إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. علماء ودعاة
  3. محاضرات مفرغة
  4. سفر الحوالي
  5. (قاعدة أهل السنة في معاملة الأمة) لابن تيمية

(قاعدة أهل السنة في معاملة الأمة) لابن تيميةللشيخ : سفر الحوالي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بدأ الشيخ حفظه الله ببيان أهمية هذه الرسالة، ثم بين بعض مظاهر الاختلاف بين أهل السنة وغيرهم من أهل البدع في معاملة المخالف، وحكم الصلاة خلف المبتدع، وقد بيَّن خلال ذلك الميزان الذي يتعامل به أهل السنة مع المخالف، موضحاً حكم المجتهد المخطئ، وحكم المسلم المتأول في القتال والتكفير، وبين أيضاً حكم الفُرقة الواقعة في الأمة، وكيفية التعامل معها وعلاجها.

    1.   

    تعريف برسالة شيخ الإسلام في المعاملة

    الحمد لله القائل في كتابه: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام:153] وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، الذي قال: (تركتكم على مثل البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك) أما بعد...

    فلأهمية الموضوع ولكبر الرسالة نوجز -إن شاء الله تعالى- ما أمكن، والموضوع -في الحقيقة- هو قراءة مع شرحٍ يسير من رسالة لشَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية رحمه الله، ولعموم الفائدة فهذه الرسالة في مجمل اعتقاد السلف، في الجزء الثالث من الفتاوى، وهي رسالة صغيرة في حجمها، ولكنها غنية قيّمة في معناها ومضمونها.

    وهي تبتدئ من (ص278) من الجزء الثالث -كما ذكرنا- والرسالة عنون لها شَيْخ الإِسْلامِ رحمه الله بعنوان ''قاعدة أهل السنة والجماعة والجماعة الاعتصام بالكتاب والسنة وعدم الفرقة'' أو '' قاعدة أهل السنة والجماعة '' وقد يطلق عليها: ''قاعدة أهل السنة في معاملة الأمة'' والمقصود أنها ليست كتاباً مفرداً له اسم مستقل، وإنما هي قاعدة كتبها شَيْخ الإِسْلامِ رحمه الله تعالى في شكل رسالة.

    وجدير بنا في هذا الزمن أن نقرأها، ونفهمها لأسبابٍ كثيرة:

    السبب الأول: أن شَيْخ الإِسْلامِ رحمه الله تعالى إمامٌ، وعالمٌ، وداعيةٌ، ومجاهدٌ موثوق به، ولا يشك في ذلك أحد والحمد لله، وكل أهل السنة والجماعة اليوم في هذا العالم متفقون ومجمعون على جلالته وإمامته وقدره ومكانته وكلامه حجة عندهم في هذه الأمور، وفي كل الأمور والقضايا التي تعرَّض لها رحمه الله تعالى، لا لأنه يأتي بشيءٍ من عنده، ولكن لأنه يؤصل كلامه من كتاب الله وسنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وإجماع السلف، ويدلل عليه.

    والسبب الآخر: هو أن شَيْخ الإِسْلامِ رحمه الله قد عاشر قضايا وأحداثاً هي أشبه ما تكون بما نعيشه نحن اليوم، فقد عاش تلك الأحداث الدامية، التي تسلط فيها التتار على الأمة الإسلامية، وسقطت الخلافة أو ضاعت هيبتها كثيراً، وهي من قبل فاقدة القيمة، وتمزقت الأمة أشتاتاً وأحزاباً وطوائف، وتناحرت من كل جهة، فكان هناك الصليبيون والتتار، وهنالك طوائف الفرق المنتسبة لهذا الدين، وهو منها براء، كـالباطنية وقد كان لـشَيْخ الإِسْلامِ رحمه الله مواقف عظيمة في الرد على الباطنية وغيرهم من الرافضة، وعلماء الكلام، والفلاسفة، وله في ذلك كتب مشهورة معلومة في الرد عليها.

    ومن ناحيةٍ أخرى فيما يتعلق بالتعامل -وهذا أمر مهم جداً- فالوضع الذي كانت فيه الحياة الإسلامية في زمنه رحمه الله، حيث لا يوجد خليفة قوي يضبط الأمة؛ وفي المقابل وجد أمراء أو حكام ينتحلون أو يدعون الدين وهم خارجون على أحكام الشريعة، كما هو الحال في التتار الذين كانوا يحكمون بغداد، وكان هناك أمراء الجور والظلم والفساد كما كان الحال في بلاد الشام ومصر، لكن كانوا على جهادٍ لأولئك المرتدين وأشباههم.

    وهناك أيضاً الطرق وضلالاتها وما تفرع عن ذلك .

    فكان شَيْخ الإِسْلامِ رحمه الله يعيش هذه الأحداث، التي هي -كما قلت- أقرب ما تكون إلى وضعنا الحالي وعصرنا الحاضر، ولذلك فالقاعدة التي كتبها رحمه الله في التعامل مع الأمة، وكيفية تعامل أهل السنة والجماعة مع الأمة، في هذه الحالة الاستثنائية قاعدة عظيمة ومهمة؛ لأننا الآن في الحالة الاستثنائية .

    والحالة الأصلية والحالة الأساس:

    هي أن يكون المسلمون جميعاً أهل سنة وجماعة، وأن يكونوا جماعةً واحدة في كل أمورهم كما أمر الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، لكن هذا غير الواقع في ذلك الزمن وفي هذا الزمن، فنحن -إن شاء الله- سنستعرض هذه الرسالة بإيجاز.

    1.   

    مقدمة الرسالة

    أهمية الاجتماع

    وقد افتتح شَيْخ الإِسْلامِ رحمه الله تعالى رسالته بالآيات العظيمة من سورة آل عمران: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ [آل عمران:102-106].

    فهذه الآيات جعلها في مقدمة الرسالة، ليبين أن الأصل الذي يجب أن يكون عليه المسلمون هو الاجتماع لا الفرقة، والاعتصام بالكتاب والسنة لا البدعة والشذوذ والاختلاف، فهذا هو الأصل.

    ثم عقب على ذلك بالأثر المنقول عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه، قال: ''قال ابن عباس وغيره: [[تبيض وجوه أهل السنة والجماعة وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة]]'' فبين أهمية الاجتماع، وخطر الافتراق من خلال هذه الآيات، وكيف أن هذا الاجتماع في الدنيا على الحق، يورث بياض الوجه يوم القيامة والنعيم عند الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وكيف تورث الفرقة والبدعة والشذوذ والاختلاف تلك النهاية المخزية بين يدي الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وهي اسوداد الوجوه.

    الخوارج فرقة خارجة عن الجماعة

    ثم قال رحمه الله: ''وفي الترمذي عن أبي أمامة الباهلي عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الخوارج: {إنهم كلاب أهل النار} وقرأ هذه الآية: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ [آل عمران:106]'' ثم قال: ''قال الإمام أحمد بن حنبل: صح الحديث في الخوارج من عشرة أوجه'' .

    وقال شَيْخ الإِسْلامِ: ''وقد خرجها مسلم في صحيحه، وخرج البخاري طائفةً منها'' .

    فالإمام مسلم رحمه الله سرد الروايات العشر في قتال الخوارج مرتبةً ومجموعةً ليبين ضلالها وخطرها، وفعل ذلك كثير من أئمة أهل السنة والحمد لله.

    والإمام البخاري رحمه الله روى بعضاً منها، يقول: ''وقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية} وفي رواية: {يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان}'' .

    والخوارج معلوم من السنة ومن واقع التاريخ، وقد ذكر رحمه الله الخوارج عقب ذكر الآيات الدالة على وجوب الاعتصام بالكتاب والسنة لحكمة سيبينها.

    قال: '' والخوارج هم أول من كفَّر المسلمين، يُكفّرون بالذنوب، ويكفرون من خالفهم في بدعتهم، ويستحلون دمه وماله'' فهذا جانب، والجانب الآخر أنها أيضاً أول بدعة، وأول فرقة حدثت في الإسلام، ومعها قرينتها الرافضة الشيعة .

    1.   

    صفات أهل البدع وأهل السنة

    هذه الصفات نأتي بها مفصلة .

    تكفير أهل البدع لمخالفهم

    يقول: '' وهذه حال أهل البدع '' فيضع رحمه الله معلماً بين أهل السنة وبين أهل البدعة في التعامل، يقول: ''وهذه حال أهل البدع، يبتدعون بدعة، ويكفرون من خالفهم فيها'' فهم الذين وضعوها، ومن خالفهم فيها كفروه، ولهذا لا توجد طائفة من طوائف أهل البدع إلا وتتفرق وتتمزق إلى طوائف وفئات أخرى، لأن الذي أباح للأول أن يؤسس بدعة، ثم يجمع الناس عليها، ويوالي ويعادي فيها، قد يوجد عند رجل آخر، فيؤسس بدعةً جديدة ثم يوالي ويعادي فيها، فَلِمَ كان حقاً للأول، وليس حقاً لمن بعده؟!

    ومن هنا تفرقت الرافضة فرقاً كثيرة، وتفرقت الخوارج فرقاً كثيرة، وتفرقت الصوفية إلى طرق كثيرة، وهذه هي السبل التي نهى الله تبارك وتعالى عن اتباعها.

    رحمة أهل السنة بالخلق واتباعهم الحق

    يقول: ''وأهل السنة والجماعة يتبعون الكتاب والسنة، ويطيعون الله ورسوله'' فلا يؤسسون من عندهم أصولهم، وإنما يتبعون كتاب الله وسنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولهذا هم في جميع العصور جماعةٌ واحدة.

    بل تجدون العجب العجاب لما ظهرت فتنة الخوارج كان الإجماع ضدها في كل البلاد، وكذلك لما ظهرت فتنة الروافض، ولما ظهرت فتنة الباطنية، أو لما ظهر القول بخلق القرآن، وأهل السنة منتشرون من الأندلس إلى خراسان إلى بلاد الهند وفي بلاد فارس وأواسط آسيا، وفي هضبة الآناضول، وفي مصر، وفي أفريقيا، وكلهم كلمتهم واحدة في هذه المسألة وفي غيرها.

    فاتفقوا على كلمة واحدة رغم تباعدهم وعدم تلاقي أجسادهم؛ لأن المنبع واحد، والمشرب واحد، والمعتصم به واحد، وهذا يجعلهم أمة واحدة في جميع العصور، وفي جميع المواقف.

    قال: ''فيتبعون الحق ويرحمون الخلق'' فهم يتبعون الحق الذي هو كتاب الله وسنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ويرحمون الخلق لأن أرحم الناس بالناس هم أهل السنة والجماعة، ومن ظن أن الأمر غير ذلك فقد ظلم نفسه، حتى عندما قاتلوا الخوارج وغيرهم، فإنما قاتلوهم للقضاء على فتنتهم، ورحمةً بالأمة من شرهم، وليهتدي من يهتدي منهم .

    ولهذا فإنهم عندما يقاتلون فئةً وهي خارجة -لكنها ليست خارجة عن الدين- كما فعلوا في قتال الخوارج -مثلاً- فإنهم لا يجهزون على جريح ولا يتبعون مدبراً، ولا يقطعون سبيلاً، إنما القتال هو نفسه قتال رحمة، كما سيأتي تفصيل معاملتهم -إن شاء الله- في قتال أهل البدعة، حتى وهم يقاتلون أهل البدعة، فإنهم يعاملونهم بمعاملة شرعية منصفة فيها الرحمة.

    تعامل الصحابة مع بدعة الخوارج

    ثم قال رحمه الله في الحديث عن بداية السبب الثاني أو التوطئة الثانية لموضوع الفرقة، قال: ''وأول بدعةٍ حدثت في الإسلام بدعة الخوارج والشيعة، حدثتا في أثناء خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، فعاقب الطائفتين، أما الخوارج فقاتلوه فقاتلهم'' وهنا لم يغز علي رضي الله عنه الخوارج ولم يبدأهم بقتال، مع أنهم اجتمعوا على هذه البدعة، وقال لأصحابه: [[دعوهم حتى يسفكوا الدم]] وقصتهم مشهورة معروفة، فلما لقوا عبد الله بن خباب رضي الله تعالى عنه أضجعوه وذبحوه، وبقروا بطن الجارية، فحينئذٍ سفكوا الدم الحرام فاستحقوا أن يقاتلوا.

    أما قبل ذلك فقد كانوا يرفعون أصواتهم بالصياح في جنبات المسجد، وهو على المنبر في الكوفة رضي الله تعالى عنه يخطب، ويقولون: لا حكم إلا لله، لا حكم إلا لله، اعتراضاً على موقف التحكيم، ومع ذلك لم يعاقبهم بشيء، بل قال: [[إن لكم علينا ألا نمنعكم مساجد الله، وألا نمنعكم مال الله]] يعني: الفيء الذي هو حظهم من بيت المال؛ فيأخذونه ولا يمنعون منه، فأعطاهم هذه الحقوق، لكن قال: [[حتى يسفكوا الدم، وإنهم لفاعلون]] فلما سفكوا الدم وتجمعوا، وأمّروا أميراً عليهم، وأصبحت لهم شوكة وولاية مستقلة عن إمارة المؤمنين قاتلهم، مع أن من حقه من أول مرة أن يقتل أو أن يقاتل، ولكن حتى وهو أمير المؤمنين -وهذا حق شرعي له- لم يسر في ابتداء قتالهم ولا في معاملتهم أثناء القتال -كما أشرنا آنفاً- إلا على وفق أصول شرعية منضبطة، وهكذا يجب أن تكون المعاملة للأمة في كل شيء.

    قال: ''وأما الشيعة فحرق غاليتهم بالنار، وطلب قتل عبد الله بن سبأ فهرب منه، وأمر بجلد من يُفضِّله علىأبي بكر وعمر حد الفرية ثمانين جلدة '' لأنه افترى عندما فضّله علىأبي بكر أو عمر .

    ثم قال: ''ورُوي عنه من وجوه كثيرة أنه قال: [[خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر]] ورواه عنه البخاري في صحيحه '' وهذا أمرٌ معلوم عنه رضي الله تعالى عنه وعن الشيخين، ثم ذكر وجوب الاعتصام بالكتاب والسنة، وبيّن أن أول بدعة حدثت في الإسلام هي بدعة الخوارج وكيف كان تعامل الصحابة معهم رغم أنهم يكفرون المسلمين.

    من صفات أهل السنة أنهم لا يتركون الجمع والجماعات

    قال رحمه الله: ''ومن أصول أهل السنة والجماعة أنهم يصلون الجمع والأعياد والجماعات -لا يدعون الجمعة والجماعة كما فعل أهل البدع من الرافضة وغيرهم- فإن كان الإمام مستوراً لم يظهر منه بدعة ولا فجور صُلّي خلفه الجمعة والجماعة باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم من أئمة المسلمين'' .

    وهذه قاعدة عظيمة من قواعد أهل السنة في التعامل مع الأئمة، وهي أنهم لا يدعون الجمعة والجماعة، وذلك لأن هذه الشعائر العظيمة، هي دليل اجتماع المسلمين، وقوة شوكتهم، ومهابتهم تعظم وتقع في عيون أعدائهم بقدر ما تحيا هذه الشعائر، فمن أعظم العلامات الدالة على إسلام أي مدينة أو بلدة أو عدم ذلك هو اجتماع الناس في المساجد للصلاة، وللجمعة، وللجماعة.

    1.   

    حكم الصلاة خلف المستور والمبتدع

    وما سبق تقديم بين يدي موضوع معاملة الأئمة في الصلاة، وما يتعلق بالصلاة خلف مجهول الحال أو المستور، أو خلف المبتدع وما يتعلق بذلك من أحكام، فقدم له -أيضاً- بتقدمة تدل على فقهه وحكمته رحمه الله، وهي أن الفرقة أو الطائفة التي عندها هذا أصل وهو عدم حضور الجمعة والجماعات هي الرافضة، وليس أحد من أهل السنة يرضى أن يشابههم، أو أن ينتسب إليهم، أو أن يكون مثلهم في أي شيء .

    وهؤلاء الرافضة -بمناسبة ذكرهم- شبهتهم في ترك الجمعة والجماعات، أن هذه العبادات لا تصح إلا خلف الإمام الحق الوصي، ولما كان الأئمة موجودين كانوا مستضعفين، ولم يكونوا حاكمين ولا ظاهرين، فمن بعد الحسن رضي الله تعالى عنه ما بقي لهم إمام ظاهر موجود، يحكم الأمة، فلما اختفى الإمام في السرداب ولم يوجد للأمة إمام إذاً تترك الأمة الجمعة والجماعة والأعياد حتى يظهر الإمام، فربطوا هذه العبادات -كشأنهم في أكثر عباداتهم- بوجود الإمام المعصوم، الذي هو الوصي الذي تم اختياره وترشيحه، أو خلافته، وإمامته من الله -كما يزعمون- ولهذا فصلاة الجمعة عند الرافضة إنما استحبها بعض أئمتهم، وقال بعضهم: إنما تصلي من أجل المصلحة حتى يجتمع الناس فقط، ولكن لا يدينون الله تعالى بها على أنها فرض عين، كما يفعل أهل السنة والجماعة.

    الصلاة خلف المستور

    والمقصود بقوله: '' فإن كان الإمام مستوراً لم يظهر منه بدعة، ولا فجور، صُلِّي خلفه باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم من أئمة المسلمين''.

    ثم أوضح ذلك فقال: ''ولم يقل أحدٌ من الأئمة إنه لا تجوز الصلاة إلا خلف من علم باطن أمره'' أما الخوارج فإنهم كانوا يمتحنون الناس حتى إنهم يتلقونهم في الطرقات، فإذا لقوا أحداً امتحنوه: ما تقول في كذا؟ ما تقول في كذا؟ فإن أعلن الولاء والبراء على حسب عقيدتهم وإلا قتل أو عوقب بأي عقاب.

    ولما سيطرت المعتزلة أيضاً في دولة المأمون كانوا يمتحنون الناس؛ فامتحنوا العلماء والقضاة بل والعامة، حتى كانوا لا يعقدون لرجل على امرأة، إلا إذا أقر بأن القرآن مخلوق!! وهذا امتحان .

    فهذا ليس من أصول أهل السنة والجماعة على الإطلاق، وكما قال رحمه الله: أنه لم يقل أحد من الأئمة إنه لا تجوز الصلاة إلا خلف من علم باطن أمره بحيث إنك تعلم أنه من أهل السنة في الباطن، بل هذا خلاف القاعدة، والأصل هو أن من كان من أهل السنة في الظاهر فهو منهم في الباطن، ولم نؤمر بأن نشق عن قلوب الناس.

    الصلاة خلف المبتدع

    يقول: ''بل ما زال المسلمون من بعد نبيهم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلون خلف المسلم المستور، ولكن إذا ظهر من المصلي -الإمام- بدعة أو فجور، وأمكن الصلاة خلف من يعلم أنه مبتدع أو فاسق مع إمكان الصلاة خلف غيره'' هنا العبارة مرتبكة، والمقصود منها أنه إذا كان هناك إمام يظهر منه بدعة وفجور، وأمكن للمأموم أن يؤدي الصلاة خلف غيره: '' فأكثر أهل العلم يصححون صلاة المأموم'' أي: إذا كان الإمام مبتدعاً أو فاسقاً أو ظهر منه فجور، وأنت في بلد السنة فيه ظاهرة فتستطيع أن تدع هذا المبتدع وتصلي خلف السني، أو تدع هذا الفاجر وتصلي خلف التقي -وكل ذلك بالظاهر، والسرائر توكل وترجع إلى الله- فحكم الإنسان الذي يتهاون في هذا الأمر ويصلي خلف هذا المبتدع أو خلف هذا الفاجر أن صلاته صحيحة عند أكثر أهل العلم.

    وكلامنا هنا هو في صحة الصلاة أو بطلانها، وليس في مسألة الوقوع في الإثم، فإن الذي يترك الصلاة خلف التقي أو السني مع إمكانها فإنه آثم، ولم يذكره لأنه معلوم، ولذا نقول له: لا تصل خلف المبتدع، أما ما وقع فهو صحيح مع إثمه، لتفريطه في ترك الصلاة خلف من يمكن أن يصلي خلفه ممن هو بريء من هذا.

    ثم يقول: ''هذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة وهو أحد القولين في مذهب مالك وأحمد، وأما -وهذه الحالة الأخرى- إذا لم يمكن الصلاة إلا خلف المبتدع أو الفاجر كالجمعة التي إمامها مبتدع أو فاجر وليس هناك جمعة أخرى'' هذا لو كان في بلد وليس فيه إلا جمعة واحدة والإمام فاجر أو مبتدع، قال: ''فهذه تصلى خلف المبتدع والفاجر عند عامة أهل السنة والجماعة '' فلا يتركها، بل يصلي خلفه، ولا تعني الصلاة خلفه الثناء عليه، بل لا تعني إقراره، بل لا تعني عدم المطالبة بتغييره، لكن المقصود الآن هو: هل يترك الجمعة والجماعة أم يصلي خلفه؟ ومع ذلك فيجب على أهل السنة أن يغيروا هذه البدعة، وأن يغيروا هذا المنكر، وأن يتعاونوا على إزالته ما أمكن، وسوف نفصل -إن شاء الله- أنواع البلاد عندما نتحدث بعد قليل.

    ثم يقول: ''وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد ومالك وغيرهم من أئمة أهل السنة بلا خلاف عندهم، وكان بعض الناس إذا كثرت الأهواء يحب ألا يصلي إلا خلف من يعرفه على سبيل الاستحباب، كما نقل ذلك عن أحمد أنه ذكر ذلك لمن سأله، ولم يقل أحمد إنه لا تصح الصلاة إلا خلف من أعرف حاله'' .

    فمثلاً: هناك إنسان تعرفه أنه من أهل السنة، وآخر تعرف حاله أنه من أهل البدعة، وهناك إنسان مستور لا تعرف حاله، لا من أهل السنة ولا من أهل البدعة.

    فهذا المستور قلنا: بالاتفاق تصح الصلاة خلفه، وأيضاً من يعلم أنه من أهل السنة فبالاتفاق تصح الصلاة خلفه، بل على استحباب أو وجوب ذلك، بحسب الظروف والأحوال، أما هذا الذي يعرف أنه مبتدع، فهذا الذي فيه التفصيل:

    فالإمام أحمد رحمه الله استحب لمن سأله ألا يصلي إلا خلف من يعرف حاله، ولكن هذا في حالة كثرة الأهواء والضلالات، فهو يحثه على أن يتحرى في ذلك، وهذه المسألة منقولة عن الإمام أحمد رحمه الله على سبيل الاستحباب، ومعنى ذلك أن الصلاة لا تبطل.

    مذهب المرازقة

    وهنا نأتي إلى قضية تاريخية، وهو أن بعض الناس كانوا يرون أن الصلاة لا تصح، وهي الطائفة المسماة بـالمرازقة، وهي في الحقيقة فرقة صوفية، لكن كانت قريبة إلى السنة، وهم أتباع أبي عمرو بن مرزوق، وهذه الطائفة لها ذكر في التأريخ، حيث كان أبو عمرو عثمان بن مرزوق من الدعاة، ومربٍ من المربين، جمع حوله أتباعاً كثيرين، وكان يعيش في ظل الدولة الباطنية التي تسمى الفاطمية -على كفرها وضلالها- فكان لا بد للدعاة والعلماء أن يجمعوا الناس حولهم، ليبقى لـأهل السنة وجود وشوكة وقوة، فوجد مثل هؤلاء الدعاة الذي جمعوا حولهم بعض الأتباع، ومنهم أبو عمرو عثمان بن مرزوق وكان مشهوراً بالصلاح والعبادة عند الناس، فاجتمع حوله كثير من الناس، على ما في منهجه من خلل وتصوف.

    والمهم أنهم اجتمعوا فكأن أبا عمرو بن مرزوق استند إلى ما نقل عن الإمام أحمد في هذا الشأن، وهو التحري خلف من يصلى خلفه، فرأى أنهم يعيشون في ظل دولة باطنية زنادقة ملاحدة، فماذا حصل؟

    يقول: ''ولما قدم أبو عمرو عثمان بن مرزوق إلى ديار مصر، وكان ملوكها في ذلك الزمان مظهرين للتشيع؛ وكانوا باطنية ملاحدة، وكان بسبب ذلك قد كثرت البدع، وظهرت في الديار المصرية، أمر أصحابه ألا يصلوا إلا خلف من يعرفونه'' .

    فقال لهم: انتبهوا، هؤلاء باطنية، وأئمتهم باطنية.

    وكانوا -عياذاً بالله- يقولون: من لعن وسب؛ فله كيلة وإردب، أي أنهم كانوا يتعبدون بشتم ولعن الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما، وكانوا من فوق المنابر يلعنون، فقالوا: كيف نصلي خلف إمام يلعن أبا بكر وعمر؟! مع أنه قد لا يلعنهم أو قد يلعنهم تقية لأن الدولة فرضت ذلك عليهم، وهذه من الفتن -نعوذ بالله- كما يقولون: فتنة عمياء، فقال لهم: لا تصلوا إلا خلف من تعرفون عقيدته، وأنه بريء من هذه البدعة، ومن هذه الضلالات.

    يقول: شَيْخ الإِسْلامِ رحمه الله: ''ثم بعد موته فتحها ملوك السنة مثل صلاح الدين، وظهرت فيها كلمة السنة المخالفة للـرافضة، ثم صار العلم والسنة يكثر بها ويظهر'' .

    لكن مع ذلك بقيت طائفة المرازقة على القاعدة أيام الشيخ .

    وهذه مشكلة كثير من الدعوات الإسلامية مع الأسف الشديد، فما يؤصله الشيخ يبقون عليه، مع أنه قد تغيرت الأحوال وتطورت من خير إلى شر، أو من شر إلى خير، فـالمرازقة بقوا على كلام الشيخ أنهم لا يصلون حتى يعرفوا عقيدة من يصلون خلفه، بل قد يمتحنونه: ما رأيك في الصفات؟ وما رأيك في القدر؟ وما رأيك في الشيخ أبي عمرو بن مرزوق؟ وما رأيك في كذا؟ حتى يتأكدوا أن عقيدته موافقة لعقيدتهم، وسلوكه موافق لسلوكهم؛ فيصلون خلفه، فصارت بدعة منسوبة إلى السنة وإلى الإمام أحمد.

    فـشَيْخ الإِسْلامِ رحمه الله يقول: الحال اختلف، فقد كان الشيخ أبو عمرو عثمان بن مرزوق أيام غلبة الباطنية الملاحدة، فلما ذهبت دولتهم وجاءت دولة السنة أيام صلاح الدين وألغى لعن الشيخين وسبهما، وظهرت شعائر السنة، انتفى ذلك الأمر، فلم يعد لهم مبرر.

    1.   

    أقسام المدن والأمصار بدعةً وسنةً

    وهنا نقول: من هذا الكلام ومما بعده نستنتج أن المدائن أو الأمصار على ثلاثة أصناف:

    المدن والأمصار التي يغلب عليها الشرك الأكبر

    الصنف الأول: المدن والأمصار التي يغلب عليها الشرك الأكبر والبدع المكفرة، كبدعة هؤلاء الباطنيين وأمثالهم، فإذا غلبت على بلد من البلدان وظهرت وانتشرت، وكان أئمته منهم، فإن حكم الصلاة حينئذٍ أنها لا تصح، فلا يجب على أهل السنة أن يصلوا خلفهم؛ لأن الأصل هو الوجوب، بل أقول: لا تصح الصلاة خلف المعين المعلوم أنه من هذه الفرقة الكافرة المرتدة وإن كانوا ينتحلون الإسلام ويدعونه، وعلى أهل السنة في هذه الحالة أن يصلوا وحدهم إن استطاعوا، فإن لم يستطيعوا كأن تكون الغلبة لأهل الشر، فيصلون من غير جمعة ولا جماعة، فلو كان واحداً فإنه يصلي وحده، أو متفرقين صلوا فرادى فإنه لا يجب عليهم في هذه الحالة أن يصلوا خلفهم؛ لأن صلاتهم باطلة.

    والقاعدة تقول: من كانت صلاته باطلة في ذاتها فصلاة المأموم خلفه باطلة، فلا يجوز له أن يصلي خلفه، وبطلانها؛ لأن البدعة مكفرة حيث أن هذا باطني أو مشرك مظهر للشرك الأكبر علانية، فهؤلاء لا يجوز الصلاة خلفهم، ولا تصح.

    المدن والأمصار التي يغلب عليها أهل السنة

    الصنف الثاني: وهي مدن أهل السنة، أي: المدن أو الأمصار التي يغلب عليها أهل السنة وتظهر السنة فيها، وهذه هي التي فصّل القول فيها ها هنا، وسيتعرض لها -وقد ذكرنا بعضاً منها- وهو أنك تصلي خلف الأئمة جميعاً، ولا تقول: هذا لا أعرفه حتى تتيقن أنه من غير أهل السنة، بل لا بد أن يكون لك يقين أن هذا الإمام فيه بدعة مكفرة تنقله عن الدين، أما غير ذلك فالأصل هو صحة الصلاة خلفه، وإن كان فاجراً، وإن كان صاحب بدعة -كما ذكرنا من قبل- ولم يمكن الصلاة خلف غيره، ولو كان صاحب بدعة وأمكن الصلاة خلف غيره فهذا يترك.

    المدن والأمصار التي اجتمع فيها أهل السنة وأهل البدعة

    أما الحالة الثالثة: إذا كان البلد أو المصر مختلطاً من أهل سنة ومن غيره من البدع، ففي هذه الحالة يكون الأصل هو التحري، كما لو كان بلداً نصف سكانه من الروافض أو الخوارج، والنصف الآخر من أهل السنة، فيجب على أهل السنة أن يتحروا ولا يصلوا إلا خلف من كان إماماً مثلهم من أهل السنة.

    حكم الصلاة في تلك الأمصار خلف المرء أو عليه

    ثم يقول رحمه الله: ''فالصلاة خلف المستور جائزة باتفاق علماء المسلمين، ومن قال: إن الصلاة محرمة أو باطلة خلف من لا يعرف حاله، فقد خالف إجماع أهل السنة والجماعة '' وهنا ننبه إلى مسألة هامة: وهي أن حكم الصلاة خلفه مثلها -أيضاً- حكم الصلاة عليه، فأي جنازة تقدم في مصر من أمصار المسلمين فالأصل أنه يصلى عليه، إذا كان في مصر غلبت السنة عليه، أو لم يعلم يقيناً أن هذا الرجل من الفرق -أو من الناس- المرتدين، فإن علمت حاله يقيناً أنه مرتد؛ فلا يجوز أن تصلي عليه.

    وهذه ينشأ عنها قضية أخرى، وهي: إذا علمت أنه مرتد ولا يجوز لي أن أصلي عليه، فهل يجب عليَّ أن أقول للناس: لا تصلوا عليه؟ الأولى أن نقول: هذه مسألة أخرى، وهذه تتعلق بالمصالح والمفاسد وما يترتب على ذلك؛ لأن الأصل أن الحكم مناط بالمصلحة أو المفسدة، كما فصل -رحمه الله- في هذه الرسالة، وهناك أدلة كثيرة، لكن نكتفي بذكر واحد منها -فقط- وهو القصة المشهورة الصحيحة: قصة عمر مع حذيفة رضي الله تعالى عنهما.

    حيث كان عمر رضي الله عنه ينظر إلى حذيفة فإن صلّى على الجنازة صلّى، وإن لم يفعل لم يفعل؛ لأن حذيفة رضي الله تعالى عنه يعلم المنافقين بأعيانهم، وقد أطلعه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على أعيانهم، لكن مع ذلك لم يقل حذيفة: يا أصحاب رسول الله! هؤلاء المنافقون لا تصلوا عليه، وكذا عمر وهو أمير المؤمنين لم يأمر الناس بذلك، وإنما هو بنفسه لم يفعل.

    والحقيقة أن الرسالة عظيمة وقيمة، لكن أقول: هناك قضايا لا بأس أن نبسطها، وهي قضايا مهمة جداً، تدل على حكمة الدعوة وحكمة المعاملة، وشَيْخ الإِسْلامِ في رسالة الحسبة ورسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفي رسائل كثيرة بسط هذه المسألة، بل هي ظاهرة في السنة كظهور الشمس لمن أراد الحق وتبينه .

    فـعمر أمير المؤمنين رضي الله تعالى عنه، ومع قوته في الحق التي لا تخفى، وهو الذي لم يرفع المبتدعة رأساً في زمنه، ولم يستطع الخوارج ولا الشيعة ولا غيرهم أن يرفع رأسه في زمنه، لقوته في الحق رضي الله تعالى عنه كان يستطيع أن يقول للناس: لا تصلوا، فكيف يقتصر على نفسه هو ولم ينه غيره؟ وذلك لأن هذا الأمر فيه سعة، فصلاتك عليه أنت تؤجر عليها لأنك صليت وامتثلت أمر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا تعني صلاتك عليه: شهادتك له بالإيمان.

    وحتى لو شهدت له وقلت: هذا رجل مؤمن -مثلاً- مع أنه رجل باطني مرتد، أو رافضي وأنت شهدت أنه مؤمن على ما ظهر لك فإن الله لا يؤاخذك على ذلك! وسيأتي المصنف بالشواهد الكثيرة .

    والشاهد أن الصلاة صحيحة خلف مستور الحال، وكذا الصلاة عليه.

    بل ذهب الأئمة في كتب الفقه إلى أبعد من ذلك، كما في المغني والمجموع للـنووي أنه لو قتل في المعركة واختلط أموات الكفار بشهداء المسلمين، قال بعض العلماء: يغسل الجميع ويكفن الجميع، ويصلى على الجميع، وقيل: يصلى عليهم واحداً واحداً، قالوا: وذلك تغليباً لجانب الإسلام.

    والكلام معروف في أن الشهداء لا يصلى عليهم، لكن قد يكون قتال فتنة، وقد يكون دماراً أو زلزالاً .

    المهم إذا قتل مجموعة، واختلطت جثث الكفار بجثث المسلمين في غرق أو حريق أو أي شيء آخر.

    والمقصود أن الأئمة نظرتهم كلهم نظرة تغليب الإيمان، ولم يقل أحد أن الجميع يدفنون بلا صلاة ولا كفن لوجود كفار بين هؤلاء المسلمين. مع أنه قد يكون في المسلمين -والله أعلم- من نعلم حقيقته في الباطن أنه مرتد، لكن يجب علينا أن نعامله بالظاهر، ولم يكلفنا الله تعالى بغير ذلك، ولا يحاسبنا على غير ذلك، وإن أخطأ أحد فنسب مؤمناً إلى النفاق أو الردة، أو أخطأ فنسب مرتداً إلى الإسلام مجتهداً مخطئاً؛ فهذا لا مؤاخذة عليه، والأدلة الصحيحة على ذلك كثيرة، وسيأتي بعض منها -إن شاء الله- هنا.

    صلاة الصحابة خلف الفجرة والظلمة

    ثم يقول: ''وقد كان الصحابة رضي الله تعالى عليهم يصلون خلف من يعرفون فجوره'' أي ليس فقط من لا يعرفون حاله، بل صلوا خلف من يعرفون فجوره كما صلى عبد الله بن مسعود وغيره من الصحابة خلف الوليد بن عقبة بن أبي معيط وكان قد شرب الخمر، وصلى الصبح أربعاً وجلده عثمان بن عفان على ذلك، وقصة الوليد بن عقبة مشهورة في التاريخ، وجَلْدُ عثمان بن عفان رضي الله عنه له مشهور في التواريخ، وبعض الناس يطعن في صحتها على أساس أنه كيف يصلي الصحابة أربع ركعات خلف إنسان سكران، وكيف يصلون الفجر أربع ركعات؟!

    فأقول: لا يلزم من يصححها أن الصحابة صلوا الفجر أربع ركعات، لأن الإمام إذا قام خطأ، فإنه لا يتابع في ذلك، بل ينتظرونه حتى يكمل الركعة، ولهذا قال لهم: أزيدكم! حتى قال عبد الله بن مسعود: ما زلنا في زيادة منذ اليوم.

    فلا يلزم بطلان القصة من جهة متنها، وإنما من جهة السند، وهذا شيء آخر راجع إلى اختلاف العلماء في هذه الأمور من الناحية الحكمية، لكن شَيْخ الإِسْلامِ كرر الاستدلال بها أكثر من مرة بناءً على أن كثيراً من الفقهاء استدلوا بها كدليل معتمد أو كدليل استئناس، والمهم أن فقهاء المذاهب الأربعة لا يعتمدون على هذا الدليل وحده، لكن مذهبهم من مجموع الأدلة هو: صحة الصلاة خلف الفاسق.

    قال: ''وكان عبد الله بن عمر وغيره من الصحابة يصلون خلف الحجاج بن يوسف -وهذه الواقعة متفق على صحتها لا ينازع في ذلك أحد- وكان الصحابة والتابعون يصلون خلف ابن أبي عبيد -المختار ابن أبي عبيد كذاب ثقيف- وكان متهماً بالإلحاد وداعياً إلى الضلال'' .

    ولعل قائلاً يقول: كيف يصلون وهم أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كـعبد الله بن عمر وأنس بن مالك وعبد الله بن مسعود وأمثالهم خلف هؤلاء؟

    فنقول: هؤلاء مع ظهور بدعتهم أو ضلالتهم أو فجورهم ليسوا مجرد أئمة صلاة، وإنما كانوا أئمة حكم أو نواب عن أئمة الحكم، فهنا لو لم يصلوا خلفهم لحدثت فتنة عظيمة.

    والمختار بن أبي عبيد الكذاب الذي من ضلالته قيل: إنه ادعى النبوة وما أشبه ذلك، ونقل تكفيره عن كثير ممن عاصره، هذا المختار ما كان ينتحل ويدعي الكفر ويظهره، إنما كان يقول: إنه داعية إلى أهل البيت، وأن الإمام الحقيقي هو محمد بن الحنفية- محمد بن علي بن أبي طالب، لكن يقال له: ابن الحنفية لأن أمه ليست فاطمة رضي الله تعالى عنها، وإنما أمه امرأة من بني حنيفة- فـمحمد بن الحنفية كان المختار يدعي أنه هو الإمام.

    وكثير من الأمة يقولون: إن محمد بن الحنفية أفضل من بني أمية، ومن المؤلم جداً أنه في سنة (60 أو61) هـ حج الناس تحت ألوية ثلاثة أمراء في وقت واحد، فوقفوا بعرفات ثلاثة ألوية، لواء لـابن الزبير، ولواء لبني أمية، ولواء لـمحمد بن الحنفية، وكانت الفُرقة عظيمة، فلم يشأ الصحابة أن تزداد فرأوا أن يصلوا خلف هؤلاء حتى يفرج الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عن الأمة، ويأتي بإمام يجمع شملها، وقد اجتمع شملها بعد ذلك، والمقصود هو المصلحة، فحيث كانت المصلحة راجحة وترك الفتنة هو الأرجح وهو الأولى دائماً أخذ بها.

    1.   

    العذر بالخطأ

    يقول: ''ولا يجوز تكفير المسلم بذنب فعله، ولا بخطأ أخطأ فيه، كالمسائل التي تنازع فيها أهل القبلة، فإن الله تعالى قال: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة:285].

    وقد ثبت في الصحيح أن الله تعالى أجاب هذا الدعاء وغفر للمؤمنين خطأهم'' قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (قال الله تعالى: قد فعلت) فغفر الله تبارك وتعالى لهذه الأمة الخطأ والنسيان، فهي غير مؤاخذة به.

    التكفير في المسائل الخلافية

    ولذلك لا يجوز تكفير المسلم بما فعله من الذنوب التي هي دون الشرك أو الكفر، ولا يجوز تكفيره بخطأٍ أخطأ فيه وإن كان في المسائل العلمية؛ حتى مما له علاقة في أمور الاعتقاد، وهذا فيما تنازع فيه أهل القبلة فمن نازع في المرتبة الأولى من مراتب القدر -وهي مرتبة العلم- فهو كافر بالاتفاق.

    إذاً هذه مسألة لا تحتاج إلى اجتهاد؛ لكن من نازع في مسألة خلق أفعال العباد فقال: إن العباد هم الذين يخلقون أفعالهم فقد يكون مبتدعاً ضالاً، وقد يكون مخطئاً؛ إذا ظن أن النصوص تدل على ذلك، فلا يخرج عن أهل السنة والجماعة إذا لم يتبع غيرها لا فلسفةً أو منطقاً، أو كلام يونان، أو كلام واصل بن عطاء، أو عمرو بن عبيد، لكن اجتهد وظن أن المسألة موضع اجتهاد، وفهم بعض الأحاديث على غير ظاهرها ووجهها، فقال قولاً في هذه المسألة وما أشبهها، وإذا بهذا القول موافق لما تقوله المعتزلة، أو لما يقوله نفاة الصفات أو غيرهم.

    فنقول: هذا السني الذي هو من أهل السنة في منهجه وفي دعوته، ولكن أخطأ فوافق أهل البدعة لا يخرج من أهل السنة، ولا يؤاخذ، وهو الذي جاءت الآية والأحاديث فيه أنه لا يؤاخذ، لكن لا يتابع ولا يقر على ذلك.

    وهذه مسألة أخرى، فهو لا يقر على خطئه، ولا يقال: لا أحد يرد عليه، أو يبين خطأه، ومن ذلك أن أهل السنة والجماعة مجمعون على أن الإيمان قول وعمل، ومرجئة الفقهاء قالوا: إن الإيمان هو التصديق والإقرار باللسان، وأن الأعمال لوازم وثمرات ولا تدخل في حقيقته، فلا يخرجهم ذلك من الملة، ولا يجوز أن يكفروا به.. وهكذا.

    وقد يخطئ مخطئ من أهل السنة فيجتهد فيقرّب بين وجهتي النظر، أو يرجح مذهب الفقهاء ويكون مخطئاً، ولا يقال عنه إلا أنه مخطئ، ويرد عليه، ويرد إلى الحق حسب الحكمة، ومراعاة الضوابط.

    معاملة الصحابة للخوارج

    ثم يقول: '' والخوارج المارقون الذين أمر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقتالهم، قاتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أحد الخلفاء الراشدين، واتفق على قتالهم أئمة الدين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ولم يكفرهم علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وغيرهما من الصحابة، بل جعلوهم مسلمين مع قتالهم، ولم يقاتلهم حتى سفكوا الدم الحرام، وأغاروا على أموال المسلمين، فقاتلهم لدفع ظلمهم وبغيهم، لا لأنهم كفار، ولهذا لم يسب حريمهم، ولم يغنم أموالهم'' .

    وهؤلاء الذين ورد النص صريحاً في قتالهم، فـعلي رضي الله عنه يأمره أصحابه ويقول: ابحثوا عن ذي الثدية، فيقولوا: ما وجدناه، قال: والله ما كذبت ولا كُذبت، ويأمرهم بالبحث عنه، وهو رجل -كما في الحديث- له مثل الثدي في يده، فبحثوا حتى وجدوه تحت الجثث فجاءوا به.

    فالمقصود أنه مع وضوح قتالهم كالشمس في رابعة النهار، ومع ورود أنهم يمرقون من الدين، وأن صلاتهم وصيامهم لا تنفعهم، وأنهم كلاب أهل النار، وهذه أوصاف نصية قطعية، مع ذلك عوملوا معاملة المسلمين في أحكام القتال، فلم يقاتلوا حتى اجتمعوا وأمرُّوا أميراً فخرجوا عن الجماعة، ثم سفكوا الدم الحرام، ثم لما قوتلوا لم تُسبَ نساؤهم وذراريهم، ولم تُغنم أموالهم، ولم تبطل عقودهم في النكاح وما أشبه ذلك من المعاملات.

    يقول: ''وإذا كان هؤلاء الذين ثبت ضلالهم بالنص والإجماع لم يُكفَّروا مع أمر الله ورسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقتالهم، فكيف بالطوائف المختلفين الذين اشتبه عليهم الحق في مسائل غلط فيها من هو أعلم منهم'' أي: إذا كان اشتبه الحق على بعض العلماء، واستبان البعض لغيرهم، فلا يجوز لهم أن يكفر بعضهم بعضاً، ولا أن يضلل بعضهم بعضاً، والمسألة التي أسوأ من هذا أنه قد يكون البعض ممن ليس من العلماء، ولكنه يضلل العلماء -وهذه أشد- لكن الكلام هنا عن العلماء أنفسهم إذا اختلفوا في مسائل؛ فإنه لا يجوز أن يبغي بعضهم على بعض، ولا أن يضلل بعضهم بعضاً .

    والقاعدة في هذه الأمور جميعاً هي: العدل والقسط، وقد أُمرنا أن نكون شهداء لله قوامين بالقسط، وقوامين لله شهداء بالقسط -كما في الآية الأخرى- وهذا هو الميزان الذي يجب أن يكون عند أهل السنة وعند شبابهم جميعاً.

    1.   

    ميزان التعامل مع المخالف

    ثم يقول: ''فكيف إذا كان المكفرة لها مبتدعة أيضاً؟'' أي: أن هذا الميزان لما فقد، وقال الله تعالى: أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ [الرحمن:8-9].

    فقد حصل الضلال عند المسلمين من جهتين -كما ذكر رحمه الله- طائفة من جهة الإفراط، وطائفة من جهة التفريط.

    أما التي من جهة التفريط وهي أكثر المسلمين -مع الأسف- فإنهم يزكون ويشهدون للإنسان بالخير أياً كان، حتى وإن لم يصل، بل يقال: ( ما أظرفه، ما أجلده، ما أعقله، وليس في قلبه مثقال حبة من إيمان! ) وتهاونوا في هذا الأمر، حتى إنهم قد يعدّون بعض المرتدين والمجرمين من المؤمنين المتقين، وهذا الحال الذي غلب على أكثر الناس -نسأل الله العفو والعافية- وهذا لا يجوز؛ لأن الميزان يجب أن يكون بما شرع الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

    والطائفة الأخرى: التي أخذت بجهة الإفراط والغلو، وهؤلاء يأتي منهم البغي، ويأتي منهم العدوان والظلم.

    وأهل السنة والجماعة بريئون من هذا وهذا، ومنهجهم ومذهبهم وتعاملهم دائماً هو بالقسط، فلهذا لو آذاهم من آذاهم، وبما يؤاذيهم به، ولو وصل الأمر إلى أن يقتلهم فإنهم لا يظلمونه، ولا ينكرون حقاً أو فضلاً له، ولا يغمطونه خيراً عنده، ومثال ذلك الحجاج حيث كان نائباً لبني أمية، وقد قتل من أهل السنة سعيد بن جبير، وقتل من القرّاء من قتل، فهل أنكر وجحد أهل السنة له أنه أرسل الجيوش وفتح البلاد، وأدخل في دين الله عز وجل أمماً كثيرة؟ وهل أنكروا له أنه لما مات لم يخلف إلا مصحفاً وبضعة دراهم، وأنه لم يكن يأخذ من بيت المال شيئاً؟

    فلم ينكروا أي فضيلة من فضائله ولم تغمط، بل تذكر هذه، وتذكر هذه.

    وهذه كتب السنة، وكتب الرجال، وكتب التاريخ التي كتبها أهل السنة -والحمد لله- ميزان صحيح لا يحيف ولا يجور أبداً، وبالعكس لو أن منافقاً داهن أهل السنة وولاهم ومكنهم، فسيعلنون أنه منافق، أو أنه مظهر للفجور أو البدعة، فهم يقولون ما فيه.

    فالشاهد أن تعامل أهل السنة يكون بحسب النص، وكما أمر الله ورسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولولا أن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أمر أهل السنة بالصلاة خلف البر والفاجر، أو على البر والفاجر، والغزو والجهاد مع البر والفاجر لفعلوا كما فعلت المعتزلة والخوارج فتركوا من أجرم.. وهكذا .

    سواء في ذلك أئمة الحكم، أو أئمة الصلاة وغير ذلك، ولو أنه يجوز لهم أن يداهنوا مع ظهور الكفر والردة والانحراف لكان الله تعالى أجاز لهم ذلك، فهو أرحم بهم من أنفسهم ولداهنوا كما يداهن غيرهم، لكنهم إنما يزنون الأمور بميزان الشرع.

    ولهذا لما أوذوا في أيام المأمون لم يداهنوا، بل أوذوا وسجنوا وعذبوا لأن المخالفة للسنة واضحة، ولم يرضوا أن تنتهك هذه العقيدة بذلك الشكل، ومع ذلك مواقفهم في الصبر على الأذى مشهودة ومعلومة -والحمد لله- ولم تخرجهم عن منهجهم في التمسك بالنص، والحكم بالميزان والقسط.

    حكم المتأول المكفِّر والمبدِّع لغيره

    يقول: ''وإذا كان المسلم متأولاً في القتال أو التكفير لم يكفر بذلك'' فإذا جاء شخص مسلم فتأول وكفّر مسلماً، أو قاتل مسلماً متأولاً، فإنه لا يكفر بذلك، فهذا عدل أهل السنة وهم ينظرون في هذا الجانب، فحتى لو أخطأ فاعتدى أو اتهم أو كفّر فلا يقابل بالظلم ولا أو البغي، وإنما يعامل أيضاً بالعدل وبالحق.

    الدليل؟

    ويستدل على ذلك بدليلين صحيحين ثابتين، والدليل الأول: قول عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في حاطب بن أبي بلتعة حينما قال: {يا رسول الله! دعني أضرب عنق هذا المنافق} وهذه قصة معلومة مشهورة في الصحيحين وفي غيرهما.

    فحكم عمر رضي الله تعالى عنه على حاطب بأنه منافق، ورأى استحلال دمه.

    والقضية واضحة ليس فيها اجتهاد ولا تأويل؛ فالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يطلع على السر -وهو غزو قريش- إلا قلة من الصحابة ومنهم حاطب، فكيف يجرؤ أن يكتب كتابه إلى الكفار، ويخبرهم أنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قادمٌ إليهم يغزوهم؟ فليست هي خيانة لواحد أو اثنين، ولهذا يقول عمر رضي الله تعالى عنه: {يا رسول الله! دعني أضرب عنقه} وقال في آخر الحديث: {فقد خان الله ورسوله والمؤمنين} أي: فكيف نتركه يعيش وقد خان الله وسوله والمؤمنين، وصار جاسوساً للكفار الذين يعبدون الأصنام، ويحاربون رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

    فقد يظهر أن القضية واضحة -وهذه هي المشكلة عند كثير من الناس- ولذلك فالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رد عمر بالدليل الواضح، وهو أن حاطباً شهد بدراً، وقد قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {لعل الله تعالى اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم}.

    الدليل الثاني: حديث الإفك الطويل حيث جمع النبي الناس وخطب فيهم: {من يعذرني في رجل آذاني في أهل بيتي، ولا أعلم عن أهل بيتي إلا خيراً -يريد أن يرى رأي الأنصار والمهاجرين في هؤلاء الذين افتروا على أم المؤمنين هذا الإفك العظيم والفرية العظيمة- فقام إليه سيد الأوس سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه، وقال: يا رسول الله! إن كان منا معشر الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا الخزرج فأمرني بأمرك أفعل ما تشاء} .

    فقام سيد الخزرج سعد بن عبادة وكان مؤمناً، ولكن أخذته الحمية، فهو سيد قبيلته، فقال لـسعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه { كذبت، والله لا تفعل ذلك ولا أدعك تفعل } واحتدم النقاش واختصموا، فقال له أسيد بن حضير رضي الله تعالى عنه وكان ابن عم سعد بن معاذ: { والله ليفعلن، ولكنك منافقٌ تجادل عن المنافقين، فاختلف القوم حتى هموا أن يقتتلوا } أي: كاد أن يقع القتال بين الأوس والخزرج بسبب هذا الموقف .

    والشاهد: أن عمر قال لـحاطب: إنه منافق قد خان الله ورسوله والمؤمنين, وأن أُسيداً قال لـسعد بن عبادة: إنك منافق تجادل عن المنافقين، فلم يرتب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على قوليهما حكماً؛ لأن كلاً منهما أصل كلامه وموقفه هو الغيرة على دين الله، والانتصار للحق، ولم يقصد مجرد الهوى، أو الطعن أو التكفير -مع أن النفاق هنا هو النفاق الأكبر- ولذلك ما قال النبي صلى الله عليه وسلم لهما: { فقد باء بها أحدهما } ولم يقل أحد: هذا قد كفرني يا رسول الله! وإنما النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومن كان يسمع قدروا الموقف، وعلموا الدافع.

    فالمقصود من هذا أنه حتى لو أخطأ المخطئ فكفّر أو بدّع أو ضلل وكان اجتهاداً منه، وغرضه الحق والدفاع عن الحق وإقامة الدين، فإنه يُخطئ في اجتهاده، ولا يقال: هذا صار من الخوارج ممن يكفر بالذنب، بل يُرد إلى الحق، وهذا هو الموقف العدل.

    قال شَيْخ الإِسْلامِ رحمه الله: ''فهؤلاء البدريون فيهم من قال للآخر منهم إنك منافق'' فـعمر وحاطب بدويان: ''ولم يكفر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا هذا ولا هذا، بل شهد للجميع بالجنة'' .

    يقول: ''وكذلك ثبت في الصحيحين أن أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنه: {قتل رجلاً بعدما قال: لا إله إلا الله، وعظم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك لما أخبره، وقال: يا أسامة بن زيد! أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله؟! وأخذ يكررها، حتى قال أسامة بن زيد: حتى تمنيت أني لم أسلم إلا يومئذٍ} ومع هذا لم يوجب عليه قوداً ولا ديةً ولا كفارة'' .

    ويمكن أن يأتي شخص ويقول: الآية هكذا: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ [البقرة:178] إذاً نقتل أسامة بن زيد بهذا الرجل، وليس الأمر كذلك لأن أسامة بن زيد فعله متأولاً مجتهداً، فقال: {إنما قالها خوفاً من القتل} فهو يتمنع بها من السيف، وهذا اجتهاده، ولو قال: هذا رجل مسلم معصوم الدم وبريء ولكن أنا سأقتله؛ فهنا يقع القود وتكون التهمة؛ فبالنسبة للميت يقال لمن قتله: {أشققت عن قلبه؟} كيف عرفت أنه إنما قالها تعوذاً أو خوفاً، فلو جاء أولياء المقتول، وقالوا: يا رسول الله! إنه قتل أبانا بعدما شهد أن لا إله إلا الله، فلن يقول: نعم هذا قتله إذن نقتله به، أو يدفع الدية، لأنه لا يعني خطؤه أن يقاد به، أو يدفع الدية، لأنه فعله مجتهداً متأولاً.

    يقول رحمه الله: ''فهكذا السلف قاتل بعضهم بعضاً من أهل الجمل وصفين ونحوهم، وكلهم مسلمون مؤمنون كما قال تعالى: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا [الحجرات:9] -إلى آخر هذه الآية- فقد بين الله تعالى أنهم مع اقتتالهم، وبغي بعضهم على بعض، إخوة مؤمنون، وأمر بالإصلاح بينهم بالعدل، ولهذا كان السلف مع الاقتتال يوالي بعضهم بعضاً موالاة الدين'' وهذه هي الأخلاق العالية، فالصحابة رضي الله تعالى عنهم والسلف ليسوا هم أفضل الأمة فقط في حالة الاتفاق، بل أفضل الأمة في المواقف عند الاختلاف، فيقاتل بعضهم بعضاً لاجتهاده أنه ينصر الدين.

    ولكن لم يقطعوا الموالاة في الدين فيما بينهم، يقول: ''ولهذا كان السلف مع الاقتتال يوالي بعضهم بعضاً موالاة الدين، ولا يعادون كمعاداة الكفار، فيقبل بعضهم شهادة بعض'' لا كما قال الخبيث واصل وأمثاله: لو شهدوا على باقة بقل أو على درهم ما قبلت شهادتهم؛ يعني أهل الجمل أو صفين.

    قال رحمه الله: ''ويأخذ بعضهم العلم عن بعض'' فعندما وقعت الفتنة لم يقل علي رضي الله تعالى عنه: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كذا، فيقوم -مثلاً- أهل الجمل أو أهل صفين فيقولون: لا تأخذوا عنه الدين، بل كانوا: يأخذون العلم بعضهم عن بعض، وبعد أن هدأت الفتنة رجعت الأمور إلى مجاريها، وكانوا يأخذون العلم عن الصحابة، وعن السلف أجمعين من غير أن يقولوا: هذا كان من أصحاب كذا، وهذا كان من أصحاب كذا، فهذه النفوس العالية التي ارتفعت وأصبحت أهلاً لأن تحمل أمانة هذا الدين، فكان يشهد بعضهم لبعض، وتقبل شهادتهم لبعض أو على بعض.

    قال رحمه الله: ''ويتوارثون ويتناكحون ويتعاملون بمعاملة المسلمين بعضهم بعضاً'' حتى وإن كان هذا في صف، وهذا في صف، فالمعاملة واحدة على الاسلام، رغم وقوع أشد أنواع الاختلاف، وهو الاقتتال بالسيف.

    ثم يستدرك -رحمه الله- ويأتي بأدلة تبين أن الفرقة واقعة، وأن الخلاف واقع، وإنما الواجب علينا أن نتقي الله إذا وقع الخلاف، ونحسن التعامل قال: ''وقد ثبت في الصحيح: {أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سأل ربه، ألا يهلك أمته بسنةٍ عامة فأعطاه ذلك، وسأله ألا يسلط عليهم عدواً من غيرهم فأعطاه ذلك، وسأله ألا يجعل بأسهم بينهم فلم يعط ذلك} وأخبر أن الله لا يسلط عليهم عدواً من غيرهم يغلبهم كلهم حتى يكون بعضهم يقتل بعضاً، وبعضهم يسبي بعضاً، وثبت في الصحيحين: { لما نزل قوله تعالى: قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ [الأنعام:65] قال: هاتان أهون'' أو قال: هذه أيسر، وهذه أهون، وهذا الحديث مشهور.

    والمقصود أن الفرقة حق وواقع، وهي عذاب لم يرفع عن هذه الأمة، بل ذكر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حديث صحيح آخر: {هذه الأمة عذابها الفرقة وفتنتها المال} فعذاب هذه الأمة الفرقة، وأكبر ما عذبت به في تاريخها الطويل هو الفرقة وليس الصليبيين أو التتار، أو اليهود، أو النصارى، ونسأل الله أن يجمعها على الحق إنه سميع مجيب.

    1.   

    الفرقة قَدَر الأمة

    الفرقة واقعة والأصل هو الاجتماع، وهو الذي يجب أن يدعى إليه دائماً، لذلك ذكر بعد ذلك، قال: ''هذا مع أن الله أمر بالجماعة والائتلاف، ونهى عن البدعة والاختلاف'' أي: أمر الله الشرعي، وليس أمر الله القدري، فأمر الله الشرعي الديني، أن نكون أمةً واحدة، وأن نعتصم بحبل الله، وقال: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ [الأنعام:159] فهذا أمرٌ شرعيٌ ديني، لكن الأمر الكوني الذي قضاه وقدره هو وقوع الخلاف، حتى إن رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو أحب خلقه إليه تضرع وصلّى صلاة رغبة ورهبة، ودعا الله، ولم يعط هذه، ولكن قال: (هذه أهون أو هذه أيسر) أن تختلف الأمة أيسر.

    فمع الاختلاف هي أمة مرحومة؛ من جهة أنها لم يسلط عليها عدو يستأصلها، ولم يسلط عليها عذاب يأخذها من فوقها ولا من تحت أرجلها؛ لكن أيضاً هي أمة معذبة لأنها تذنب، ولأن الله تعالى لا يحابي أحداً، بل يؤاخذ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ [النساء:123] فهذه الأمة تعمل السوء فتجزى وتعاقب بالعذاب الذي هو الفرقة.

    بذل الجهد في دفع الفرقة وإقامة الملة

    ثم ذكر ما أمر به النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الاجتماع والوحدة إلى أن قال: ''فالواجب على المسلم إذا صار في مدينة من مدائن المسلمين، أن يصلي معهم الجمعة والجماعة، ويوالي المؤمنين ولا يعاديهم، وإن رأى بعضهم ضالاً أو غالياً وأمكن أن يهديه ويرشده فعل ذلك إن أمكن'' وهذا كما قال تعالى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [آل عمران:104] فنحن دعاة ندعو الضال، ونرشد الغاوي، وندعو المرتد، والفاجر، وأنفسنا إلى الخير.

    قال: '' فعل ذلك إن أمكن وإلا فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وإذا كان قادراً على أن يولي في إمامة المسلمين الأفضل ولاَّه، وإن قدر أن يمنع من يظهر البدع والفجور منعه'' فهذا واجب على الأمة.

    والإمامة الكبرى الأصل أن يولى فيها من اجتمعت فيه الشروط الشرعية، وإذا قدرت الأمة على ذلك تعين القيام به.

    والإمامة الصغرى في الصلاة يجب على الأمة أن تسعى لتعيين الأئمة الأتقياء البررة، الذين يخلون من الفجور والبدع، لكن إن لم يمكن ذلك، فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها، يقول: ''وإن لم يقدر على ذلك فالصلاة خلف الأعلم بكتاب الله وسنة نبيه الأسبق إلى طاعة الله ورسوله أفضل، كما قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحديث الصحيح: {يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سناً} ''

    1.   

    مسألة هجر المبتدع

    يقول: '' وإن كان في هجره لمظهر البدعة والفجور مصلحة راجحة هجره'' فهجر المبتدع ليس على الإطلاق -فمثلاً-: إذا كان أهل السنة في مدينة من المدن، لا تزيد نسبتهم في هذه المدينة على واحد في الألف أو (1%) وواحد منهم اجتهد فأخطأ فهجرته لأنه مبتدع، أو نهجر هؤلاء الناس لأنهم مبتدعة، فمعنى ذلك أنك هجرت نفسك لأنه لا يوجد إلا أنت، وفلان وفلان وأنتم غرباء، فموضوع الهجر مرتبط -أيضاً- بالمصلحة والمفسدة.

    ومن هنا لا إشكال ولا تعارض بين فعله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وبين ما فعله الصحابة أو التابعون في هذا الأمر، فالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هجر الثلاثة الذين تخلفوا في غزوة تبوك، والجيش قوامه -على بعض الروايات- أربعون ألفاً، ولم يحدث قتال، والإسلام قد ظهر، ولا يضر الجيش أبداً أنه نقص منه ثلاثة أنفار، وبعضهم كبير طاعن في السن، فلو حضر لربما لم ينفع بشيء، ولكن هجرهم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يهجر من تخلفوا عن بدر، ولا من تخلفوا عن الأحزاب، وهنا الحكمة تظهر، فكان الهجر وقت القوة ووقت الظهور ووقت الغلبة؛ لأن الحكمة أنك لا تكون شاذاً إذا أجمعت الأمة؛ والدين قد ظهر، فحتى المنافقون خرجوا مع الجيش، فتتخلف أنت على فضلك .

    فهجره في مثل هذه الحالة يشعره بالشذوذ، حتى أقرب أقربائه لم يرد عليه السلام، فكان الألم شديد.

    والتزمت الأمة الهجر، لكن أمة لا تلتزم بالهجر، وأمة أهل الحق فيها قلة قليلة، وليس الحق فيها واضحاً ظاهراً، بحيث أن من خالفه يعد شاذاً، بل الأصل هو الشاذ إلى آخر هذه الاعتبارات، فمن يريد أن يطبق فيها حكم الهجر فقد أخطأ، وهذا الذي كان في أول الإسلام.

    وكذلك كان حال أئمة السنة، فأول ما ظهر أهل البدع كانوا يهجرونهم هجراً مطلقاً، أيوب وميمون بن مهران والحسن البصري رحمه الله.

    فيقول أحدهم عن مبتدع: أقسمت بالله أن لا يضمني وهو إلا سقف المسجد، والآخر يقول نفس الكلمة، فكان هجراً كاملاً، وهذا في القرن الأول أو القرن الثاني حين كانت السنة قوية وظاهرة.

    لكن الذي حصل في القرون المتأخرة لما أصبح الخلفاء معتزلة، والقضاة، والوزراء معتزلة، وتحولت الأمة إلى معتزلة، أو روافض، فـأهل السنة في هذه الحالة اضطروا أن يخالطوهم، واضطروا أن يغيروا المعاملة؛ لأن الحكمة هنا غير الحكمة هناك، وإلا فـأهل السنة هم كما كانوا، والمنهج واحد، لكن المصلحة تغيرت.

    يقول: ''وإن كان في هجره لإظهاره البدعة والفجور مصلحة راجحة هجره، كما هجر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الثلاثة الذين خلفوا حتى تاب الله عليهم، وأما إذا ولي غيره بغير إذنه، وليس في ترك الصلاة خلفه مصلحة شرعية، كان تفويت هذه الجمعة والجماعة جهلاً وضلالاً، وكان قد رد بدعةً ببدعة'' فالذي يفعل هذا الفعل رد بدعة ذلك المبتدع ببدعة أخرى وهي ترك الجمعة والجماعة.

    لكن إذا كان في ترك الصلاة خلفه مصلحة شرعية، كما لو كان المأموم ممن له شأن أو يقتدى به، ولو صلّى خلفه لقيل: فلان صلّى خلفه، فيضلل أهل السنة ويقتدون به، فلا يصلي خلفه، وإن كان معيناً من قبل غيره ممن له الولاية؛ لأنه يقتدى به، والمصلحة هنا في أنه لا يصلي، أما من لا مصلحة من هجره كالعامي أو ما أشبه ذلك فهذا حاله يختلف.

    1.   

    مسائل في إعادة الصلاة

    حكم إعادة الصلاة خلف الإمام الفاجر أو المبتدع

    يقول: ''حتى أن مصلي الجمعة خلف الفاجر اختلف الناس في إعادته الصلاة وكرهها أكثرهم، حتى قال أحمد بن حنبل في رواية عبدوس من أعادها فهو مبتدع وهذا أظهر القولين'' .

    ونقل عن الإمام أحمد في مسألة إعادة الصلاة قولان:

    القول الأول: الإعادة، ونقلوا أنه كان وهو في السجن يصلي خلفهم، ثم يعيد الصلاة سراً .

    والقول الثاني: عدم الإعادة، وقد رجح شَيْخ الإِسْلامِ رحمه الله في أكثر من موضع، أن الراجح عدم الإعادة.

    وعلى هذا فما تجدونه في كتاب الشيخ -مثلاً- سليمان بن سحمان -وهو كتاب كشف الشبهتين وبعضه مأخوذ من كتاب توحيد الخلاق وأمثاله من رسائل دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله- مِن تعرضٍ لهذه المسألة وترجيحهم إعادة الصلاة فهم أخذوا برواية، وشَيْخ الإِسْلامِ رجح رواية أخرى.

    ولا إنكار في ذلك؛ لأن الكلام الذي أورد على الروافض وعلى الجهمية الذين ينكرون علو الله، وينكرون الصفات، وشَيْخ الإِسْلامِ هنا في الحقيقة تكلم عن المبتدعة الذين هم دون ذلك، وعلى هذا فلا إشكال من حيث العمل والتطبيق.

    يقول: ''لأن الصحابة -أي هذا هو وجه الترجيح- لم يكونوا يعيدون الصلاة إذا صلوا خلف أهل الفجور والبدع، ولم يأمر الله تعالى قط أحداً إذا صلّى كما أمر بحسب استطاعته أن يعيد الصلاة'' .

    حكم إعادة الصلاة للمتيمم والمحبوس وأشباههم

    ويقول: ''ولهذا كان أصح قولي العلماء أن من صلّى بحسب استطاعته لا يعيد حتى المتيمم لخشية البرد، أو المصلي لعدم الماء والتراب إذا صلّى بحسب حاله، والمحبوس وذوو الأعذار النادرة والمعتادة والمتصلة والمنقطعة، لا يجب على أحد منهم أن يعيد الصلاة إذا صلّى الأولى بحسب استطاعته''

    ثم استدل على ذلك بالحديث، يقول: ''وقد ثبت في الصحيح أن الصحابة صلوا بغير ماءٍ ولا تيمم لما فقدت عائشة عقدها، ولم يأمرهم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالإعادة، بل أبلغ من ذلك أن من كان يترك الصلاة جهلاً بوجوبها لم يأمره بالقضاء، فـعمر وعمار لما أجنبا فـعمر لم يصل، وعمار تمرغ كما تتمرغ الدابة لم يأمرهما بالقضاء، وأبو ذر لما كان يجنب ولا يصلي لم يأمره بالقضاء، والمستحاضة لما استحاضت حيضة شديدة منكرة منعتها الصلاة والصوم لم يأمرها بالقضاء، والذين أكلوا في رمضان حتى يتبين لأحدهم الحبل الأبيض من الحبل الأسود لم يأمرهم بالقضاء، وقد كانوا غلطوا في معنى الآية، والمسيء في صلاته لم يأمره بإعادة ما تقدم من الصلوات، والذين صلوا إلى بيت المقدس بـمكة والحبشة وغيرهما بعد أن نسخت -أي: نسخ التوجه إلى بيت المقدس- لم يأمرهم بالإعادة، فالمتأول والجاهل المعذور ليس حكمه حكم المعاند والفاجر، بل قد جعل الله لكل شيء قدراً'' .

    وهذه الأدلة معروفة في كتب الفروع، والأحكام ثابتة أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يأمر أصحابها بالقضاء، لأنهم إما متأولون، وإما جهلة بالحكم، فالمتأول والجاهل المعذور ليس حكمه حكم المعاند والفاجر، وفي الجاهل متى يعذر، ومتى لا يعذر تفصيل آخر، نسأل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أن ينفعنا جميعاً بما نسمع وما نقول، والحمد لله رب العالمين.

    1.   

    الأسئــلة

    نصيحة حول التعامل مع بعض أئمة المساجد

    السؤال: ما حكم الصلاة وراء إمامٍ يقول في خطبة الجمعة أحاديث ضعيفة, وإذا أخبرناه أن الحديث ضعيف، قال: أنا أعرف أحسن منكم، وصلاته سريعة جداً، وإذا نصحناه قال: هذا على قدر الفلوس التي يعطوني إياها، علماً بأن المسجد ليس تابعاً للأوقاف؟

    الجواب: لا بد من مراعاة المصلحة، فإن كان في وجوده مصلحة كأن لا يوجد مثل هذا الإمام فليبق، ولا تترك الجمعة والجماعة، وينبه ويرشد إلى الأحاديث الضعيفة، والمسئولية على الأمة في جملتها، وعليها الاهتمام بالمساجد والصلاة.

    وأيضاً فيما يتعلق بالحديث، إذا قلت له: الحديث ضعيف، فقال: بل هو صحيح، فإن ذلك لأنه قد لا يراك شيئاً، لكن لو أتيت وقلت له: يا شيخ! كأني سمعت أن هذا الحديث ضعيف، فما رأيك أن نتصل أنا وإياك بالشيخ فلان وننظر صحة الحديث، فإنه سوف يستجيب لك غالباً، لكن عندما تقول له: هذا ضعيف، فسوف يقول لك: ليس هذا من اختصاصك، أو أنا أعرف منك، وذلك لأن الأسلوب له دوره، فيجب أن تكون الأمور تابعة للمصلحة والحكمة. والله المستعان!

    سبب نشوء تسمية أهل السنة والجماعة

    السؤال: يقول تعالى: هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ [الحج:78] فلماذا لا يتسمى أهل السنة والجماعة بهذا الاسم؟

    الجواب: هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ [الحج:78] فالأصل أن اسمنا هو المسلمون، وهذا هو الأصل فلما افترقنا إلى فرق وطوائف، سُمي من كان على كتاب الله وسنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أهل السنة وسموا الجماعة؛ لأن الباقين أهل بدعة وأهل فرقة واختلاف، تفرقوا عن الحق وتركوه، كما ذكر الإمام أحمد رحمه الله في مقدمة خطبته، فهم مختلفون في الكتاب ومخالفون للكتاب .

    فيبقى ذلك الاسم في مقابل الكفار فنقول: المسلمون. ونقول: أهل السنة والجماعة مقابل أهل البدعة والفرقة.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3010712027

    عدد مرات الحفظ

    721996601