذا العلم مما كان عليه السلف الصالح؟ هذا هو الأساس، وإلا فالعلوم كثيرة، ولكن المعيار هو كتاب الله وسنة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

    فإذاً يشبه أمة اليهود من هذه الأمة الذين يعرضون عن دين الله، وعن كتاب الله عز وجل على علم.

    الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى جعل لنا هذا البيت قال تعالى: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً [البقرة:125] وجعلنا نقبل هذا الحجر الأسود، وقد شرع ذلك لنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومع ذلك يقول عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه-: {والله إني لأعلم أنك حجرٌ لا تضر ولا تنفع؛ ولولا أني رأيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقبلك ما قبلتك} هذا هو الحجر الأسود، النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكرم وأعز على الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى من الحجر الأسود بلا ريب، هل جلس النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وجعل كفه حجراً أسود يقبل ويستلم من غير تشريع الله؟ هل فعل ذلك النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ لا! لم يفعله.

    فإذا جاء من يحملون الشهادات العلمية، ومن يكتبون المؤلفات الكبيرة، ويجعلون أكفهم كالحجر الأسود يستلم ويقبل، وينحني الإنسان ويقبل ويذهب ويجلس، فهذا ينطبق عليه ما ينطبق على الأمة الغضبية الأمة اليهودية أنها عصت الله على علم، يعلمون أن هذا لم يشرعه الله ولم يأذن به الله، ومع ذلك يفعلونه، يستعبدون المريد الذي يسمونه مريداً من دون الله، ويريدون أن يحولوه إلى شيطانٍ مريد على شرع الله وعلى أمر الله.

    حتى قال قائلهم: إذا أمرك الشيخ بأمرٍ فلا تعصه، وكن بين يدي الشيخ كالميت بين يدي الغاسل، هكذا يقول أئمة الصوفية أئمة الضلال، يجب على المريد أن يكون بين يدي الشيخ كالميت بين يدي الغاسل يقلبه كيف يشاء، حتى لو أمره بفاحشة، قالوا: لأن الشيخ أعلم، ربما يرى أن في صالحه أن يفعل تلك الفاحشة، فيندم ويتوب ويكون أفضل له، وأفضل لحاله نعوذ بالله من الضلال.

    فيعلمون أن الله حرم هذا ويأمرون به، ويعلمون أن هذا من البدع ويفعلونه، من أجل المتاع القليل، ومن أجل أن يأكلوا أموال الناس بالباطل كما حكى الله عنهم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [التوبة:34] ومن أجل أن يُعظَّموا بالباطل، والله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يقول: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ [التوبة:31].

    فالأمة الغضبية اتخذت الأحبار، وأمة الضلال اتخذت الرهبان آلهةً من دون الله، قال تعالى: وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ [الحديد:27] ابتدعوا هذه الرهبانية، ولم يتبعوا ما أنزل الله، وإنما ابتدعوا شيئاً ما كتبه الله، ومع ذلك قال تعالى: فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا [الحديد:27].

    الخوارج والصوفية شابهوا النصارى

    لقد وجد في هذه الأمة نموذج الضلال الذين عبدوا الله على جهل، وإن كانوا يريدون الحق، ومنهم الخوارج، ولما دخل أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الكرام -أبو سعيد وابن عباس- إلى معسكرهم خشعت قلوبهم من كثرة ما سمعوا من أنين الخوارج بالقرآن، يتهجدون بالقرآن كلهم، وفي جباههم وأيديهم مثل الثفنة التي تكون في ركبة البعير من كثرة العبادة والاجتهاد، ولكن هل نفعهم ذلك شيئاً؟

    النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: {لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عادٍ وثمود} وقد قاتلهم أصحابه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى قتلوا منهم قرابة أربعة آلاف في معركة واحدة، وأجمع الصحابة رضوان الله تعالى عليهم وهم أعلم الناس بدين الله على قتال الخوارج، يقاتلون أناساً هذه حالهم، كما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {تحقرون عبادتكم إلى عبادتهم وقراءتكم إلى قراءتهم} يقاتلوهم وهم بهذه الحال؛ لأن هذه العبادة وهذه القراءة على ضلال وجهل بالدين؛ فهم بهذه الحال مثل رهبان النصارى.

    والفرق الأخرى التي وجدت كانت أيضاً بتأثير مباشر من الأمتين أمة الغضب وأمة الضلالة، عافانا الله وإياكم منهما! وهدانا إلى الصراط المستقيم.

    عندما قال أهل الكلام: إن المرجع في الدين ليس كتاب الله ولا سنة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وإنما هو العقل، جاء أناس آخرون، وقالوا: ليس المرجع العقل، بل المرجع الكشف الذي يقع في القلوب، علم المكاشفة، والعلم اللدني. ما هو العلم اللدني؟ وما هي المكاشفة؟ قالوا: نتيجة الذكر، والعبادة، والسهر يوحى إليك في المنام، ويلقى إليك كلام في قلبك فتعلم أن هذا هو الصراط المستقيم، وهذا هو الصحيح، وهذا هو الدين فتتبعه.

    الواحد من أئمتهم يقول: أُلقي في قلبي أن نعمل الذكر الفلاني، فُيسأل كم مرة يا شيخ؟ قال: عشرة آلاف مرة، فإذا قيل له: إن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: بعد الصلاة سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر مائة مرة، قال: لا، بل عشرة آلاف مرة، ثم إن الشيخ يلقى إليه في وقت آخر أذكار ليست باللغة العربية أصلاً، ثم إذا جاء عنده المريض كتب له حجاباً، وقال له: علقه على صدرك، ولو فتحت الحجاب لرأيت مربعات ومثلثات، وكلمات ليست عربية.

    ما هذا؟ أي علم هذا؟ قالوا: هذا من العلم اللدني، ومن الكشف، وإن سألتهم عن القرآن والسنة، قالوا: هذا العلم الظاهر، فهم يسمون الكتاب والسنة بالعلم الظاهر، فالعوام الذين يقرءون القرآن يمشون على الظاهر، أما أرباب الحقائق وأرباب المكاشفات (الأولياء) فهؤلاء يتبعون العلم اللدني، والعلم الكشفي.

    وإذا قلت لهم: هذا الحديث ضعيف، أو موضوع، مثل أحاديث فضائل رجب، وأحاديث زيارة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: { من حج ولم يزرني فقد جفاني }، { من زارني وجبت له شفاعتي } وأحاديث كثيرة موضوعة، قالوا: هذا الحديث وإن قال علماء الجرح والتعديل أنه موضوع، لكن صححه الأئمة والأقطاب عن طريق الكشف.

    إذاً عندنا معيار آخر نصحح به الأحاديث ونضعفها، وهو طريق الكشف، كل واحد يأتينا بكشف غير الآخر؛ لأن هؤلاء شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً، وكل شيطان يكاشف وليه من شياطين الإنس بما لم يكاشف به الشيطان الآخر، فتكثر الضلالات، والبدع، وتكثر الطرق.

    كم طريقة اليوم في العالم الإسلامي؟ كثيرة جداً، وكل طريقة تتفرع إلى طرق، الطريقة القادرية هي أكبر الطرق، والقادرية عدة طرق، كل شيخ يشقق الطريقة إلى طرق، والله عز وجل يقول: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً [الأنعام:153] فهو صراط واحد فقط وقال: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6] وقال: فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ [الأنعام:153] لا تتبعوا هذه الطرق، وهذه الطرق هي السبل، وهي التي لما رسم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخط المستقيم، رسم خطوطاً على يمينه وعلى شماله، فـالخوارج وأئمة الصوفية وكل من عبد الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بالجهل وتعبده بالبدعة -وإن جاهد وقاتل وصام وإن صلّى وإن زعم الولاية- هؤلاء أعمالهم باطلة وليسوا على الصراط المستقيم.

    الصوفية جمعوا بين نوعي الضلالة

    ويتحقق في حق الصوفية وأتباعهم كلا النوعين، فمنهم نوعٌ يلحق باليهود، وهم الذين عصوا الله عز وجل على علم، ونوع آخر يلحق بالنصارى، وهم الذين عبدوا الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى على جهل، وهؤلاء أناس موجودون اليوم، لو سألت من هدى الله منهم؛ لقال لك: إنه كان يجلس ليلة كاملة يقول: سبحان الله أو الحمد لله، طوال الليل كله، وكان يعد أحد عشر ألف مرة، لابد أن يكمل أحد عشر ألف مرة، وأحياناً يقول له الشيخ: سبعة آلاف مرة، فلابد أن يكمل سبعة آلاف مرة.

    كيف يتعبدون هذه العبادة الطويلة؟ أليس عندك كتاب من كتب الأذكار؟ كالأذكار التي تقال بعد الصلاة؟ مثل تحفة الأخيار، وهو كتاب صغير معروف لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله وأمد في عمره ونفعنا بعلمه، وفيه أذكار نبوية، وهو منتشر، لكنهم لم يسمعوا به؛ لأنهم لا يتلقون إلا من الشيخ يقول: عشرة آلاف، فيقولون: عشرة آلاف، ولو كان الله سبحانه ورسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالا مائة! لقال هو: جعلناها عشرة آلاف، لأن العشرة الآلاف أكثر من المائة.

    هل صاحب العشرة آلاف مأجور، وصاحب المائة آثم، لأنه أقل؟ لا!

    صلاة المغرب هي ثلاث ركعات، فإذا صليناها ثلاثين ركعة وهي أكثر من ثلاث ركعات، فهل يقبل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ذلك منا؟ لا يقبل الله منا قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد} أي: فهو مردود غير مقبول، فمهما كان هذا العمل، ومهما ظن صاحبه، ومهما حسن قصد صاحبه، فإنه مردود غير مقبول.

    1.   

    قبول الأعمال

    فما هو العمل الذي يقبله الله؟ وما هو الدين الذي يرضاه الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى؟ قال تعالى: فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً [الكهف:110]، شرطان للعمل لكي يتقبله الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وكما تعلمون حال الأمة، وكل منا أعلم بحال نفسه، مقصرون في طاعة الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فكلنا نرجو فضل الله، ونرجو مغفرة الله، ونرجو عفوه، فيا لله العجب! إذا كنا في الطاعات مقصرين فكيف نجتهد في الابتداع؟!

    كيف نجتهد في البدعة ونحن ما قمنا بإتمام الطاعة؟ ما أدينا الواجبات المفروضة والطاعات التي يقول الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عنها في الحديث القدسي: (وما تقرب إلي عبدي بشيءٍ أحب إلي مما افترضته عليه) فأحب شيء إلى الله ما افترضه الله، الصلوات الخمس، الصوم، الحج، العمرة، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذا أحب شيء يتقرب به إلى الله، الأمة التي لم تقم بالواجب الذي فرضه الله عليها، كيف تجتهد في إقامة البدع، وتستحدث في الدين؟! هل أكملت الواجبات ثم المندوبات حتى تفكر فيما بعد ذلك؟ لن يستطيع أحدٌ ذلك؛ لأن الدين أعظم وأوسع، فما تقرب العبد إلى الله عز وجل بشيء أحب إليه مما افترضه عليه.

    فمن أراد أن يدل الناس على طريق الخير، ويدعوهم إلى الله، ويذكرهم بالله، وباتباع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وبمحبة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فليبدأ بتذكير الناس وبدعوتهم بما افترض الله تبارك وتعالى عليهم، افترض علينا التوحيد، وهو أعظم واجب، فنبدأ بتعليم الناس التوحيد ودعوتهم إليه، ثم الصلوات الخمس، ثم ترك الفواحش والمنكرات والكبائر الواضحة: كالزنا، والسرقة، وشرب الخمر، والخيانة، والغيبة، والنميمة، وشهادة الزور، وقطيعة الأرحام، وهي محرمات ظاهرة، ومع ذلك متفشية في مجتمعاتنا وموجودة.

    فالغفلة موجودة عن أداء الواجبات والتزام الطاعات، ثم نريد أن نعمل من البدع: موالد أو رجبيات أو شعبانيات، كل هذا لم يشرعه الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، من أين أتيتم بهذا؟ هل جاءت في كتاب الله؟ هل جاءت في سنة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ لو أنها شرعت، ولو أنها في كتاب الله وسنة رسوله، لما جاز لنا أن نقدمها على ما أمر الله تعالى أن نقدمه، وهو التوحيد والأركان الخمسة، فكيف -وهي لم تشرع- تقدَّم وتعلَّم، ويترك الأصل العظيم، الأصل الذي ينجو به العبد بين يدي الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى! وهو التوحيد.

    توحيد الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، هو تجريد هذه القلوب لطاعة الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فلا يسأل إلا الله، ولا يستغاث إلا بالله، ولا يستعان إلا بالله، ولا يتوسل إلى الله إلا بما شرع الله، والله تعالى يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ [المائدة:35] فكل مؤمن وكل مسلم مطالب بأن يبتغي إلى الله الوسيلة، وأن يتقرب إلى ربه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فبماذا يُتقرب إلى الله؟ قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه).

    نبدأ بالواجبات، ثم ننتقل بعد ذلك إلى النوافل؛ بالشرطين السابقين، هذه هي الوسيلة، وما أعظم باب الوسيلة في ديننا! الكلمة الطيبة صدقة، كل تهليلةٍ صدقة، كل تحميدةٍ صدقة، كف الإنسان لسانه عن الشر صدقة... ووسائل إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كثيرة! كل هذه هي الوسيلة، وهي القربة التي يُتقرب بها إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

    فلابد في العمل الصالح من شرطين:

    الأول: أن يكون العمل خالصاً لوجه الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فإذا لم يكن العمل خالصاً لوجه الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فإنه لا يقبله، كإنسان يريد الدنيا بعمله، يقول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحديث القدسي الذي يرويه عن ربه عز وجل: (من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه ) وقال: (أنا أغنى الأغنياء عن الشرك من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري فهو للذي أشرك) لماذا تشرك بالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وهو غني عن جميع الأعمال التي تعملها؟!

    حالك مثل من يهدي إلى تاجر غني -والله هو الغني وله المثل الأعلى- هدية، ويقول: هذا لك، واعط فلاناً منها قليلاً، فيقول لك: اعطها كلها لفلان فأنا لست محتاجاً لها، فكيف والله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الغني العظيم سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الذي يقول: (يا عبادي لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً ) وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ [محمد:38] سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فيجب أن يكون العمل خالصاً لوجه الله.

    والشرط الثاني: أن يكون صواباً وفق سنة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كيف يكون العمل صواباً، وبماذا؟ بالعلم فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [الأنبياء:7] بعض الناس يصلي عمره خمسين سنة، لكن لو أتينا ونظرنا إلى هذه الصلاة هل هي كما أمر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهل هي كما قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي)؟ فلذلك فإنها لا تقبل.

    1.   

    عبادة الأحبار والرهبان من دون الله

    (دخل عدي بن حاتم على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يقرأ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ [التوبة:31].

    قال عدي-وكان نصرانياً-: يا رسول الله، ما عبدناهم) لأن عدياً يفهم أن العبادة هي الركوع والسجود للأحبار، أو الرهبان، أو الأنبياء، أو الأقطاب، أو الشيوخ، أو العظماء، أو الملوك، أو ما أشبه ذلك ممن يعبد من دون الله -عز وجل- فأجابه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ووضح له قال: (ألم يُحلِّوا لكم الحرام فتطيعوهم، ويحرموا عليكم الحلال فتطيعوهم، قال: بلى، قال: فتلك عبادتكم إياهم).

    خطورة الابتداع في دين الله

    ألم تعلم أن الله تعالى حرم الابتداع؟ فلا تطع فيه غير الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، ألم تعلم أن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لم يشرعه ولا أذن به، ولا ارتضاه، ولا جعله طريقاً ولا وسيلة إليه؟ فلا تقبله من أي إنسان، لأنه بدعة، والبدعة تبعد ولا تقرب، ولهذا يقول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحديث الذي روي من أكثر من طريق: {إن الله حجز التوبة عن كل صاحب بدعة}.

    نسأل الله العفو والعافية! إن الذي نسعى إليه وندعو الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى دائماً ونرجوه هو أن يختم لنا بحسن الخاتمة، وأن تكون آخر كلماتنا شهادة أن لا إله إلا الله، وأن يوفقنا الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عند الموت للنطق بهذه الكلمة العظيمة، وأن يوفقنا في القبر لنجيب بالجواب الصحيح.

    أما أصحاب البدع فإن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يحجز عنهم التوبة، ومما يدل على ذلك أنه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لا يوفقهم عند الاحتضار بالتوبة، جزاءً وفاقاً على ما كانوا عليه من بدع في دين الله، يشرِّع من عند نفسه، ويأمر الناس بما لم يشرعه الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى! فانظروا إلى خطر البدع، تضيع الفرائض، وتضيع حسن الخاتمة، ويأتي الإنسان وقد عمل كثيراً، ولكنه كما قال الله تعالى: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً [الكهف:103] الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً [الكهف:104].

    أموال، وجهود، وأعمال، وخشوع، وبكاء، لكن ذلك لا ينفعهم، ولا يجدي شيئاً؛ لأن الله لم يجعل طريقاً إليه إلا اتباع محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

    لا بد من وجود شرطين في أي عمل حتى يتقبله الله، وهما:-

    أن يكون خالصاً لوجه الله، وأن يكون صواباً وفق ما أنزل الله تعالى.

    1.   

    الشرك وبداية ظهوره في بلاد العرب

    إن الشرك والضلال والانحراف الذي وقع في الجاهلية الأولى، ومن بعدهم إنما وقع نتيجة الابتداع في دين الله تعالى.

    كانت العرب على دين التوحيد منذ أن بنى إبراهيم الخليل وإسماعيل البيت الحرام، حتى ظهر رجل يقال له: عمرو بن لحي الخزاعي، هذا الرجل ذهب في رحلة إلى الشام، فوجد أُمّةً متحضرة ليست مثل العرب تسكن الخيام وترعى الغنم والإبل، وجد هناك حضارة، وأنظمةً، وملكاً، وأبهةً، فغرته تلك المظاهر، ثم تأمل في دينهم فوجدهم يعبدون الأصنام، إذ أنهم يصورون الصور، ويضعونها في الكنائس كصورة عيسى عليه السلام، وصورة مريم العذراء، وغيرها من الأنصاب والتماثيل، ثم يعبدونها من دون الله، فاستحسن هذا الأمر، لأنه صادر عن أمة متحضرة وليست كالعرب.

    فأخذ هذه الصور وجاء بها إلى مكة ووضعها العرب بالكعبة، ولهذا رآه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما في الحديث الصحيح: (وهو يجر قُصبه -يجر أمعاءه- في النار) عافانا الله وإياكم، يقول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (وكان أول من سيب السوائب) التي قال الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ [المائدة:103] فهذا كان أول من افترى على الله الكذب، وسيب السوائب، وابتدع هذه البدعة في الإبل: البحيرة، والوصيلة، والحام، هذه الإبل جعل لها علامات معينة تنذر للأصنام، فجاء بالأصنام وأدخل الشرك إلى بلاد العرب، وجاء بهذه البدع ليجعلها قربات إلى الأصنام، فكان هذا الرجل أول من غير ملة إبراهيم عليه السلام من التوحيد إلى الشرك، فحذر منه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

    بل جاءت رسالة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تصحيحاً للشرك الذي وقع فيه العرب بعد أن كانوا على ملة التوحيد، فمن جاء ليصرفنا عن ملة التوحيد، التي وحدنا الله تبارك وتعالى بها بعد الفرقة، وجمعنا بها بعد الشتات، وأنار بها قلوبنا بعد الظلمة، فلا طاعة له، لأن محمداً صلى الله عليه سلم ليس إمامه وقدوته، وإنما إمامه وقدوته عمرو بن لحي.

    ولا تستغربوا أن يظهر في كل أمة، أو في كل فترة عمرو بن لحي جديد؛ لأن من السنن الكونية أن يظهر صاحب الشرك؛ فيظهر أصحاب التوحيد، ويظهر الباطل، فيظهر الحق.. وهكذا..، فرعون قال -كما حكى الله عنه-: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [النازعات:24]، ومات هذا الفرعون وانتهى، لكن في كل زمان ممكن أن يظهر فرعون جديد وإن لم يسم نفسه فرعون، وإن لم يقل: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [النازعات:24] فكل من بدل دين الله، وغير شرعه، وجعل الناس يعبدونه من دون الله، فهو في عمله هذا كـفرعون.

    ولهذا فقدوة أصحاب البدع والضلال هم قوم نوح الذين غيروا دين الإنسانية من التوحيد إلى الشرك، ثم عمرو بن لحي الذي غير ملة العرب من التوحيد إلى الشرك.

    أما حديث النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لا تزال طائفة من هذه الأمة على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله) فإن معناه أن كل من يأتي ويدعو إلى أية بدعة من البدع فإن دعوته خاسرة، فإن هذه الطائفة المنصورة سينصرها الله تعالى عليه.

    1.   

    نصيحة للأمة

    التوحيد التوحيد! والسنة السنة! من تمسك بها نجا، سنة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هي سفينة نوح، من تمسك بها نجا، ومن حاد عنها غرق وهلك، وإن زعم أنه سيأوي إلى جبل يعصمه من الماء، لا عاصم أبداً من عذاب الله، إلا باتباع سنة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا طريق إلى الله إلا باتباع سنة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كما قال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [آل عمران:31].

    هذا هو الطريق الوحيد، فمن كان يَدَّعِيْ محبة الله، ومحبة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فليتبع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وليقدم حبه على نفسه، وأهله، وماله، وولده، كما قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ماله وولده ووالده والناس أجمعين) فلا بد أن تكون محبة الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بهذه الدرجة.

    والمحبة تتمثل في حب سنته وهديه، فمن والى الفجار، والعصاة، والكفار، فهذا لا يحب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هل يمكن أن يزعم أحد أنه يحب أحداً ما وهو يخالف طريقته، ويرد أمره، وينقض قوله؟ هذا لا يحبه، وهذه دعوى كاذبة، ولهذا قال تعالى في الآية التي تسمى آية المحنة، أو الفتنة، أو الابتلاء: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران:31].

    ادعى قوم محبة الله فأنزل الله هذه الآية، هكذا قال أكثر من واحد من السلف، فهذا هو المعيار: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران:31] فاتباع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو الصراط المستقيم الذي ندعوا الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في كل ركعة من فريضة أو نافلة أن يثبتنا عليه، قال تعالى: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:6-7].

    وندعوه أن نكون على السنة القويمة، وألا نزيغ عنها على علم، أو نعبده سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بالجهل والضلال، نسأل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لنا ولكم ذلك، ونسأله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أن يهدينا جميعاً الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وأن يجنبنا طريق المغضوب عليهم والضالين، وأن يوفقنا لسماع الحق وقبول واتباعه، وأن يجنبنا طريق أهل الأهواء والزيغ والبدع والضلال، إنه سميعٌ مجيب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.

    1.   

    الأسئلة

    موقف الإسلام من أهل البدع

    السؤال: ما هو موقف الداعية المسلم من أهل البدع؟

    الجواب: الحمد لله، حكم أهل البدع بإيجاز قد بينه الصحابة الكرام، كما فهموه وسمعوه من النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكما قرءوه من كتاب الله تعالى.. وأهل البدع أصناف:-

    منهم من يُقْتَل فيُقَاتَل، ولهذا قاتل أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخوارج وقتلوهم، ومنهم من يُهجر ويُزجر، وهذا أدنى ما يجب، فقد هجر السلف الصالح أهل البدع، حتى إن بعضهم أقسم ألا يجتمع مع صاحب بدعة، حتى إن واحداً من السلف لما جاءه صاحب بدعة، أقسم ألا يجتمع معه تحت سقف واحد غير المسجد، وجاء رجل من أهل البدع إلى أيوب السختياني رحمه الله، فقال: نريد منك كلمة؟ فقال له: ولا نصف كلمة، أما الإمام أحمد رحمه الله إمام أهل السنة والجماعة فقد نهى عن الصلاة خلف أهل البدع، والسلام عليهم، ومؤاكلتهم، ومجالستهم، وأمر بهجرهم وبزجرهم.

    فمن كان من أهل البدع، وكانت بدعته مغلظة كبيرة، وخرجت إلى حدود الشرك أو الكفر، فهذا حكمه القتل، فإذا كانوا طائفة مجتمعة، فإنهم يقاتلون حتى يرجعوا إلى السنة، وإن كان فرداً يدعو إلى بدعته فإنه يقتل -أيضاً- كما قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث -ومنها-: التارك لدينه المفارق للجماعة} فترك الدين، ومفارقة الجماعة -أي مفارقة السنة إلى البدعة- يقتضي إباحة دم المبتدع.

    وإن كان لا يدعو إلى بدعته أو متستراً بها، فإنه يزجر ويراقبه المجتمع المسلم مراقبةً شديدة؛ حتى لا يبث هذه البدعة، لكن لا يقتل أو يقاتل حتى يظهر شيئاً من ذلك، ويتيقن عنه، فهناك شروط وأحكام معروفة.

    وحاصلها أن صاحب البدعة يجب أن يكون مرذولاً مهجوراً في المجتمع المسلم مثل الذي يحمل أشد الأوبئة، كالإيدز في هذا العصر، أو أي وباء خطير، ويعزل ويفصل عن المجتمع، فلا يجالس، ولا يؤاكل، ولا يشارب، حتى لو جاء يجادل بكتاب الله أو يتكلم بآيات من كتاب الله أو من سنة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإنه يهجر؛ لأن الهجر فيه حكم عظيمة.

    أعظم ما في ذلك أننا نتبع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه، ومن ذلك أن القلوب تضعف من الشبهات، كما قال بعض السلف لما قيل له: [[لِم لا تسمع من أهل البدع؟ قال: إن القلوب تضعف عن الشبهات وما يدريني أن يقول كلمة فتبقى في قلبي فلا تزول]].

    إذا كان السلف الصالح يقولون: لا تقرأ أي كتاب من كتب أهل البدع مع أن فيها ذكر الله، فنحن نقول: لا تقرأ ولا تفتح لهم كتاباً أبداً، ولا تجالسهم ولا تسمع لهم شريطاً أبداً، احذرهم واحذر كتبهم واحذر السماع منهم، فإن هذا أشد من السم عليك، ولك في كتاب الله، وفي سنة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وفي علماء المسلمين الثقات الغنية والغنى.

    أما مسألة الصلاة خلف أهل البدع، فقد فصل فيها العلماء، فقالوا: إن كانت البدعة مكفرة كبدعة غلاة الروافض وغلاة الصوفية، فالصلاة خلفهم لا تجوز، ولا تصح، وإن كانت البدعة ليست مكفرة، ولا تخرج من الملة، فالصلاة لا تجوز خلفه، لكن إن وقعت صحت، كما لو كنت عابراً مجتازاً من طريق في مكان ما، فصليت خلف إنسان ولا تدري عنه أنه مبتدع، فَبَلَغَكْ فيما بعد، أو علمت أن هذا إنسان لديه بدعة من البدع، فإن صلاتك صحيحة ولا تُعد، لكن لا يجوز أن تتعمد الصلاة خلفه، هذه بعض الأحكام المتعلقة بأصحاب البدع عافانا الله وإياكم منها!

    الرد على من زعم أن عمر بن الخطاب ابتدع صلاة التراويح

    السؤال: كيف نرد على من يقول: إن عمر بن الخطاب ابتدع صلاة التراويح؟

    الجواب: النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلّى التراويح جماعة، ولكن خشي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن تفرض فتركها، وبقي الناس يصلون فرادى إلى أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فنظر عمر بن الخطاب وإذا بالحكمة التي من أجلها ترك النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصلاة جماعة وهي خشية أن تفرض علينا قد انتفت؛ فجمع الناس على مثل ما جمعهم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أول الأمر، وصلوا جماعة، وقال: [[نعمت البدعة]].

    وهذا لا يعني أن عمر رضي الله عنه ابتدع في الدين بدعةً لم يفعلها النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أبداً؛ لأنه إنما أعاد ما كان عمله النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولكن العرب يطلقون على الشيء الجديد أنه بدعة في اللغة.

    البدعة في اللغة: الشيء الجديد، أو الشيء غير المألوف. أو يكون كما قال الإمام الشافعي:

    إن كان رفضاً حب آل محمدٍ      فليشهد الثقلان أني رافضي

    فلو فرض أنهم سموها بدعة فهي: نعمت البدعة، لأن الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فعلها.

    ثم إنه جاء في حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه، يقول: {وعظنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ موعظةً بليغة، وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، قلنا: يا رسول الله! كأنها موعظة مودع فأوصنا، فقال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة -إلى أن قال- وعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا علينا بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور! فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة}.

    فحذر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من البدع والمحدثات، وأمرنا باتباع سنته وسنة الخفاء الراشدين المهديين، وهم أبو بكر ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، فإذا اجتهد الخلفاء الراشدون، وأمروا بأمرٍ أو عملوا بعملٍ فإن هذا من السنة، لأنهم لن يحدثوا في دين الله عز وجل، ولا يمكن أن يأمرنا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ باتباع من أحدث في دين الله أبداً، قال: { وإياكم ومحدثات الأمور } إذاً: هؤلاء الذين أوصانا أن نتبعهم لن يحدثوا، وإنما يحيون السنة، فـعمر رضي الله عنه أحيا السنة، واتباعه بذلك اتباعٌ لسنة الخلفاء الراشدين التي أمر بها النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

    كذلك الأذان الأول في صلاة الجمعة، يقولون: أول من أحدثه عثمان رضي الله عنه، ويقولون: هذا بدعة، وهو ليس بدعة، لأن عثمان رضي الله عنه من الخلفاء الراشدين المهديين، فالعمل به سنة، فقد كان النداء يسمعه الصحابة كلهم ولم ينكر عليه أحد، فأصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علموا أن هذا جائز، وأنه لا بأس به، وأنه مشروع؛ لأنه من سنة الخلفاء الراشدين، وأقروا ذلك، وما أقره أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فنحن أولى أن نقر به، فما فعله الخلفاء الراشدون فهو سنة وليس ببدعة، فهذه بعض الأجوبة التي تقال.

    ولكن لنعلم أن أهل البدع يتصيدون الشبهات، وإذا لم يجدوا الشبهات فقد يكذبون ويضعون ذلك؛ فلا نستغرب كثرة الشبهات، ولا نجهد أنفسنا أننا نقول: كيف نجيب على هذه الشبهات، ولذلك أقول لكم: عليكم بالطريق الواضح المستقيم! وتمسكوا به واعرفوه، ولا يضيركم بعد ذلك من ضل إذا اهتديتم، وتمسكتم بالصراط المستقيم.

    لا يضركم أن لأولئك شبهات ومجادلات، فإن أهل العلم كفوكم إياها، والأجوبة موجودة -ولله الحمد- لكن لا نريد أن تدخلوا في جدال مع أهل البدع، فيظهروا عليكم، ويقولون: نحن عندنا حجة، ودليل، وأنت ليس عندك شيء، يكفيك أنه دعا إلى بدعة، وأنك علمت أنها بدعة فلا تتبعه، ولا تسمع له، ولا تتجادل معه أبداً.

    ضابط البدعة

    السؤال: ما هو ضابط البدعة؟ وما هو الكتاب الذي تنصح بقراءته ليجتنب الإنسان البدعة؟

    الجواب: ضابط البدعة أو حقيقتها: هي كل أمرٍ عُمِل مضاهاةً للشرع، فأي أمر يحدث مضاهاةً ومشابهة لما شرعه الله تعالى بنية التعبد، فهو بدعة، ولهذا أهل البدع يقولون: أنتم تقولون: هذا العمل بدعة، فعلى قولكم تكون السيارات بدعة، والجامعات بدعة، والطرق بدعة! نقول: ليس هذا بدعة، هذا لم يحدث مضاهاةً لما أنزله الله وبنية التعبد.

    وقد يأتي آخر، ويقول: أنتم تتكلمون على أهل البدع، لماذا لا تتكلمون عن الشيوعية، وعن الإلحاد، وعن القوانين الوضعية؟ أما واحد شرع ركعتين ما شرعها الله فقلتم: هذا من أهل البدع، وحاربتموه، والذي يغير حكم الله تعالى من الرجم أو من الجلد إلى السجن والغرامة، ما تكلمتم عنه وما ذكرتموه، فلماذا لا تحاربوه؟

    نقول: هؤلاء لم يعملوا هذه الأعمال مضاهاةً للشرع، لم يعملوها على نية المضاهاة والمجاراة والمماثلة للشرع، ويجعلون العمل بها ديناً يؤجر عليه صاحبه، لو فعلوا ذلك لدخلوا في أهل البدع، وكانوا من أهل البدع الخارجة من الملة، لكن إذا قال: أنا عندي قانون وضعي وضعته من عندي، والشريعة لا أضاهيها، والشريعة فيها رجعية وتخلف، فهذا لا يدخل في أصحاب البدع، هذا أصلاً يكفر ويخرج من الملة؛ لأن الله يقول: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44].

    فمن شرع ما لم يأذن به الله، أو غير أحكام الله، أو بدل ما أنزل الله كمن يحل الربا -مثلاً- فإنه يكفر بنص كتاب الله عز وجل، ونحن لا نتكلم مع هؤلاء، إنما نتكلم مع من يقول هذا من الدين، وهذا له أجر، أما الذي يحل الربا، ولا يقول: هذا من الدين؛ فهذا معرض عن شرع الله، مغير لشرع الله، تارك لحكم الله، فهذا لا يخرج من باب البدعة، إنما يخرج من باب الحكم بغير ما أنزل الله، فهذا له مجاله وهذا له مجاله.

    إذاً البدعة هي كل أمرٍ أُحدث في الدين مضاهاةً لصاحب الشريعة أو مضاهاةً للشريعة.

    ومن أمثلة البدعة: الاجتماع على الذكر بعد الصلوات وحضور المولد.

    أما الكتب المؤلفة في التحذير من البدع فهي كثيرة، ولنبدأ أولاً بأهم شيء، وهو أن نعرف الكتب التي تدل على السنة، فإذا عرفنا السنة عرفنا البدعة -إن شاء الله- ولذلك يجب علينا أن نعرف العبادة الصحيحة التي تعبد بها النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في جميع أعماله.

    ثم إذا أردنا أن نعرف أحكام البدعة، نقرأ ما كتبه السلف في كتبهم في بيان البدع، وحكم أهل البدع وأهل الأهواء، وهي كثيرة مثل كتاب السنة لـعبد الله بن أحمد، والشريعة للآجري، والإبانة لـابن بطة، فقد ذكروا بدعاً كثيرة كبدعة الجهمية، وبدعة الرافضة، وبدعة الخوارج، والبدع العقائدية الأخرى، ثم ما كتب بخصوص معرفة البدعة من غيرها، مثل: البدع والحوادث، والبدعة وأثرها السيئ، والرسائل التي كتبها العلماء كالشيخ الجزائري وغيره -جزاهم الله خيراً- الذين خصوا موضوع البدعة بالذات التي هي ضد السنة، لكن الأساس أن نعرف السنة، فمثلاً الشيخ ناصر الدين الألباني جزاه الله خيراً لما كتب حجة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، جعل في الأخير البدع في الحج، ذكرها بالترتيب فقرة فقرة، فنعرف بدع الحج -مثلاً- وإذا قرأنا كتب أحكام الصلاة نعرف بدع الصلاة، وإذا قرأنا كتب الأذكار الصحيحة نعلم أن ما عدا ذلك بدعة، ونجد فيها بيان الأذكار البدعية.. وهكذا.

    حكم صلاة التسابيح

    السؤال: سمعت من شخص يقول في صلاة التسبيح: لا بد أن يصليها الإنسان في اليوم مرة، أو في الأسبوع مرة، أو في الشهر مرة، أو في السنة مرة، أو في العمر مرة، ما هو تعليقكم حول هذا؟

    الجواب: صلاة التسبيح اختلف فيها العلماء، وسبب الخلاف: الحكم على الحديث، والراجح أنها لم تصح ولم تثبت.

    فالإنسان لا يتعبد الله تعالى إلا بما شرع، وفيما ثبت وصح الكفاية، ففي حديث الولي: قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -فيما يرويه عن ربه-: {وما تقرب إلي عبدي بشيء، أحب إلي مما افترضته عليه} فالفرائض معروفة، وكذلك النوافل الثابتة، مثل: السنن الرواتب، والوتر، وصلاة الضحى، وغيرها مما ثبت النص به، فهذا فيه الكفاية عن الأمر المختلف فيه، فالراجح أنها لم تصح عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولهذا فإنها تدخل في البدع.

    حكم قراءة القرآن على الأموات

    السؤال: ما حكم قراءة القرآن على الأموات؟ هل هو بدعة أو سنة؟

    الجواب: الإنسان قد يموت له أب أو قريب، ويريد أن يحسن إلى هذا الميت، والله تعالى لم يقطع عنا هذا الإحسان، لأن هذه الشريعة سمحة وميسرة بل جعل لنا أبواباً واسعة -ولله الحمد- كالدعاء للأموات، فنحن عندما نزور القبور ينبغي أن ندعوا لهم، هذا مما شرعه الله تعالى، والحج عن الميت وارد وصحيح، والصوم أيضاً ورد في حق الأم إذا نذرت الأم أو الأب أن تصوم فيصوم عنها الولي، والصدقة وهذه من أوضح وأفضل ما يتقرب به الإنسان إلى الله عن الميت، إذاً: لدينا أبواب ومجالات واسعة، فما ضيق الله تعالى علينا.

    أما مسألة قراءة القرآن، فهل يقرأ القرآن على الميت بحيث أن إنساناً يمسك المصحف، ويقرأ سورة من القرآن، ويهدي ثوابها إلى الميت بهذا الشكل لم يرد، وهذا هو أخف أنواع البدع في هذا الشأن.

    وبعض العلماء أجاز ذلك على أساس دخوله في عموم الطاعات والقربات، والراجح أنها ما دامت لم ترد، فلا نفعلها أبداً، لأن ديننا اتباع وليس ابتداعاً، أما أن يجتمع الناس ويقرءون على رأس الأربعين أو ثلاثة أيام، يقرأ قارئ القرآن كله، أو ثلاثين قارئاً، كل قارئ يقرأ جزأً معيناً، ونجعل هذا من سنن العزاء، هذا أكبر أنواع الابتداع.

    وهذه المسألة لم يختلف فيها أحد من العلماء أبداً، فالذي يقول: إن العلماء اختلفوا في قراءة القرآن، لا يعني ذلك أن العلماء اختلفوا فيمن يجمع ثلاثين قارئاً، أو يأتي بواحد يقرأ ثلاثين جزءاً على رأس الأربعين، أو ثلاثة أيام بعد الموت، هذا لم يختلفوا فيه، فهو بدعة باتفاق.

    إنما الذي وقع فيه الخلاف -كما بينا- هو: أن يقرأ الإنسان -وحده فقط- شيئاً من القرآن، ويهدي ثوابه إلى الميت، ومع ذلك نقول: لا تفعلوا هذا، فهذا غير جائز، وهذا بدعة؛ حسماً لمادة البدع من أصلها، لكن الصدقة بابها مفتوح -والحمد لله- فليتصدق الإنسان أو يحج أو يعتمر عن الميت، هذا جائز ووارد، والحمد لله.

    حكم التسبيح بالمسبحة

    السؤال: ما رأي الدين الإسلامي في التسبيح بالمسبحة، سواء بعد الصلاة أو في أورادٍ أخرى؟

    الجواب: أولاً: ننبه أنه لا يقال ما رأي الدين، هذا من التعبيرات الصحفية التي أحدثها أناس جهال، فالدين ليس بالرأي أصلاً، هذه أحكام قال تعالى: ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [الممتحنة:10] فالقرآن حاكم يحكم، والسنة حاكمة، والسؤال الصحيح أن نقول: ما حكم الله، أو ما حكم الإسلام، أو ما حكم كذا في الإسلام، هذا هو السؤال الصحيح، ولا نقول: رأي الدين، لأن هذا حكم يجب أن نلتزم به، أما كلام البشر المجرد فهو رأي، والرأي يجوز أن يكون حقاً وأن يكون باطلاً، فنقول: ما حكم كذا في الإسلام؟

    السؤال الصحيح إذاً أن نقول: ما حكم المسبحة في الإسلام؟

    فنقول: هل سبح النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بها؟ لم يكن عنده مسبحة صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا عند الخلفاء الراشدين المهديين، فالمسبحة بهذا الشكل هي من بدع الهندوس، وانتقلت إلى الأمة الإسلامية عن طريق الصوفية الذين أخذوها من أولئك القوم، ولهذا قيل لواحدٍ منهم: ألا تترك هذه المسبحة؟ قال: شيءٌ دلني على ربي لا أتركه؛ لأن عندهم هذه الأشياء هي التي تدل على الله، إذاً اتخاذ مسبحة يسبح الإنسان بها بدعة.

    لكن أحب أن أنبه على قولنا: بدعة، هل كل واحد نرى معه مسبحة نقول: أنت مبتدع؟ لا. لأن كثيراً من الناس يجهل هذا الحكم، ومنهم من لو جئته بهذا العنف والشدة لنفر منك ومن السنة التي قد تكون لديك، وهي أهم من ذلك.

    فيجب علينا أن نكون لطفاء في الإنكار ولا بد أن تكون لدينا حكمة وأسلوب في إنكاره، فإذا رأينا من يفعل ذلك، نقول: يا أخي.. بارك الله فيك -بعد أن تسلم عليه- هذه أصابعك، قل باليمنى: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، هذه سنة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهذه المسبحة لم يتخذها الرسول صلى الله عليه وسلم ولا الخلفاء الراشدون، ولا ينبغي لك هذا، وأنت إن شاء الله حريص على الحق، فتكون النصيحة بالحسنى، ولا نحكم عليه بأنه مبتدع.

    فأهل البدع هم الذين بدعهم واضحة، كالذين يجلسون في حلقات وحضرات مخصوصة للابتداع، فيأتون بمسبحة بعضها ألف حبة، ثم يسبحون بها، كما تفعله بعض الصوفية، هذه هي البدعة التي ننكرها بقوة، وأقصد قوة الإنكار بالقلب، وقوة الإنكار بالحجة وبالدليل، وحتى ونحن نلاطفه ونخاطبه بالحكمة نكون أقوياء في الحرص على أن يجتنب هذه البدعة.

    وبعض الناس يقول: هذه الحجارة من النوع الكريم، تجلب الرزق -والعياذ بالله- أو تؤلف قلوب الناس لك، نسأل الله العافية! فهذه تدخل في الشرك، ليست فقط في البدعة.

    البدع كلها سيئة

    السؤال: هل هناك بدعة حسنة في الإسلام وبدعة سيئة؟

    الجواب: النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يقول ويردد في خطبه: {كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار} وكلمة "كل" من ألفاظ العموم، فإذا قلت لك: كل الناس صلَّى العشاء؟ فأنت تقول: لا، أنا رأيت مجموعة لم يصلوا، أو إذا قلت لك: كل الناس مسلمون؟ فأنت تقول: لا. يوجد من هو مسلم ومن هو غير مسلم، وإذا استدركت فمعناه أن العبارة خطأ، إذاً ما رأيك فيمن يقول: البدعة منها ما هو حسن ومنها ما هو بدعة، والرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: { كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار } أليس هذا يستدرك على رسول الله -نعوذ بالله من الضلال- من هذا الذي يجرؤ أن يخطئ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ!

    مع أنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يرددها دائماً في خطبه، وخطباؤنا في كل جمعة يقولون: كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلاله، وكل ضلالة في النار، لماذا كررها النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكررها أصحابه، ويكررها الأئمة أيضاً؟

    فليس هناك بدعة حسنة أبداً! قد تقول: بعض العلماء قالوا مثل هذا الكلام، كبعض علماء القرن الخامس أو السادس، فنقول:

    أولاً: إننا نتبع ما جاء عن الله، وعن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والخلفاء الراشدين، والسلف الصالح، لا أئمة القرن السادس ولا السابع.

    ثانياً: الأئمة الذين قالوا: إن البدعة خمسة أحكام: واجب، ومندوب، ومباح، ومكروه، ومحرم، يقصدون المعنى اللغوي، ولهذا يقولون: بدعة واجبة، مثل جمع المصحف أو بناء المساجد، فهذه ليست بدعة، لأنه يقصد بها الشيء الجديد فقط، وهو المعنى اللغوي للبدعة، فنقول: هذا الكلام بهذا التخصيص اصطلاح، ولا مشاحة في الاصطلاح، لكن الاصطلاح إذا فهم منه غير الحق، أو إذا كان وسيلة لأصحاب البدع إلى الباطل، فإنه يكون خطأ، ولا نتخذه، لأنه يمكن أن يكون وسيلة إلى الشرك، وإن كان هو في ذاته لا يدل على الشرك بالضرورة، فإننا نتركه، ونجتنبه، لماذا؟ لأنه من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، فنتقي الشبهات بأن نترك ذلك.

    نقول: هذا الكلام جرأ أهل البدع، لأنهم أصبحوا يبتدعون ما شاءوا في الدين، ويقولون: هذا من قسم البدع الحسنة، مع أن العلماء كـالعز بن عبد السلام الذي قال هذا الكلام ما قصدوا هذه البدع، وإنما قالوا هذا على الأشياء الجديدة الحسنة، فلنفرق بين هذا وبين هذا، وحتى لو فرض أن أحداً كائناً من كان قال بخلاف ما جاء في كتاب الله وسنة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فكلامه مردود غير مقبول، ويبقى العموم محفوظاً في قوله صلى الله عليه السلام: { كل بدعة ضلالة } وقوله: { من عمل عملاً }، فعملاً نكرة مطلقة، { ليس عليه أمرنا فهو رد } وفي رواية: {من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه} فكلمة "ما ليس منه" تشمل كل شيء.. إذاً ليس هناك أي تخصيص لعموم ما نهى الله عنه ورسوله عنه من البدع.

    حكم التداوي بكتابة القرآن على ورق وشرب مائها

    السؤال: هل التداوي بالقرآن وذلك بكتابته بالزعفران ثم وضعه في ماء وشربه هل هذا بدعة أو غير بدعة؟

    الجواب: الصحيح أن هذا العمل بدعة، وإن كان قد ورد عن بعض من تقدم، ولكن هذا يترك ويزجر عنه، لأنه ذريعة ووسيلة إلى غيره، فكتابة القرآن وشربه من البدع، وإن كان صاحبه يقصد التداوي به، ويغنينا عن ذلك الرقية، بأن يقرأ الإنسان القرآن ويرقي نفسه، أو يرقيه إنسان آخر أما أن يكتب ثم يذاب ثم يشرب، فهذا من البدع التي لا شك فيها، ولا ريب أنها أصبحت وسيلة وذريعة لبدع أكبر، بل للشرك الأكبر، فتكتب قل هو الله أحد ويكتب معها أسماء أعجمية بالسريانية هي أسماء آلهة ومعبودات من الجن.

    وهؤلاء وبعض الناس يسمونهم سادة، يكتبون آية الكرسي ويكتبون معها رموزاً وأشياء معينة، ويضعون معها أسماء معبودات من الأصنام أو من آلهة الجن أو من الشياطين المعبودة، لا ندري عنها، لكن هو يعرفها، ويقولون للمريض: اكتبها وبلها بالماء واشربها، فيقول المريض: الحمد لله شربت آية الكرسي وشفيت، إنما شرب أسماء الجن والشياطين ومعبودات الشياطين، ولهذا نقول: ما دامت قد أصبحت مدخلاً لأهل البدع والضلال، ولم يصح فيها شيء مرفوع عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبداً، فهي بدعة، والتداوي الذي ثبت عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالرقية ثابت، وفيه غنى وكفاية.

    الدعاء يرد القضاء

    السؤال: إذا كان الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قدر على الإنسان وقضى عليه سابقاً بشيء، ثم دعا الله وردّ عنه هذا البلاء، فكيف يجمع بين هذا وذاك؟

    الجواب: الجمع بين هذا وذاك بإيجاز:

    الوجه الأول: هو ما جاء ذكره في قوله تعالى: يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد:39].

    فأُم الكتاب هو اللوح المحفوظ وهذا لا تغيير فيه ولا تبديل، لكن -كما تعلمون- هناك تقدير سنوي حولي في السنة، ويكون في ليلة القدر، وهناك تقدير عمري، وهذا يقدر إذا نفخ الملك الروح في الإنسان، وهناك التقدير الكوني، وهو الذي في اللوح المحفوظ، فيجوز أن يكون في التقدير العمري أو التقدير الحولي أو التقدير اليومي، الذي يقدره الله أمر معلق، ولكنه في اللوح المحفوظ ثابت، والأمر المعلق مثل أن يقدر الله على إنسان بمرض في التقدير الحولي أو العمري أو اليومي، لكنه يعلق بالدعاء، فإذا دعا الإنسان صرف عنه هذا التقدير، وإلا فإنه يحل به، أما التقدير الكوني فإنه لا بد إما أنه مكتوب بأنه يدعو، فينجو من المرض -مثلاً- أو لا يدعو فيصيبه المرض، فيكون هذا حافزاً لنا أن ندعو الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى دائماً، ندعو الله تعالى ونستيقن أن هذا الدعاء سيصرف الله تعالى عنا به شيئاً من الشر، أو يحقق لنا شيئاً من الخير، أو يدخره لنا عنده.

    الوجه الثاني: وهو أن الدعاء سبب من الأسباب، فمثلاً أنت تخشى أن تقع في مصيبة -عافانا الله وإياكم- فلو أنك مشيت في آخر الليل وأنت سهران، لربما وقع لك حادث، لكن لو قلت: أنا لن أقود السيارة وأنا سهران! فإنك تنجو بإذن الله، فهذا سبب تتخذه فتنجو بإذن الله.

    والدعاء سبب من الأسباب المشروعة شرعها الله لنا، فنتخذه لندرأ به ما نتوقعه من الشرور، فإن لله عز وجل أقداراً تمشي وفق السنن المعروفة لدينا، ونحن نعلم من السنة الربانية -وكل إنسان يعلم هذا- أن كثيراً من الناس دعوا الله عز وجل فجنبهم الله مصائب حاقت بمن حولهم، وهذا بفضل دعائهم لله عز وجل، بل حتى المشركين إذا دعوا الله عز وجل في البحر فإنه ينجيهم.

    إذاً: الدعاء سبب واضح مجرب يدفع بعض ما يقتضي في علمنا الإنساني البشري وقوع الشر ووقوع المصيبة، التي قد تكون مكتوبة عند الله أنها لا تقع، فالمسلم مطلوب منه أن يدعو الله عز وجل ويتخذ ذلك الدعاء سبباً لدفع الشر، ودفع البلاء الذي يتوقعه والذي يخافه، فلا ننسى دعاء الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في كل وقت وفي كل حين، ولو من أجل شيءٍ بسيط.

    حكم من يقول عند قراءة الإمام ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) استعنا بالله

    السؤال يقول: عندما يقول الإمام إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]كثير من الناس يقولون: استعنا بالله، فما هي نصيحتكم لهم؟

    الجواب: ننصح هؤلاء بألا يقولوا ذلك؛ لأن هذا لم يرد، وإنما عليك أن تنصت إلى قراءة الإمام إن كان يقرأ جهراً، وأنت إذا قرأت تقول بنفسك: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] وإذا كان الإمام يقرأ؛ فإنك تسمع وتخشع لقراءته وتنصت لها، هذا هو القول الصحيح الراجح في مسألة القراءة خلف الإمام، فهذا لم يرد عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقد قال: {صلوا كما رأيتموني أصلي}.

    وجوب العدل بين الزوجات

    السؤال: ما رأيك في الرجل الذي يتزوج امرأتين ولا يعدل بينهما؟

    ثم ما هي نصيحتك لأولئك الأخوات اللاتي حضرن ولأول مرة في هذا المسجد؟

    الجواب: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {من تزوج امرأتين ولم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشقه مائل }.

    وقد أمر الله تعالى بالعدل وقال: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً [النساء:3]، والعدل مطلوبٌ في كل شيء.

    وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: { والمقسطون هم الذي يعدلون في أهليهم وما ولوا } أي: تولوا من الأعمال.

    فالعدل به تقوم السماوات والأرض، وعليه قامت، ويجب علينا جميعاً أن يكون العدل هو شأننا ودأبنا في جميع أمورنا، ولا سيما بين الزوجات، فيعدل فيما يملك، في المبيت، وفي النفقة، وفي الأمور الظاهرة التي بينها الشرع بالتفصيل، ولا يجب عليه -وهذا من فضل الله- أن يعدل فيما لا يملك، كأن يميل قلبه إلى إحداهن لكن لا يظهر أمام الأخرى ذلك، وإنما يجب أن يحرص على أن يظهر أمام كلٍ منهما على أنه يعامل الأخرى بالمثل، سواء بسواء، فإن كانت الأولى فلها حق العشرة السابقة، وإن كانت الأخرى فلها حق أنه تزوجها فرضيت به مع أن لديه زوجة.. وهكذا.

    فالمؤمن يجب أن تكون حياته بالعدل ما أمكن، كما قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {سددوا وقاربوا} العدل عسير، لكنه ليس عسيراً على من سدد وقارب، فإن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ييسره عليه، والنصيحة إلى هذا الأخ أن يتوب وأن يتقي الله، وكل من يفعل ذلك عليه أن يتقي الله تعالى في أهله ونفسه وما ولاه الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

    وأما النصيحة إلى الأخوات فإنها لا تخرج عما ننصح به أنفسنا جميعاً، فالمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، ودين الله عز وجل وكتابه وهدي نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو للمؤمنين وللمؤمنات معاً، وإن ورد الخطاب بصيغة الرجال أكثر، فهو لأنهم قوامون على النساء، والنساء لهم تبع في ذلك كله.

    فالذي أنصح به إخواني عامة ونفسي به أولاً: هو تقوى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فإنها وصية الله إلى الأولين والآخرين، كما قال تعالى: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ [النساء:131] وهي الوصية التي كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوصي بها أصحابه، وكان أصحابه يتواصون بها.

    والتقوى في حق الأخت المسلمة لها أمور تختلف عن الرجل؛ لأنها معرضة للفتنة، إما أن تُفتن وإما أن تَفتن؛ ولأنه يدار لها في هذا الزمان ويحاك لها مؤامرة خطيرة، يراد أن تتخذ المرأة المسلمة منفذاً لهدم المجتمع المسلم، ولهدم العقيدة الإسلامية، ولأن النساء هن أكثر أهل النار، كما ذكر ذلك النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما اطلع على النار، والنساء بلا شك أكثر عدداً من الرجال، ولعل من أسباب كونهن أكثر أهل النار: أنهن أكثر في العدد، وأيضاً لأنهن أكثر تعرضاً للفتنة وأكثر استجابةً لها.

    والحمد لله رب العالمين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3010687027

    عدد مرات الحفظ

    721992958