إسلام ويب

محبة الرسول صلى الله عليه وسلمللشيخ : سفر الحوالي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تحدث الشيخ حفظه الله في هذا الدرس عن محبة الرسول صلى لله عليه وسلم بمقتضياتها ولوازمها، وذكر معنى المحبة وتعريفها، وفرق بين المحبة الشرعية ومجرد الميل العاطفي للقلب، ثم تحدث عن الغلو في النبي صلى الله عليه وسلم، مبيناً عقيدة أهل السنة في النبي صلى الله عليه وسلم، وأقوال المبتدعة فيه، وتحدث عن أسباب الغلو، ثم ذكر الأوصاف التي وصف بها المبتدعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، مختتماً حديثه بذكر بعض الأبيات من القصيدة النونية لابن القيم.

    1.   

    المحبة الشرعية

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

    معنى المحبة في اللغة معروف، وهي في الشرع: أمر زائد على مجرد الميل الطبيعي للمحبوب؛ فمحبة الله تعالى، ومحبة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومحبة المؤمنين، ومحبة ما شرع الله من الدين، هي أمر زائد على مجرد الميل الطبيعي إلى شيء من ذلك؛ إذ لا بد فيها من جانب اختياري تكليفي.

    وباصطلاحاتنا المعاصرة أقول: إن المحبة الشرعية ليست مجرد عاطفة متعلقة بالوجدان وحده، وإنما هي متعلقة بالوجدان والعاطفة، والعقل والإرداة، والعمل: عمل القلب، وعمل الجوارح؛ إذ أنها جزء مهم من الإيمان.

    والإيمان عند أهل السنة والجماعة كما هو معلوم للجميع قول وعمل، أي: قول القلب واللسان وعمل القلب والجوارح، كما هو مبين في مواضعه.

    وعلى هذا فمن ظن أن محبة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هي مجرد الميل الطبيعي والوجداني له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فهو غالط غلطاً بيناً؛ لأن هذا الظن هو الذي أوقع طوائف من الأمة في التفريط في اتباعه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وترك سنته، ونبذ شريعته، وترك تحكيمه، وترك التأدب معه، وأوقعهم في التقديم بين يدي هديه وحكمه، هذا مع تعلقهم العاطفي بذاته، وتغنيهم بشمائله، وإعجابهم بكماله، وربما بكائهم لتذكره، ولهجهم بالصلاة والسلام عليه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

    وكذلك من قال: إن معنى محبة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هي طاعته، وامتثال أمره، والتمسك بسنته، فهو مقصر عن إصابة كبد الحقيقة في هذا، إذ أن هذا هو تفسير لها باللازم والمقتضى.

    فالطاعة والامتثال هو لازم المحبة ومقتضاها لا حقيقتها، ومعناها والتحقيق في ذلك: أنها أمر زائد على ذلك يجمع ويشمل ما ذكرنا آنفاً، فالمحبة بهذا الاعتبار أمر عظيم من أمور الإيمان.

    وقد بين ذلك شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية رحمه الله تعالى، يقول ''إذا كان الحب أصل كل عمل من حقٍ أو باطل، وهو أصل الأعمال الدينية وغيرها، وأصل الأعمال الدينية حب الله ورسوله كما أن أصل الأقوال الدينية تصديق الله ورسوله، فالعملان القلبيان العظيمان إذاً هما المحبة والتصديق، المحبة هي أصل جميع الأعمال والتصديق هو أصل جميع الأقوال الإيمانية''.

    ويقول رحمه الله في موضع آخر:

    ''أصل الإيمان العملي هو حب الله تعالى ورسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وحب الله هو أصل التوحيد العملي وهو أصل التأليه الذي هو عبادة الله وحده لا شريك له، فإن العبادة أصلها أكمل أنواع المحبة مع أكمل أنواع الخضوع وهذا هو الإسلام'' .

    وقال: ''أصل الإشراك العملي في الله الإشراك في المحبة، كما قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ [البقرة:165].''

    وكما هو معلوم أن تأليه الله تبارك وتعالى أو الشهادة بأنه لا إله إلا الله، قيل: إنها مشتقة من الأله أو من الوله، فالأله هو: العبادة، كما في الآية وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ [الأعراف:127] وأما إن كان من الوله فالمقصود بالوله هو: درجة عليا من درجات المحبة، وهي تعلق القلب بهذا المألوه الذي هو الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، المعبود وحده لا شريك له.

    ومن هنا وقع شرك المشركين حين أحبوا غير الله، وتعلقت قلوبهم به، ونتج عن ذلك أن دعوهم واستغاثوا بهم وعبدوهم من دون الله سبحانه، وصرفوا لهم الحق الخالص لله عز وجل، وهذا المعنى الواسع العميق للمحبة عند أهل السنة والجماعة هو الذي يميز محبتهم عن المحبة العاطفية الهائمة، التي يدَّعيها الصوفية دون أي أساس من الشرع.

    وهذه المحبة التي يدعونها هي شحنه عاطفية يمكن أن تفرغ بقصيدة من الشعر أو حفلة أو ذكر أو حضرة، أو بأي نوع من أنواع المتفرغات العاطفية وينتهي مفعولها، بخلافها عند أهل السنة والجماعة؛ حيث تشمل عمل القلب وعمل الجوارح التي ترتبط بعمل القلب، فيكون المحب في هذه الحالة مطيعاً وذاكراً ومتعلق القلب بالمحبوب.

    وأما المحبة الصوفية أو المحبة البدعية الهائمة، فهي تلك المحبة التي عبَّر عنها السلف الصالح بأنها زندقة، حيث قالوا: ''من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبد الله بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبد الله بالحب والخوف والرجاء فهو المؤمن'' وهذا هو القول الصحيح، وقد عبَّر عن هذه المحبة الزنديقية تصديقاً لهذا القول القديم المأثور الشاعر الصوفي المشهور ابن عربي حين قال قاتله الله:

    لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي     إذا لم يكن ديني إلى دينه داني

    لقـد صار قلبي قابلاً كل صورة     فمرعىً لغزلان، وديراً لرهبان

    وبيـتاً لأوثـان، وكعبةَ طائف     وألواحَ توراةٍ، ومصحفَ قرآن

    أديـنُ بدينِ الحبِّ أَنَّى تَوَجَهَت     رَكـَائِبُه فَالـحُبُّ ديني وإيماني

    فلما أصبحت المحبة بهذا المعنى، وأصبحت محبة الله ومحبة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هي هذا الهيام العاطفي الذي لا يحده ضابط ولا قيد؛ وقعت الأمة أو الطوائف التي اعتنقت هذه المحبة في الغلو العظيم، على ما سوف نوضحه -إن شاء الله- في الفقرة المناسبة له، وخرج بذلك عن حد المحبة الشرعية، وحقيقتها، وما ذلك إلا لجهلهم لهذه المحبة التي شرعها الله والتي لا يقبل الله تبارك وتعالى إلا هي.

    1.   

    مقتضيات محبة الرسول صلى الله عليه وسلم

    لوازم ومقتضيات محبته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كثيرة جداً، نرجو الله تعالى أن يوفقنا لنظم أشتات الحديث فيها:

    تحقيق الشهادة له صلى الله عليه وسلم

    وأعظم ذلك هو تحقيق الشهادة له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأنه رسول الله، هذه الشهادة التي هي ركن التوحيد، والشهادة له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالرسالة التي تعني طاعته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في كل ما أمر، وتعني كذلك اجتناب كل ما نهى عنه وزجر، وتعني تصديقه في كل ما أخبر به، وتعني ألاَّ يعبد الله إلا بما شرع صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ ولهذا قال الله تبارك وتعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران:31] قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ [آل عمران:32].

    فلا بد من اتباعه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا بد من طاعته؛ وهذا الاتباع والطاعة يرث العبد بهما محبة الله فتورث محبة الله تبارك وتعالى بذلك، وهذه هي الغاية العظمى التي يسعى إليها كل المؤمنين، كما قال بعض السلف: ''ليست العبرة بأن تُحِبْ، ولكن العبرة بأن تُحَبَّ'' .

    فمن أحبه الله تبارك وتعالى، فقد وفقه لكل خير، وتحقق محبة الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى للعبد لا يكون إلا بأن يحقق العبد اتباع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران:31]وبالطبع اتباع الله واتباع دين الله وشرعه.

    الاقتداء به صلى الله عليه وسلم

    ومن ذلك الاقتداء به صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والتأسي به، كما قال عز وجل: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً [الأحزاب:21] فلا بد من الاقتداء به والتأسي به في هديه وخلقه ومعاملته وكل أحواله في البيت، والمسجد، وفي الطريق، في السِّلْم، والحرب، وفي كل الأحوال، وهذا الاقتداء هو حقيقة أو هو علامة ولازم تلك المحبة، التي يجب أن تكون كما أشرنا.

    وقد ورد حديث عن عبد الرحمن بن أبي قراد رضي الله عنه حسنه الشيخ الألباني بل ذكره في سلسلة الأحاديث الصحيحة في الجزء الذي لم يخرج، قال: { {أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ توضأ يوماً فجعل الصحابة يتمسحون بوضوئه وذلك تبركاً منهم بوضوئه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال لهم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ما يحملكم على هذا -أي: لم تفعلون ذلك؟ قالوا: حب الله ورسوله، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من سره أن يحب الله ورسوله أو يحبه الله ورسوله، فليصدق حديثه إذا حدَّث، وليؤد أمانته إذا اؤتمن، وليحسن جوار من جاوره}}.

    ولو تأملنا خلق النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لوجدنا أنه أصدق الناس لهجة، وأنه أعظم الناس أمانةً، وأنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحسن الناس جواراً، فهذا نوع وجزء من شمائله العظمى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يجب الاقتداء به فيها، وهذا هو تحقيق محبته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولازمها ومقتضاها.

    تحكيمه في مواضع النزاع

    ومن أعظم لوازم محبته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تحكيمه في كل موضع نـزاع، فلا يقدم قول أحد ولا رأيه ولا اجتهاده ولا نظره، ولا حكمه على قول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وحكمه، يقول الله تبارك وتعالى في هذا: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء:65].

    وهذه الآية كما ذكر ابن القيم رحمه الله في شرح المنازل، هذه الآية شملت مراتب الدين الثلاثه، ففيها المقامات الثلاثة: مقام الإسلام ومقام الإيمان ومقام الإحسان، فالتحكيم في مقام الإسلام فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ [النساء:65].

    فمن لم يحكم الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإنه لا يكون مسلماً، والإيمان في مقام نفي الحرج فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ [النساء:65] فمن انتفى عنه الحرج فهو مؤمن -أي: حكم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وانتفى عنه الحرج بما حكم به النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فهذا هو المؤمن.

    وأعلى من ذلك وأجل هو تحقيق مرتبة الإحسان وهي التسليم المطلق وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء:65] فيسلم المؤمن تسليماً مطلقاً لما حكم به رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولما أمر ولما أخبر به من خبر فلا يعرضه لا على عقله ولا على رأيه ولا على مذهبه ولا على قول شيخه، ولا على أي مخلوق أو أي فكر بشري.

    وإنَّ مما يجب أن ننبه عليه في هذا المقام، هو ذلك المنكر العظيم الذي وقعت فيه الأمة الإسلامية أو طوائف كبيرة منها مع دعوى محبة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومع إظهار بعض الشكليات التي يظنون بها أنهم قد أدوا حقه وأظهروا محبته وزعموها، وذلك هو: تحكيم القوانين الوضعية في شئون حياتهم، ومعارضة سنة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهديه وحكمه وشريعته بتلك الأحكام.

    فهذه جرأة على الله، وجرأة على مقام النبوة، بل هي إهدار وحط من مقام الرسالة؛ لأن معنى الشهادة بأن محمداً رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو أن يشهد العبد أن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قد أرسل هذا الرسول إلينا لنطيعه ونتبع أوامره، ونلتزم بكل ما يأمرنا به فيما هو إلا رسول مبلغ من عند الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

    فالذين يرفضون حكم الله ورسوله ولا يقيمون شرع الله ودينه في أنفسهم ولا في مجتمعاتهم ولا في شئون السياسة أو الحكم أو الاقتصاد أو الاجتماع أو مناهج التعليم، أو أي ناحية من نواحي الحياة فلا ينفعهم أنهم يقيمون له الموالد أو ينشدون له الأناشيد، أو يحيون ذكريات بدعية في ليلة الإسراء والمعراج وما أشبهها، ويزعمون بعد ذلك أنهم مؤمنون وأنهم يعظمون رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

    وربما ذهب بهم الشيطان إلى أبعد من هذا فَعَادوا من يُطبِّق سنة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ويتمسك بها ويقتدي بهديه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بحجة أنه مبغض للرسول، أو أنه خارج عن هديه، وينبزونه بأشنع التهم، والألقاب.

    فهذا من أعظم المنكرات الدالة على أن هؤلاء الناس تركوا محبة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلا يقيمون له وزناً، ولا لرسالته ولا لمقام نبوته ولا لمنـزلته عند الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الذي فضله الله تعالى بها على العالمين أجمعين.

    ولا شك أن هذا مخالف لحال المؤمنين من السلف الكرام والصحابة رضوان الله تعالى عليهم الذين حالهم كما قال الله تبارك وتعالى: إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا [النور:51] فلا اعتراض، ولا منازعة، ولا مدافعة، ولا تردد، ولهذا قال: وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [النور:51].

    فلا يكون الفلاح إلا لهؤلاء الذين حكَّموا سنته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في جميع أعمالهم وحركاتهم ولم تكن لهم الخيرة فيما يقضي به صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كما قال تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب:36].

    فلا اختيار مع أمره صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بل التنفيذ والامتثال، هذه هي لوازم محبته وهذا هو تحقيقها، وقد أمر الله تبارك وتعالى تبعاً لذلك بالرد إلى الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين قال: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [النساء:59] والرد إلى الله هو: الرد إلى كتابه عز وجل، إلى هذا الذكر الحكيم، والرد إلى الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هو: الرد إلى سنته، بأن يُسأل في حياته ويرجع إليه في الأمور، وبعد مماته يرجع إلى دينه وسنته، وهديه، فلا يكون لأحدٍ إيماناً إلا بذلك، كما قال: إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [النساء:59].

    فمن ادَّعى الإيمان والمحبة مع عدم الرد إلى الله ورسوله في مواضع النـزاع والاشتباه في أي حال من الأحوال فقد نقض تلك المحبة وهو كاذب في دعواها، ولم يأتِ بلوازمها، ومقتضياتها.

    وكما هو معلوم عنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحديث الثابت: {من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد}، وقد أشار الشراح رحمهم الله إلى أن هذه اللفظة (عليه أمرنا) فيها الجار والمجرور متعلق بمحذوف يقدر بـ(حاكماً أو قاضياً)، من عمل عملاً ليس أمرنا حاكماً عليه أو قاضياً عليه أو خاتماً عليه فهو رد، فمعنى ذلك: أن أعمال العباد يجب أن تكون تحت أمر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وتحت سنته وهديه وشرعه.

    وكذلك في الحديث الآخر يقول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحديث الصحيح: {فمن رغب عن سنتي فليس مني} فمهما ادَّعى من مدعي محبته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو راغب عن سنته فليس منه.

    وأما صحابته الكرام الذين أحبوه ذلك الحب العظيم فإنهم رضي الله عنهم كانوا متمسكين بسنته، حريصين على التأدب معه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والاقتداء به والاهتداء بهديه، والتأدب معه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وعدم التقديم بين يديه.

    عدم التقديم بين يديه وغضّ الصوت عنده

    وأيضاً مما يجب لتحقيق هذه المحبة وهو لازم عظيم من لوازمها:

    التقديم بين يديه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وغض الصوت عنده يكون في حياته كما هو معلوم بالنسبة لشخصه ولذاته، وبعد مماته يكون بالتأدب مع سنته وغض الصوت، فلا يرتفع صوت رأي، ولا فكرة، ولا مذهب، ولا قياس فوق سنة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

    وقد كان الصحابة الكرام، يدركون هذا المعنى غاية الإدراك كما ورد في صحيح مسلم عن أبي قتادة رضي الله عنه قال:(كنا عند عمران بن حصين في رهط منا، وفينا بشير بن كعب، فحدثنا عمران يومئذٍ، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الحياء خير كله -قال- أو قال: الحياء كله خير).

    الحديث المشهور المعروف { والحياء شعبة من الإيمان } والنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (الحياء خير كله أو الحياء كله خير) هذا بلفظ عام لم يخصص بشيء، فقال بشير بن كعب: (إنا لنجد في بعض الكتب، أو الحكمة أن منه سكينة ووقاراً لله ومنه ضعف) يقول: نجد في بعض الكتب أو في بعض موروثات كتب الأولين أن من الحياء سكينةً ووقاراً ولكن أيضاً، أن منه ضعف.

    (قال أبو قتادة: فغضب عمران حتى احمرتا عيناه، وقال: ألا أراني أحدثك عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتعارض فيه، ثم يقول أبو قتادة: فأعاد عمران الحديث، فأعاد بشير، فغضب عمران).

    ولا شك أن الغضب الثاني أشد من الغضب الأول، فلما رأى أولئك الرهط ثورة عمران، أخذوا يهدئونه قال أبو قتادة: (فما زلنا نقول فيه: إنه منا يا أبا نجيد إنه لا بأس به).

    يقولون: يا أبا نجيد، إن بشيراً هذا منا، إنه ليس من أهل البدع ولا من أهل النفاق ولا من أهل الزيغ والضلال، فما حصل منه هو عمل أهل الزيغ وأهل الضلال وأهل النفاق الذين إذا قيل لهم: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قالوا: إن الأمر كذا، ولكن فلاناً قال كذا، ولكن العلماء قالوا كذا، ولكن المذهب فيه كذا، ولكن الشيخ الفلاني أفتى بكذا، إلى آخر ذلك.

    ولذلك الإمام الشافعي رحمة الله عليه، عبَّر عن ذلك تعبيراً عظيماً حين جاءه رجل يسأله عن أمر من الأمور، فقال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كذا -وتلا عليه حديثاً- فقال له الرجل: فما رأيك أنت؟ فغضب الإمام الشافعي رضي الله عنه، غضباً شديداً، وقال: أتراني في كنيسة؟! أترى عليَّ زناراً؟! أقول لك: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وتقول ما رأيك أنت. فكانوا يعلمون ويدركون أنه لا رأي لأحد مع كلام رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومع هديه، ومع سنته.

    الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم

    يجب أو ينبغي أن ننبه إلى أمر عظيم من لوازم محبته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو الصلاة والسلام عليه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهذا الأمر العظيم قد جاء تفصيله في الشرع؛ فهناك مواضع تجب فيها الصلاة والسلام عليه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالصيغة أو بالصيغ الشرعية الواردة في الأحاديث الصحيحة، وهناك مواضع تستحب فيها هذه الصلاة وتتأكد، وهناك أحوال بل نقول: إنها في كل حال، وفي كل وقت الصلاة والسلام على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هي قربة وذكر ونافلة وعبادة من أعظم العبادات وأجلِّها.

    عدم أذيته صلى الله عليه وسلم

    مما يجب أن يعلم أن من لوازم محبته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عدم أذيته، كما تفضل الشيخ عبد الله في مسألة الاستهزاء؛ بل إن الله سبحانه بيَّن أن أذيته هي شأن المنافقين وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ [التوبة:61].

    فأي قول فيه نوع من التحقير، أو التقليل للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أو الحط من قيمته، أو الأذية له أو لسنته فإنه من عمل المنافقين وهذا النفاق هو نفاق أكبر -نسأل الله العفو والعافية- وما من قلب ينعقد على شيء من بغض النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو كراهيته ويكون صاحبه مؤمناً قط.

    نعم. الناس يتفاوتون في محبة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تفاوتاً عظيماً، ولكن المؤمن المسلم لا يخلو قلبه أبداً من شيء من محبته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وإن قل، أما أن يشتمل قلب أحدٍ من البشر بشيء من كراهيته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهذا هو الكفر عياذاً بالله، ولا يجتمع الإيمان مع بغضه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبداً، ومن ذلك عدم إيذائه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في زوجاته، وعدم إيذائه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في صحابته الكرام.

    فإن من آذاه في زوجاته أو في صحابته فكأنما آذاه في نفسه وفي شخصه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الواحد من الناس أو الواحد من البشر من آذاه في زوجته أو في صديقه، أو في حبيبه فلا شك أنه آذاه هو، فكيف بمن آذى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بشيء من ذلك؟! وهذا مما هو معلوم من جميع المسلمين -ولله الحمد- وإنما أحببنا أن ننبه فيه لأهميته، ولعله يأتي بعد ذلك ويزيده إيضاحاً بعون الله عز وجل.

    1.   

    الغلو في النبي صلى الله عليه وسلم

    إن بسط هذا الموضوع يحتاج إلى مقام أكبر، وما ذلك إلا لكثرة ما وقع من الخبط والضلال في هذا الباب نسأل الله الهداية والعصمة والعافية، والناس في محبة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طرفان ووسط، أما الوسط فهم الطائفة المنصورة والفرقة الناجية، أهل السنة والجماعة.

    وقد تقدم الحديث عنهم فهم الذين ساروا على مقتضى كتاب الله وسنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أمر هذه المحبة، كما ساروا عليه في سالف أمور الدين الاعتقادية والعملية.

    ومن ذلك أنهم لم يجاوزوا للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قدره، ولم ينقصوه -أيضاً- حقه. فمثلاً: الحديث المتفق عليه حديث عبادة بن الصامت الذي يقول فيه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل).

    هذا الحديث يعمل به أهل السنة والجماعة مع فهمهم لمدلوله وحقيقته، فقد نص على الشهادة بأن محمداً عبده ورسوله.

    فعبده تقتضي: ألاَّ يرفع إلى مقام الألوهية، فهو مهما علت منزلته -وهي منزلة عليا بلا شك- وليس أعلى منه أحد من الخلق في المنزلة، مهما بلغ فهو لا يصل إلى مقام الألوهية أبداً فهو عبد، وكماله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إنما هو بتحقيقه لكمال العبودية لربه عز وجل.

    فلم يحقق ذلك أحد من البشر مثلما حققه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهو العبد الكامل المصطفى المجتبى الذي استحق أن يوصف بذلك في أعلى درجات التكريم، كما قال تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ [الإسراء:1].

    فهو عبده، وهو رسوله، فكما أنه لا يزاد عن قدره صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فكذلك لا يعامل كسائر البشر؛ لأنه رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهذه ميزة عظمى، كما قال الله تعالى: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ [الكهف:110] فالله تبارك وتعالى فضَّله بهذا الوحي وبهذه الرِّسالة.

    فكونه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقتضي كل ما ذكرنا من اللوازم: من الاتباع، والطاعة، وامتثال الأمر، والوقوف عند حدود ما شرع، وأن لا يعبد الله إلا بما جاء به صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأن لا يقدم على قوله قول أحد كائناً من كان إلى آخر ما ذكرنا فهذا يقتضيه قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

    منزلة النبي صلى الله عليه وسلم عند الناس

    أهل السنة والجماعة -ولله الحمد- يثبتون ذلك فهو عبد الله ورسوله، فهم الذين يتمسكون بهديه في العبادة، وهم الذين يتبعون ما جاء به من الشرع والدين، فلا ينقصونه قدره صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ بل هم أعظم الناس له حباً وتقديراً وإجلالاً، كما سمعنا في محبة الصحابة الكرام رضوان الله عليهم ومن بعدهم، من السلف، وهم أيضاً في نفس الوقت لم يخرجوه عن حده.

    فلم يقعوا فيما نهى عنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مما وقع فيه غيرهم، وهما الطرفان اللذان أشرنا لهما، وهذان الطرفان هما كما قال شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية رحمه الله تعالى، عندما تعرض لهذا الموضوع، فذكر ''أن باب محبة الله ومحبة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الناس فيها طرفان فطرف أول وهم أشباه اليهود، أما أهل النظر والكلام والمنتسبين إلى العلم جحدوها وكذبوا بتحقيقها، وفريق من أهل التعبد والتصوف والزهد أدخلوا فيها من الاعتقادات والإرادات الفاسدة ما ضاهوا بها المشركين، فالأولون يشبهون المستكبرين وهؤلاء يشبهون المشركين، ولهذا يكون الأول في أشباه اليهود ويكون الثاني في أشباه النصارى''، وهذا من جامع وأدق الألفاظ التي تدل على حقيقة هؤلاء القوم.

    أما الطائفة الأولى: وهم الذين فيهم شبه اليهود، فهؤلاء قساة القلوب، غلاظ الأكباد، لم تتخلل محبة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قلوبهم، ولم تخالط شغافها، ولم تنعم وتسر قلوبهم لمحبته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بل تلك الغلظة والجفوة والقسوة ظاهرة بادية عليهم في تعاملهم معه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلا يكادون يذكرونه إلا قليلاً وإذا ذكروه لا يصلون عليه ولا يسلمون.

    وأشد من ذلك وأشدهم في ذلك من تخلى عن سنته، وحارب أتباعه الداعين إلى التمسك بدينه والتحاكم إلى شريعته ووالى أعداءه الذين يكذبونه ويجحدون رسالته، كمن يوالي اليهود والنصارى والمشركين ويتبع قوانينهم وآرائهم ومناهجهم وأحوالهم وتقاليدهم.

    هؤلاء أبعد الناس عن محبة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهم الطرف الأول الذي كان بهذه الأمة فيما سبق شيئ منهم، أو نموذج لهم، وهم الفلاسفة والمتكلمون وغيرهم، ولكن بلغ هذا الأمر ذروته في هؤلاء المتخلين عن دينه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أنهم منسلخين عن شرعه بالكلية، نسأل الله السلامة والعفو العافية.

    والكلام في هؤلاء لا يحتاج إلى إطالة، فحسبهم هذه الأوصاف، حسبهم جفوتهم وغلظتهم، وإهدارهم لمقام نبوته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

    وأما الطرف الآخر: الذين هم أشباه النصارى وأشباه المشركين؛ فهم في الواقع طرائق شتى، ولهم في الانحراف أيضاً طرق شتى، وعامة المسلمين هم إما منهم أو من أتباعهم نسأل الله أن يردهم إليه رداً حميداً، فقد وقعوا فيما وقعت فيه النصارى من الغلو في النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

    كما غالى النصارى في عيسى غلواً ذهب بهم ذات اليمين وذات الشمال، حتى إنه في بعض الأحيان يكون فيه تنقص لقدر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وإهدار لمقامه وهم لا يشعرون، لقد ضلوا في فهم المحبة فجعلوها مسألة عاطفية وجدانية، ولهذا نجد غالبهم يجعلون محبته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مجرد ذكرى ترتبط بزمن معين أو حال معين، ولا يلقون ولا يسخون سمعا لأمره ونهيه فلا عمل القلب يتحقق ولا عمل الجوارح، وإنما هذه العاطفة الهائمة فقط.

    من مظاهر الغلو في النبي صلى الله عليه وسلم

    وهذا الغلو في الحقيقة له أسباب كثيرة، نذكر منها ما يلي:

    أن بعض أولئك الذين غلوا في رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، من مؤسسي الطرق ومدعي الكرامات وغيرهم، إنما أرادوا بذلك التوصل إلى تعظيم أنفسهم، أو مشايخهم وقدواتهم، ولهذا قال من قال من السلف: الناس يعبدون الله وهؤلاء يعبدون أنفسهم أو يعبدون الخلق لأنفسهم، ويطلبون حظ النفس ومتعة النفس فيما يعملون.

    حتى محبة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يطلبون بها حظ النفس من الشهرة، ومن الكرامات، ومن الخوارق وما أشبه ذلك، ولهذا وضعوا قاعدة معروفة عندهم، يقولون: كل ما ثبت للنبي معجزة فهو ثابت للولي كرامة، فيدعون للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الكثير من الخوارق والمعجزات، والكرامات، غير ما أعطاه ربه عز وجل من الآيات البينات والكرامات، يدعونها ليضيفوها إلى شيوخهم فيما بعد، وليثبتوها له.

    فإذا اعترض معترض لماذا تنسبون هذا للشيخ؟ قالوا: هذا قد ثبت للرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأكثر الجهال يثبت ذلك ولا يعارض خشية أن يقال: أنت تنتقص مقام النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهذه التهمة التي دائماً يتهمون بها أهل الحق -كما سنرى إن شاء الله فيما بعد- فيسلم لهم أن هذا للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فيقولون: هو ثابت للأولياء الوراث -يسمونهم الوراث- وارثوا الحقيقة المحمدية كما يزعمون، هذا سبب ولا نطيل فيه.

    السبب الثاني: هو التأثر بـالرافضة قاتلهم الله، فإن الرافضة في غلوهم في حق علي رضي الله عنه، مع الصراع التاريخي المزمن بينهم وبين أهل السنة انتشر وباء التصوف والغلو في رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مقابل غلو أولئك في علي رضي الله عنه.

    فالمسألة أصبحت ردود فعل من العامة، وعواطف جيَّاشة لا تستند لا عند هؤلاء ولا عند هؤلاء على الدليل العلمي الصحيح والبرهان.

    ولهذا آل الأمر إلى أن أسبغوا من أوصاف الألوهية وخصائصها للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مثل ما تسبغ الروافض على أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وعلى آل بيته، والصلة بين التصوف والتشيع حقيقة قائمة يشهد بها التاريخ ولا سيما تاريخ الفرق، وليس بإمكاني الآن أن أوضح ذلك أو أن أطيل فيه.

    والمقصود أن هؤلاء لما وقعوا في ذلك ناقضوا كتاب الله وصحيح سنته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

    فمثلاً: قول الله تبارك وتعالى: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ [الكهف:110] هناك كثير من الأدلة على أن الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بشر، وإن أردتم التمثيل فلنذكر مثلاً: فرقة البريلوية.

    يقولون: إننا نحن أهل السنة ومعاشر المسلمين نقرأ الآية بخلاف ما أنزل الله، فإن القراءة الصحيحة لها أن نقول: (قُلْ إِنَّ مَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) فهو تأكيد لنفي بشريته، يقولون: الآية تؤكد (إن) توكيد النفي (ما أنا بشر مثلكم) أي: فهو فوق البشر، وأمثال ذلك مما يحدثنا به كتاب الله سبحانه، ومثلاً قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم وإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله} كما تقدم من حديث عمر.

    هذا القول وهذا النهي منه صلى الله عليه وسلم ضربوا به عرض الحائط، فغلوا فيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غلواً عظيماً فاحشاً، وما أكثر ما نسبوا إليه من خصائص الألوهية، فجاروا بذلك وخرجوا من الملة.

    مثلاً: ينسبون إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن بيده مقاليد السماوات والأرض، وأن له أن يقطع من أرض الجنة كما يشاء، وقالوا: إنه يعلم الغيب، وإنه يعلم سر الروح وحقيقة الروح، وإنه يعلم متى تقوم الساعة، وأنه يعلم الخمس التي ذكرها الله سبحانه في كتابه وهو مختص عز وجل بعلمها.

    يقولون: إن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مطلع على ذلك وعالم بما فيه، كيف وقد قال قائلهم:

    فإن من جودك الدنيا وضرتها     ومن علومك علم اللوح والقلم

    فماذا بعد هذا الغلو من غلو نعوذ بالله من الضلال؟ فهكذا غلوا فيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهم يزعمون ويظنون أنهم بذلك يحبونه ويعظمونه.

    السبب الثالث: ومن ذلك أيضاً من ما خالفوا به هديه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

    مثلاً: ما ثبت عنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في زيارة القبور، وقد قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحديث الصحيح: {لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد} وقال في الحديث الصحيح الآخر: {لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى}.

    فخالفوا أمره وناقضوه أعظم المناقضة، وشرعوا شد الرحل لزيارة قبره وفرضوه فرضاً، وقالوا: إنه وإن كان سُنة عند الفقهاء فمن زار مسجده صلى الله عليه وسلم، فإن زيارة قبره وشد الرحل إلى قبره عند الصوفية فرض، وأفردوا كتباً وافتروا أحاديث كثيرة على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتقَّولوا عليه ما لم يقل، وما أكثر هذه الأحاديث، وقد ذكرها العلماء وجمعها المؤلفون منهم في الأحاديث الموضوعة، ولم يكتفوا بهذا بل شرعوا لمن زاره ولغير زائر قبره صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يستغيث به، وأن يدعوه، وأن يستجير به، ورتبوا لذلك أموراً، وهذا من أعظم الشرك؛ لأن كفر الجاهليين وشركهم إنما كان لأنهم يدعون غير الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، ويستغيثون به ويستجيرون به.

    فأوقعوا هذه الأمة المحمدية في نقيض ما دعا إليه رسول التوحيد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو أنه يدعى ويستغاث ويستجار به صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وجعلوا لذلك أوراداً وصلواتاً وأحزاباً كثيرةً جداً، مثل جامع الصلوات الذي جمعه النبهاني، فلا تكاد تجد فيه أي صلاة من تلك الصلوات إلا وفيها الشرك الصريح، وفيها الحلول، وفيها الاتحاد، وفيها وحدة الوجود.

    كقولهم: إنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنسان عين الوجود، والسبب في كل موجود، وأنه مظهر وتجلي لصفات الله سبحانه، وغير ذلك مما وضعوه، وكما وضع البكري -وهو من أقطابهم المتأخرين قبحه الله- ذلك أشعاراً تردد وتنشد في الموالد وغيرها، كقصيدة اللامية التي ضاهت البردة في الشركيات، التي قال فيها:

    ما أرسل الرحمن أو يرسل في ملكوت الله أو ملكه

    من كل ما يختص أو يشمل

    ولا ورى من قادح زنده

    إلا وطه المصطفى عبده

    نبيه مختاره المرسل

    وهو لما يقضي نيلها

    واسطة فيها وأصل لها

    يعلم هذا كل من يعقل

    وعندما تزعج من مزعج

    فلذ به في كل ما ترتجي

    فهو شفيع دائماً يقبل

    وعُد له صبحاً وعند العشي

    وعذ به من كل ما تختشي

    فإنه المأمن والمعقل

    وليقل المكروب في كربه

    يا أكرم الخلق على ربه

    وخير من فيهم به يسأل

    يقدم فيهم شافعاً كرة      قد مسني الكرب وكم مرة

    فرَّجت كرباً بعضه يذهل

    وأنت إن ناهضته مغمراً

    فبالذي خصك بين الورى

    برتبة عنها العلا تنزل

    فحيث كنت الطب من مهلكي

    عجِّل بإذهاب الذي أشتكي

    وإن توقفت فمن أسأل

    نسأل الله السلامة والعافية، أين الله إذا كان فإن توقفت فمن ذا أسأل، ورتبوا أنشودة مثل هذه الأناشيد أو حتى عند زيارة القبر أوراداً معينة يأتي الإنسان إلى القبر ثم يستقبله ثم يرفع يديه ويدعو ثم يتوب من الذنوب، ثم يقول بعد أن يدعو الأدعية التي يشرعونها:

    يا رسول الله قد ظلمت     نفسي ظلمًا كبيراً

    وأتيت بجهلي وغفـ     ـلاتي أمرًا كبيرًا

    وقد وفدت عليك     زائرًا وبك مستجيرًا

    نسأل الله العفو والعافية، ويزعمون أنهم بهذا يُتَوِبون أصحاب المعاصي من المعصية وهم يوقعونهم في الشرك الأكبر الذي تهون معه كل المعاصي، إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48].

    فلو حققوا التوحيد لشملتهم مشيئة الله تعالى بالمغفرة بأن لا يعذبهم أصلاً، وإما بأن يعذبهم ثم يخرجهم من الجنة، أما من أتى بهذا الشرك الذي يلقنونه إياهم فإنه خالد مخلد في النار كما توعد الله به المشركين نسأل الله العفو العافية.

    الغلو في محبة النبي صلى الله عليه وسلم

    وقد بلغ بهم أيضاً الغلو في النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن زعموا أنه هو أول المخلوقات، وأنه خُلِق من نور الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، ولهم في ذلك أعاجيب ينقلونها ومن ذلك الطريقة القادرية، معروفة وهي أشهر وأكبر الطرق، تنتشر في إفريقيا والهند والباكستان والدول العربية انتشاراً عجيباً.

    حتى قيل: إن أتباعها يقاربون (300) مليون من المسلمين مع الأسف، فهؤلاء الناس الذين حتى لو حجوا أو اعتمروا أو صلوا لا يرددون إلا أذكار هذه الطريقة، في أثناء الحج أو بعد الصلوات.

    وينسبون كتاباً من كتب الطريقة اسمه سر الأسرار إلى عبد القادر الجيلاني، معي الآن مقطع منه فيما يتعلق بهذه الفقرة، يقول: '' اعلم وفقك الله لما يحب ويرضى، لقد خلق الله تعالى روح محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أولاً: من نوره وجماله، كما قال الله عز وجل: خلقت روح محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من نور وجهي -وهذا كذب لم يقله الله عز وجل- وكما قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أول ما خلق الله روحي، وأول ما خلق الله نوري، وأول ما خلق الله القلم، وأول ما خلق الله العقل '' وهذا كله كذب باطل، إلا قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {أول ما خلق الله القلم}.

    يقول: '' فالمراد منها -أي: من هذه الأحاديث المختلفة- شيء واحد هو: الحقيقة المحمدية ''، والحقيقة المحمدية اصطلاح فلسفي يطلقه الصوفية على أول المخلوقات، وأول الكائنات، وهو في الحقيقة يقابل العقل الكلي الذي تدعيه الفلاسفة والباطنية، ويقولون: إنه أصل جميع الموجودات، وهؤلاء يسمونه الحقيقة المحمدية.

    يقول: '' المراد من هذه الأحاديث شيء واحد هو: الحقيقة المحمدية، فالروح المحمدية خلاصة الأكوان، وأول الكائنات كما قال عليه الصلاة والسلام: أنا من الله والمؤمنون مني، وخلق الله الأرواح كلها منها في عالم اللاهوت وفي أحسن التقويم وهو الوطن الأصلي -انظروا كيف تحريف كتاب الله وتفسيره- فلما مضى عليها أربعة آلاف سنة خلق العرش من نور عين محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وبواقي الكائنات منه -يعني: من نور النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ثم ردت الأرواح إلى درك أسفل الكائنات ''.

    أي: الأجساد، لأن الأجساد في نظر الصوفية هي أسفل الكائنات، كما هي النظرية الهندوسية المعروفة في ديانة الهندوس الفناء: الجسد هو أدنى الدرجات، والإنسان يترقى ويفنى في الاتحاد حتى يتحد بالله عز وجل، تعالى الله عما يقولون.

    يقول: '' كما قال الله تعالى: ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ [التين:5] -هذا من تفسيرات الصوفية- فلما تعلقت الأرواح وأنست في الأجساد نسيت ما اتخذت من عهد الميثاق في يوم: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى [الأعراف:172] فلم ترجع إلى الوطن الأصلي ''.

    الآن يعلل لماذا بعث النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ يقول: بعث لأن الأرواح تعلقت بالأجساد ونسيت أصلها.

    يقول: '' فترحم الرحمان المستعان عليهم بإنزال الكتب السماوية تذكرة لهم، بذلك الوطن الأصلي كما قال تعالى: وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ [إبراهيم:5]، أي: أيام وصاله بما سبق مع الأرواح ''.

    وهذا ليس بصحيح أبداً أيضاً بل هو من تفسيراتهم، ومثل هذا تفسيرات الباطنية.

    يقول: '' حتى أفضت الرسالة إلى الروح الأعظم المحمدي خاتم الرسالة، والهادي من الضلالة، فأرسله إلى هؤلاء الناس الغافلين، ليفتح بصيرتهم، من نوم الغفلة فيدعوهم إلى الله تعالى، ووصله ولقاء جماله الأزلي '' نسأل الله العفو العافية.

    نحن نقول: إن هذا الكلام المنسوبللجيلاني لا يعقل أن يقوله، ولم يثبت لدينا قوله، ولكن أصحابه ينسبون ذلك إليه، ولو قاله لما كانت له تلك المنزلة التي ذكرها العلماء عنه، مع ما ذكروا عنه من بعض جوانب البدع.

    لكن نحن الآن لا نحاسبه كفرد ولكن نحاسب هذه الطائفة التي غلت في رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى هذا الحد، وجاءت بأمثال هذه الخرافات والتي أصلها ما افتراه الزرادشتية والمجوس في أنبيائهم كما نقل ذلك الدكتورطلعت غنام وأمثالهم ممن بحثوا في أصول التصوف.

    دعوى خلق الكون لأجله صلى الله عليه وسلم

    ومن ذلك أيضاً زعمهم -أي: من غلوهم في النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن الكون إنما خلق لأجله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأن ليلة مولده هي أفضل من ليلة القدر، ويزعمون أن روحه تحضر الموالد والمحافل التي يقولونها، فيزعمون أنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حي باستمرار حياة كاملة، وأنه يحضر الموالد، وأنه يخاطب الأولياء، وأنه يكلمهم.

    وكم افتروا على الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وعلى الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أمثال هذه الأمور فشرعوا من الدين ما لم يأمر به الله، مثل ما شرع أحمد التيجاني، ومثل المهدي الذي في السودان ممن يفترون على الله الكذب والشاذلي الذي يقول: إن كل طريقة لها شيخ، وأما أنا فشيخي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آخذ عنه في اليقظة مباشرة، وأمثال هذا من الغلو الذي يزعمونه.

    ولا شك في بطلان ذلك -والحمد لله- لكل ذي بصيرة؛ ولكن العجب!! هو انتشار هذه الطرق، وفتكها لهذه الأمة في غفلة من دعاة الحق، وربما لإقرار أو لتعاون من دعاة الباطل من أصحاب القسم الأول أشباه اليهود الذين يحاربون سنة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فإنهم يغضون النظر عن أمثال هؤلاء ويؤيدونهم، ويشجعونهم، ويعطونهم أعظم المناصب، ويحضرون احتفالاتهم أيضاً؛ لأنهم يعلمون أنها خارجة عن دين الله فهي لا تضرهم، وقد خرجوا هم عن دين الله ولكن من باب آخر، نسأل الله العفو والعافية.

    الغلو في نعله صلى الله عليه وسلم

    والغلو هذا لا يقف عند حد الافتراء والكذب، حتى إن بعضهم افتعلوا للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أشياء لا تزيد في قدره بل ربما يكون في بعضها منقصه له.

    مثلاً: افتعلوا أن نعل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علت على رءوس جميع الكائنات، وأنها أفضل من جميع المخلوقات، وجعلوا الأمر متعلق بنعل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حتى قال قائلهم:

    على رأس هذا الكون نعلُ محمد

    سمت فجميع الخلق تحت ظلاله

    لدى الطور موسى نودي اخلع

    وأحمد إلى العرش لم يؤمر بخلع نعاله

    ويقولون: إن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليلة الإسراء أسري به لربه ولم يخلع نعاله، وأنه قرب من بساط الأنس وخاطبه ربه وكلمه، وأحياناً يقولون: رآه، وهو لم يخلع نعاله فسمت فوق جميع الكائنات، مع أن موسى أمر بخلع النعال في الطور وهو في الأرض، وأمثال هذا الكلام الذي لا دليل عليه.

    وفي نفس الوقت لا يزيد إثبات مثل هذا من قيمة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كما يقولون: إن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان القمل لا يؤذيه والذباب لا يقع عليه، فهذا فوق كونه من الكذب المختلق الذي لا دليل عليه، وهذا مما فيه غض ونقص من حق النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه كان فيه قمل لكن لا يؤذيه، أو أن القمل عنده وعند أصحابه لكنه لا يؤذيه.

    فما الذي يدعو إلى أمثال هذه الأقوال واختلاق هذا الإفك والله سبحانه قد فضَّله بالمقام المحمود في الآخرة، وقد فضله بالشرف العظيم في هذه الدنيا بالرسالة العظيمة الخالدة التي أعلاها وأظهرها الله سبحانه على جميع العالمين، ليس هنالك من داعي على الإطلاق لأمثال هذه الأمور.

    الرد على من يدعي أن أهل السنة يكرهون النبي صلى الله عليه وسلم

    إن الأمر في هذا يطول والحديث يتشعب، لكن أحب أن أختم هذا بأمر مناسب وهو ما ذكره ابن القيم رحمه الله في نونيته المشهورة من أن أهل البدع يتهمون أهل السنة والجماعة بأنهم يكرهون النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أو يتنقصون من قدره وهذا هو الواقع في كل زمان ومكان، وهذا الافتراء وهذا الإفك قديم، وابن القيم رحمه الله يرد عليهم بأبيات عظيمة، يبين فيها حقيقة التوحيد وحقيقة الخلاف بين الطائفتين، فمعذرة إذا أطلت عليكم قليلاً وقرأت شيئاً من هذه الأبيات، يقول رحمه الله:

    قالوا تنقصتم رسول الله     واعجباً لهذا البغي والبهتان

    عزلوه أن يحتج قط بقوله     في العلم بالله العظيم الشان

    عزلوا كلام الله ثم رسوله     عن ذاك عزلاً ليس ذا كتمان

    واستمر في بيان كلامهم في الصفات وفي غيرها إلى أن قال:

    الرب رب والرسول فعبده     حقاً وليس لنا إله ثان

    فلذاك لم نعبده مثل عبادة الر     حمن فعل المشرك النصراني

    كلا ولم نغل الغلو كما نهى      عنه الرسول مخافة الكفران

    لله حق لا يكون لغيره     ولعبده حق هما حقان

    لا تجعلوا الحقين حقاً واحداً     من غير تمييز ولا فرقان

    هم خلطوا بين الحقين فجعلوا حق الله للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهكذا، يقول:

    فالحج للرحمن دون رسوله     وكذا الصلاة وذبح ذي القربان

    وكذا السجود ونذرنا ويميننا     وكذا متاب العبد من عصيان

    وكذا التوكل والإنابة والتقى     وكذا الرجاء وخشية الرحمن

    وكذا العبادة واستعانتنا به     إياك نعبد ذاك توحيدان

    يعني هذان توحيدان:

    وعليهما قام الوجود بأسره     دنيا وأخرى حبذا الركبان

    وكذلك التسبح والتكبير والتهليل حق إلهنا الديان، ثم يقول:

    لكنما التعزير والتوقير     حق للرسول بمقتضى القرآن

    والحب والإيمان والتصديق لا     يختص بل حقان مشتركان

    فالحب والإيمان والتصديق مشتركان بين النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبين الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

    هذه تفاصيل الحقوق ثلاثة     لا تجهلوها يا أولي العدوان

    إلى أن يقول:

    ونظير هذا قول أعداء الـ     ـمسيح من النصارى عابدي الصلبان

    إنا تنقصنا المسيح بقولنا     عبد وذلك غاية النقصان

    لو قلتمُ ولد إله خالق     وفَّيتموه حقه بوزان

    وكذاك أشباه النصارى مُذّ     غلوا في دينهم بالجهل والطغيان

    صاروا معادين الرسول ودينه     في صورة الأحباب والإخوان

    فانظر إلى تبديلهم توحيده     بالشرك والإيمان بالكفران

    وانظر إلى تجريده التوحيد من     أسباب كل الشرك بالرحمن

    واجمع مقالتهم وما قد قاله     واستدع بالنقاد والوزان

    عقل وفطرتك السليمة زن     هذا وذا لا تطغ في الميزان

    فهناك تعلم أي حزبينا هو الـ     ـمتنقص المنقوص ذو العدوان

    أي: تعرف من الذي يتنقص النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أهم أهل السنة أو أولئك، إلى أن يقول رحمه الله:

    والله أمركم عجيب معجبٌ     ضدان فيكم ليس يتفقان

    يقول: فيكم أمرين الأول: أنكم أنتم تغلون في النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جمعتم أمرين:

    تقديم آراء الرجال عليه مع     هذا الغلو فكيف يجتمعان

    كفرتم من جرد التوحيد جهــ     ـلاً منكم بحقائق الإيمان

    لكن تجردتم لنصر الشرك والـ     ـبدع المضلة في رضا الشيطان

    يقول: والثاني: أنكم أنتم تقدمون آراء الرجال والشيوخ والمذاهب على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هذا معروف من حالهم، ومع ذلك يغلون فيه ويؤلهونه بل يؤلهون حتى بعض آثاره كما سمعنا في الكلام عن الحذاء وأمثال ذلك، فيقول: كيف تجمعون بين هذا وهذا، يقول:

    والله لم نقصد سوى التجريد للـ     ـتوحيد ذاك وصية الرحمن

    ورضا رسول الله منا لا غلوا     الشرك أصل عبادة الأوثان

    والله لو يرضى الرسول دعاءنا     إياه بادرنا إلى الإذعان

    والله لو يرضى الرسول سجودنا     كنا نخر له على الأذقان

    والله ما يرضيه منا غير     إخلاص وتحكيم لذا القرآن

    ولقد نهى ذا الخلق عن إطرائه     فعل النصارى عابدي الصلبان

    ولقد نهانا أن نصير قبره     عيداً حذار الشرك بالرحمن

    ودعا بألا يجعل القبر الذي     قد ضمه وثناً من الأوثان

    إلى آخر مابين فيه رضي الله عنه ورحمه.

    نسأل الله أن يهدينا ويهدي ضال المسلمين إلى معرفة محبته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وإلى التمسك بسنته واتباع هديه إنه سميع مجيب.. والحمد لله رب العالمين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3009515508

    عدد مرات الحفظ

    721720501