إسلام ويب

التعليق على كتاب الفوز الكبير في أصول التفسير [7]للشيخ : مساعد الطيار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • هناك علوم لها علاقة بالتفسير وليست منه، ومنها: التوجيه وهو تفسير الصعوبة التي تقع في الكلام، وكذلك معرفة النحو، والبلاغة لبيان إعجاز القرآن، وإشارات الصوفية إذا لم تخالف الشرع.

    1.   

    الفصل الثاني: الآثار المروية في كتب التفسير

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا ونبينا محمد خاتم النبيين وإمام المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    قال الإمام ولي الله الدهلوي في كتابه الفوز الكبير: [ الفصل الثاني: الآثار المروية في كتب التفسير.

    من جملة الآثار المروية في كتب التفسير: بيان سبب النزول.

    أقسام أسباب النزول الواردة في آثار السلف

    وسبب النزول على قسمين:

    القسم الأول: أن تقع حادثة يظهر فيها إيمان المؤمنين ونفاق المنافقين، كما وقع في أحد والأحزاب، أنزل الله تعالى مدح هؤلاء، وذم أولئك ليكون فيصلاً بين الفريقين، وربما يقع في مثل هذا من التعريض بخصوصيات الحادثة ما يبلغ حد الكثرة، فيجد أن يذكر شرح الحادثة بكلام مختصر؛ ليتضح سوق الكلام على القارئ.

    القسم الثاني: أن يتم معنى الآية بعمومها من غير احتياج إلى العلم بالحادثة التي هي سبب النزول، والحكم لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، وقد ذكر قدماء المفسرين تلك الحادثة بقصد الإحاطة بالآثار المناسبة للآية، أو بقصد بيان ما صدق عليه العموم، وليس ذكر هذا القسم من الضروريات، وقد تحقق عند الفقير أن الصحابة والتابعين كثيراً ما كانوا يقولون: نزلت الآية في كذا وكذا، وكان غرضهم تصوير ما صدقت عليه الآية، وذكر بعض الحوادث التي تشملها الآية بعمومها، سواء تقدمت القصة أو تأخرت، إسرائيلياً كان ذلك أو جاهلياً، أو إسلامياً، استوعبت جميع قيود الآية أو بعضها، والله أعلم.

    أسباب النزول الاجتهادية

    فعلم من هذا التحقيق أن للاجتهاد في هذا القسم مدخلاً، وللقصص المتعددة هنا لك سعة، فمن استحضر هذه النكتة يتمكن من حل ما اختلف من سبب النزول بأدنى عناية، ومن جملة ذلك تفصيل قصة وقع في نظم القرآن تعريض بأصلها، فيأخذ المفسرون استقصاء القصة من أخبار بني إسرائيل، أو من علم السير، فيذكرونها بجميع خصوصياتها، وها هنا أيضاً تفصيل ما كان في الآية تعريض به ظاهراً، بحيث يقف هناك العارف باللغة متفحصاً، فذكره من وظيفة المفسر، وما كان خارجاً من هذا الباب مثل ذكر بقرة بني إسرائيل أذكراً كانت أم أنثى؟ ومثل بيان كلب أصحاب الكهف أأبقعاً كان أم أحمر؟ فهو تكلف ما لا يعني، وكانت الصحابة رضي الله عنهم يعدون ذلك قبيحاً من قبيل تضييع الأوقات، ويحفظ ها هنا نكتتان:

    موقف السلف من تعريضات الآيات

    الأولى: أن الأصل في هذا الباب إيراد القصص المسموعة بلا تصرف عقل، وربما يتخذ جمع من قدماء المفسرين ذلك التعريض قدوة، فيفرضون محملاً مناسباً لذلك التعريض، فيقررونه بصورة الاحتمال، فيشتبه على المتأخرين، وكثيراً ما يشتبه التقرير على سبيل الاحتمال بالتقرير مع الجزم في كلامهم، ويذكرون هذا مقام ذاك؛ لأن أساليب التقرير لم تكن منقحةً في ذلك الزمان، وهذا أمر مجتهد فيه، للنظر العقلي فيه مجال، ودائرة قيل ويقال هنالك متسعة، فيمكن فيه إرخاء العنان، ومن حفظ هذه النكتة حكم حكماً فيصلاً في كثير من مواضع اختلف فيها المفسرون، ويمكن أن يتحقق في كثير من مناظرات الصحابة أنه ليس بقول، وإنما تفتيش علمي يعرضه بعض المجتهدين على بعض، والفقير على هذا المحمل يحمل قول ابن عباس رضي الله عنهما في آية وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ [المائدة:6]، لا أجد في كتاب الله إلا المسح، لكنهم أبوا إلا الغسل، فالذي يفهمه الفقير أنه ليس بذهاب إلى وجوب المسح، وليس فيه جزم بحمل الآية على ركنية المسح، فالذي تقرر عند ابن عباس رضي الله عنهما الغسل، ولكنهم يرون هنالك إشكالاً، ويظهرون احتمالاً ليعلم بأي وجه يذكر علماء العصر التطبيق في هذا التعارض، وأي مسلك يسلكون، ومن لم يطلع على حقيقة محاورة السلف يظنه قول ابن عباس ، ويعده مذهباً له حاشاه وحاشاه.

    النكتة الثانية: أن النقل عن بني إسرائيل دسيسة دخلت في ديننا، ( ولا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم ) قاعدة مقررة، فلزم أمران:

    الأول: ألا يرتكب النقل على أهل الكتاب إذا وجد في سنة نبينا صلى الله عليه وسلم بيان لتعرض القرآن مثلاً، حيث وجد لقوله تعالى: وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ [ص:34] محمل في السنة النبوية، وهو قصة ترك إن شاء الله، والمؤاخذة عليه، فلا يرتكب قصة صخر المارد.

    الأمر الثاني: إن الضروري يتقدر بقدر الضرورة، فليكن ذلك ملحوظاً عند التفسير، فلا يقع الكلام إلا بقدر اقتضاء التعريض؛ ليحصل التصديق بشهادة القرآن، فيكف اللسان عن الزيادة، وها هنا نكتة لطيفة الغاية، فلا تغفل عنها، وهي أنها قد تذكر في القرآن العظيم قصة في موضع بالإجمال، وفي موضع بالتفصيل مثلما قال تعالى: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ [البقرة:30]، ثم قال: إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ [البقرة:33]، فهذه المقولة هي المقولة المتقدمة ذكرت بنوع من التفصيل، فيمكن أن يعلم من التفصيل تفسير الإجمال، وينتقل من الإجمال إلى التفصيل، مثلاً ذكر في سورة مريم قصة سيدنا عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام إجمالاً وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً [مريم:21]، وفي سورة آل عمران تفصيلاً وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [آل عمران:49] إلى آخره، ففي هذه المقولة بشارة تفصيلية، وتلك المقولة بشارة إجمالية، فمن ثم استنبط العبد الضعيف أن معنى الآية: رسولاً إلى بني إسرائيل مخبراً بأني قد جئتكم، وهذا كله داخل في خبر البشارة، ليس بمتعلق بمحذوف، كما أشار إليه السيوطي حيث قال: فلما بعثه الله قال: إني رسول الله إليكم بأني قد جئتكم. والله أعلم.

    ومن جملة ذلك شرح الغريب وبناؤه على تتبع لغة العرب، أو التفطن لسياق الآية وسباقها، والعلم بمناسبة اللفظ بأجزاء جملة وقع هو فيها، فها هنا أيضاً مدخل للعقل، وسعة للاختلاف؛ لأن الكلمة الواحدة.. ].

    ما ذكره المؤلف هنا قد أشار إليه سابقاً، لكن ها هنا أيضاً من التفصيل فيما يتعلق بأسباب النزول ما ليس هناك، وقد سبق أن ذكرت ما يتعلق بالتفصيل بأسباب النزول في دروس سابقة، وكذلك بعض القضايا التي مرت سبق أن شرحتها، فاقتصرت بالإجمال في الشرح، ومن أراد العودة إليها فيمكن الرجوع إليها.

    أسباب النزول التي يشترط على المفسر معرفتها

    الروايات التي في أسباب النزول ذكر المؤلف أنها تنقسم إلى قسمين: أن يقع حادث فينزل بشأنه قرآن، وذكر مثال ما يقع للمؤمنين أو يقع للمنافقين في غزوة أحد والأحزاب.

    والثاني: أن يكون معنى الآية مستقلاً تاماً بعموم صيغتها، وفي هذه الحالة لا يحتاج إلى سبب النزول، وقد سبق تقرير هذا متى نحتاج إلى سبب النزول، ومتى لا نحتاج إلى سبب النزول.

    والقاعدة في هذا: أن الآية إذا لم تفهم إلا بسبب النزول فيكون سبب النزول من مهمات المفسر، ومما يشترط فيه معرفة المفسر، وإذا كانت الآية تفهم بعمومها، وإن كان لها سبب نزول ولا يحتاج إليه فإنه لا يعد في هذه الحال من شروط المفسر، وسبق أن ذكرت مثالاً بداية سورة الممتحنة يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ [الممتحنة:1]، حيث نزلت في شأن حاطب ، فإن لم تعرف قصة حاطب فلا تؤثر ذلك في فهم معنى الآية، ولكن معرفة القصة لا شك أنه يقوي هذا الفهم.

    أما الأمثلة على النوع الأول فهي كثيرة جداً، وذكرنا مثال قصة الإفك.

    مراد السلف بمصطلح النزول

    أيضاً ذكر فائدة مهمة جداً، وهذه لمن اطلع على كتب التفسير ولم يدرك هذا، فإنه يقع عنده إشكال في أن الصحابة والتابعين وأتباع التابعين قد يذكرون قصص وحوادث لا على أنها أسباب النزول، ولكنهم يريدون أنها تدخل في معنى الآية، ولهذا قد تكون هذه القصص سابقة أو لاحقة للآية، وليست مباشرة لها، فلا يفهم منها أنها سبب النزول، حتى لو جاءت فيها عبارة نزلت هذه الآية في كذا، وسبق أيضاً أن ذكرت مثالاً في ذلك.

    وأما ما يتعلق بقضية الاجتهاد في النوع الثاني فهذا ظاهر يعني أنه هناك مدخل للاجتهاد في التعبير بنزلت هذه الآية في كذا، ولهذا لو قيل اليوم: نزل قوله تعالى: إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ [الكوثر:3] في الدينمارك وما قاموا به من الرسوم المسيئة للنبي صلى الله عليه وسلم، فيصح هذا القول؛ لأنه ليس المراد أنهم هم سبب النزول، وإنما المراد أن فعلهم هذا يدخل في قوله سبحانه وتعالى: إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ [الكوثر:3]، والتعبير بالنزول ليس مشكلاً على هذا الفهم الذي ذكره المؤلف، وهو الصحيح، ولهذا قاعدة: أن التعبير بالنزول فيه سعة عند السلف، وليس مرادهم بهذه الصيغة دائماً سبب النزول المباشر، فإذا فهمت هذا المعنى يزول عنك الإشكال في آثار كثيرة ورد فيها التعبير بالنزول.

    علاقة الإسرائيليات بأسباب النزول

    القضية الثانية: فيما يتعلق بالإسرائليات، وهذه أشار إليها إشارةً سريعة، وذكر أنها أيضاً لها علاقة أو مدخل بما يتعلق بأسباب النزول؛ لأنها في الحقيقة قصص، وذكر أو أشار أيضاً إلى مبنى الاجتهاد في هذا، وهنا قاعدة أيضاً نقولها: كل تفسير محمول على قصة إسرائيلية فهو من باب الاجتهاد. بمعنى أن المفسر يجتهد في ربط القصة الإسرائيلية بهذه الآية، مثال ذلك فيما ذكره لاحقاً فيما يتعلق بقصة سليمان وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ [ص:34]، هل المراد بالجسد الشيطان، أو المراد بالجسد ما حصل مما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح أن نبي الله سليمان عليه السلام قال: ( لأطوفن على مائة امرأة، تلد كل واحدة منهن غلاماً يجاهد في سبيل الله، فقال له الملك: قل: إن شاء الله، لكن سليمان لم يستثن، يعني: لم يقل: إن شاء الله، فولدت له امرأة واحدة نصف غلام )، يعني غلام بشق فقط، فبعض المفسرين حمل هذه الآية على هذا المعنى، وعلى العموم سواء من حملها على حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، أو من حملها على الإسرائيلية فالمقام هنا مقام اجتهاد، ولهذا نقول: إن ربط الإسرائيليات بالتفسير من باب الرأي والاجتهاد، وإذا كان من باب الرأي والاجتهاد فلا إشكال في الاعتراض على أن تفسر الآية بهذا الخبر الإسرائيلي، ولكن الاعتراض والاستدراك لا يلحق المفسر الذي قال بهذا، بل يجب أن ننتبه إلى الفرق بين الأمرين، بمعنى حينما تأتينا إسرائيلية واردة بالأسانيد الصحيحة عن الصحابة والتابعين، لو أن المستدرك يعني استدرك عليها، فهذا الاستدراك يكون منصباً على الرواية الإسرائيلية، وليس على القائل بها؛ لأن الذي قال بها قالها من باب الاجتهاد، فإذا ورد اعتراض صحيح على هذا فإنه يمكن قبوله، ولكنه لا يتعدى الطعن فيمن قال به من الصحابة أو التابعين أو أتباع التابعين، وهذه قاعدة لا بد أن تستصحبها؛ لأن بعض المعاصرين يخلط بين الأمرين، فيرى الطعن في الإسرائيليات وفي ناقل الإسرائيليات، ولهذا نراهم يعدون أن نقل الإسرائيليات نقصاً، فيتنقصون من ينقلها، وهذا ليس بصحيح على إطلاقه، بل المسلك الصحيح للتعامل مع الإسرائيليات هو أنك إذا اعترضت أو استدركت على حمل الآية على إسرائيلية ما فإن هذا لا يلحق القائل بها؛ لأن القائلين بها علماء فضلاء وأجلاء، بل أحياناً قد يكونون من الصحابة، فلا يصح الاعتراض عليهم هم، وإنما يكون الاعتراض على ارتباط الإسرائيلية بهذه الآية، كما أنه قد يكون نظرك قصراً في معرفة ارتباط الآية بهذه القصة الإسرائيلية، واحتمال الآية لهذه القصة الإسرائيلية، فيكون إذاً وجهة النظر اختلفت، فقد تكون القصة الإسرائيلية لا إشكال فيها من حيث العموم، فحمل الآية عليها غير مشكل لا من جهة المعنى، ولا من جهة أيضاً السند المنسوب إلى أحد الصحابة والتابعين وأتباع التابعين، لكن لأنه قد تقرر عندك إشكال في الإسرائيليات فتراك ترفض هذا، ويكون قصور النظر عندك أنت وليس عند من قال بها، وهذه مسألة تطول، ولهذا النظر الأولي في القصص الإسرائيلية يتجه إلى المعاني التي تحملها هذه القصص، ثم أيضاً يتجه إلى المعنى الجملي أو الكلي الذي تحمله هذه القصة، فإذا كان المعنى الجملي أو الكلي الذي تحمله هذه القصة معنىً غير مخالف، فإنه يقبل ما فيها من المعنى الجملي والكلي، وإذا كانت الآية تدل عليه ويندرج هذا المعنى فيها فإنه يقبل من هذه الجهة، أما تفاصيل ما يرد في هذه القصة الإسرائلية، فهذا لا يقبل إلا بخبر المعصوم.

    لو جعلت هذه القاعدة هي قاعدة التعامل مع الإسرائيليات لما وقع إشكال في كثير منها، إذاً القاعدة في النظر في الإسرائيليات هو النظر في المعنى الجملي الذي تحكيه القصة، فإن كان هذا المعنى الجملي ليس فيه ما يخالف، ويمكن قبوله واحتماله فإننا نقبل هذا المعنى الجملي، أما التفصيلات الواردة في الخبر في القصة فإننا لا نقبلها لاحتياجها لخبر المعصوم، فإذا كنا نقبل الأول وهو مندرج تحت الآية فلا إشكال، وعلى هذا أمثلة كثيرة، نذكر مثالاً من أخطر الأمثلة في هذا ليكون ميزاناً يقاس عليه، هذه القصة التي ذكرها عن سليمان ، قال فيها: وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ [ص:34]، قال في نسخة أخرى (فكيف يصح أن نذكر قصة صخر المارد من الروايات الإسرائيلية؟) هذا الاعتراض من المؤلف رحمه الله تعالى يمكن أن يستدرك عليه كالآتي، نقول أولاً: إن قصة الجسد التي في الخبر النبوي الصريح لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم فسر الآية بما قاله صلى الله عليه وسلم، فدل على أن ربط الحديث بالآية من اجتهاد المفسر، كما أن ربط الإسرائيلية بالآية من اجتهاد المفسر، فإذاً الأمر في الحالين قائم على الاجتهاد، وقصة المارد أشبه بالسياق من قصة الجسد، لأننا إذا تأملنا قصة سليمان عليه السلام في الفتنة التي ذكرها الله سبحانه وتعالى عنه فإنه حصل له أمران:

    الأمر الأول: أنه فتن بالشيطان.

    والأمر الثاني: أنه فتن بالجياد، فأبدله الله سبحانه وتعالى بفتنة الشيطان أن سخر له الشياطين، وأبدله بفتنة الجياد أن سخر له الريح السريعة، فهنا في تناسب واضح جداً بين الأمرين، وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ [ص:34]، هذا في القصة الأولى، والجسد هو الذي وقع فيه خلاف: هل هو ما ذكر في الحديث النبوي، أو ما ذكر في الرواية الإسرائيلية من قصة الشيطان، المارد هذا الذي استولى على ملك سليمان فترة من الزمن.

    والثانية: إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ * فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ * رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ [ص:31-33].

    والصحيح أنه قتل هذا الخيل، وأيضاً ليس هناك أي إشكال في كونه قتل هذا الخيل، واعتراضات بعض المفسرين عليها اعتراضات عقلية فقط، وليست اعتراضات مرتبطة بالنقل؛ لأن شرائع الأنبياء متعددة، فاحتمال أن يكون في شرع سليمان ما لم يكن في شرع نبينا صلى الله عليه وسلم من جواز إتلاف الخيل، فأبدله الله سبحانه وتعالى لما تخلى عما يحب وهي الخيل بسبب تأخره عن الصلاة بسببها أبدله الله عنها بالريح غدوها شهر ورواحها شهر، وأبدله بفتنة الشيطان كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ [ص:37] من الشياطين، فهذا تناسق وتناسب بين الآيات.

    قد يشكل علينا قضية كيف يسلط الشيطان على النبي فنقول: يوجد في الشريعة إشارة إلى جواز تسليط الشيطان على النبي، يوجد ذلك في نفس السورة قال أيوب: (ربي إني مسني الشيطان بنصب وعذاب)، والرسول صلى الله عليه وسلم سحر، والسحر من عمل الشيطان، فسلط أيضاً على النبي صلى الله عليه وسلم، فهذه الابتلاءات في الأنبياء هي كمالات؛ لأن الأنبياء بشر، فيلحقهم ما يلحق البشر، فهذا التسليط الذي قدره الله سبحانه وتعالى، وهذا ليس من اختراعنا؛ بل هو ظاهر كلام الله سبحانه وتعالى، وهذا التسليط إنما كان في الجانب البشري في الأنبياء، وليس له أي أثر في الجانب النبوي، وهذا قيد مهم، وكذلك أن تسليط الشيطان على الأنبياء الذي وقع له أثر مثل ما وقع في أيوب عليه السلام وهو صريح، وكذلك ما وقع في نبينا، وهذا التسليط كان في وقت معين ثم زال وارتفع، فإذا كنا نتفق على هذا الأصل، إذا رجعنا إلى قصة سليمان عليه السلام والشيطان المارد هذا، فلا يمنع العقل بناءً على ذلك من أن يكون هذا الشيطان سلط على ملك سليمان فترة الله أعلم بها؛ لأننا لا نستطيع أن نحدد زمن هذه الفترة، ثم أعاد له ملكه، لكن التفاصيل الواردة في القصة: هل كان سليمان يملك هؤلاء الجن بالخاتم؟ وكم فترة تسليط الشيطان على ملك سليمان؟ وهل وقع ما وقع مما تذكره بعض الروايات أن الشيطان جامع نساء سليمان؟ فهذه بعضها ننكرها إنكاراً تاماً، وهي الخبر الأخير هذا بأن الشيطان سلط على نساء سليمان ، فهذا لا شك أنه لم يحصل إطلاقاً، ولا يمكن، أما الأولى فاحتمالات أن تقع في الاحتمال العقلي ولكن أيضاً لا نثبتها، لكن نثبت إجمالي القصة وهو تسليط الشيطان على ملك سليمان من باب الإجمال فقط، أما من باب تفصيلات القصة فإننا لا نقبلها إلا بقول معصوم، وما ورد منها من منكر فإنه مردود، فهذا باختصار إشارة إلى كيفية التعامل في مثل هذه القضية، وذكرت أيضاً مثالاً بأنه من أصعب الأمثلة في التعامل مع الإسرائيليات، فلم نأخذ منه إلا ما دل الشرع عليه على وقوعه وحصوله، وأما باقي القصة من تفاصيل فإننا لا نثبت منها إلا ما دل أو ما جاء خبراً عن المعصوم، وما لا يوجد خبر عن المعصوم فنتوقف فيه ونرده، وما ورد فيها من أخبار منكرة فإنه أيضاً يرد مثل ما ورد من أن الشيطان سلط على نساء سليمان، هذا باختصار ما يتعلق بالإسرائيليات وكيف نتعامل معها من حيث الإجمال ومعنى (ثم أناب). أي أنه لما سلب ملكه وعلم أنه قد فتن رجع إلى الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    شرح غريب القرآن

    قال رحمه الله: [ ومن جملة ذلك شرح الغريب وبناؤه على تتبع لغة العرب، أو التفطن لسياق الآية وسباقها، والعلم بمناسبة اللفظ بأجزاء جملة وقع هو فيها، فها هنا أيضاً مدخل للعقل، وسعة للاختلاف؛ لأن الكلمة الواحدة تجيء في لغة العرب لمعان شتى، والعقول مختلفة في تتبع استعمال العرب والتفطن لمناسبة السابق واللاحق، ولهذا اختلفت أقوال الصحابة والتابعين في هذا الباب، وكل سلك مسلكاً، فينبغي للمفسر المنصف أن يزن شرح الغريب مرتين: في استعمال العرب مرة، وفي معرفة أقوى الوجوه وأرجحها ومناسبة السابق واللاحق أخرى، فيعلم أي الوجهين أولى وأقعد بعد إحكام المقدمات، وتتبع موارد الاستعمال وتفحص الآثار، وقد استنبط الفقير في هذا الباب ما لا يخفى لطفه إلا على المتعسف غليظ الطبع، مثلاً (كتب) في قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى [البقرة:178]، حملته على معنى تكافؤ القتلى، واشتراك الاثنين في حكم واحد؛ لئلا يحتاج مفهوم الأنثى بالأنثى إلى مئونة النسخ، ولا يرتكب توجيهات تضمحل بأدنى التفات.

    وكذلك قوله تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ [البقرة:189]، حملته على معنى يسألونك عن الأشهر، يعني أشهر الحج، فقال: هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [البقرة:189].

    ومثلاً: هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ [الحشر:2]، أي: لأول جمع الجنود؛ لقوله تعالى: وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ [الشعراء:36]، وقوله تعالى: وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ [النمل:17]، وهو أقعد وأنسب بقصة بني النضير، وأقوى في بيان المنة ].

    دخول شرح غريب القرآن في الاجتهاد

    ما ذكره المؤلف من شرح الغريب، وهل للعقل مدخل وللاختلاف مجال إذا كانت الكلمة الواحدة تأتي في لغة العرب لمعان شتى؟ فنقول: هذا أيضاً من الأمور التي تميزت فيه هذه المقدمة، وقد قعد فيها قاعدة دقيقة جداً؛ لأن بعض من يطلع على اختلاف الصحابة في المأثور عنهم فيما يتعلق بشرح الغريب، إذا وقع عندهم خلاف يظنه من المأثور الذي لا يجوز مخالفته، وهذا الكلام فيه إجمال يحتاج إلى تفصيل، ومن المأثور الذي لا يجوز مخالفته في الجملة، لكن للعقل مدخل في التعامل مع هذا الاختلاف ووجه هذا المدخل أن يتخير من أقوالهم الأنسب لمعنى الآية.

    إذاً إذا رجح المفسر المتأخر أحد المعاني، وجعلها أوفق بمعنى الآية، وجعله هو القول المقدم الأولى فهذا مجال من مجالات العقل، ومن مجالات التفسير بالرأي.

    إذاً المفسر المتأخر له مجال في التفسير العقلي، التفسير الاجتهادي، التفسير بالرأي، أي مصطلح سميته فيما يتعلق باختلاف السلف، حتى لو كان مبناه على اللغة هو اختيار المعنى الأوفق والأقرب لظاهر الآية، فهذا الاختيار يعتبر من التفسير بالرأي، وما ذكره من الأمثلة ليس من استنباط المؤلف، المؤلف رحمه الله تعالى مسبوق ببعض هذه الأقوال التي ذكرها، لكن قد لا يكون اطلع على بعض ما ذكر، فمثلاً قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ [الحشر:2]، المراد به لأول جمع الجنود، هذا هو قول بعض السلف، يعني هو أول حشر اليهود إلى أرض المحشر، وهو نفس القول الذي ذهب إليه المؤلف، وبعضهم استدل بما ذكره من الآيات.

    1.   

    مفهوم مصطلح النسخ

    قال رحمه الله: [ ومنها بيان الناسخ والمنسوخ، وينبغي أن يعلم في هذا المقام نكتتان:

    الأولى: أن الصحابة والتابعين كانوا يستعملون النسخ على غير ما اصطلح عليه الأصوليون، وهو قريب من المعنى اللغوي الذي هو الإزالة، فمعنى النسخ عندهم إزالة بعض الأوصاف من الآية المتقدمة بآية متأخرة، إما لإنهاء مدة العمل، وإما صرف الكلام عن المعنى المتبادر إلى غير المتبادر، وإما بيان إقحام قيد من القيود، وكذلك تخصيص عام أو بيان فارق بين المنصوص والذي يقاس عليه ظاهراً وما أشبه ذلك، وهذا الباب واسع، وللعقل هنا لك جولان، وللاختلاف مجال، ولهذا أوصلوا عدد الآيات المنسوخة إلى خمسمائة.

    والثانية: أن النسخ بالمعنى الاصطلاحي الأصل في بيانه معرفة التاريخ، ولكنهم ربما يجعلون إجماع السلف الصالح، أو اتفاق جمهور العلماء علامةً للنسخ فيقولون به، وارتكب ذلك كثير من الفقهاء، ويمكن أن يكون ما صدقت عليه الآية غير ما صدق عليه الإجماع، وبالجملة فإن تتبع الآثار المنبئة عن النسخ يثني عمراً كثيراً، وفي الوصول إلى عمق الكلام صعوبة، وللمحدثين أشياء خارجة عن هذه الأقسام، يوردونها أيضاً كمناظرة الصحابة في مسألة، والاستشهاد بهذه الآية، أو تمثيلهم بذكر هذه الآية، أو تلاوة حضرته صلى الله عليه وسلم لهذه الآية بطريق الاستشهاد، ورواية حديث يوافق الآية في أصل المعنى، وطريق التلفظ بالنقل عنه صلى الله عليه وسلم أو الصحابة ].

    النسخ الذي للعقل فيه مجال

    هنا المؤلف أعاد الكلام وقد سبق نقاش هذا في قضية النسخ، طبعاً يلاحظ المؤلف رحمه الله تعالى في مثل هذه قد عراها من الأمثلة، ولو كان ذكر بعض الأمثلة لاتضح بعض ما ذكر للعقل مجال في النسخ؛ لأنه دخل في باب تخصيص العام، وتقييد المطلق، والاستثناء، وفي المجمل، وهذه فيها مجال للعقل.

    كون الإجماع ناسخاً

    القضية الثانية: كون إجماع السلف، أو اتفاق الجمهور على النسخ، يكون من علامات النسخ، هذا مما يحتاج إلى مثال، وسبق وأن ذكر بعض الأمثلة فيما يتعلق برأي بعض العلماء في أن بعض الآيات منسوخة بالإجماع، لكن ليعلم أن القول: بالنسخ بالإجماع هو مبني على دليل وإن لم نعلمه، فإذا صح الإجماع على أن آية منسوخة بآية فهذا مبني على دليل شرعي وإن لم نعلمه؛ لأن الأمة لا تجتمع على ضلالة، فما دام أجمعوا دل على وجود دليل ولكنه قد يكون خفي علينا أو لم ينقل.

    طريقة البخاري في كتاب التفسير من صحيحه

    أما يتعلق بطريقة المحدثين أيضاً أعاد طريقة المحدثين في عرض التفسير، وللاستفادة يمكن الاطلاع اطلاعاً سريعاً على هذه الأمثلة التي ذكرها، وجرد كتاب التفسير من صحيح البخاري ؛ لأن البخاري سمى الكتاب كتاب التفسير، فقد يتصور القارئ أن كل ما سيرد في هذا الكتاب مسنداً إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى الصحابة أو إلى التابعين أن يكون من باب بيان المعنى، لكن قد يرد فيها الإشارة إلى استشهاد النبي صلى الله عليه وسلم بآية مثل قوله تعالى: وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً [الكهف:54]، حيث استشهد بها النبي صلى الله عليه وسلم على قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما دخل عليه وهو نائم هو و فاطمة فقال لهما: ( ألا تصليان؟ فقال: أرواحنا بيد الله إن شاء أقامها، قال: فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يضرب على فخذه وهو يقول: وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً [الكهف:54] )، فهذا من باب الاستشهاد؛ لأن الآية نزلت في سورة الكهف في سياق الكفار، واستشهد بها النبي صلى الله عليه وسلم على حال علي رضي الله عنه.

    التمثيل بآية أيضاً ذكرنا مثالاً له سابقاً: أن يورد حديثاً يوافق الآية، وهذا كثير جداً، وتجدون منه مثلاً حديث ( يكشف ربنا عن ساقه ) بعض المحدثين أورده عند قوله سبحانه وتعالى: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ [القلم:42]، وطريقة التلفظ قد تجدون بعض المحدثين يورد أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ( ملك يوم الدين )، وكذلك أيضاً ما ذكر في إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ [يونس:6] لذا قام النبي صلى الله عليه وسلم من ليلة ذكر هذه الآية، فذكرهم لهذه الآيات في كتاب التفسير تحت هذه الأبواب لا يعني أن هذا من التفسير، وإنما كانوا يوردون ما يتعلق بالآية ولو بوجه، وليس مراد مفهوم التفسير عندهم مثل مفهوم التفسير عند المفسرين أو المتأخرين وهو أن المراد به بيان المعنى، وإنما مرادهم ذكر أحوال النبي صلى الله عليه وسلم مع الآيات، ولم يستوعبوا أيضاً، ولو أراد أحد أن يستوعب على طريقة المحدثين في ذكر أي حال من أحوال النبي صلى الله عليه وسلم مع الآيات لذكر شيئاً كثيراً، فإذاً هذه أيضاً فائدة ينتبه لها في طريقة عمل المحدثين مع أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في ربطها بالآيات.

    1.   

    الفصل الثالث: بيان ما ليس من فن التفسير

    قال رحمه الله: [ الفصل الثالث: بيان ما ليس من فن التفسير.

    استنباط الأحكام وأقسامه

    من جملة ذلك استنباط الأحكام، وهذا الباب متسع جداً، وللعقل في الاطلاع على الفحاوة والإيماءات والاقتضاءات ميدان واسع واختلاف كلي، وقد ألهم الفقير حصر الاستنباط في عشرة أقسام، وترتيب تلك الأقسام وتلك المقالة ميزان عظيم لوزن كثير من الأحكام المستنبطة.

    ومنها التوجيه وهو: فن كثير الشعب، يستعمله الشراح في شرح المتون، ويحصل به امتحان ذكائهم، ويظهر به تباين مراتبهم، وقد تكلم الصحابة رضي الله عنهم في توجيه القرآن مع عدم تنقيح قوانين التوجيه في ذلك العصر وأكثر الكلام فيه.

    وحقيقة التوجيه أنه إن وقع في كلام المصنف صعوبة فهم توقف الشارح حتى يحل تلك الصعوبة، ولما كانت أذهان قراء الكتاب ليست في مرتبة واحدة لم يكن التوجيه أيضاً في مرتبة واحدة، فالتوجيه بالنسبة إلى المبتدئين غير التوجيه بالنسبة إلى المنتهين، فإن المنتهي ربما يخطر بباله صعوبة فهم، فيحتاج إلى حلها، والمبتدئ غافل عنها، إذ لا يقدر أن يحيط بذلك، وكثير من الكلام يستصعبه المبتدئ ولا يحصل في ذهن المنتهي شيء من الصعوبة هنالك، فأما من أحاط بجوانب الأذهان فينزل إلى حال الجمهور، ويتكلم بحسب أذهانهم، فعمدة التوجيه في آيات المخاصمة تحرير مذاهب الفرق من الخصوم، وتنقيح وجه الإلزام، والعمدة في آيات الأحكام تصوير صورة المسألة، وذكر فوائد القيود من الاحتراز وغيره، والعمدة في آيات التذكير بآلاء الله تصوير تلك النعم وبيان مواضعها الجزئية، والعمدة في آيات التذكير بأيام الله بيان ترتيب بعض القصص على بعض، وإيفاء حق تعريض يوجد في سرد القصة، والعمدة في التذكير بالموت وما بعده تصوير تلك الصور، وتقرير تلك الحالات.

    ومن فنون التوجيه تقريب ما كان بعيداً عن الفهم لعدم الألفة، وقطع المعارضة فيما بين الدليلين أو فيما بين التعريضين، أو فيما بين المعقول والمنقول، والتفريق بين الملتبسين، والتطبيق بين المختلفين، وبيان صدق وعد أشير إليه، وبيان كيفية عمله صلى الله عليه وسلم بما أمر به في القرآن العظيم، وبالجملة فالتوجيه في تفسير الصحابة كثير، ولا يقضى حق المقام حتى يبين وجه الصعوبة مفصلاً، ثم يتكلم في حل الصعوبة بالتفصيل، ثم يزن الأقوال ].

    تعريف التوجيه

    ضابط التوجيه أنه يقع صعوبة في فهم الكلام، وأسباب الصعوبة في فهم الكلام سبق أن أشار إليها سابقاً، فعلم التوجيه سيكون فيه سعة عما ذكره المؤلف بمعنى أنه قد يكون التوجيه في الآيات، وقد يكون التوجيه في كلام المفسرين، فإذاً علم التوجيه إذا كان في قضية صعوبة الفهم فإن وقعت الصعوبة بالنسبة لي أنا من خلال الآيات فحينما يبينها لي العالم يكون هذا توجيه بناءً على رأي المؤلف، وإذا وقعت صعوبة في فهم كلام المفسر فبينه العالم أيضاً فإنه أيضاً يدخل في باب التوجيه.

    بيان طريقة المؤلف وطريقة أهل الكلام في بيان العقائد

    [ وما يفعله المتكلمون من الغلو في تأويل المتشابهات وبيان حقيقة الصفات، فهو بعيد عن مذهبي، فإن مذهبي مذهب مالك و الثوري و ابن المبارك وسائر القدماء، وذلك إمرار المتشابهات على الظواهر، وترك الخلط في التأويل والنزاع في الأحكام المستنبطة، وأحكام مذهب مخصوص، وطرح غير ذلك من الأوضاع والاحتيال لدفع الدلائل القرآنية غير صحيح عندي، وأخاف أن يكون ذلك من قبيل التدارؤ للقرآن، وإنما اللازم أن يطلب مدلول الآيات، ويتخذ مدلول الآية مذهباً، أي: ذاهب ذهب إليه موافقاً كان أو مخالفاً، وأما لغة القرآن فينبغي أخذها من استعمال العرب الأول، وليكن الاعتماد الكلي على آثار الصحابة والتابعين ].

    هنا المؤلف رحمه الله تعالى يبين منهجه فيما يتعلق بآيات الاعتقاد من حيث الجملة، وأن الأصل عنده هو ما ورد عن الصحابة والتابعين وهو إمرار المتشابهات بالنسبة للمتأخرين على ظواهرها، وإلا في الحقيقة إن معاني الصفات لا يدخل في باب المتشابهات الكلية، وإنما الذي يمر على حقيقته هو الكيفيات، أما معاني الصفات فمعلوم، لا يقال عنه: أمروها كما جاءت، وإنما الذي يمر كما جاء هو الكيفيات؛ لأن الكيفيات لا يمكن معرفتها، وما ذكره عن المتكلمين في أنهم تركوا ظاهر المعاني إلى النزاع والجدل فهذا أيضاً من الأشياء التي يحسن أن يتنبه لها من وقع في هذا الأمر في أن يرجع أيضاً إلى النظر التاريخي، وينظر كيف تبدل الحال بالعلم من العلم الذي كان عليه سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين وأتباع التابعين وأتباعهم إلى الجدل العقيم في هذه الأمور وفي غيرها، والمتأمل في التاريخ يجزم يقيناً أن علم الكلام دخيل على تراث الأمة، وأن أصول علم الكلام هي الفلسفة اليونانية، وأن الذين أدخلوه إلى علوم الإسلام هم المعتزلة، فهم الذين قعدوه وأصلوه، وكان أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالى ممن تأثر بهذا الطريق؛ لأنه عاش أربعين سنة في الاعتزال، فليس من اليسير أن ينتزع كل آثار الاعتزال التي كانت عنده، فبقي عنده شيء من هذا، وإن كان عليه رحمة الله قد أعلن تراجعه عن الاعتزال إلى مذهب الإمام أحمد ، وكان كتب كتابات متأخرة ظناً منه أن الذي يقوله هو مذهب الإمام أحمد وغيره من السلف، فبقيت بعض آثار الاعتزال في كتاباته، ثم لما جاء تلاميذه وأخذوا ببعض الأصول هذه التي هي من أصول المعتزلة صارت تتركب القضايا شيئاً فشيئاً في المذهب الأشعري، ولهذا تجدون يقيناً اختلاف أقوال أئمة الأشاعرة المتأخرون عن أقوال الشيخ أبي الحسن الأشعري وهذا واضح جداً، فـأبو الحسن الأشعري لم يكن يؤول بل كان على الإثبات في الصفات، ولا يوجد أشعري متأخر على الإثبات في الصفات.

    فإذاً المقصد من ذلك أننا نقول: إنا يجب أن ننظر بعين العدل إلى هذا الأمر، قد ترد شبهة في احتياج علماء الإسلام لعلم الكلام في الرد على الخصوم، فإذا قبلنا هذا من حيث الجملة فإن السؤال الذي يقع: أينهم الخصوم الآن الذين نجادلهم بالمذهب الأشعري؟ فلماذا لا نعود بالعقيدة إلى كتاب الله وسنة رسوله ونبقى على الظواهر التي نحن ملزمون بها، يعني ظاهر النص، لأن الانحراف الكلامي أوصل مثل صاحب العقل الكبير أبي المعالي الجويني رحمه الله تعالى أن يقول في كتاب الإرشاد وكتاب الشامل: إن الإيمان بظواهر القرآن كفر، وكذلك السنوسي في سنوسيته، وكذلك في شرحه، وهذا الكلام معترض عليه ومنتقد، لكن لم يقله أبو المعالي أو يقله السنوسي عبثاً؛ لأنا إذا تأملنا أيضاً من باب العدل والإنصاف بأنه هو يرى أن إثبات الصفات تجسيم والتجسيم كفر، فظن أن إثبات اليدين لله سبحانه وتعالى تجسيم، فقال: إن الإيمان بالظواهر كفر، هذا من باب التفسير لقوله وقول غيره، ولكن نرجع ونقول: إن قول هؤلاء الأئمة عفا الله عنهم، وإن كان مفسراً عندنا إلا أنه غير صحيح ولا يقبل، وكل العدل والإنصاف في أن نعود إلى أقوال الأئمة الذين كانوا قبل أبي الحسن الأشعري ، وننظر كيف فهموا العقيدة، فهذا هو الأسلم والأكمل والأصح والأعلم، أما طريقة المتكلمين والبقاء عليها فإنها مورثة لإشكالات كثيرة، وتعلمون ما ذكر واعترض به على هذه المذاهب سواء كانت ماتريديةً، أو أشعريةً، أو إباضيةً، أو اعتزاليةً، أو غيرها، فإذاً نقول: من باب العدل عند جميع الطوائف أن نترك هذه الأقوال المتأخرة ونرجع إلى الكتاب والسنة، ونأخذ بظواهر الكتاب والسنة مثل ما نأخذ بها في التفسير، فإننا نرد أقوال الباطنية وأقوال المتفلسفة، وأقوال غلاة الصوفية، وأقوال الرافضة لأسباب، فلنجعل هذه الأسباب التي نردها هي الأسباب التي نرد على من خالف في إثبات الصفات، أو إثبات بقية آيات الاعتقاد، فإذا عملنا بهذا يكون عندنا تناسق في الاستدلال والاعتراض، والله سبحانه وتعالى الذي هو أعلم بنفسه من كل أحد قد أخبر عن نفسه بأنه يرضى، وبأنه يحب، وبأنه سبحانه وتعالى له يدان، وبأنه سبحانه وتعالى قد استوى على العرش، كل هذا من إخبار الله سبحانه وتعالى، فإن كان المراد غير حقائق هذه الآيات فصار كلام الله سبحانه وتعالى أشبه بالألغاز التي لا يفهم معناها إلا بالتمحل والتأمل، وكلام الله سبحانه وتعالى ظاهر، وقد يسره الله سبحانه وتعالى، ولم يستشكل هذا لا المشركون الذين نزل الخطاب القرآن يخاطبهم في أشياء كثيرة، ولا استشكله الصحابة ولا التابعون ولا أتباع التابعين، ولهذا من الأمثلة النخعي لما قرئ عنده قوله سبحانه وتعالى: بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ [الصافات:12]، قال النخعي : إن الله لا يعجب، فذكر ذلك للشعبي فقال: إنه قد أعجبه علمه، يعني كأنه يقول: إنه اعتمد على عقله، فنفى ظاهر الكلام فاعترض عليه الشعبي ، فدل ذلك على أن استخدام العقل المجرد في مثل هذه الأمور أو الظن أنه يوقع في مثل هذه الإشكالات، وكما قلت سابقاً: عين الإنصاف هو الرجوع إلى هذا، واللطيف في الأمر أننا لو تجردنا من كل هذه الأمور التي نظنها عن فلان أو علان، أو يظنها عنا فلان أو علان ورجعنا إلى قال الله وقال الرسول صلى الله عليه وسلم، وتمسكنا بالظواهر، فإن هذا هو المذهب الأسلم الذي لن نسأل عنه يوم القيامة: لماذا لم تفعلون كذا؟

    أما أسلوب المتكلمين في اعتقاد العقائد فإنه هو الذي قد يسأل عنه: كيف فهمتم عني كذا؟ وقد سبق أن ذكرتها كمثال أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول للجارية: أين الله؟ ولو قلت لأحد الأشاعرة اليوم أو أحد المتكلمين: أين الله؟ لغضب عليك، لقال: لا يجوز أن يشار إلى الله بالأينية، فقالت الجارية: في السماء، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ( اعتقها؛ فإنها مؤمنة )، واليهودي الذي جاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: ( إن الملك -يقصد الله- يضع الأرضين على يده، والسموات على يده، ثم أشار إلى أصابعه، ثم قبض يده، فضحك الرسول صلى الله عليه وسلم )، يقول ابن مسعود : تصديقاً لقول الحبر. فهل كان عقل ابن مسعود أفضل أو عقل بعض المتأخرين الذين يقولون: إن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما ضحك تعجباً من قوله، وليس في هذا دليل على أن ما قاله الحبر صحيح، و ابن مسعود الذي شهد الحادثة يقول: تصديقاً لقول الحبر. فلماذا يكون عندنا مثل هذه الأمور التي يذهب إليها أهل الكلام؟ فنثبت الأمور على ظواهرها ونسلم، وقصدت من ذلك أنه يكثر الحديث والطعن بين المسلمين في مثل هذه الأمور، وكان الأولى أن يصار إلى طريقة مثلى وهي الرجوع إلى هذه الأصول، فإنا سنجد فيها القول الصحيح ونرتاح من كثير من هذه النزاعات.

    القول المعتمد من أقوال النحاة في القرآن

    قال رحمه الله: [ وقد وقع في نحو القرآن خلل عجيب، وذلك أن جماعةً منهم اختاروا مذهب سيبويه ، وما لم يوافقه فهم يؤولونه وإن كان تأويلاً بعيداً، وهذا عندي غير صحيح، فينبغي اتباع الأقوى وما كان أوفق للسياق والسباق، سواء كان مذهب سيبويه أو مذهب الفراء ، وقد قال عثمان بن عفان رضي الله عنه في مثل: وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ [النساء:162]، ستقيمها العرب بألسنتها، وتحقيق هذه الكلمة عند الفقير أن مخالفة المحاورة المشهورة أيضاً محاورة، وكثيراً ما يتفق للعرب الأول أن يجري على ألسنتهم في أثناء الخطب والمحاورات ما يخالف القاعدة المشهورة، وحيث نزل القرآن بلغة العرب الأول فلا عجب أن تقع الياء أحياناً في موضع الواو، أو يرد المفرد في مقام التثنية، أو المؤنث في مقام المذكر، فالمحقق أن يفسر وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ [النساء:162]، بمعنى المرفوع، والله أعلم ].

    الخلل الذي يذكره الآن من جهة النحو ممن جعلوا كلام سيبويه حجة، ونقول هنا أيضاً: هذا الملحظ الذي ذكره المؤلف مهم جداً، ولا يدركه إلا من كان عالماً بالنحو والتفسير ومذاهب النحاة، فتجد أن بعض الأوجه النحوية قول الكوفيين أوثق فيها من قول البصريين، فتجد أن من ينحو بنحو أهل البصرة يتكلف في التخريج النحوي رعايةً للقاعدة النحوية عنده، فجعل القاعدة النحوية أهم عنده في الرعاية من سياق الكلام، وهذا العمل شبيه بعمل المعتزلة، بمعنى أن اعتماد القواعد النحوية وتخريج الكلام عليها، مع ظهور عدم صحتها في موطن من المواطن مثل عمل المعتزلة لما قاموا وجعلوا قاعد عقلية وحكموا القرآن عليها.

    فإذاً من اعتمد مذهب سيبويه وجعله أصلاً يحتكم إليه في كل شيء، ولا يرضى الخروج عنه حتى وإن خالفته سياقات القرآن مثل المعتزلي الذي حكم العقل وصار يؤول ما يخالف رأيه، فهذا النحوي إذا فعل ذلك يؤول ما يخالف رأي سيبويه لأنه جعله حجة، بمعنى أنه قد يقع في التفكير النحوي مثل ما يقع في التفكير العقلي عند المعتزلة، وأرجو أن تأخذوها في هذا الإطار فقط، يعني ما يفهم من ذلك أن علم النحو يساوي علم الاعتزال، وبعض الأحيان ينقل نقلاً أو يفهم فهم خاطئ، لكن المقصد أن من استخدم هذا الأسلوب في بعض الأمثلة فهو كالمعتزلي الذي يستخدم العقل في صرف الآية عن ظاهرها إلى ما يراه هو من المعاني، نعم.

    أما قول عثمان في قضية ستقيمه العرب بألسنتها، فهو موضوع يرتبط بالرسم، وليس المراد أن هذا خالف كلام العرب، كيف والذي كتبه من العرب، وكيف وجمهور الصحابة لم يتكلم أحد منهم، وإنما مراد عثمان أن العربي لا يؤثر عليه الرسم، بل سيقرأ كما هو لا يؤثر عليه الرسم، حتى ولو كان الرسم مخالفاً للمنطوق؛ لأن المرسوم لا يلزم مطابقته للمنطوق دائماً، و عثمان لم يستشهد بهذه الآية، وإنما قال لما عرض عليه المصحف قال: إن فيه لحناً ستقيمه العرب بألسنتها، وقصده بذلك أن فيه مخالفة للمنطوق، والعرب تعرف كيف تتكلم فيه، فلا يؤثر عليها المرسوم، هذا مفهوم كلام عثمان رضي الله عنه.

    أما آية وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ [النساء:162] فلا علاقة لها بالقضية التي ذكرها عثمان رضي الله عنه، وكذلك هذه مخرجة نحوياً، والقرآن لم يأت دائماً على الأشهر عند النحاة وليس عند العرب، لم يأت على الأشهر عند النحاة؛ لأن النحاة رحمهم الله ليسوا ممن أدرك جميع لغات العرب، وأثبتوا القوي والأقوى دائماً، ولهذا بعض الأحيان قد يقول المصريون: وهذا أفشى في اللغة، وإذا نظرت إلى الذي يقولون عنه: ليس بأفشى، بل له أمثلة في القرآن كثيرة جداً، فكيف يأتي القرآن على ما هو أقل، فدل على أن التقعيد فيه نظر، والتقعيد كما هو معلوم استقرائي، والاستقراء قد يكون ناقصاً، فأيهما أولى أن ننسب الاستقراء الناقص للبشر ونترك ما هو كثير في القرآن، أو نقول: إن الاستقراء قد نقص عند هؤلاء النحاة، والقرآن دل على أنهم قد قصروا في الاستقراء؟ فلا شك أن الثاني هو الأولى، فنقول: إنه قد يكون نقص الاستقراء عندهم، وحكموا قاعدةً وجعلوا ما خالفها شاذاً، وهذا من أسباب الاختلافات في النحو، فأهل النحو على طريقين: منهم من يجعل أصلاً يقيس عليه، ويجعل ما عداه شاذاً. ومنهم من يجعل الأمر على أكثر من لغة، الذي جعل الأمر على أكثر من لغة أنسب في التفكير مع أسلوب السلف في التعامل مع آيات القرآن والاحتمالات ممن يجعل أصلاً ثم يقيس عليه ويحكم بالشذوذ على غيره. فتفكير هذا الثاني أنسب إلى التفكير الاعتزالي، والمقصد أن النظر في تقعيد القاعدة ثم القياس عليها هذا الأسلوب في التفكير يتناسق مع التفكير الاعتزالي، والثاني يتناسق مع تفكير أهل السنة والجماعة الذين يأخذون بالظواهر، والتعدد بالاحتمالات إذا وردت.

    علم البلاغة في فهم القرآن

    [ وأما المعاني والبيان فهو علم حادث بعد انقراض الصحابة والتابعين، فما يفهم منه في عرف جمهور العرب فهو على الرأس والعين، وما كان من أمر خفي لا يذكره إلا المتعمقون من أهل الفن فلا نسلم أن يكون مطلوباً في القرآن ].

    هذا فهم مهم ودقيق، بمعنى أن علم المعاني أولاً كما سبق أنه تأخر ظهوره في كتب التفسير، ولم يتكلم فيه السلف، لكن لا يعني أننا لا نحتاج إليه.

    القضية المهمة هنا التي يجب أن ننتبه إليها علم المعاني والبيان هل نحن نحتاجه في فهم المعاني، أو نحتاجه فيما وراء المعاني؟ ولو تأملنا أغلبه لكي لا يكون هناك من تعميم فأغلبه يأتي فيما وراء المعاني.

    فإذاً المفسر لا يحتاج إلى علم المعاني والبيان بالجملة، ولهذا لم يرد عن السلف؛ لأن السلف رحمهم الله تعالى كانوا يفسرون ويبينون المعاني، والذي احتاج إلى دقائق علم المعاني هو من يتكلم عن إعجاز القرآن.

    فإذاً علم المعاني والبيان الذي هو البلاغة مرتبط بإعجاز القرآن، فإذا جاء أحد سيتكلم عن إعجاز القرآن وهو لا يعرف علم البلاغة فإنه لن يتقن بيان إعجاز القرآن، ولن يحصل منه هذا، لكن لو أنه تكلم في المعاني بظاهر الألفاظ، وبمعرفة اللغة العامة فإنه يتقنه، فالمقصد من ذلك أن نعرف مناط كل موضوع من الموضوعات، فعلم البلاغة لا يحتاجه المفسر، وإنما يحتاجه من يبين إعجاز القرآن، فمادة إعجاز القرآن غير مادة التفسير، وكوننا قد نحتاج بعض الأمثلة في علم المعاني أو في البلاغة للبيان لا يعني أننا نحتاج هذا العلم بتفاصيله في بيان المعاني.

    القضية الثانية: حينما نقول: إن هذه من بلاغة العرب، لا شك أنها تحتاج إلى استقراء، وهذا الاستقراء إن كان متفقاً عليه متوافقاً بين العلماء أو هو قول أكثر العلماء أن هذا من بلاغة العرب، فلا شك أن هذا معتبر، ولكن قد يرد أيضاً خلاف بين العلماء في كونه أسلوباً بلاغياً أو غير بلاغي وهل تستخدمه العرب أو ما تستخدمه العرب؟ وليس خلافاً في المصطلحات وإنما خلاف في نفس الأسلوب هل هو بلاغي أو لا؟ كما أنه هناك شيء من الدقائق المتعمقة جداً التي قد تكون أشبه بالنظر الفلسفي، وهذا موجود في البلاغة عند المتأخرين، فقد يكون مما ليس مراداً للعرب، فالتمحل فيه والتكلف من حيث هو فيه إشكال، فكيف إذا حمل عليه كلام الله سبحانه وتعالى، وهذا لا شك أن الذي يبين عنه هو من كان بارعاً في فهم التفسير، وبارعاً في فهم المعتقد، وبارعاً في فهم البلاغة، بحيث يتبين له ما هو من العلم الذي يحتاج إليه في البلاغة، والعلم الذي هو من باب التكلف والتمحل. نعم.

    إشارات الصوفية في التفسير

    قال: [ وأما إشارات الصوفية واعتباراتهم فليست في الحقيقة من فن التفسير، وإنما يظهر على قلب السالك عند استماع القرآن أشياء، وتتولد له في نظم القرآن، ومثل ما يتصف به السالك من حالة، أو معرفة حصلت له كمثل من سمع من العشاق قصة ليلى والمجنون، فتذكر معشوقةً له، فيستحضر ما كان من المعاملة بينه وبين محبوبته.

    وها هنا فائدة مهمة ينبغي الإطلاع عليها، وهي أن حضرته صلى الله عليه وسلم جعل فن الاعتبار معتبراً، وسلك ذلك الطريق لتكون سنةً لعلماء الأمة، ويكون ذلك فتحاً لباب ما وهب لهم من العلوم، كآية فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى [الليل:5] قرأها في مسألة القدر بالتمثيل، وإن كان منطوق الآية أن من عمل هذه الأعمال نهديه إلى طريق الجنة والنعيم، ومن عمل بضدها نفتح له طريق العذاب والتعذيب، ولكن يمكن أن يعلم بطريق الاعتبار أن كل واحد خلق لحالة تجري عليه تلك الحالة من حيث يدري أو لا يدري، فهذا الاعتبار وقع لهذه الآية ارتباط بمسألة القدر، وكذلك آية وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا [الشمس:7]، فمنطوقها أنه اطلع على البر والإثم، ولكن بين خلق السورة العلمية بالبر والإثم، وخلق البر والإثم إجمالاً في وقت نفي الروح مشابهة، فيمكن الاستشهاد بهذه الآية في هذه المسألة بالاعتبار، والله أعلم ].

    إشارات الصوفية، أيضاً سبق وأن أشار إليها، لكن هنا بين حال الإشارات الصوفية مع فهم المعاني، وذكر أحد الأحوال التي تقع، وهي أن من ينحو هذا المنحى يرى وجه مشابهة بين الآية وبين ما يذكره، وهذا أحد أوجه التفسير الإنشائي، على سبيل المثال لكي يتضح سهل بن عبد الله في قوله سبحانه وتعالى: يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ [الحشر:2]، قال: هؤلاء أهل البدع يخربون قلوبهم ببدعتهم، الآن ما وجه المشابهة بين يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ [الحشر:2]، وأهل البدع يخربون قلوبهم ببدعتهم؟

    وجه المشابهة الخراب وأن كل واحد منهم أخرب شيئه بنفسه، فصاحب البيت أخرب بيته بنفسه، وصاحب القلب أخرب قلبه بنفسه ببدعته، فهذا وجه المشابهة وليس مراده أن هذا هو تفسير الآية، فهذا النوع الذي ذكره المؤلف الآن وأشار إليه يكثر في كلام الصوفية، مثل هذه الإشارات، وهذه الإشارات التي يذكرها الصوفية من هذا الوجه وجه المشابهة يجب أن يكون المعنى المذكور معتبراً، بمعنى أن ما يذكره الصوفي من حيث هو مقبولاً، فإن ذكر معنىً باطلاً فلا شك أن حمل القرآن عليه لا يجوز، سواءً سميناه تفسيراً إشارياً، أو سميناه استنباطاً أو أي كان، فإذا كان المعنى الذي يذكره الصوفي ليس صحيحاً في ذاته؛ لأن عند الصوفية بعض المعاني الباطلة، فإننا نقول: إنه لا يجوز حمل القرآن عليه بأي حال من الأحوال، فإذا ذكروا مثل هذه الحالة التي ذكرها المؤلف، فإننا نقبل هذا الكلام لا على أنه من باب التفسير، وإنما هو من باب القياس والإشارة، يعني مقايسة بين المعنى الذي ذكرته الآية، والمعنى الذي ذكره هذا أو الذي لاح لهذا المفسر الصوفي.

    وهذه قضية مهمة ينبغي التنبه لها؛ لأن بعض الناس قد يرد ما يرد عن الصوفي جملةً وتفصيلاً، وهذا ليس بحق، وإنما ينظر في الكلام ويعرف لماذا ساق هذا الكلام؟ وهذا من باب العدل، ما يأتي إنسان يقول: الأصل أن كل كلام الصوفية باطل، بل نقول: هذا ليس بصحيح، وإنما قد يكون عندهم من الكلام الحق، ولكن يكون ربطه بالآية بوجه من الوجوه الضعيفة التي يستأنس بها، فتفسر وتعلل وتبين وإن لم يقبل، وقد يكون ربطهم صحيح، أو يكون استنباطاً صحيحاً، وقد يكون ربطهم أيضاً بإشارة قوية واضحة لكن على هذا الأسلوب، يعني من باب المقايسة في المعاني، فإذاً يجب أن يعتبر في كل عبارة من عبارات الصوفية، فلا ترد على الإجمال، ولا تقبل على الإجمال.

    استشهاد النبي صلى الله عليه وسلم ببعض الآيات القرآنية

    وما ذكره من كون النبي صلى الله عليه وسلم فتح باب الاستشهاد والاعتبار لأمته، أقول: إن هذا أيضاً من المباحث اللطيفة والمهمة، وهي قراءات النبي صلى الله عليه وسلم لبعض الآيات في بعض المواطن، فقراءته لبعض الآيات في بعض المواطن هي من باب الاستشهاد، وليست من باب النزول، مثل ما ذكرت سابقاً في قوله تعالى: وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً [الكهف:54]، فلو استطاع باحثاً أن يجمع هذه ويستخرج منها الدلالات والمعاني في الربط بين الحالة التي حدثت، وخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أو استشهاد الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه سيجد لطائف كثيرة، مثل ما ذكرت سابقاً أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد قال في غزوة بدر: ( سيهزم الجمع ويولون الدبر )، مستشهداً بالآية التي وردت في سورة القمر، وهي قد نزلت في مكة، فيفهم منه قطعاً أن هذه الآية هذا موطن تأويلها وأنه وقع هنا، وما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى من أن قوله: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى [الليل:5] أنها من باب الاعتبار، فهذا معترض عليه، بل إن الرسول صلى الله عليه وسلم لما ذكر سورة الليل في باب القدر ذهب إلى قوله: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى [الليل:4]، فهذا هو موطن آية القدر، وأما فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى [الليل:5] فهي تفصيل لقوله: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى [الليل:4]، ولذا قال: ( اعملوا فكل ميسر لما خلق له ) تفسيراً لقوله: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى [الليل:4]، وقوله: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى [الليل:5] هو تفصيل لهذا، فليس قول النبي صلى الله عليه وسلم من باب الاعتبار، بل هو تفسير مباشر وتبيين للمعنى.

    1.   

    الفصل الرابع: أمثلة من غريب القرآن

    قال رحمه الله: [ الفصل الرابع: أمثلة من غريب القرآن.

    غريب القرآن الذي ذكر في الحديث بمزيد الاهتمام، وخصص ببيان الفضل أنواع، فالغريب في فن التذكير بآلاء الله هي آية جامعة لجملة عظيمة من صفات الحق عز وجل، مثل آية الكرسي، وسورة الإخلاص، وآخر سورة الحشر، وأول سورة المؤمن، والغريب في فن التذكير بأيام الله هي آية يبين فيها قصةً قليلة الذكر، أو قصةً معلومةً يجاء فيها بمزيد تفصيل، أو قصةً عظيمة الفائدة تكون محل الاعتبارات الكثيرة، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في قصة موسى والخضر عليهم السلام: ( تمنيت لو كان موسى صبر مع الخضر حتى يقص الله تعالى من قصته علينا ).

    والغريب في فن التذكير بالموت وما بعده هي آية تكون جامعةً لأحوال القيامة مثلاً، ولهذا جاء في حديث ( الذي يريد كأنه يرى القيامة بعينه قل له: اقرأ سورة إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ [التكوير:1] ).

    والغريب في فن الأحكام هي آية تكون مشتملةً على بيان حدود، وتعيين وضع خاص، مثل تعيين مائة جلدة في حد الزنا، وتعيين ثلاث حيض أو ثلاثة أطهار في عدة المطلقة، وتعيين أنصباء المواريث.

    والغريب في فن المخاصمة هي آية يقع فيها سوق الجواب بنهج غريب يقطع الشبهة بأبلغ وجه، أو يقرن بيان حال هذا الفرق بمثل واضح، كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً [البقرة:17]، وهكذا بيان شناعة عبادة الأصنام.

    والفرق بين مرتبة الخالق والمخلوق والمالك والمملوك بأمثلة عجيبة، أو بيان إحباط أعمال أهل الرياء والسمعة بأبلغ وجه، وغرائب القرآن ليست بمحصورة في أبواب مذكورة، فأحياناً يكون غريباً من جهة بلاغة الكلام، وأناقته أسلوبه مثل سورة الرحمن، ولهذا سميت في الحديث بعروس القرآن، وأحياناً يكون غريباً من جهة تصوير صورة سعيد وشقي، وجاء في الحديث: ( لكل آية ظهر وبطن، ولكل حد مطلع )، فليعلم أن ظهر هذه العلوم الخمسة شيء يكون مدلول الكلام ومنطوقه، والبطن في تذكير آلاء الله تفكر في الآلاء ومراقبة الحق، وفي التذكير بأيام الله معرفة مناط المدح والذم، والثواب والعذاب من تلك القصص وقبول النصيحة، وفي التذكير بالجنة والنار ظهور الخوف والرجاء، وجعل تلك الأمور رأي العين، وفي آيات الأحكام استنباط الأحكام بالفحوى والإيماءات، وفي محاجة الفرق الضالة معرفة أصل تلك القبائح وإلحاق مثلها بها، ومطلع الظهر معرفة لسان العرب، ومعرفة الآثار المتعلقة بفن التفسير، ومطلع البطن لطف الذهن واستقامة الفهم بنور الباطل، وحالة السكينة، والله أعلم.

    ذكر الغريب بعض القضايا التي يكون فيها إما إنفراد وإما غرابة بحيث أنها تحتاج إلى تأويل، مثل ما ذكر آية الكرسي وسورة الإخلاص فهذا في التذكير بآلاء الله جعلها من غرائب فن التذكير؛ لأن فيها نوعاً من الإنفرادات، أما ما يتعلق بقضية الظهر والبطن فعندنا قاعدة في ظاهر القرآن وباطنه أن أي باطن يخالف الظاهر فهو مردود.

    القضية الثانية: أن الظاهر هو المعاني المتبادرة للذهن من ظاهر اللفظ، والباطن هي دقائق الاستنباطات التي تؤخذ من هذا اللفظ، فإذا اختلف الظاهر والباطن دل على الخطأ في الباطن، والعلماء لهم تعريفات في الظاهر والباطن كثيرة، لكن أظهرها هو ما ذكرته، فإذا اختلف الظاهر مع الباطن دل على الخلل إما في الظاهر، وإما في الباطن، يعني إما أن يكون فهم خطأً، واستنبط خطأً، وإما أن يكون فهم صواباً لكنه أخطأ في الاستنباط، والمتصوفة وبعض الباطنية هم يرون أن الظاهر يخالف الباطن، فيجعلون الظاهر للعامة، والباطن للخاصة، ولهذا يأتون ببواطن غريبة جداً جداً، بل أحياناً مخالفة لشريعة الإسلام بزعم أن هذا من الباطن الذي لا يعلمه إلا الأصفياء والأخلاء والأتقياء.. إلى آخر العبارات التي يذكرونها، مثل ما يذكرها إخوان للصفاء، أو يذكرها بعض الإسماعيلية، أو أيضاً بعض غلاة المتصوفة، فنقول: إن هذه لا شك أنها باطلة قطعاً، فلم ترد لا عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن الصحابة، وهذا من العجائب تجد أن جميع الفرق الباطلة التي تذهب إلى الباطن بأنواعه سواء كانت رافضة، أو إسماعيلية، أو قرامطة، أو باطنية، أو صوفية، ينسبون هذا العلم إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ويجعلونه هو باب الباطن، وأما بقية الصحابة كلهم فهم أهل الظاهر، وهذا طبعاً من الأشياء التي يحسن أن ينتبه لها في اتفاق أهل البدع على تعدد مشاربهم في هذه المسألة المتعلقة بـعلي رضي الله عنه.

    1.   

    العلوم الموهبية في علم التفسير

    [ خاتمة الرسالة: من العلوم الوهبية في علم التفسير التي أشرنا إليها تأويل قصص الأنبياء عليهم السلام، وللفقير في هذا الفن رسالة مسماة بتأويل الأحاديث، والمراد من التأويل هو أن يكون لكل قصة وقعت مبتدأ من استعداد الرسول وقومه، ومن التدبير الذي أراد الله سبحانه وتعالى في ذلك الوقت، وكأنه أشار إلى هذا المعنى في آية وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ [يوسف:6]، ومن العلوم الوهبية تنقيح العلوم الخمسة التي هي منطوق القرآن العظيم مر من ذلك الباب جملة في أول الرسالة فراجعه، ومن العلوم الوهبية ترجمته باللسان الفارسي على وجه مشابه للعربي في قدر الكلام والتخصيص والتعميم وغيرها أثبتناها في فتح الرحمن في ترجمة القرآن، وإن كنا تركنا هذا الشرط في بعض مواضع بسبب خوف عدم فهم الناضرين بدون التفصيل.

    ومن العلوم الوهبية علم خواص القرآن، وقد تكلم جماعة في خواص القرآن على وجهين: وجه كالدعاء، ووجه كالسحر استغفر الله منه، ولهذا الفقير فتحوا باباً خارجاً من المنقول ووضعوا في حجر مرةً واحدة جميع الأسماء الحسنى، والآيات العظمى، والأدعية المباركة، وقالوا: خذ هذه عطيتنا في التصريف، ولكن كل آية واسم ودعاء مشروط بشروط لا تدخل في القاعدة، بل قاعدتها انتظار عالم الغيب، كما يكون في حالة الاستخارة ينتظر حتى بأي آية أو اسم يشار إليه من عالم الغيب، ويقرأ تلك الآية والاسم على طريقة من طرق مقررة عند أهل هذا الفن، وهذا الذي أردناه إيراده في هذه الرسالة، والحمد لله أولاً وآخراً، باطناً وظاهراً، تمت والحمد لله رسالة الفوز الكبير في أصول التفسير، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه والتابعين ].

    آخر هذه الرسالة تكلم عن العلم الوهبي، يعني ما يهبه الله سبحانه وتعالى للعبد، وذكر أن من العلوم الوهبية تأويل قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وذكر كتابه الذي هو تأويل الأحاديث.

    وأيضاً ذكر تنقيح هذه العلوم، وذكر أيضاً ما وهبه الله من ترجمة القرآن باللغة الفارسية، وسبق الإشارة إليه في مقدمة الكتاب.

    أقول: فيما يتعلق بقضية العلم الوهبي هذا، أو الهبة الإلهية، هذا الحقيقة موضوع يحتاج إلى تأمل وهو ما يسمى بالعلم اللدني، آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً [الكهف:65]، هذا لا يمكن أن يقاس إلا بالشريعة، بمعنى أنه أي قائل يقول بقول يزعم أنه من هبة الله له فإنه لا يقبل إذا كان مخالفاً للشريعة، وصولنا إلى المعلومة قد يكون بطريق كسبي، وقد يكون بتيسير الله سبحانه وتعالى هذا الطريق الكسبي، وقد يكون أيضاً بتيسير الله سبحانه وتعالى أن يفكر الإنسان فيصل إلى هذه المعلومة، إذاً عندنا أن نصل إلى المعلومة بطريق كسبي، فنقرأ كتاب ونأخذ المعلومات منه نفهمها، مثل ما فعلنا الآن مع هذا الكتاب، أو أن الله سبحانه وتعالى ييسر لنا بعض المعلومات في خفايا وزوايا الكتب التي تفتح لنا الآفاق العلمية، أو أن الإنسان يفكر في بعض المعلومات، فينتج عنده نوع من التقسيمات لا تكون موجودة عند غيره، فهذه لا شك أنها هبة من الله سبحانه وتعالى.

    فمسالك العلم الذي يصل إليه الإنسان هو هذه الثلاثة، أما ما عداها إذا كان مما يسمى بأنه من العلم الوهبي، وهو مخالف للشريعة فإنه لا يقبل؛ لأنه لا يمكن أن يكون يلقى في الإنسان هكذا إلقاءً، ويقول: هذا علم لدني، وأنا لا أناقش فيه؛ لأنه قد جاء مثل ما ذكر المؤلف غفر الله له في الأخير؛ لأن المؤلف عنده هذه النزعة الصوفية؛ لأنه قال: عندي في التعبير يقول: (ولكن الله تعالى فتح على الفقير باباً وراء ما نقل من خواص القرآن، وألقي في حجري الأسماء الحسنى، والآيات العظمى، والأدعية المباركة مرةً واحدة، وقال: إنها عطاؤنا للتصريف)، وهذا الكلام الحقيقة خطير، ولهذا المترجم سلمان الندوي علق على هذا الكلام، وذكر أن المؤلف ذكر هذه الأشياء الذوقية والوجدية التي لا يقوم عليها دليل، فإذاً لا نرتضي مثل هذه العبارة التي ذكرها المؤلف رحمه الله، وكذلك العبارات التي ذكرها بعد ذلك كلها من آثار التصوف عنده رحمه الله تعالى.

    خواص القرآن

    خواص القرآن أيضاً من باب الفائدة هي على قسمين، والمراد بالخواص هو التأثير يعني تأثير الآيات القرآنية على النفس أو على الألم الجسدي، فهذا يسمى خواص القرآن، بعض الناس يقول: من أرادت أن تتزوج فلتقرأ سورة البقرة كل يوم مثلاً، ومن أراد كذا فليفعل كذا. وهذا موجود عموماً وهو يسمى علم خواص القرآن موجود في الكتب، فهذا يجب أن يكون عندنا فيه أيضاً اعتدال في النظر، فنقول: إن بعض خواص القرآن وارد في السنة النبوية، مثل حديث الفاتحة وأنها رقية من السحر، فهذا يعتبر من الخواص، فما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا شك أنه هو الأصل وهو الذي يفعل، ومثل نفثه بالمعوذتين على العين أو على المسحور أو غيره.

    وعندنا خواص ترتبط بالسحر والطلاسم، وهذه -والعياذ بالله- يفعلها السحرة، بحيث يجعلون بعض كلام الله سبحانه وتعالى في رقاهم السحرية، وهذا واضح الآن لمن يطلع على بعض ما يفك ويحل من السحر وغيرها، يجد -والعياذ بالله- خاصاً الأحرف المقطعة يستخدمونها في السحر، وهذا لا شك أنه باطل لا يجوز.

    يبقى نوع من الخواص بين هذه وهذه، وهي أن المسلم قد يلهم أن يستخدم بعض الآيات فتعالج حالة معينة عنده، فهذه ليس لها قاعدة، بمعنى أنها إن نفعت مع فلان أو فلانة فلا يلزم أن تنفع مع غيره؛ لأن هذا الأمر مندرج تحت أمر كلي عام، وهو أن هذا القرآن شفاء، لكن التحديد أن الآية الفلانية تفيد في المرض الفلاني، والآية الفلانية تفيد في المرض الفلاني، هذا يحتاج إلى قول معصوم، أو إلى تجربة يجمع عليها، والإجماع لا شك أنه عزيز، يعني أنه كوننا نقول: والله إن هذه الآية مجربة، وهذا يفعله بعض المتصوفة، وتجدون أيضاً في كتاب الحيوان للدميري يذكر مثل هذا، فيقول: وهذه الآية مجربة في علاج كذا، وهذه الآية قد جربتها فنفعت في كذا، قد يكون جربها ونفعت، لا ننفي النفع؛ لأن الأصل في القرآن هو النفع، لكن ليست مطردة، فإذاً باب الخواص يجب أن ننتبه أنه إذا جعل الاطراد فنعم، أما إذا كان مجرد تجارب فهذا الأصل فيه العودة إلى الشرع، ولا يصلح أن نقول للناس: من قرأ سورة البقرة ست مرات فإن الله سبحانه وتعالى يرزقه الولد، وأنا قد فعلت هذا في هذه النية فرزقني الله الولد بعد عقم خمس عشر سنة، ونلاحظ بين الفتيات يقولون: اقرئي سورة البقرة بنية الزواج، فإن شاء الله إن الله يرزق زوجاً، فقد يحصل اتفاقاً مع بعضهم، فتظن أن هذا بسبب هذا، وقد يكون بسبب هذا، فلا نمنع لكن ليس هذا مطرداً، الخلاصة أن الخواص ثلاثة أقسام: قسم وارد في الشرع، فهذا ثبوته لا ريب فيه.

    وقسم يستخدم في طلاسم السحر فهذا لا يجوز مطلقاً.

    وقسم قد يحصل للمسلم اتفاقاً، وهذا إن لم يطرد فإنه لا يعمل به.

    فهذه الأقسام الثلاثة فيما يتعلق بهذا المقام.

    1.   

    الأسئلة

    الاستشهاد ببعض الآيات في بعض مواقف الحياة

    السؤال: ما حكم الاستشهاد ببعض الآيات في بعض المواقف التي يتعرض لها الشخص في حياته لعلاقة بينها؟

    الجواب: الأصل في الاستشهاد في مواطن الجد الجواز، والاستشهاد في مواطن الهزل الحرمة، فالقاعدة إذاً هي: هل الموطن موطن جد أو موطن هزل؟ فإن استشهد بها في موطن الجد فهذا جائز، وقد جرى عليه عمل الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين وغيرهم من العلماء، أما إذا استشهد به في موطن الهزل فهذا لا يجوز إطلاقاً، فهذا هو الضابط العام في هذه المسألة.

    قاعدة: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب

    السؤال: دائماً يتكرر في كتب علوم القرآن وغيرها عبارة العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؟

    الجواب: هذه قاعدة وهو الصحيح في هذا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

    منزلة منظومة ابن المنير في غريب القرآن

    السؤال: منظومة ابن المنير المالكي في غريب القرآن؟

    الجواب: قرأت فيها، لكن ما عندي فيها حكم فيمكن يكون جيد، لكن ابن المنير ممن له في علم التفسير، فمن جهة التفسير لا أتوقع أنه سيكون فيها أي إشكال.

    مدى وجود منظومة شاملة في أصول التفسير

    السؤال: هل هناك منظومة شاملة في أصول التفسير؟

    الجواب: الآن بعض المعاصرين يعمل على منظومات إن شاء الله في أصول التفسير لعلها تخرج.

    مذهب ولي الله الدهلوي في العقائد

    السؤال: ذكرتم في أول درس: إن ولي الله الدهلوي صوفي نقشبندي، قد اتضح من كلامه في هذه الرسالة أنه رجع إلى مذهب السلف في الاعتقاد والسلوك، فما ترون؟

    الجواب: لا تستشكل، هو رحمه الله تعالى عنده شيء من التصوف، وواضح هذا جداً في رسالته، وأيضاً في مجمل الاعتقاد هو على مذهب السلف كما أشار في هذا، وهذا قد يقع فإن الكمال عزيز، ولكن في مثل حال هذا الرجل يؤخذ منه ما كان حسناً، وينبه على ما كان عنده من إشكال.

    القول بأن أصول التفسير مستمدة من أصول الفقه

    السؤال: ما رأيكم فيمن يقول: أصول التفسير مستمدة من أصول الفقه؟

    الجواب: هذا ذكرته وبينته في أكثر من موطن أن العلوم الإسلامية مشتركة، والشبه التي أوقعت مثل هذا القول هو أن علماء أصول الفقه كتبوا وحرروا، وجاء من كتب في علوم القرآن أو أصول التفسير فأخذ محررات هؤلاء العلماء دون أن يضبطها بما يتعلق بالقرآن وعلومه، فوقع هذا اللبس، وإلا الصحيح أنه قد تشترك علوم القرآن وأصول التفسير مع أصول الفقه وتفترق، فليس كل ما في أصول الفقه في علوم القرآن، ولا كل ما في علوم القرآن في أصول الفقه، إذاً في نوع من تداخل واشتراك في بعض المواطن.

    تقويم أسلوب ابن عاشور في تفسيره

    السؤال: ذكرتم أن المفسر لا يحتاج إلى علم البلاغة إجمالاً، فما رأيكم فيما فعله الطاهر بن عاشور ؟

    الجواب: الذي فعله الطاهر بن عاشور رحمه الله تعالى هو بيان لبلاغة القرآن، وليس أن هذا يلزم أن يكون هو التفسير، وهذه يجب أن ننتبه لها حينما نقول: إن هذا ليس من علم التفسير، لا يعني أن المفسر لا يكتب في هذا العلم، فحينما يكتب المفسر كتاباً في التفسير، يشمل علم المعاني، وعلم البديع، وعلم البيان، لا شك أن هذا أقوى لكتابه، فيحمد له هذا، لكن أن يقال: إن علم التفسير يتوقف على علم البلاغة مثل ما قال الزمخشري نقول: لا، لا يتوقف على علم البلاغة، إنما الذي يتوقف على علم البلاغة هو إعجاز القرآن، فمن أراد أن يبين إعجاز القرآن فلا بد له من البلاغة، ولا بد له من فهم المعنى، أما أن يفسر فلا، والدليل على ذلك أن جل كتب التفسير لا تعنى بالبلاغة، فإذا كانت لا تعنى بالبلاغة والبلاغة من أصول المفسر، فجل هذه التفاسير ليست من التفسير، فيجب أن نميز بين تحرير المصطلح وبين مناهج العلماء في الكتابة.

    سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3007967341

    عدد مرات الحفظ

    720786012