إسلام ويب

تأملات في حديث: (يا عبادي ...)للشيخ : سفر الحوالي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تكلم الشيخ في هذا الموضوع حول حديث "يا عبادي" مورداً العديد من التأملات حول ما جاء فيه من نداءات تهز الجبال الرواسي، فكيف بقلب المؤمن؟! فهذه النداءات التي وجهها الله لعباده بدأها بالإخبار بتحريم الظلم على نفسه وتحريمه من ثم بين عباده، وختمها ببيان تمام عدله وجزيل فضله، وذكر فيما بينهما افتقار خلقه إليه؛ من هداية إلى الصراط المستقيم وطعام وكساء، وكل ما يحتاجه الإنسان، وأتبع ذلك ببيان غناه المطلق عن خلقه، وبين أن حياة القلوب والأبدان لا تزيد في ملكه شيئاً، كما أن موتها لا ينقص من ملكه شيئاً.

    1.   

    نداءات الله لعباده

    الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد:

    فجميلٌ بنا ونحن نستقبل شهر رمضان العظيم: أن نقف قليلاً بقلوبنا وعقولنا وأسماعنا، لنستمع إلى هذا النداء الرباني الذي تكرر عشر مرات في هذا الحديث الجليل الذي قال عنه الإمام أحمد -رحمه الله تعالى ورضي عنه-: '' هو أشرف حديث رواه أهل الشام ''.

    لأنه من رواية أهل الشام، رواه التابعي أبو إدريس الخولاني عن الصحابي الجليلأبي ذرٍ جندب بن جنادة رضي الله تعالى عنه.

    وكان أبو إدريس إذا حدَّث بهذا الحديث عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جثا على ركبتيه من شدة وقعه عليه وتأثره به.

    وفي هذا الحديث عشرةُ نداءات من الله -تبارك وتعالى- يرويها النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو مما تعلمونه جميعاً ويعرف بالحديث القدسي، الذي يرويه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن ربه عز وجل، فالألفاظ التي فيه نبوية، والمعاني ربانية.

    تحريم الظلم على الخالق والمخلوق

    يقول الله تبارك وتعالى في أول هذا الحديث: {يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا}.

    وهذه الرواية رواية الإمام مسلم رحمه الله وهي أتم من غيرها، فأول العشرة النداءات هو هذا النداء وبهذا اللفظ: { يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي }، فالله تبارك وتعالى هو الذي حرم الظلم على نفسه، وإلا فإنه عز وجل لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، ولن يكون ظالماً -تبارك وتعالى- ولو فعل بخلقه ما فعل؛ وهو الخالق والرازق والمنعم والمدبر والمتصرف في ملكه كما يشاء، ومع ذلك فإنه فضلاً منه تبارك وتعالى، حرم الظلم على نفسه، وكتب على نفسه الرحمة، كما أخبر تبارك وتعالى في الذكر الحكيم.

    فإذا كان القوي العزيز الجبار المتكبر، القادر على كل شيء، الخالق المالك لكل شيء حرم الظلم على نفسه، فكيف يظلم العبد أخاه العبد؟ وكيف يتظالم العباد؟! { فلا تظالموا }، هذا مع أن الله تبارك وتعالى، لا يجب عليه حقٌ لأحد، بل هو كما قال الشاعر رحمه الله:

    ما للعباد عليه حقٌ واجبٌ     كلا ولا سعيٌ لديه ضائعُ

    إن عذبوا فبعدله أو نعموا     فبفضله وهو الكريم الواسعُ

    فهو إن عذب الخلق، فلا يعذبهم إلا عدلاً، وإن رحمهم فلا يرحمهم إلا فضلاً منه عز وجل وتكرماً، ولهذا جاءت هذه النداءات -وكلها تخاطب الإنسان الضعيف العاجز- من الله من الرب الرحيم، الودود سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

    { يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً؛ فلا تظالموا } فكيف يتظالم المخلوقون؟! وكيف يظلم بعض الناس بعضاً؟!

    والله تبارك وتعالى قال عن نفسه: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً [يونس:44]، وقال: وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبَادِ [غافر:31]، فهو عز وجل لا يريد الظلم ولا يحبه، وقد حرمه على نفسه فلن يريده ولن يقبله من أحدٍ أبداً.

    بل هو كما أخبر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحديث الصحيح: {إن الله يملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته }، وقال تعالى: وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ [الأعراف:183].

    لكن الله إذا أخذ الظالم لم يفلته، قال تعالى: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود:102].

    وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {الظلم ظلمات يوم القيامة} كما صح عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: { المسلم أخو المسلم لا يظلمه.. } فالمسلم لا يظلم أحداً من الناس، بل ولو كانت دابةً من الدواب، فوضع الشيء في غير موضعه، هو: الظلم، وكل وضع للشيء في غير موضعه فالله تبارك وتعالى منزه عنه.

    كما يجب على العباد أن يتركوا ذلك الظلم، فديننا هو دين العدل في كل شيء، حتى الحذاء: {نهى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن ينتعل الرجل في إحدى رجليه ويدع الأخرى}، لأنه دين العدل في كل شيء.

    فمن الفوائد المأخوذة من هذا الحديث: أن ديننا دين العدل، حتى بين أرجلك فتعدل بينهما، فإما أن تنتعل فيهما معاً، وإما أن تكونا حافيتين معاً، فلا ظلم ولا إجحاف.

    ولقد بعث الله -تبارك وتعالى- محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والدنيا شرقاً وغرباً تعج بالمظالم، وبالعنصرية وبالطبقية وباستعباد خلق الله -تبارك وتعالى- فكما كان فرعون ظالماً كان كذلك فراعنة الفرس والروم، فيجعلون أقوامهم شيعاً ويستضعفون طوائف منهم.

    فجاء محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بدين العدل والحق والهدى، فتعلمت الإنسانية جميعاً كيف تعدل من هذا الدين، وعلمت لأول مرة في تاريخها لا كلاماً وحِكماً يقولها الفلاسفة، ويرددها الحكماء، بل رأت العدل واقعاً يسير أمامها، ويملأ شرق الدنيا وغربها، وذلك لأنهم عرفوا مما عرفوا مثل هذا النداء الرباني الكريم: {يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا}.

    طلب الهداية من الله وحده

    بعد ذلك تأتي نداءات تالية لتبين عجز هذا المخلوق الضعيف، وافتقاره إلى الله تبارك وتعالى: {يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم} أي: أخرجكم من الضلال الذي يسبب شقاء الدنيا والآخرة، والذي لافلاح معه ولا نجاح، ولا خير فيه ولا سعادة.

    فهذا الضلال { كلكم ضال إلا من هديته }، فكل خلق الله، وكل عباد الله ضالون إلا من هدى الله، ومن منَّ الله تعالى عليه وتفضل بالهداية. ومن هدايته لهم: أنه خلقهم على الفطرة القويمة، وأنه أرسل إليهم الرسل، وأنه أنزل عليهم الكتب، وأنه أعطاهم العقول ليفكروا بها وليتدبروا طريقهم بها، قال تعالى: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً [النحل:78].

    فهكذا الإنسان، أول ما يخرج لا يعلم شيئاً، ثم يمنُّ الله تبارك وتعالى عليه، بالعلم وبالسمع والبصر والفؤاد، ثم يبين له طريق الخير من طريق الشر، فمن وفقَّه الله تبارك وتعالى للهدى فلا مضل له، ولكن من خذله الله وحُرِمَ توفيق الله تبارك وتعالى للاهتداء إلى الطريق القويم، وركنه الله إلى نفسه وعقله ورأيه وتدبيره، فقد خاب وهلك.

    فمن لم يوفقه الله -تبارك وتعالى- لسلوك طريق الحق فإنه ضال لا محالة، مهما بدت أمامه الحجج، فمع أنه مولودٌ على الفطرة، وأمامه الحجج والآيات البينات، والآيات المقروءة في كتاب الله، والآيات المنظورة في صفحات الكون، والآيات المرئية أيضاً من آثار الغابرين السابقين، فكلها أمام عينيه، ولكن إذا خذله الله، ولم يوفقه، فإنه لا يؤمن ولا يعرف طريق الحق أبداً.

    فإذاً كلنا ضلال إلا من هدى الله، فماذا ينبغي لنا أن نفعل؟!

    { فاستهدوني أهدكم }، فما علينا إلا أن نطلب الهداية من الله -تبارك وتعالى- آناء الليل وآناء النهار، ولهذا أُمر المؤمنون أن يقرءوا في كل ركعة من صلاتهم أم الكتاب، وفيها يقولون: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:6-7].

    فعباد الله المؤمنون المصلون، العابدون، يطلبون الهداية من الله تبارك وتعالى في كل يوم بعدد ركعات صلاتهم، فريضةً كانت أم نافلة، ويعلنون أنهم إن لم يهدهم الله تبارك وتعالى، فقد ضلوا إما ذات اليمين أو ذات الشمال، فكانوا إما مع المغضوب عليهم، وهم: الذين رأوا الآيات البينات، وعرفوا الحق، ولكنهم لم يتبعوه، وإما مع الضالين، وهم: الذين عبدوا الله تبارك وتعالى على جهل، فلم يتبعوا ما أنزل الله وما شرع، بل عبدوه بالبدع، لا بما شرع.

    فيقول تعالى: { كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم } فاطلبوا هدايتي، وادعوني أن أهديكم، والإجابة من الله تبارك وتعالى متحققة: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً [النساء:122]، وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً [النساء:87].

    فإذا أقبل العبد على الله وطلبه الهداية ورجاه، فإن الله تبارك وتعالى يهديه ولا يخيبه، قال تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [العنكبوت:69] فمن جاهد في الله يريد وجه الله ويريد معرفة الحق، أوصله الله تبارك وتعالى إليه.

    ألا ترون إلى قصة سلمان الفارسي -رضي الله تعالى عنه- كيف أنه خرج يطلب الدين الحق، وكيف عَبَدَ الله بـالمجوسية مدةً من الزمن، ثم انتقل من راهبٍ إلى راهب، وهذا يسلمه إلى ذاك، وهذا يحوله إلى ذاك، حتى مَنَّ الله تبارك وتعالى عليه بلقاء المصطفى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فآمن بالله، وجاهد في الله، وطلب الهداية وسعى من أجلها، فلم يمت إلا وقد قرت عينه بالإيمان، ورأى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [العنكبوت:69].

    إذاً الافتقار الأول هو الافتقار إلى الهداية، وهو أشد أنواع الافتقار بالنسبة للمخلوق، فالعبد المخلوق أفقر ما يكون إلى هداية الله، ولذلك قدمت الهداية على الطعام وعلى الكساء، لأن أهم شيء هو: أن يهتدي الإنسان إلى الله تبارك وتعالى، كما قال تعالى : الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْأِنْسَانَ [الرحمن:1-3].

    فامتنَّ الله تبارك وتعالى بتعليم القرآن قبل خلق الإنسان، مع أن الإنسان لن يستطيع قراءة القرآن إلا إذا خُلق، ولكن أعظم من كونه مخلوقاً: أن يكون عالماً بالقرآن، عاملاً به، مهتدياً إلى ربه، وإلا فكم من مخلوق لا يعرف ربه ولا يعرف القرآن، فحياته نقمة عليه، لأنه والدواب سواء، قال تعالى: إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ [الفرقان:44]، فهم أضل من الأنعام.

    فالهداية هي أحوج ما يبحث عنه الإنسان، وأشد ما يفتقر إليه، ولذلك فإنها قدمت في هذا الحديث، على ما سيلحقها بعد ذلك.

    طلب الرزق من الرزاق وحده

    النداء الثالث هو: طلب ما يحتاج إليه العباد ويضطرون إليه في معاشهم وحياتهم الدنيا، فقال: {يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم}.

    نعم: فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ [العنكبوت:17] فالناس غالباً ما يعلقون طلب الرزق بالأسباب، فكل الناس -حتى أكثر المسلمين- يعلقون طلب الرزق إلى الأسباب؛ وينسون خالق الأسباب، وينسون الرزاق ذا القوة المتين الذي تكَّفل فقال: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا [هود:6].

    ومع ذلك، فإن أكثر الناس لا ترتفع أنظارهم إلى خالق السماوات والأرض، الرازق المحيي المميت، بل ينغمسون في طلب الأسباب ويلهثون ورائها، وكثيراً ما يخرج بهم ذلك عن الطريق المستقيم، فيقعون في معصية الله، ويبتغون رزق الله بمعصيته، ظناً منهم وجهلاً أنهم بذلك ينالون فضل الله، وينالون رزق الله تبارك وتعالى، وهو يقول: {يا عبادي كلكم جائعٌ إلا من أطعمته}، فهو المطعم سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وهو الذي يُطْعِمْ ولا يُطْعَمْ، وهو الذي يمنُّ على خلقه بهذا الرزق، وكل ذي كبدٍ رطبة، فالله تبارك وتعالى يرزقه ويكلؤه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

    { فاستطعموني أطعمكم }، فاطلبوا الرزق مني وحدي، فمن طلب الرزق من الله تبارك وتعالى وحده لا شريك له، فقد كفي مؤونة الرزق، وكان مع ذلك ذا عزةٍ وتعففٍ وترفعٍ، لا يجده أبداً من طلب الرزق من البشر، أو من الأسباب المخلوقة المنقطعة عن الله تبارك وتعالى.

    فثنى الله -تبارك وتعالى- بطلب الرزق والإطعام بعد طلب الهداية منه وحده لا شريك له.

    طلب الكساء من الخالق وحده

    وهناك أمر ضروري آخر يحتاج إليه الناس، وقليل من الناس من يُفكِّر فيه، أو من يعرف نعمة الله تبارك وتعالى ومنته علينا به، فقال في الحديث: (يا عبادي! كلكم عارِ إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم)، فكثير من الناس لا يفطنون ولا يتنبهون إلى نعمة الكساء؛ لأنها لكثرتها ولوفرتها ولعموم فائدتها تبلد الإحساس بها، إلا من عانى ومن ذاق عدم اللباس، فمن ذاق ذلك عرف نعمة الله تبارك وتعالى على العالمين، بأنه أنزل إلينا هذا اللباس، وتفضل علينا به، والله تبارك وتعالى، يذكرنا بنعمه، ومنها هاتان النعمتان: نعمة الطعام ونعمة اللباس، وهما النعمتان المشاهدتان الملموستان يومياً في حياة الإنسان.

    فكل إنسان في أية بيئة كان أو في أي مستوى كان من الحياة، لابد أنه في كل يومٍ وليلة يأكل ويشرب، ولابد أنه يلبس، فهاتان نعمتان ملازمتان للإنسان أينما وجد، فكان ينبغي أيضاً أن يلازم الإنسان تقوى الله، وطاعته، وعبادته، أينما وجد، ومهما كانت حالته الاجتماعية والمعيشية.

    طلب المغفرة من الغفور سبحانه

    ثم يقول تعالى في هذا الحديث: (يا عبادي! إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم).

    فهذه حقيقة لامناص لأي إنسان أن يفر منها أو يكابر أو ينكرها، فنحن العباد نخطئ بالليل والنهار، وكل بني آدم خطاء، فالقلب يخطئ بالخطرات والأفكار والوساوس الرديئة والأماني الكاذبة.

    والعين تخطئ بفضول النظر، وبالنظر المحرم، وبما من شأنه أن يدخل إلى القلب داءً قد لا يشفى منه أبداً.

    واللسان يخطئ، ومن الذي يمر عليه يوم ولا يخطئ بلسانه؟! إما بغيبة أو نميمة أو كلمةٍ لاحق له أن ينطقها؟!

    والأذن تخطئ فكم تسمع من حرام! فإما أن تسمع حراماً فتستلذ به، وإما أن تسمع منكراً فلا تنكره، فالخطأ ملازم لابن آدم، ولو لم يكن من خطأ ابن آدم إلا أنه غافلٌ عن هذه النعم، فهو غافل عن ذكر الله تعالى مع أنه متلبس بها ليل نهار.

    ولهذا أمرنا الله أن نستغفره -تبارك وتعالى- وكذلك أمرنا رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن نستغفر الله تبارك وتعالى، والرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضرب لنا في ذلك المثل الأعلى؛ فقد كان صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يستغفر الله في اليوم مائة مرة أو أكثر من مائة مرة، بل كان ربما استغفر في المجلس الواحد أكثر من سبعين مرة.

    هذا وهو رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، والاستغفار هو صابون الذنوب، وهو الذي يذهبها بإذن الله تبارك وتعالى.

    فهذا الطلب وهذا النداء من الغفور الرحيم، الغني عن العالمين إن عبدوا وإن أطاعوا، أو إن عصوا وكفروا؛ فالله عز وجل يبين لنا أنه يفتح هذا الباب العظيم من أبواب الرجاء ومن أبواب الخير، وهو عز وجل يطلب منا أن ندعوه، وأن نستغفره.

    الله يغضب إن تركت سؤاله     وبني آدم حين يسأل يغضب

    فسُبْحَانَهُ وَتَعَالَى القائل في محكم التنزيل: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [فاطر:15]، فهذا الغني الحميد هو من يقول لهؤلاء الفقراء -وكلنا فقير-: يا أيها العبيد استغفروني؛ واطلبوني الهداية، واطلبوني الإطعام؛ واطلبوني الكساء؛ واطلبوني أن أغفر لكم ذنوبكم، لأنكم لاتنفكون عن ذنب آناء الليل وآناء النهار، فأي إنعامٍ وإحسان وتكرم وفضل بعد ذلك؟! وهو عز وجل لا يُقَنِّطُ عباده ولا يخيب من أتاه ومن رجاه، ولو أتاه بملء الأرض من الخطايا.

    ممن يطلب العفو

    يقول تعالى في حديث آخر : (يا بن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني إلا غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي) سبحان الله! لا يبالي مهما كان عظم ذنبه..! فأين المستغفرون؟! وأين الأوابون؟! وأين التائبون؟! فيكفي أن تقبل على الله وأن تطرق باب الكريم الودود، فلا يردك أبداً، ولا يخيبك أبداً، فالله -عز وجل- منه المفر وإليه الملجأ، كما جاء في دعائه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك...).

    فنخاف من الله، لأننا أذنبنا، وأسرفنا على أنفسنا بالمعاصي، فماذا نفعل؟ نلجأ إلى الله، فمنه المهرب وإليه الملجأ، فلا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك يا رب العالمين.

    فهكذا يفتح الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- وهو الغني الحميد الباب أمام العباد الفقراء المحتاجين العاجزين أن هلموا، وتعالوا إلى الفضل والرحمة والمغفرة، وتعالوا إلى الله بقلوب مؤمنة مستغفرة تائبة، فعندها يُبدِّلُ الله سيئاتكم حسنات.

    فالله لا يرد من أتاه -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- ولا يخيب من رجاه، وهل هناك أكرم من الله عز وجل؟! فلو تخلَّى الله عن هذا التائب العائد إلى الله، فإلى من يعود؟! وإلى من يلجأ؟! لا إلى أحد، فهذا من سعة فضل الله ومن سعة كرمه -جل وعلا- فهو يبسط يديه بالنهار ليتوب مسيء الليل، ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ومع ذلك أين العباد من هذا؟!

    نجد أن أكثر الناس غافلون، لاهون، منغمسون في دنياهم، لا يقول أحدهم: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين، كم من المؤمنين من يستغفر الله! وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [سبأ:13].

    فكيف بالكافرين وهم أكثر من المسلمين، الذين لا يستغفرون الله تبارك وتعالى، ولا يرجون اليوم الآخر؟! ولذلك يلقونه وأوزارهم على ظهورهم، وتعجل لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا، ولا يظلم الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أحداً، فما عملوا من عملٍ، فيه إحسان أو خير، إلا عجل لهم الجزاء به في الحياة الدنيا، من عافية ومالٍ، وزيادةٍ في النماء، والذكر عند الناس، لكنهم يلقون الله وليس لهم عنده شيء.

    أما المؤمن الذي يرجو لقاء الله، فإنه يستغفر الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- ويعلم أنه مذنب، والاستغفار لتضمنه الافتقار إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى والانكسار والذل والخضوع له سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى؛ كان بهذه المثابة العظيمة، وكان هذا فعله في الذنوب.

    والمهم أن يكون المستغفر مستغفراً حقاً، وأن يكون صادقاً في أوبته إلى الله تبارك وتعالى، وأن يكون راجياً طالباً لذلك، وينظر إلى ذنبه، وكأنه جبل يوشك أن يقع عليه.

    فهذا هو استغفار عباد الله الصالحين: (يا عبادي! إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم).

    لا ينفع الإنسان ولا يضر إلا نفسه

    ثم يقول: (يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني)، فهذا النداء السادس يبين لنا الفارق بين رب العالمين، وبين العبيد، وهو أن العبيد لن يضروا الله شيئا، فمن كفر فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله تبارك وتعالى شيئاً أبداً، ولو أراد أحدٌ أن ينفع الله تبارك وتعالى، فهل ينفع رب العالمين بشيء؟! لا، لأنك أنت الفقير وأنت المحتاج إليه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

    ( يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني )، فلماذا إذاً يفكر العباد في أن يُعَادْوا ربهم -عز وجل- ويحاربوه، ويعاندوه ويستكبروا على دينه؟! أيظنون أنهم يضرونه؟ لا يضرون إلا أنفسهم فيقول الله لهم : (لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني).

    فلو أن أحداً ظن بعقله القاصر، وبذهنه الكليل أنه قد ينفع الله، فإنه لن ينفع الله تبارك وتعالى بشيء، فهو الغني الحميد، والعباد هم الفقراء إليه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

    ثم وضحَّ الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- ذلك وجلَّاه وبيَّنه فيما بعد، فقال: (يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجلٍ واحدٍ منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئاً). فسبحان الله! لو أن هؤلاء جميعاً، الأولين والآخرين، الإنس والجن، كانوا على أتقى قلب رجل واحد -ولا أتقى من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ما زاد ذلك في ملك الله تبارك وتعالى شيئاً أبداً.

    فلا يزيد ملكه بالطاعة، ولا ينقص بالمعصية، كما قال بعد ذلك: (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجلٍ واحدٍ منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئاً).

    فهو الغني عن الطاعة إن أطعنا، وهو الغني عن المعصية إن عصينا، وهو الذي لا تنفعه تلك الطاعة، ولا تضره هذه المعصية أبداً.

    فإن نفع الطاعة وفائدتها هي للعبد، لك أيها العبد العاجز الضعيف، ومن تضر المعاصي؟ تضرك أنت أيها العاصي، العبد العاجز الضعيف، فإذا تدبر الإنسان هذه المعاني, وعلم ذلك، وعلم مقدار جنايته على نفسه حين يعصي ربه عز وجل، وعلم أنه فرط في حق نفسه وفرط في حق ربه -تبارك وتعالى- لما جاهره وحاربه وتنكَّب طريق هداه، فهو بهذا لن يضر إلا نفسه، وربه تبارك وتعالى غني عنه.

    غنى الله المطلق لا ينقص بالعطاء

    ثم أخبر الله تبارك وتعالى بعد ذلك بما يدل على الغنى المطلق الذي لا يحده حد، والعطاء الواسع، فقال: (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيدٍ واحد فسألوني، فأعطيت كل واحدٍ منهم مسألته، ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، إلا كما ينقص المِخْيَط إذا أدخل البحر).

    فلو وقف الناس جميعاً الأولون والآخرون، والثقلان الجن والإنس، في صعيد واحد في أرض منبسطةٍ ممتدةٍ واحدةٍ، وكل منهم سأل الله ما يشاء ودعاه كما يريد، وأعطاه الله تبارك وتعالى ما طلب، لم يُنقص ذلك المعطى للمخلوقين جميعاً من ملك الله، إلا كما يُنقص المِخْيَط إذا أدخل البحر، وكم يأخذ المِخْيَط من الماء بالنسبة إلى ذلك البحر؟!

    هو كما قال عز وجل، كما في مسند الإمام أحمد: (عطائي كلام، وعذابي كلام) فعطاء الله تبارك وتعالى كلام، وعذابه كلام، أي: يقول للشيء: كن فيكون، فماذا ينقص من خزائن الله تبارك وتعالى، وهو الذي يقول للشيء: كن فيكون!

    فمهما طلب العبد، ومهما رجا، ومهما ألح أو أكثر، فإن أعطي له فإن ذلك لا ينقص من ملك الله الواسع العظيم أي شيءٍ على الإطلاق.

    كما أنه لا يكون علم المخلوقين بالنسبة إلى علم الله -تبارك وتعالى- إلا كهذه النسبة، كما ضرب الخضر عليه السلام، لموسى عليه السلام ذلك حين قال: (ما مثل علمي وعلمك في علم الله -تبارك وتعالى- إلا كمثل ما أخذ ذلك الطائر من البحر)، وكم أخذ من البحر؟! فهذا هو العليم؛ علمه كذلك، وملكه كذلك، وغناه كذلك سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

    إحصاء الله لأعمال عباده حتى يوفيها لهم

    يقول عز وجل: { يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها }، فهذا هو النداء العاشر، والخاتمة المهمة التي يجب أن ينتبه لها كل المخلوقين.

    {يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله} فالفضل لله، لأنه هو الذي هداه وأنعم عليه، وغفر له واجتباه، ووفقه لطريق الخير.

    ثم قال: {ومن وجد غير ذلك، فلا يلومنّ إلا نفسه}، لأن الحجة قد قامت عليه، ولأن الإعذار قد أتاه، والنذير قد جاءه، وأياً كان هذا النذير، فقد جاءه النذير، وقد رأى الآيات البينات وما عصى إلا على بينةٍ وعلم: {فلا يلومن إلا نفسه}.

    فاللوم حينئذٍ يتوجه إلى ذلك العبد وإلى نفسه الأمارة بالسوء، وليس إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وليس إلى المقادير، كما يفعل ذلك الكفار: قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا [المؤمنون:106]، فهذه العلل وهذه الأعذار لا تنفع حينها.

    ولهذا قال من قال من السلف: والله لأجتهدن، ثم لأجتهدن، فإن كان الذي نرجو فالحمد لله، وإن كان غير ذلك، قلت: قد اجتهدت وقد فعلت، ولم ينفع ذلك، ولا نقول: رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً [فاطر:37]، فكان السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم يعلمون هذه الحقيقة، ولهذا اجتهدوا وبذلوا جهدهم كله، واستفرغوا أوقاتهم وأعمالهم وطاقاتهم في رضى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وفي طاعته، وفي اجتناب معصيته سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فكانوا هم العباد حقاً.

    فهذا الحديث قد سقناه، وشرحناه شرحاً موجزاً، راجين من الله -سبحانه وتعالى- أن يمنَّ علينا بالإيمان والتقوى، وبالتدبر لهذا الحديث ولأمثاله، مما خاطبنا الله تبارك وتعالى به في القرآن الكريم أو في السنة النبوية، وما خاطبنا به النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فذلك مما فيه حياة قلوبنا وسعادتنا في الدنيا والآخرة، وفيه الخير والفلاح، لنا في هذه الحياة وفي الحياة التي نرجوها عند الله تبارك وتعالى.

    1.   

    الأسئلة

    أنواع الظلم وعقاب كل منها

    السؤال: ما الظلم؟ وما أنواعه؟ وما عقابه؟

    الجواب: الظلم ثلاثة أنواع:-

    النوع الأول: ظلم العبد مع ربه، بأن يشرك مع الله إلهاً آخر، فأعظم الظلم أن يجعل العبد لله نداً وهو خلقه، كما قال تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13]، ولهذا قال: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82].

    النوع الثاني: ظلم العبد لأخيه، فظلم العباد مما حرمه الله؛ وكما في قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحديث الصحيح: { الظلم ظلمات يوم القيامة }، فنهى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن ظلم الإنسان في نفسه أو في ماله، فلا يظلم مسلم مسلماً أبداً.

    النوع الثالث: هو أن يظلم العبد نفسه بالمعاصي التي يرتكبها، وهي دون الظلم الأكبر الذي هو الشرك بالله تعالى.

    أما عقابه فيختلف: فعقاب الشرك الخلود في النار -عافانا الله وإياكم منها- قال تعالى: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [المائدة:72].

    وأما ظلم العبد للعبد، فعقوبته هي النار، إلا أن يعفو ذلك المظلوم، ويتفاوت ذلك فإن كان الظلم قتلاً فهو أشد مما لو كان ضرباً مثلاً، وإن نهبه ماله، فهو أشد وأعظم مما لو نهبه بعضه.. وهكذا.

    وأما ظلم العبد نفسه: فهو بحسب ما يذنب من الذنوب، فإن كانت من الكبائر دون الشرك فعقوبتها بمثل قدرها، وإن كانت أقل فعقوبتها كذلك ودواؤها الاستغفار؛ وليست العقوبة هي النار فقط، بل للذنوب عقوبات كثيرة جداً، كما ذكر الحافظ الإمام ابن القيم -رحمه الله تبارك وتعالى- في الجواب الكافي كثيراً من أضرار الذنوب وعقوباتها، عافانا الله وإياكم منها!

    معاقبة الله للعصاة على ما قدر عليهم لا يتعارض مع عدله

    السؤال يقول: لقد ألقيت محاضرة هنا بعنوان: القضاء والقدر، ثم أتيت بالحديث الذي دار بين أبي الأسود الدؤلي وأحد الصحابة، وفي هذا الحديث أن هذا الصحابي قال: (أليس كل ما نعمل مكتوباً قبل أن نخلق)، فما توضيحكم لهذا الحديث؟

    وما تتمته؟

    الجواب: الصحابي هو عمران بن حصين -رضي الله تبارك وتعالى عنه- ونص هذا الحديث: (أن عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه قال لـأبي الأسود الدؤلي أليس كل ما نعمل مكتوباً قبل أن نخلق؟ قال: بلى! قد كتب، قال: أيعذبهم على ما كتب؟ قال: نعم، قال: ألا يكون ذلك ظلماً؟) الصحابي رضي الله عنه يقول للتابعي: ألا يكون ذلك ظلماً من الله أن يكتب عليهم الذنوب ثم يحاسبهم عليها (قال أبو الأسود الدؤلي: ففزعت فزعاً شديداً وقلت: لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:23]، له الخلق كله، وله الأمر كله، فرضي وسر عمران رضي الله عنه، وقال: إنما سألتك لأحزر عقلك) أي: لأختبر عقلك، ثم حدَّث أنه: ( كان جالساً عند النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأنه أتاه رجلٌ فسأله: فقال: يا رسول الله؛ أرأيت ما نعمل؟ أهو فيما نستقبل من أمرنا أم في أمرٍ قد قضي وكتب؟ قال: في أمر قد قضي وكتب)، وقال في رواية: (أندعُ العمل ونتكل على ما كتب؟ فقال له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اعملوا فكلٌ ميسرٌ لما خلق له، فمن كان من أهل السعادة فهو ميسرٌ لعملِ أهل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة، فهو ميسرٌ لعمل أهل الشقاوة)، والحساب يكون على ما اختار العبد وعمل، إن كان خيراً فخير، وإن كان شراً فشر.

    طرق مؤدية إلى السبيل الأوحد

    السؤال: أنا أطلب الحق والهداية، ولكن ما هو الطريق الذي أسلكه؟ طريق كذا أو كذا أو أعيش وحدي، أرجو منك إيضاح هذه الطريق؟

    الجواب: هذا الطريق واضح ولله الحمد، فطريق الهداية واضح، كما في الآية التي ذكرناها، وهي قول الله تبارك وتعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [العنكبوت:69].

    قد يقول قائل منكم: كيف تكون سبلاً؟ والله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يقول: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام:153]، فالله تعالى جعل سبيله واحداً وجعل الطرق المخالفة لدينه سبلاً، وهنا يقول: لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [العنكبوت:69]؟! ومن جوابنا لهذا الإشكال ننفذ -إن شاء الله- إلى جواب هذا السؤال.

    فالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يسَّر هذا الإنسان لما خُلِقَ له، وسبل الخير كثيرة، فإن كنت ميسراً لطلب العلم، فاسلك طلب العلم سبيلاً، وإن كنت ميسراً للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فاجعل همك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فجاهد في الله وأمر بالمعروف وانه عن المنكر، أو جاهد في الله واطلب العلم، أو جاهد في الله بالصيام إن لم تستطع أن تفعل شيئاً، أو جاهد في الله بذكره سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، إن لم تستطع أن تنال قسطاً من العلم أو تتعبد بعبادة المجاهدين، أو الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، فأنت ميسر لأمر ما، فانظر إلى الأمر الذي أنت ميسرٌ له، فإن يسر لك بر والديك فبر والديك حتى تنال بذلك رضى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وإن يسر لك أيتام أو جيران ضعفاء فابتغ طريق الهداية وطريق الجنة بالإحسان إلى هؤلاء الجيران الفقراء.

    وهكذا فكل إنسان منا لابد أن أمامه سبلاً معينة، وأن هذه السبل هي طرق من طرق الخير الكثيرة، التي يسَّرها الله تبارك وتعالى لك، فاسلك أياً منها مبتغياً بذلك وجه الله، لينقذك الله تعالى ويهديك.

    وكل ذلك مبناه على التمسك بما في الكتاب وما في سنة الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهديه في حياته.

    فإزالة الإشكال هو أن سبيل الله واحد، أي طريقه المستقيم واحد، أما السبل التي يهدي الله تبارك إليها، فهي طرق الخير، فالخير واحد ولكن له طرقاً متعددة توصل إليه، فهذا يدخل الجنة من طريق الجهاد، وهذا من طريق العلم، وهذا من طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا من طريق الصدقة، وهذا من طريق الذكر، مع أن الكل على الصراط المستقيم الذي هو سبيل واحد.

    ليكن جليسك عوناً لك على الطاعة

    السؤال: إنني شاب أدرس وأخاف الله -ولله الحمد- ولكن رفقاء السوء دائماً معي، فأخرج من البيت من الساعة التاسعة إلى الساعة الواحدة تقريباً، فإذا عدت إلى البيت، توضأت وصليت ركعتين واستغفرت الله من ذلك، وأدعو الله، ولكن إذا أتى اليوم الثاني ذهبت معهم، نلعب البلّوت، وهم شباب لا يصلون إلا على حسب أمزجتهم، فأرجو إفادتي في أن أقلع عن مجالستهم، أرجو نصيحتي؟

    الجواب: هذا الأخ مبتلى ومصاب، ويعلم طريق العلاج، وهو يعلم أن الرفقاء رفقاء سوء، ولكن يريد أن يبصر بشيء يعينه على اجتياز هذه العقبة، ومن كان هذا حاله فهو قريب من الخير والهداية ولله الحمد، فما عليك إلا أن تجزم بقوة على أن تترك هؤلاء الرفقاء، وأن تستبدل وتستعيض بهم الرفقاء الصالحين من الشباب الطيب المتدين، واعزم وتوكل على الله، فديننا دين العزيمة ودين الهمة، والذي لا يريد سلعة الله الغالية، وهي الجنة، فهو الذي تكون همته فاشلة، أما من أراد هذه السلعة الغالية، فلا بد أن تكون همته عالية، والهمة العالية يجب أن تدفعك إلى أن تقاطع هؤلاء الناس، وإلى أن تنخرط في صفوف أهل الخير، وتجالسهم، وتحضر لهم ومعهم، فإذا فعلت ذلك، فقد استعنت على نفسك بأعوان الخير، بدلاً من أن يستعين الشيطان عليك بأعوان السوء.

    فيجب أن تقلع عن مجالسة هؤلاء أولاً، ثم تقبل على الله تبارك وتعالى، وتتذكر وتتفكر في الموت وفي الآخرة، وما أعد الله تعالى لمن أطاعه واستقام من النعيم، وما أعد لمن عصاه من الجحيم، فلعل ذلك أن يكون زاجراً لك، ونسأل الله أن يثبتنا وإياك على الحق، وأن يصرف عنا طرق الشر إنه سميع مجيب.

    الهمة العالية تذلل الصعاب

    السؤال يقول: أفيدكم يا شيخ، أنني واقع في ظلم نفسي، حيث إنني مستمر في معصية، وهي شرب الدخان، وكلما حاولت أن أدعه أجد فيه صعوبة، وأنا أخشى أن يبلغني الله تعالى رمضان ولم أترك هذه المعصية؟

    الجواب: هذه نفس المشكلة السابقة، والقضية قضية همة، فعلى المؤمن أن يكون ذا همة وألا تغلبه شهوته، وألا تغلبه نفسه وشيطانه، بل يكون هو الغالب لها، ورضي الله عن الصحابة والتابعين والسلف الذين كانوا يتنافسون في الخير.

    كان أبو مسلم الخولاني يقوم الليل، وكان يضرب على ركبته إذا تعب، ويقول: ''قومي! فليعلمن أصحاب محمدٍ أنهم تركوا بعدهم رجالاً'' همم! فكانوا يريدون أن يتنافسوا في الخير، مع أنهم يعلمون أنهم لن يبلغوا منزلة الصحابة الكرام، ولكن يجب أن تكون همة المؤمن عالية، فإذا كان الدخان يغلبك، والأصحاب يغلبونك، فما الذي تريد أن تغلب؟ وما الذي تريد أن تهزم أنت؟ ولماذا هزمت الأمة الإسلامية؟ ولماذا غلبنا أضعف وأحقر وأذل خلق الله وهم اليهود وأشباه اليهود؟! إلا حينما أصبحت هممنا بهذا المستوى.

    فمعذرةً إلى هذا الأخ وإليكم جميعاً! وكلنا نحتاج إلى تقوية الهمة، ويجب أن تكون الهمة عاليةً وقوية، ويجب أن يكون الإنسان منا حريصاً على اغتنام هذه الفرصة العظيمة، فإن الرحمن الرحيم يقول: (يا عبادي! إنكم تخطئون بالليل والنهار، فاستغفروني أغفر لكم)، فأين نحن من هذا النداء ومن إجابة هذا النداء؟! وأين نحن من باب التوبة المفتوح ليلاً ونهاراً؟! فيجب أن نستعين بالله ونتوكل على الله ولا نعجز، وأن تكون لنا همة لنزجر أنفسنا عما حرم الله تبارك وتعالى.

    لين القلب محتاج إلى المجاهدة المستمرة

    السؤال: أنا شاب أحاول أن أتبع كل ما أمر الله، وأحاول أن أجتنب كل ما نهى عنه، ولكني أجد قسوةً في قلبي، فما هي طرق ترقيق القلب، وهل أؤاخذ على هذا؟

    الجواب: نحن كلنا ذلك الرجل، ونسأل الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- أن يرزقنا إيماناً نجد حلاوته في قلوبنا، وأن يبصرنا في ديننا، وأن يعيننا على أنفسنا.

    ونحمد الله أنه لا تكاد تأتي محاضرة، إلا وتأتي مثل هذه الأسئلة: الذي يسأل: كيف أتوب؟ والذي يسأل كيف ألين قلبي؟ والذي يسأل كيف أقلع عما حرم الله؟ فهذه -ولله الحمد- من بشائر وعلامات الخير، وأن الشباب في رجعة وأوبة إلى الله تبارك وتعالى.

    والذي أحب أن أقوله: إن الطريق شاق وطويل، فلو كان لهذا الأمر علاجٌ مؤقت، أو علاج معين، يأخذه العبد فيلين قلبه، لسبق إليه أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في يوم واحد وفي لحظة واحدة، ولانت قلوبهم، ولكنها جهاد مستمر، يلين قلبك اليوم ويقسو غداً، وترغب اليوم عن الدنيا وترغب في الآخرة، وإذا بك في غدٍ تكون عكس ذلك، فتطيع ربك عز وجل، وإذا بك في غدٍ مهزوم تقودك نفسك كما تشاء.

    فهكذا جعل الله العبد؛ لكي يظل العبد المؤمن في جهاد مستمر، قال بعض السلف: ''جاهدت نفسي أربعين سنة حتى استقامت، فبلغت بعضهم فقال: طوبى له! أوقد استقامت؟ ما زلت أجاهدها ولم تستقم '' بعد أربعين سنة! وهم في أفضل جيل وأفضل بيئة، فكيف بنا اليوم ونحن في عصر المغريات وفي عصر الشهوات؟!

    فمن أعظم أسباب قسوة القلب: طول الأمد عن ذكر الله، وعن تقوى الله، وعن مجالس وحلق الذكر والخير، وعدم التفكر في ملكوت السماوات والأرض وعدم التفكر في الموت.

    وهذا التفكر قد يتفكره الإنسان، ولكن أيضاً يتبلد إحساسه، ويصبح تفكيره كأنه أمرٌ عادي لا يثار له، ولهذا ينبغي للإنسان أن يجدد وأن ينوع من الذكرى، وأن يحرص كل الحرص على أن يتعاهد قلبه وإيمانه، فـ (إن الإيمان يخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب)، كما أخبر بذلك النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فهو يبلى ويتلاشى ويضمحل، فلا بد أن نتعاهد إيماننا.

    وقراءة القرآن وتدبره والعمل به، هي من أعظم ما يزيد الإيمان؛ لأن الإنسان إذا قرأ كتاب رب العالمين سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فإنه يجد فيه الشفاء والحق والمواعظ والحث على التفكر وعلى التدبر، ومع ذلك أيضاً يدعو الإنسان ربه عز وجل، كما سمعنا في هذا الحديث: ( كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم ) فندعو الله أن يمنَّ علينا بالإيمان، وأن يمنَّ علينا بالهداية، وأن تلين قلوبنا لذكر الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، والله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لا يخيب من دعاه.

    تعليم الله للإنسان القرآن أعظم منة عليه

    السؤال يقول: قلتم بقول غريب غامض في تفسير قوله تعالى: الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْأِنْسَانَ [الرحمن:1-3]، فقلتم: إن الله علم القرآن قبل خلق الإنسان، فنرجو من فضيلتكم الإيضاح؟

    الجواب: إما أني لم أَفَهم أو لم أُفهم.. على أية حال أنا لم أقل: إن الله علم القرآن الإنسان قبل أن يخلقه، ولكن امتنَّ الله تعالى بذكر تعليم القرآن قبل ذكر خلق الإنسان، فالمنَّة الأعظم هي أنه علمنا القرآن، بعد ذلك منته بأنه خلقنا، ونعم الله عظيمة لا تعد ولا تحصى، لكن أعظم نعمة من الله علينا هي الهداية، فالقرآن وتعليم القرآن -الذي هو مادة كل هداية وخير- هو أساس ذلك، وما بعده تبع له، والحياة من غير القرآن لاشيء، بل هي كحياة الحيوان، فهذا هو المراد، ولم أقصد أن أفسر الآية.

    انظر إلى من دونك ترزق القناعة

    السؤال: يوجد من يتذمرون من الحياة بالفقر أو غير ذلك، فبماذا تنصحهم؟

    الجواب: يجب علينا أن نؤمن بالقدر، وأن نشكر الله تبارك وتعالى، وألَّا نضجر أو نتذمر كحال الكافرين، الذين يبلغ بهم الحال إلى أن ينتحروا! -عياذاً بالله!- فالمؤمن يحمد الله على أعظم نعمةٍ أنعم بها وهي نعمة الإيمان، ثم ينظر في الدنيا إلى من هو دونه، فإن كنت مبتلىً بالفقر فثق أن في الدنيا من هو أفقر منك، وإن كنت تشكو المرض فثق أن في الدنيا من هو أشد منك مرضاً، ومهما كنت فيه من حال فاعلم أن هناك من هو دونك، ولا تزدرِ نعمة الله عليك، فالمؤمن إن أصيب بفقرٍ، أو مرض أو بلاء، فصبر واحتسب، كان له بذلك الأجر عند الله، حتى إن العبد الصالح يوم القيامة يتمَّنى أنه ما من داءٍ أو بليةٍ إلا ابتلي بها، لما يرى ما يتفضل الله تبارك وتعالى به من النعم على أصحاب البلاء الصابرين، جعلنا الله وإياكم منهم.

    الجمع بين أن الإنسان يولد على الفطرة وبين قوله: (كلكم ضال ..)

    السؤال: كيف نوفق بين الحديثين: {كل مولود يولد على الفطرة} وقوله: { كلكم ضال إلا من هديته

    الجواب: كل مولود يولد على الفطرة، كما أخبر بذلك النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكما في الحديث القدسي الآخر: {إني خلقت عبادي حنفاء، فاجتالتهم الشياطين}، وأما { كلكم ضال }، فهو كما أشرت، أ،ه لو خلي بين الإنسان ونفسه لضل، وإنما الهداية توفيق من الله، فمن وفقه الله تعالى اهتدى، ولو خُلي بينه وبين نفسه، فإنه يضل؛ مع أنه ولد على الفطرة فإنه يخالفها، ومع أن الرسول قد أتاه فإنه يكذبه، ومع أن القرآن بين يده ولكنه لا ينتفع بما فيه ولا يهتدي.

    فمع وجود الهداية وأسبابها، ولكن مع عدم التوفيق، لا يكون الإنسان مهتدياً أبداً، فلا تعارض بين الحديثين، والحمد لله رب العالمين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3009470586

    عدد مرات الحفظ

    721708564