إسلام ويب

العزلة الفكرية لدى الشباب المسلمللشيخ : سفر الحوالي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تحدث الشيخ حفظه الله تعالى عن العزلة الفكرية التي يعاني منها الشاب المسلم، مبيناً أن الشاب المسلم يعاني اليوم عزلة كاملة عن دينه وتاريخه، وأن هذه العزلة جزئية بالنسبة لشباب الصحوة، ثم بين الشيخ حقيقة هذه العزلة، وأسبابها، ونتائجها، وضررها على الفرد، وعلى الأمة ككل، والحلول المناسبة لهذا الداء العضال.

    1.   

    النوع الأول : العزلة الكاملة وفقدان التوازن

    الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد الأمين , وعلى آله وصحبه الطيـبين الطاهرين، ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين..... وبعد:

    إن العزلة لدى الشباب المسلم هي من أخطر الأمراض التي يعانون منها، ولا سيما في هذا العصر، وسوف نوضح -أولاً- حقيقة هذه العزلة، ثم ننظر إلى خطرها وضررها على الشباب المسلم من خلال ذلك.

    حقيقة العزلة الكاملة

    أولاً: هناك عزلة كاملة يعاني منها الشباب المسلم اليوم، عزلة كاملة عن دينه وعن تأريخه، وعن كل ما يهمه ويجب عليه أن يعرفه، وهذا ما يعاني منه شباب الإسلام في معظم بقاع الدنيا؛ فهم أبناء الجيل الأول وأحفاد الصحابة الكرام، وحملة الأمانة، الأمانة التي حملتها هذه الأمة المباركة: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110].

    ولكنهم مع ذلك لا يعلمون من هذه الأمانة ومن هذا الحمل شيئاً، بل يعيشون كما يعيش أبناء اليهود والنصارى والمجوس وعباد البقر والأصنام، لا يعملون شيئاً إلا لشهواتهم ولدنياهم، قد حببت إليهم هذه الحياة الدنيا وغفلوا غفلة تامة عن الحياة الأخرى, وحبب إليهم كل كتاب إلا كتاب الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى, وكل عظيم من العظماء أو العباقرة أو الأبطال إلا أن يكون رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو صحابته الكرام, وعظُم لديهم كل عالم في الدنيا إلا أن يكون عالماً من علماء الأمة الصابرين المجاهدين.

    وهذه عزلة عظيمة وقع فيها وكان ضحيتها الشباب المسلم في أكثر أرجاء الأرض.

    صانعو العزلة الكاملة

    إن سبب هذه العزلة هو سيطرة العلمانيين والماديين والملحدين وغيرهم من الأحزاب الخبيثة أو من الطواغيت المجرمين الموالين لأعداء الله تعالى في الشرق والغرب، ففرضوا على هذه الأمة المباركة الطيـبة المصطفاة هذه العزلة، وأصبحوا يربون الأشبال وأبناء الأسود كما تربى فراخ الدجاج، ولذلك نجد أن هذه الأمة فصلت عن تاريخها، وعزلت عن ماضيها وعن مصدر حياتها وعن مقومات وجودها، وأصبح هذا الشباب يعيش على هامش الحياة وعلى هامش العالم، ونتيجة لذلك ظهرت هذه العزلة في هذا الشباب.

    نتائج العزلة الكاملة

    ومن نتائج هذه العزلة الانتماءات الكثيرة المتشعبة المتفرقة, فهذا يتجه إلى الشرق، وذاك يتجه إلى الغرب.. وإذا ظهرت في الغرب اتجاهات فإنهم يتسارعون ويتسابقون إلى أيها يذهبون، وبأيها يأخذون، وكذلك في الغرب.. وهكذا.. فلا تكاد تجد اثنين من الشباب على قلب واحد، ومن لم تتخطفه الانتماءات المختلفة ذات اليمين وذات الشمال إلى غير دين الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى؛ فإن الشهوات تفتك به, وإن الإباحية والمادية تحيطان به من كل جهة. وهذا النوع من الشباب نستطيع أن نقول: إنه يعاني من العزلة الكاملة عن الإسلام، وهذا هو الذي يسعى إليه -دائماً- أعداء الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ويخططون له.

    وسائل العزلة الكاملة

    ومن وسائل هذه العزلة وسائل الإعلام؛ لأنها تصرف الشباب عن الجد، والدين، والحق، وعن معرفة الله، والتفكير بالدار الآخرة, إلى الشهوات والأفكار الخبيثة.. فإذا لم يسمع الشاب أو لم يرَ أو لم يقرأ إلا ما كان بعيداً عن دينه، فإن هذه العزلة تزداد وتستحكم، فمن أين للحق والخير أن ينفذ إلى قلبه؟! ولا سيما إن كان الدعاة في قلة أو في ذلة, وكانت المساجد لا تؤدي الواجب الذي شرع فيها، وكان أئمتها مقصرين, وكانت حلقات العلم فيها معدومة أو ضعيفة... إلى غير ذلك، فهنا تستحكم هذه العزلة على هذا الشباب المسكين.

    ومن أعظم وسائل العزلة:

    المناهج التعليمية: فإنك تجد الشباب يتخصص في مجالات كثيرة في أكثر أنحاء العالم الإسلامي، فهو يعيش في مجالات متنوعة: منها ما تسمى علمية، أو ما تسمى أدبية، ولكن أقل القليل هو من يتفقه أو يقرر عليه شيئاً من دينه؟! وأكثر الجامعات الإسلامية لا تقرر أية مادة إسلامية شرعية، معتمدة على أن الطالب كان لديه في المرحلة الثانوية كتيب صغير جمعوا فيه الفقه والتوحيد والحديث إلى آخره.

    ثم يأتي الطالب في الجامعة خاوياً وخالي الذهن، فإن لم يجد المنهج ولم يجد المدرس بطبيعة الحال، فمن أين له أن يعرف دينه وأن يطلع على حقائقه؟! وحينئذ يكون هذا محسوباً رقمياً على الأمة الإسلامية، ولكنه حقيقياً عضواً من الأعضاء الذين إن لم يكونوا ضد الإسلام فهم على الأقل لا يحسبون له حقيقة؛ لأنهم لا يعيشون قضية الإسلام، ولا يدرون لماذا جاءوا، وإلى أين يذهبون، ولا تهمهم قضايا أنفسهم وعبادتهم التي خلقوا من أجلها، ولا قضايا أمتهم التي يجب أن يضحوا ويعملوا في سبيلها.

    هذا هو النوع الأول، وأرى أن أمره واضح، وأحسب -والحمد لله- أن مجتمعنا هذا إلى حد ما ليس عنده هذا النوع من العزلة، وليس مستحكماً فيه؛ نظراً لوجود هذه الصحوة الطيبة المباركة، والدعوة التي آتت ثمراتها والحمد لله، وما وجود مثل هذه المخيمات، ومثل هؤلاء الإخوة في كل جامعة -وأمثالهم كثير- إلا دليل على ذلك.

    1.   

    النوع الثاني والثالث: العزلة الجزئية

    والنوع الثاني من العزلة التي يعاني منها الشباب المسلم هي: "العزلة الجزئية" وهذه العزلة موجودة لدى شباب الدعوة الإسلامية، وهي التي يجب أن نتنبه لها، وأن نكون جميعاً على وعي تام بخطرها وضررها.

    أسباب العزلة الجزئية

    إن التخصص -أيها الإخوة الكرام- مطلوب, بل لا بد منه لكي يُتقن الإنسان فناً أو مجالاً، لكن كثيراً من الشباب باسم هذا التخصص، يغفلون ضروريات وأساسيات لا ينبغي إغفالها, ثم بعد ذلك يرون أن ما أتوا به هو الحق وحده، فماذا تكون النتيجة؟

    إذا أخذتُ أنا جانباً من جوانب العلم أو الدعوة أو الجهاد ثم جعلته هو كل شيء، ثم بعد ذلك اعتبرت أن من لم يكن مشاركاً لي فيه فلا شيء عنده، فإن ذلك ينتج عنه الاختلاف، ولا بد؛ لأن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ذكر ذلك من ضمن أسباب اختلاف الأمم قبلنا: فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ [المائدة:14] كمثل النصارى أخذوا حظاً ونسوا حظاًآخر, فإذا نسي المسلم حظاً مما ذكر به -وإن أخذ بحظ آخر- فإنه يعادي من أخذ بالحظ الذي نسيه وترك الحظ الذي أخذ به، والحظ معناه القسمة والنصيب.

    فمثلاً: شاب مسلم اتجه إلى الدعوة وجعل همه الدعوة, وأي شيء يعاب على من اتجه إلى الدعوة؟! بل هذا فضل عظيم وخير كبير، لأن هذا منهج الأنبياء وهو طريقهم, لكن باتجاهه إلى الدعوة إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى واشتغاله بها دائماً وعدم اهتمامه بالجانب العلمي -مثلاً- فلم يهتم بالعلم الشرعي، ولا بالاطلاع، ولا بالتفقه بالدين، ولا في معرفة المسائل بأدلتها التفصيلية, ثم بعد أن تعمق في ذلك ورأى كثيراً ممن تفقه وتبحر وتوسع في المسائل لم يغير منكراً، ولم يحرك ساكناً ولم يؤدِّ واجباً, فيرى أن الحق كل الحق هو ما عنده وما هو عليه، فيعيب ذلك الآخر, والآخر يعيبه. فيقول: أنت تدعو إلى الله على جهل، وأنت كذا، وأنت كذا...

    وهذا الشاب يزداد حرصاً وتمسكاً بما هو عليه عندما يرى الآخرين لم ينتفعوا بعلمهم، ولم ينشروا هذا العلم, فيقول: الحمد لله الذي جعلني من أهل الدعوة إلى الله، ولم يجعلني من أهل العلم والفقه في الدين، وهو في الحقيقة نسي حظاً وأخذ حظاً، فيقابله الآخر الذي جاءته العزلة من جانب آخر، وذلك أنه يقول: يا سبحان الله! دعوة بغير علم، يدعون ويذهبون إلى كل مكان، ويتحدثون عن أي شيء، ولكنهم جهلة بكتاب الله، وجهلة بسنة رسوله، وما عندهم شيء من العلم فلا خير في هذه الدعوة، فلنتركها ونتفقه ونتثقف.

    إلى متى تتفقه يا أخي؟! حتى تكمل علوم شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية أو الحافظ ابن حجر! أو إلى متى إذاً؟

    فيضع هذا الشاب أمامه مشاريع ضخمة لا يستطيع عشر عشرها، وخاصة في زماننا هذا, ثم يظل يستمر ويقرأ ويطلع تاركاً الدعوة إلى الله جانباً، ثم إذا ذكر عنده من يقوم بالدعوة أو طلب منه أن يدعو أو يشارك في الدعوة فإنه يقول: الدعوة ليست بجهل، الدعوة ليست أي كلام!

    وهذا صحيح بلا شك, ولكن ادعُ بما عندك من العلم وبما علمك الله.

    فيقول الأخ: هذا فيما بعد، وهذا في وقت آخر، فَيُسَوِّف ويعلل، والنتيجة: أن يصبح هذا خصماً لهذا، وإن لم يتخاصما في الحقيقة، فليس شرطاً في الخصومة أن تكون بمعنى المواجهة، ولكن إذا أخذ هذا بطرف، وهذا بطرف آخر فإنهما ضدان متقابلان، فيأتي الشيطان أيضاً، فيجعل من ذلك خصومة حقيقية وخلافاً حقيقياً.

    فقدان التوازن بين واجب النفس وواجب الأمة

    هناك أيضاً نوع من العزلة، يأتي ضمن النفس الإنسانية الواحدة, وهو: فقدان التوازن بين واجب النفس وواجب الأمة، ونعني بذلك أن الشاب يعيش في انفصام أو في معركة أو في تجاذب وتنافر بين واجب النفس وبين واجب الأمة، مع أننا نحمد الله على أن الشباب المسلم بدأ يتنبه، ويعي ضرورة أن يكون عمله وفكره وتطلعاته على مستوى الأمة جميعاً، لا لنفسه فقط, وهذا ما كان عليه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والرسل الكرام والصحابة, فقد كانوا دعاة خير للإنسانية جمعاء, وكانوا يفكرون في أمر العامة كما يفكرون ويجتهدون في أمر الخاصة، وكانوا يعرفون زمانهم، وتعلمون كيف كان واقعهم كان فيه قلة الأخبار، وقلة الاتصال، وقلة وسائل المعرفة والاطلاع، ومع ذلك فقد كانوا يحيطون بما تستدعي الحاجة أن يحيطوا به من أخبار فارس والروم والحبشة والقبط، ومعرفة القبائل، ومعرفة الناس بحسب ما تقتضيه الدعوة في مرحلتها وفي طبيعتها.

    ومع ذلك كانوا يوازنون بين واجب العامة وبين واجب الخاصة.

    فالإنسان يقول: يجب علي أن أعبد الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، ويجب علي أن أطلب العلم بنفسي، ويجب علي أن أنقذ نفسي من النار، وأن أفعل كل عمل يقربني من الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وأن أهتم أيضاً بحقوق النفس الواجبة كحق الزوجة أو الوالدين أو الأهل عامةً وما أشبه ذلك، فهذه حقوق يريدها الإنسان في نفسه، ويجد أنه من الواجب أن يقوم بها لنفسه.

    وهناك حق الأمة وواجب الأمة.. فبعض الشباب ينسى نفسه وربما قصر في عبادته نتيجة انشغاله بالأمر العام، فهو يفكر في الدعوة، ويهتم بالمسلمين في كل مكان , وهذا واجب يُشكر عليه , لكنه ينسى نفسه هو، وربما ينسى واقعه القريب المحيط به في انشغاله بالواقع البعيد الذي هناك، فتكون النتيجة أن هذا الشاب يفقد التوازن، فلا ينفع ولا يفيد في أمر عام إلا على حساب أمر أو واجب خاص.

    نماذج في التوازن

    الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكذلك كان صحبه الكرام الذين اهتموا بأمر هذا الدين والدعوة ونشرها في الآفاق والجهاد في سبيل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، ما كانوا قط مقصرين في الواجب الفردي الشخصي.

    فقد كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -كما تعلمون- يقوم الليل، وكان يؤدي النوافل، بل كان يؤدي حقوق الأهل وواجب الزوجات، وكان يستقبل الوفود، وكان يعاشر الناس جميعاً بأفضل وأحسن المعاشرة وكذلك صحبه الكرام، وهذا لم يتعارض قط مع الواجبات العامة أو مع أداء المهام العامة للأمة.

    وكذلك نجد سير العلماء رضي الله تعالى عنهم , فقد كانوا في غاية العلم والعبادة والاتباع للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه، وفي نفس الوقت نجد أنهم كانوا يهتمون بأمر العامة، وبإنكار المنكر، وبإقامة دين الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، والنصح للحكام والإنكار عليهم، وبالاهتمام بما يجري في الأسواق، وما يظهر من البدع في الآفاق.. كل ذلك نجدهم معتنين به ومهتمين به دون أن يطغى جانب على جانب.

    ومع أن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى خلق النفوس وجعل لها خصائص.. فبعض الناس يصلح للجهاد ولا يصلح للعلم، وبعضهم يصلح للعلم ولا يصلح للجهاد، وبعضهم يصلح للدعوة ولعرضها وبسطها وجلب الناس إليها، ولا يصلح لإنكار المنكر؛ لأنه يضعف عن ذلك، وبعضهم يصلح لإنكار المنكر ومواجهة المفسدين؛ ولكنه لا يستطيع أن ينشر الدعوة وأن يبينها لأحد... وهكذا..

    ومع وجود ذلك، إلا أنه وجدت أيضاً نماذج من القدوة والأسوة الحسنة ممن استطاعوا أن يستكملوا هذه الخلال، ويستجمعوا هذه الصفات الطيبة.

    الشخصية المتكاملة وحاجة الأمة إليها

    الأمة الإسلامية في هذه الحقبة أحوج ما تكون إلى تلك النماذج، التي تتكامل فيها جوانب الشخصية المسلمة، فتستطيع أن تعبد ربها سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وتقوم بالواجب على النفس، ثم تقوم بالواجب العام من الدعوة إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، ثم تعرف كيف توازن بين هذه الواجبات، وكيف توفق بين العلم وبين الدعوة، وكيف تجمع بين الصبر وبين اليقين، وكيف توائم بين العصر الذي يصعب استيعابه بأحداثه وبأفكاره وبآرائه وبين تاريخها وماضيها وتراثها وبين العلم الشرعي الذي هو أشرف العلوم وقد ورَّثه لنا سلفنا الصالح من علوم العقيدة والتوحيد والفقه والحديث والتاريخ، وغيره من العلوم العصرية.

    فلا بد أن يوجد في هذا الشباب الطيب المبارك من يجتهد في استكمال هذه الجوانب ما أمكن، وذلك لكي يقدم للأجيال المعاصرة نماذج حية وقدوات مباشرة ملموسة محسوسة في تكامل الإسلام؛ لأن الشباب المسلم إذا تكاملت شخصيته، فإنه يستطيع أن يظهر ويبرز في الوجود، ويثبت الوجود الإسلامي -كما كان السلف الكرام رضوان الله تعالى عليهم- في هذا العصر على تفرق المسلمين وعلى ذلتهم وقلتهم، وعلى ما يعانون فيه من العبودية للشرق أو الغرب.

    أيها الإخوة الكرام: إن هذا الدين دين شامل متكامل، كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً [البقرة:208] وعلينا أن ندخل في هذا الدين كله، وأن نطلب العلم من أصوله ومن أبوابه المشروعة في الحلقات العلمية، وأخذه من العلماء العاملين المتفقهين في الدين، وفي الوقت نفسه لا نألو جهداً ولا نقصر في الدعوة إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، بل نجعل العلم سلاحاً للدعوة، وتكون الدعوة وسيلة لنشر العلم، كما يجب علينا أن نعي واقعنا وزماننا، كما قال بعض السلف الصالح: {{رحم الله امرأً عرف زمانه واستقامت طريقته}}.

    ومن معرفة الزمان أن تعرف هذا العالم جملة، وما يموج فيه من أفكار، وما يضطرب فيه من الفتن والضلالات, وتعلم بأن الحل في يدك، وأنك تستطيع أن تقدم لهذه الإنسانية التائهة الحائرة الحل الذي لا يملكه غيرك أبداً، وهو الإيمان بالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

    كما يجب علينا -أيها الإخوة الكرام- أن نوفق وأن نوازن بين الواجب على النفس وبين الواجب للناس جميعاً، فإنه يجب علينا أن نعبد الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وأن نحافظ على الواجبات، ونتقرب بما استطعنا -أيضاً- من النوافل بحسب الإمكان، وأن نعبد الله ونذكره ونشكره؛ حتى تكون حياتنا زكية، وتكون أعمالنا زكية خالصة.

    ثم ندعو الناس -أيضاً- ونصبر على أذاهم ونأمرهم بالمعروف وننهاهم عن المنكر، ولا نغلب جانباً على جانب.

    أما إذا اعتزل الشاب الناس بالكلية, أو اعتزل جانباً من جوانب الحق والخير بالكلية أو شبه الكلية، فإنك ستجد الشخصية غير المتزنة، وستجد أن هذا الإنسان إن وعى عصره وواقعه وجهل العلم والفقه الشرعي بأدلته، فإنه قد يتخبط في الفتوى ويقول على الله تبارك وتعالى بغير علم، وإن وعى جانب العلم الشرعي وتفقه فيه ولم يعش عصره وواقعه، فإنه لجهله بعصره هذا قد يضع تلك الأدلة في غير موضعها، فيستدل على أمور من غير انطباق أدلتها عليها -أي ما يسمى تحقيق المناط في أصول الفقه- فالعلم الذي لديه لم ينتفع به؛ لأنه لم يضعه في مناطه الصحيح.

    وأنتم -والحمد لله- قد هيأ الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لكم في هذه الجامعة وفي هذا البلد الطيب من وسائل تحقيق التوازن والتكامل الشيء الكثير، فاشكروا نعمة الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عليكم، واحمدوه على ذلك، واجتهدوا في إيجاد الشخصية المسلمة المتكاملة.

    وأسأل الله تبارك وتعالى لي ولكم القبول، وأن ينفعنا بما نسمع وبما نقول، إنه سميع مجيب.

    1.   

    الأسئلة

    حل مشكلة العزلة الجزئية

    السؤال: إني أحبك في الله! ذكرت العزلة الجزئية، فما هو الحل؟

    الجواب: أنا أشرت إلى الحل وذكرته، وإيضاحاً لذلك كله، أقول: إنه يجب علينا في أنفسنا أن نسعى إلى التوازن والتكامل، ويجب على المربين والموجهين أيضاً أن يبرزوا ذلك للشباب، وأن تكون من الجانبين؛ لأن المربي والموجه إن لم يجد من يتقبل هذا التوجيه منه، لم يكن لتوجيهه معنى ولا أثر، وكذلك الشاب إن لم يجد من يوجهه ويربيه على ذلك، ويزكيه بهذه التزكية الإيمانية المتكاملة، فإنه -أيضاً- لا يفيد، فلا بد من وجودها في منهاجنا التعليمية، ووسائلنا التربوية وفي علاقتنا الفردية، وأيضاً في علاقتنا الأخوية، كل ذلك يؤدي -إن شاء الله- إلى ترك هذه العزلة الجزئية.

    الدعوة في مرحلة الدراسة

    السؤال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:

    هناك العديد من الشباب أثناء فترة دراستهم في الجامعة لا يكون لهم أي نشاط تجاه إخوانهم في السكن الجامعي بحجة أن هذه الفترة فترة تحصيل، والدعوة تكون بعد التخرج؛ فما رأيكم في ذلك؟

    الجواب: هذا خطأ، وهذا -كما أشرت- إخلال بأمر الدعوة، وإن كانت حجة الأخ هي التحصيل، فنقول: إن الإنسان إذا أراد أن يدعو إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فإنه يعد للأمر عدته، ونعوذ بالله أن نكون من المنافقين الذين قال الله فيهم: وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً [التوبة:46]، فالمنافقون يزعمون؛ لكن واقع حال الإنسان يبين: هل هو يعد العدة أم لا؟

    إن الشاب الذي يدعو إلى الله ويريد أن يكون داعية إلى الله تجده من الآن يدعو إلى الله، ولا يعني ذلك أنه يتقحم في المسائل أو أنه يبدد الوقت ولا يفيد في الجانب العلمي والتحصيلي، لا نقول ذلك، لكن يا أخي ادع إلى الله بما تستطيع وأنت في السكن -كما أشار الأخ- واحرص على أن يؤدي الصلاة كل من كان معك في السكن، وأن تصحح له عقائده وتتعلم معه ما ينفعك الله به في جانب العقيدة، وهي أهم جانب في الحياة، وأن ترشده إلى بعض الأحكام، وأن تأخذه معك إلى مجلس علم أو حلقة ذكر أو إلى أي شيء من الخير، فهذا من الواجب عليك، ولن يكون هذا متعارضاً مع تحصيلك العلمي أو توسعك في أي فن من الفنون.

    فعلى الإنسان أن لا يضيع هذه الفرصة الثمينة، وهي فرصة التجربة، فلا أراه قد ينتج فيما بعد، فإذا خرج الإنسان للمجتمع وأصبح مدرساً في مدرسة أو أصبح زميلاً في إدارة، فإنه يكون فاقد التجربة في مجال الدعوة، بخلاف ما إذا عايش التجربة في السكن مع زملائه، فإنه يستفيد ممن هو خير منه وأقدم منه، وفي نفس الوقت يفيد من دونه من الناس بعد التخرج، فهو بين حالتين: إن وجد من هو فوقه فإنه يستفيد منه ويتعلم كيفية الاستفادة، وأما إن وجد من هو دونه فإنه يفيده ويتعلم كيفية الإفادة، لكن إذا بقي منعزلاً في السكن ثم تخرج، فكيف يكون حاله بعد التخرج؟

    وبعض الإخوة -مثلاً- قد يكون حفظ بعض الأدلة فقط، فإذا تخرج إلى إدارة أو مدرسة معينة، فيرى فيها شيئاً محرماً، فيقول: هذا حرام، والدليل كذا فقط، ولا يستطيع أن يفهم الطلبة كيف يستوعبون هذا الكلام، فينفرون منه مثلاً، فتكون النتيجة أنه لم يستطع أن يقوم بالدعوة، لا لقلة العلم، ولا لعدم الإخلاص، ولكن لقلة التجربة في مجال الدعوة، ولو أنه كان مع إخوانه في السكن يمارس الدعوة، فإن أخطأ فخطؤه مغفور مع إخوانه، لكان ذلك أفضل له.

    التوازن في التخصصات الإسلامية

    السؤال: ذكرت يا شيخنا أن هناك شباباً يصلحون للدعوة ولا يصلحون للجهاد، وآخرون يصلحون للجهاد ولا يصلحون لطلب العلم، فكيف يمكن للإنسان أن يوازن بين تلك الأمور كلها ليكون شخصاً مسلماً متكاملاً؟

    الجواب: قلنا: إن الأصل هو التكامل، وهو الذي نسعى إلى تحقيقه؛ ولكن:

    إذا لم تستطع شيئاً فدعه     وجاوزه إلى ما تستطيع

    فالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى خلق النفوس وأعطاها إمكانيات، فـخالد بن الوليد رضي الله عنه أُعطي السيف، فهو سيف الله، فكان مجاهداً بينما أعطي معاذ رضي الله عنه العلم، وأعطي أبي بن كعب رضي الله عنه القراءة، وأعطي عمر رضي الله عنه القوة في الحق، وهكذا كل واحد من الصحابة، وهم النموذج الأسمى لنا، وكل منهم يسر الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى له شيئاً، وكل ميسر لما خلق له، وأعطي له ذلك حتى تتكامل هذه الجهود.

    ونحن نحاول أن تتكامل هذه الصفات في الإنسان، فإن لم تتكامل فيه، تكاملت في الأمة ما استطعنا، ولو أن هذه الجهود تكاملت وتعاونت، واجتمعت على الحق وعلى الكتاب والسنة والدعوة إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، لوجدنا أن كل طاقة تفيد، وأن كل خبرة تنفع، وأن كل اختصاص يوضع في محله، ولكن جاء التنافر، وجاء الاختلاف من أنفسنا نحن، وليس ناتجاً من جهة ما جعله الله من خصائص وما أودعه من طاقات، لا! فهذه فطرة وسنة جعلها الله تعالى كذلك، وليست هي السبب في الحقيقة، بل السبب يعود إلينا نحن في أن الإنسان يأخذ جانباً من الحق ويغفل عن الجانب الآخر، مثلهم كمثل العميان مع الفيل، وكثير من الشباب المسلم اليوم ينطبق عليهم هذا المثل.

    وذلك أن واحداً أمسك بأذن الفيل، فقال: هذا جلد، والثاني أمسك برجله، فقال: هذا جذع شجرة، والثالث أمسك الخرطوم، فقال: هذا أنبوبة، وكل واحد وصف الفيل بحسب ما لاحظه؛ لكن لو رأوا الفيل كله، لكان وصفهم له واضحاً.

    فهذا المثال الساذج يكاد ينطبق على واقع الشباب، فالذي ينشغل بالجهاد -مثلاً- ينكر على المشتغل بالعلم، والمنشغل بالعلم ينكر على المشتغل بالدعوة... وهكذا، مع أن كلنا على حظ وخير، وإن اجتمعت هذه الصفات في شخص لكان خيراً عظيماً.

    فالصحابة رضي الله عنهم جمعت فيهم على الأقل هذه الصفات الثلاث، وهكذا كان الإمام أحمد رضي الله عنه، وكذا شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية، وهكذا العلماء الذي أقاموا هذا الدين وأسسوه، وهذه الخلال والصفات ليست متضادة ومتناقضة، لكننا نحن بأخطائنا في الدعوة نناقض بينها.

    التوازن بين معرفة الواقع البعيد والقريب

    السؤال: شيخنا الفاضل! ما المقصود بمعرفة الواقع البعيد وعدم معرفة الواقع القريب، مع المثال لذلك؟

    الجواب: المقصود بذلك أن الأمة الإسلامية الآن تعيش قضايا يمكن أن تسمى بالقضايا الساخنة، يعني القضايا التي تهمنا يومياً -تقريباً- نسمعها ونتابع أحداثها، كقضية الجهاد الأفغاني، قضية إخواننا المسلمين في أفغانستان، وقضية إخواننا المسلمين في ظل الحكومات الشيوعية، مثلما في أوروبا الشرقية، وقضية المجاهدين المسلمين في الفلبين، وفي إرتيريا، وفي أماكن كثيرة، فهذه قضايا مهمة.

    وجميل وحسن أن نفقه وأن نعي ما يخططه أعداء الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في تلك البلاد، وأن نكون مع إخواننا بما نستطيع؛ لكن لا يحسن بنا أبداً أن ننسى ما يخططه لنا الأعداء هنا في بلدنا أو مدننا؛ بل في جامعتنا أحياناً، فإذا كانت الدعوة هنا لها أعداء، وهناك لها أعداء، فإنه يجب أن نفكر في الأمرين بتوازن.

    ولنضرب على ذلك مثلاً:

    الجزائر تعاني التغريب، وتعاني الإنكار والتمرد والجحود على أحكام الله، وتعاني معاناة شديدة من كل الاتجاهات؛ فالمسلم الجزائري الذي يشتغل ويفكر ويجعل كل همه مع المسلمين في الفلبين جزاه الله خيراً لا أحد يستطيع أن ينكر عليه ذلك؛ لكن يجب عليه ألا يغفل عن الجزائر وما يحاك وما يدبر ضدها؛ لأن الأخ الذي في الفلبين وفي أفغانستان لا نطلب منه أن يدع الجهاد هناك وينشغل بأمر الجزائر؛ بل نقول: جاهد هنا، وأيضاً ادع الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، إن لم يكن إلا الدعاء، وأما أنت هنا فيجب عليك أن تعرف الواقع الذي تعيش فيه، ولهذا لو أننا نحدث أهل الجزائر عن المشاكل الإسلامية البعيدة، ونترك لهم واقعهم هذا القريب، لما وجدنا عندهم أي تجاوب، وأقل شيء يشعرون به أننا لا نقدم لهم شيئاً جديداً بطبيعة الحال.

    وأيضاً يأتي أعداء الدعوة ويقولون: هؤلاء لا يعيشون قضايا المجتمع ولا يعيشون قضايا الأمة، وهذه هي الورقة التي يلوح بها أعداء الإسلام من العلمانيين والمجرمين في كل مكان، يقولون: أنتم تنسون قضايانا وأحداثنا، وتنسون مجتمعنا، وتنسون التضخم، وتنسون التنمية، ولذلك يجب أن نقطع الطريق على هؤلاء ونوازن بين هذا الواجب في المجتمع القريب وبين ما للمجتمع البعيد.. والكل جسد واحد لا ريب في ذلك؛ لأن الأمة الإسلامية جسد واحد، فيبدأ الإنسان بنفسه وبمن يعول، ولا بد من هذا التوازن.

    تنظيم الوقت للشباب المسلم

    السؤال: فضيلة الشيخ! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إن أكثر ما نعاني منه في حياتنا: عدم القدرة على تنظيم الوقت والمحافظة عليه، فنرجو منكم توجيهنا في هذا الموضوع؟

    الجواب: نعم! مشكلة الوقت هي المشكلة الحقيقية التي يعاني منها كثير من الشباب؛ لأن الواجبات تتعدد، والهموم تتوزع، والوقت محدود، ولذلك ينبغي أن نأخذ العبرة والعظة من النظر إلى أوقات العبادات مما فرض الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى علينا؛ فهذه الصلوات الخمس هي من العبادات التي تقربنا إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ومن الذكر له، ولكن مما فيها من فوائد ثانوية أنها تعرفك قيمة العمر وقيمة الوقت، يجلس الشخص فترة بعد صلاة العصر، وإذا بالمغرب يؤذن، فيصلي المغرب ثم ما هي إلا لحظات وإذا بالعشاء يؤذن... وهكذا، فتحس بأن الوقت قد مضى، وأن هذا وقت له واجب محدد، وأن الوقت الآخر له واجب آخر، فلا تحيل واجب وقتٍ إلى غيره، هذا مما يستشعره المسلم، ولهذا كان المسلمون أكثر الناس محافظة على أوقاتهم.

    والوقت ليس فيه توقف، كما قال ابن القيم رحمه الله: عند قول الله تعالى: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ [المدثر:37]، قال رحمه الله: ''ليس في الشريعة ولا في الطبيعة توقف البتة'' فليس هناك توقف، إما أن تتقدم وإما أن تتأخر، فمجرد التوقف هو تأخر، لو قلت: أنا أكتفي في هذا اليوم بما عندي من العلم، فمعنى ذلك أنك تأخرت؛ لأن الوقت يمضي، وهذه الأيام مراحل تطوي الإنسان، وما من يوم يمر إلا ويزيدك من الدنيا بُعْداً ومن الآخرة قُرْباً، وكما قال الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً [الإسراء:36] وكما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع -ومنها- عن عمره: فيمَ أفناه؟ وعن شبابه: فيمَ أبلاه؟}، وضرورة المحافظة على الوقت مهمة، ومن ذلك أن تحفظ وقتك فتشغله في الأهم عن المهم.

    أقول هذا، لأن الشباب -إن شاء الله- لن يشغلوا أوقاتهم في غير مهم، لكن قد يشغلونه في مهم ويتركون الأهم منه، ولهذا قال بعض السلف في قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه}، قال: هذه فيها نصف العلم، أي: لو عرفت ما لا يعنيك وتركته فإن فيه نصف العلم والوقت، وقال بعضهم: من علامة إعراض الله عز وجل عن العبد: أن يشغله بما لا يعنيه.

    وما لا يعنيك قد يكون لا يعنيك مطلقاً، وقد يكون لا يعنيك في هذه الساعة، وقد يكون لا يعنيك وغيره حاضر، لأن غيره أهم منه، فهو لا يعنيك الآن، فلو عرفنا ذلك لضبطنا أوقاتنا -إن شاء الله- فلهذا نبدأ بالأساسيات من العلم، ونبدأ بالضروريات من الدعوة، ثم نترك ما بعد ذلك لما يفضل.

    التمسك بمنهج أهل السنة

    السؤال: شيخنا الحبيب! ما هي الوسائل التي تعيننا على التمسك بمنهج أهل السنة والجماعة وذلك في الواقع الذي نعيش، بالتفصيل والتصريح؟

    الجواب: مما يعيننا على ذلك -وهذا يجب أن يكون حالنا دائماً كما أشرنا- العلم بهذا المنهج، فلا يصح أن يكون الإنسان جاهلاً بمنهج أهل السنة والجماعة مهما كان محباً له حباً صادقاً خالصاً وعلى معرفة إجمالية.. لا يكفي ذلك، بل لا بد من المعرفة التفصيلية له، وأشرف العلوم هو ما يتعلق بمعرفة الله وتوحيده سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وبعد ذلك معرفة السنة من البدعة، ثم معرفة الحلال من الحرام، فيجب علينا أن نعرف هذه الأحكام معرفة تفصيلية بأدلتها الشرعية، ومن مصادرها الأصلية، ونحرص على أن نتلقاها من حلقات العلم، لأن اجتهاداتنا الفردية والشخصية ليست دائماً مثمرة أو ناجحة، والعلم يؤتى من أبوابه، وأبواب العلم الحقيقية هي مجالس العلماء، وإن لم يمكن مجالسة العلماء فبوسائل أخرى، والحمد لله نحن في زمن تيسرت وتوفرت فيه الوسائل.

    والأمر الآخر: أن نضبط دعوتنا أيضاً على منهج أهل السنة والجماعة؛ لأن منهج أهل السنة والجماعة ليس مجرد عقائد تحفظ، أو تصورات تقال، وإنما هو حقائق يعمل بها، فيجب على الإنسان أن يعرف الحق ويؤمن به ويدعو إليه، ثم يصبر على الأذى في سبيل الدعوة إليه.

    ونحن في هذا الزمن من أوجب ما يجب أن نعرفه في هذه المسألة: معرفة الطرف المخالف المناقض؛ لأن الحق يتضح به، وبضدها تتميز الأشياء، إذا أردت أن تعرف حقيقة منهج أهل السنة والجماعة، وأنت شاب وطالب علم وداعية فيجب أن تعلم الفرق بينه وبين الفرق الأخرى، تعرف حقيقة عقائد الرافضة وبطلانها، وعقائد أهل الكلام عامة وبطلانها، وأسسهم التي ضلوا بها؛ لتجتنبها ولتدافع عن الدين وعن منهج أهل السنة والجماعة من خلالها، ولتستطيع أن تقيم الحجة عليهم؛ فهذا عدو حاضر قائم، وهذا هو السرطان الذي يفتك بجسم الأمة الإسلامية، ويمنعها من مقاومة عدوها الخارجي، بل إن الأداة التي يستطيع العدو الخارجي أن يدخل منها إلى الأمة الإسلامية هي هذه الطوائف والفرق والنحل والضلالات والبدع.

    إذاً: لا بد من الإحاطة بها ومعرفتها، وهي جزء من الواقع الذي يجب أن يعرف ويطلع عليه بتوازن، مع إعطاء الفرصة للتخصص، فكل من تخصص في فن منها أو بفرقة منها، فإنه يشجع ويشكر على ذلك، حتى نستطيع -إن شاء الله- أن نكون المنهج الملائم، والموضوع طويل.. ولكن الإشارة تكفي.

    كيفية تكوين ثقافة المسلم الإسلامية

    السؤال: شيخنا الفاضل! كيف يكّون الإنسان الشباب المسلم ثقافته الإسلامية؟ هل يكتفي فقط بالمطالعة أم يكثر من الجلوس في حلقات المشايخ؟

    الجواب: ليس هناك تعارض، فالإنسان يحضر حلقات العلم، لأن أساس العلم -كما قلت- هو حضور حلقات العلم والسماع إلى العلماء، ثم أيضاً يقرأ ويفيد ويطلع، ولا سيما أننا في زمن قَلَّتْ فيه حلقات العلم.. والله المستعان، فيجمع بين الحسنيين، ولا إشكال في ذلك، لكن يجب عليه أن يعرف من يجالس، وأيضاً يعرف ماذا يقرأ، وإذا جمع بين ذلك فأرجو أن يوفق إن شاء الله.

    كيفية تعلم أسلوب الدعوة

    السؤال: إذا كان الشخص عنده من العلم المحصلة الطيبة، ولكن إذا قيل له: لماذا لا تدعو؟ قال ليس عندي أسلوب؛ فما السبيل إلى توجيهه؟

    الجواب: هذا الشخص يجب عليه أن يتعلم الأسلوب الأمثل في الدعوة، فلن يتنزل عليه هذا من السماء، وبعض الإخوان يقول: أنا لا أستطيع أن أواجه الناس بالدعوة، فنقول له: إذا لم تستطع ذلك فعليك بطريقة أخرى كالتأليف والكتابة أو ما يكون به نفع للمسلمين، فإذا كان عندك علم، وعندك مصادر، فاكتب، وهذا عمل عظيم، فلو أن الكاتب يكتب، والخطيب يخطب، والمحدث يتحدث، والعالم يُعلِّم، ولنا كلنا هدف واحد، وهو: اتباع منهج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الدعوة، لتكاملت الجهود.

    فليس من الشرط أن يخطب ويكتب، فبعض الناس يخطب، ولو قلت له: اكتب، لما قدر على ذلك، وبالعكس: بعض الناس إذا قرأت له تدهش وتسر، ولكنك لو سمعت له خطبة لما أعجبتك.. وهكذا، والذي ليس عنده أسلوب في معاملة الناس، يمكن أن يكون عنده الأسلوب في الكتابة، وأيضاً كلٌ منا يكمل صاحبه، فأنت أصِّل المسألة واكتبها، وأنا أبلغها بطريقتي الخاصة، إذا كنت أنا أجيد عرض الكلام، ولا أجيد أن أتعلم أو العكس، فنحن جميعاً نتكامل في دعوة واحدة.

    العيش في واقع الأمة

    السؤال: شيخنا الفاضل! هناك بعض الشباب الملتزم الذي يقول: إنه من ضياع الوقت ومن فضول المطالعة: قراءة أخبار ما يجري في العالم الإسلامي وغيره، وإن من فضول القراءة: قراءة الكتب التي تتحدث عن التيارات المعاصرة.. فما رأيكم في ذلك؟

    الجواب: نحن أشرنا إلى هذا، وكررنا وقلنا: إن من الخطأ أن يعيش الإنسان بعيداً عن واقع أمته، وبعيداً عن الأفكار التي تعصف بأمته.

    المسألة الآن -أيها الإخوة- لم تعد مجرد أن تعرف شيئاً لكي تستطيع أن تحاربه أو لكي تتعرف على ما لا تعرف الآن، فهذا الغزو، وهذه التيارات تصب علينا صباً، وتدخل كل بيت عن طريق التلفزيون، وعن طريق الإذاعة، وعن طريق الصحف، فهي تدخل كل بيت، فليس لأحد خيار فيها: إما أن يستسلم لها أو يقاومها، ولا خيار ثالث لها أبداً، والذين يظنون بابتعادهم عنها أنهم قد تركوها وأهملوها هم في الحقيقة قد استسلموا لها وسلموا لها أنفسهم وأبناءهم وأزواجهم ومجتمعاتهم وهم لا يشعرون، فليس هناك خيار في هذا الشأن.

    حكم تعلم العلوم العلمية

    السؤال: شيخنا الفاضل! ما هو رأيكم في العلوم غير الشرعية: كعلم الكيمياء، وعلم الرياضيات؛ علماً بأن بعض العلماء وبعض المشائخ ينفرون من هذه العلوم؟

    الجواب: العلم نوعان: كما يقسم الآن تقريباً ما يسمى في العرف الحاضر:

    العلوم العلمية: وتشمل الكيمياء والفيزياء وما أشبهها من العلوم.

    والثاني: العلوم الأدبية: وهي علم النفس، وعلم الاجتماع، والعلوم الإنسانية -كما تسمى- والآداب الإنسانية، والإدارة.. الخ.

    أما بالنسبة للعلوم العلمية بالمفهوم المعاصر كالفيزياء والكيمياء وما أشبهها، فهذه نقدر أن نسميها علوم التوحيد أو علوم العقيدة المساعدة، فهي ليست علوم التوحيد الأساسية، فالتوحيد الأساسي معروف، لكن هذه علوم التوحيد المساعدة، فالإنسان الذي يتعلمها ويستطيع أن يضمها إلى ما عرفه من الحق، من علم التوحيد الأساسي، يجد أنها تقوي إيمانه وتعمل على زيادته.

    إذا كنتُ أنا الذي ما أعرف شيئاً، إذا نظرت إلىملكوت السموات والأرض بعيني المجردة في الليل، فإنه يزداد إيماني، فكيف بالفلكي الذي ينظر بالمنظار، ويرى المجرات ويرى المسارات والمدارات والأقمار، ويرى أشياء أخرى؟! لا شك أنه سيزداد إيماناً أكثر منا.

    إذا كنت أرى من خصائص ما أودعه الله في هذا الوجود عجائب، أراها بعيني فأذهل لها، فلا شك أن الأخ الذي في الكيمياء أو في الأحياء يضعها تحت المجهر ويرى من العجائب بالتفصيل ما لا أرى، فإنه أكثر إيماناً مني، وهكذا كل إنسان بحسب ما يعلم، وكل إنسان مأمور أن ينظر إلى الكون، والله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى جعل النظر متاحاً لكل إنسان، حتى أن العامي إذا نظر إلى الإبل استجابة لقوله تعالى: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ [الغاشية:17] بمجرد أن ينظر إليها يعجب من خلقها، وهي عجيبة بلا شك، وصاحب الأحياء وصاحب التشريع ينظر إلى تفاصيل هذا الجمل، فيجد العجب أكثر... وهكذا، فالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى من نعمته وفضله أنه أتاح للإنسان المعرفة، لكن التفصيل -لا شك- أنه أفضل من الإجمال.

    إذا جردت العلوم عن النظريات والتأثيرات الإلحادية فيها، فهي علوم خير وحق وهدى.

    والهندسة -مثلاً- أو الرياضيات أو العلوم البحتة -كما تسمى- هذه أيضاً تحتاج لها الأمة الإسلامية، وقد تكون من فروض الكفاية، ونص على ذلك العلماء منهم شَيْخ الإِسْلامِ رحمه الله.

    فهي من فروض الكفاية؛ لأنه لا يمكن أن نقيم مشاريعنا ومساكننا وحياتنا إلا على أمور هندسية ورياضية، فلا بد منها، ولا يمكن لأحد أن يشكك فيها.

    أما العلوم الأدبية والآداب عموماً -كما تسمى- فهي التي يجب أن تمحص فقرةً فقرةً، وكلمةً كلمةً، فمنها ما يرد جملة، ومنها ما يرد بعضه ويؤخذ بعضه، والمهم أن نأخذها من مأخذ الاستعلاء كما قال تعالى: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:139] ومعيار الحق معنا، نزن به هذه العلوم، ولا يصلح منها إلا ما يثبت صلاحيته، أما العلوم الأخرى تلك، ففي الحقيقة أنها تقبل ويرد منها ما يرى أنه ينافي الأصل.

    معنى قول عمر من لم يعرف الجاهلية لا يعرف الإسلام

    السؤال: شيخنا الكريم! نرجو توضيح قول عمر رضي الله عنه: [[من لم يعرف الجاهلية لا يعرف الإسلام]]، وهل هذا شرط في الدعوة؟

    الجواب: هذه كلمة عظيمة وحكمة جليلة، ولها دلالات كثيرة: منها: أن الإنسان الذي عرف الجاهلية ثم هداه الله بالتوحيد فضلاً من الله ونعمة، حتى تصححت عقيدته ونظراته وموازينه، فاستقام منهجه، فهو لذلك يعرفه حق المعرفة، لأنه عرف الجاهلية وعرف حقارتها، ورذالتها، وانحطاط موازينها وقيمها، وانعكاس تصوراتها.. فلا شك أن من عرف ذلك فإنه يعرف الإسلام أكثر، ولذلك تجدون الشاب الذي كان منحرفاً عاصياً أو كان كافراً ثم أسلم معتزاً بالإسلام وبالطاعة، ويجد من المحبة له في الغالب أكثر من ذلك الذي أخذه بالوراثة ولم يعرف قيمته؛ لأن ذاك ذاق مرارة الشرك وعرف الظلم وعرف الظلمة التي تحيط بالقلب في حال الشرك والبدعة، تجد الإنسان -أيضاً- الذي عاش في البدعة ثم عرف السنة، تجده من أشد الناس تمسكاً بالسنة، فهذا نعيم بن حماد رضي الله عنه -شيخ البخاري- كانوا يقولون له: إنك شديد على الجهمية، قال: لأني كنت منهم!

    كان منهم، فلما عرف الحق وعرف السنة، تمسك بالسنة أشدّ التمسك، فالإنسان بلا شك تزداد عنده قيمة الحق متى عرف الباطل، والشباب المسلم هنا إذا سمع عن أمريكا، وعن التكنولوجيا، والكمبيوتر، وغزو الفضاء، وحرب النجوم، وأشياء مذهلة، فإنه يذهل، فإذا ذهب إلى هناك، ورأى المآسي، ورأى الظلم والانحلال والفساد، فإنه يعتز بواقعنا الحاضر على مافيه من بعد عن الإسلام، ويؤمن بأن واقعنا هذا أفضل من أمريكا مليون مرة، فهذه في الحقيقة من الحكم الصادقة التي يدل عليها الواقع.

    الاختلاف بين الدعاة

    السؤال: شيخنا الفاضل! هناك بعض الدعاة يحذرون من بعضهم، لأنهم خالفوهم في شيء معين، ويقولون فيهم ما ليس فيهم، فما رأيكم في هذا؟

    الجواب: هذه الأمة كما قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عنها: {فتنتها المال وعذابها الفرقة} قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بعض [الأنعام:65] فأما الأولى والثانية فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {أعوذ بوجهك! أعوذ بوجهك! -وأما الثالثة فقال-: هذه أيسر -أو أهون-} فالفرقة واقعة في هذه الأمة منذ أن وضع فيها السيف، وذلك عندما قتل عثمان رضي الله عنه، وهذا من الواقع الذي لا نريده، ولا يرضاه الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، ولا يريده لنا إرادة شرعية، لكنه واقع على أية حال، فإذا وضع السيف في الأمة فإنه لا يرفع إلى يوم القيامة، فما دام واقعاً ونحن لا نريده ولا نرضاه، فيكون واجبنا على نوعين:

    أولاً: أن نعرف -في زحمة هذا الاختلاف- الحق وأن نتبعه، فإن الحق واحد لا يتعدد، والجماعة هي الحق وإن كنت وحدك، كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: [[فإن كان سائر الناس أو معظم الناس قد خالفوا الجماعة، فالجماعة ما وافق الحق..]] هذا أمر.

    الأمر الآخر: أن تكون علاقتي بالآخر -المخالف- مضبوطةً بما شرع الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فقد أرى مخالفاً لي وهو في الحقيقة غير مخالف، وإنما هذا من اختلاف التنوع لا اختلاف التضاد، وهناك فرق بين اختلاف التنوع واختلاف التضاد.

    ونحن قلنا: إن اختلاف التنوع كمثل من اشتغل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذاك اشتغل بالعلم -مثلاً-، توسع هذا في هذا، وتوسع هذا في هذا، فهذا تنوع وليس تضاد، فيجب أن نعرف أن هذا ليس خلافاً، ومن ثم فلا يترتب عليه أيُّ نوع من أنواع العداوة، فعرضه حرام علي، ولا يجوز أن أطعن فيه، وإن رأيت منه أخطاء، فهذا أصلاً يجب التناصح معه في ذلك، وهذا وارد في حق أيّ مسلم، فكيف للداعية؟!

    فيجب علي أن أنصح له، وأن أبين له الحق، وأن أرشده.

    ومن الناس من إذا عرفته وعرفت حقيقة خلافه، وجدت أنه خلاف ناشىء عن جهله ببعض الحق الذي عندي، فهذا واجب أن أبين له ما عندي من الحق، ويجب عليه أن يتسع صدره ليسمع ما عندي، ومن الناس من خلافه خلاف عناد وابتداع -نسأل الله السلامة والعافية- فهذا إذا ثبت أنه يعاند عن علم ويكابر عن الحق، فننظر بحسب المصلحة، قد تكون هناك مصلحة في أن نغض الطرف عنه، وألا نكلمه أصلاً، ولا نتحدث معه بالمرة، وقد تكون المصلحة في أن أهجره، أو أزجره، أو أعاديه، بحسب الحالة، حتى من كان رافضياً، أو خارجياً، أو معتزلياً، أو مؤولاً، أومعطلاً، فحتى هؤلاء كان للسلف الصالح فقه للتعامل معهم، فليسوا على حالة واحدة، وعلى وتيرة واحدة، مع أن الأصل أن يهجروا، ويعزروا، ويؤدبوا... إلى آخره، وإن ذلك يختلف بحسب الحال والظروف، وبحسب ما يحيط بالدعوة عموماً، فلا بد أن تكون الأمور منضبطة، وأنا بهذه المناسبة أقول: إن الأمة التي كتابها واحد، ورسولها واحد، وقبلتها واحدة، ومنهجها واحد، وهو منهج أهل السنة والجماعة، فكيف تختلف؟! وكيف تنشأ الاختلافات بينها؟!

    فيجب أن نتجرد عن الهوى، وإذا تجردنا عن الهوى، وعن حب النفس، وعن الحسد، وعن الغل الذي قد يلقيه الشيطان بين الشباب لبعضهم، فإننا سنجد أنفسنا إخوةً متحابين، كما قال الشاعر:

    وعين الرضا عن كل عيب كليلة     ولكن عين السخط تبدي المساويا

    إذا نظرت إلى أخيك نظرة المحبة -مهما كان فيه من أخطاء- فإنك تتسامح معه فيها، وإذا نظرت إليه نظرة العداوة فإنك لا تقبل محاسنه، بل تصبح محاسنه مساوئ، فيجب علينا أن نصحح هذه النظرة، فالأصل هو الاجتماع لا الافتراق، والأصل هو التعاون لا التنافر والاختلاف، والأصل هو المحبة لا البغضاء.

    ولقد ضرب الله مثلاً عظيماً في سورة يس: قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ [يس:26-27].

    سبحان الله! آذوه ولم يؤمنوا بما قال بعد أن كذبوا بالأنبياء قبله، ومع ذلك لما دخل الجنة، قال: ياليت قومي يعلمون، أي: لو علموا ما أنا فيه من النعيم لآمنوا مثلي، فهو يحب الخير لهم، مع أنهم مخالفون له؛ فكيف بإخوانك المسلمين؟!

    وأنا أقول هنا: إن المهمة تقع على عاتق المربين والموجهين للشباب، فيجب عليهم أن يوجهوا الشباب جميعاً إلى المحبة والائتلاف، وخاصة -كما ذكرت- ما يتعلق باختلاف التنوع الذي لا بد أن يقع؛ لأنه سنة هذه الحياة فيجب أن تتسع له أذهاننا وآفاقنا، وأوسع وأشمل منهج هو منهج أهل السنة والجماعة؛ لأنه هو منهج الإسلام، وهو حقيقة الإسلام الفطري الشامل الذي يتسع لكل النفوس، ولكل الإمكانيات، ولكل التطلعات، فيشبعها جميعاً بلا تنافر وبلا تناقض أو تضاد فيما بينها.

    التعامل مع العصاة

    السؤال: شيخنا الفاضل، قابلت اليوم شاباً، يقول: إنه قد تاب، ويعاتبني بعد مقابلتي كثيراً لعدم نصحي، ومن أخباره السابقة أنه كان يرتكب الفواحش ويتعاطى المخدرات؛ فما رأيكم بمجالسة هؤلاء؟

    الجواب: هذا الموقف يعطينا عبرة عن تقصيرنا في الدعوة إلى الله، فهذا اهتدى وأتى يعاتب أخاه، ويقول: أين كنت؟ وأنا قد كنت أفعل وأفعل، والآن اهتديت، والحمد لله، كثير -والله- أمثال هذا الشاب في المجتمع، وبعضهم -والله- ليس بينه وبين الخير إلا خطوة، ولا حركة ولا خير يُبذلان له، فكيف نتغافل عنهم؟! كيف ننسى هؤلاء؟! وهم أمانة في أعناقنا، صحيح أن الوقت يضيق ومجالات الدعوة واسعة، ولكن يجب أن نتقي الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بحسب الاستطاعة في هؤلاء، بالذات من كان له زميل في السكن أو في الدراسة، أو له جار في الحي، أو كل من كان بالإمكان أن يهدي له الحق أو الخير دون أن يكلفه ذلك شيئاً..

    فنسأل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لهذا الأخ الثبات، إنه سميع مجيب.. كما نسأل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لنا جميعاً أن يبصرنا بالحق، وأن يفقهنا في الدين، وأن يجعلنا هداة مهتدين، والحمد لله رب العالمين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3010160085

    عدد مرات الحفظ

    721873607