إسلام ويب

لعلكم تتقونللشيخ : صالح بن حميد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • القبول عند الله معلق بالتقوى، وأهل التقوى هم الأعلون في الدنيا والآخرة.

    والصيام غايته التقوى، حيث يدع الصائم الأكل والشرب والشهوات طاعة لله، فعلى المسلم أن يغتنم هذه الأيام الفاضلة والليالي العظيمة بالتقرب إلى الله بقيام الليل وقراءة القرآن والذكر والصدقة وفعل الخير.

    1.   

    التقوى والمتقون

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.

    أما بعد:

    أوصيكم ونفسي بتقوى الله، اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ [آل عمران:102].. فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16] واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيراً لأنفسكم، العز والشرف في التقوى، والسعادة والعلى عند أهل التقوى.

    التقوى -أيها المسلمون- كنز عظيم، وجوهر عزيز، إن خيري الدنيا والآخرة مجموع فيها: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى [البقرة:197] والقبول عند الله معلق بها: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة:27] والغفران والثواب موعود عليها: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً [الطلاق:5]

    أهلها هم الأعلون في الآخرة والأولى: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [القصص:83] غير أن أزمنتنا المتأخرة، وعصورنا المادية، كست قلوب أصحاب كثير من أهلها طبقات من الغفلة، وغشت على أبصارها سحباً من الصدود كثيفة؛ فعموا عن الطريق، وحسن ظنهم بالترقي في جاه الدنيا وسلطانها، فالشقي في ميزانهم من قلت مادته وقدر عليه رزقه، وهذا لعمر الحق غفلة شنيعة، وجهل في المقاييس عريضة: وَلا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى [طه:131].. وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى [طه:132].

    نعم. أيها الإخوة! المتقون تقر أعينهم بالطاعات في الدنيا، وبعالي الدرجات من الجنة في الأخرى، يقال ذلك أيها المسلمون وقد أظلكم هذا الشهر الكريم المبارك، شهر فرض الله عليكم صيامه لعلكم تتقون.

    غاية الصيام

    أيها الإخوة! غاية الصيام: تقوى الله عز وجل.. تقوى يتمثل فيها الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والقناعة بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل.

    تقوى صادقة دقيقة يترك فيه الصائم ما يهوى حذراً مما يخشى، ولئن كانت فرائض الإسلام وأحكامه وأوامره ونواهيه كلها سبيل التقوى، فإن خصوصية الارتباط بين الصيام والتقوى شيء عجيب..!

    صوم القلب والجوارح

    أيها الإخوة! جوارح الإنسان عين وأذن، ويد ولسان، وبطن وفرج، والقلب من ورائها أصلها وحاكمها، صام القلب واتقى إذا جرد العبودية لله وحده، وخضع لجلاله، وسعى لقربه، وأنس بمناجاته، وخلص من الشرك، وسلم من البدع، وتطهر من المعاصي.

    قلب تقي يرى الهوى والشهوة، والظن والبغي، والعداوة والبغضاء، والغل والحسد، والمراء والجدل، يرى كل ذلك أمراضاً قلبية فتاكة، تقتل الأفراد وتهلك الأمم.

    القلب التقي يرفضها ويأباها ويتقيها ويتقيؤها، وصيامه ينفيها ويجفوها، قلب صائم متدين لله بالطاعة، مستسلم له بالخضوع والاستجابة، منقاد لتنفيذ الشرع في الأمر والنهي، عبودية لله خالصة، لا يصرفه عنها شهوة ولا شبهة، ولا يشوش عليه فيها أمانٍ ولا مطامع، قلب قوي تقي، لله صلاته وصيامه، ونسكه ومحياه ومماته، {من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه }

    وإذا صلح القلب صلحت الجوارح؛ فقامت بحق الطاعة، وكفت عن الآثام، فالبطن محفوظ وما حوى، ترك الطعام والشراب والشهوة من أجل الله، تقى عال يقي النفس جماح غرائزها، وإرادة مستعلية تأخذ أمر ربها بقوة، وتزدجر عن النواهي باستسلام، لقد كان على الهدى وائتمر بالتقوى، من منع جسده تخمة الغذاء؛ ليمنع جوارحه السوء والأذى.

    قلة الشبع تكبح الجماح، وتبعد نزغات الشياطين: {والشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم } قلة الشبع تجعل الجوارح أقرب لفعل القربات.. يرق القلب، ويغزر الدمع، ويخذل الشيطان.

    وانظر -حفظ الله دينك وزاد في تقاك- في ضعاف المهازيل، ممن جاع نهاره، وملأ في الليل بطنه، فهو صريع لذة عارمة، وعبد لشهوة جامحة، هل حقق معنى التقوى حين تفنن بأطايب الطعام وألوان الموائد؟ بينما قليل منه قد يشبع جياعاً، ويسعد أسراً، قليل منه قد يكفكف دموعاً، ويوقف عبرات، هل أعطى واتقى أم كيف أعطى، وماذا اتقى من جعل رمضانه تبذيراً وفطره تخمة؟! مسكين بائس.. لا يرى في الصوم إلا جوعاً لا تتحمله معدته، وعطشاً لا تقوى عليه عروقه، أي تقوى وأي مقاومة عند أمثال هؤلاء المهازيل؟! أولئك أقوام انهزمت عزائمهم أمام جوع بطونهم، لقد أورثهم الشبع قسوة فجعلهم نئومين، وأقعدهم كسالى، ألا فاقعدوا فأنتم الطاعمون الكاسون.

    من أعلن استسلامه في معركة لقيمات، لا تدوم سوى سويعات، فليس جديراً أن يعيش عزة المتقين، وعلياء الشهداء المجاهدين.

    الله أكبر! لقد فرض الصيام لتمحيص التقوى، وليصبح المسلم صائماً تقياً في مطعمه ومشربه، قصده رضا محبوبه {الصوم لي وأنا أجزي به } .

    هذا حال البطن وما حوى، فيا ترى ما بال الرأس وما وعى؟

    من لم يدع قول الزور والعمل به كيف صام؟ وماذا اتقى؟ حظه من صيامه الجوع والعطش، ونصيبه من قيامه السهر والنصب، أين التقوى في أسماعهم وأبصارهم؟ لغو ولهو، وقيل وقال، وأصوات معازف، وصور ماجنة، وقصص خالعة، في النهار نوم في تقصير، وفي الليل سهر في غير طاعة، متبرمون في أعمالهم، سيئون في معاملاتهم، متثاقلون في أداء مسئولياتهم، نشاط في اللهو والسمر، وكسل في الجد والعبادة.

    1.   

    الطاعة في رمضان

    أيها الأحبة: شهركم شهر التقوى، شهركم موسم عظيم للمحاسبة، وميدان فسيح للمنافسة، تصفو فيه نفوس من داخلها، وتقترب فيه قلوب من خالفها، تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب النار، وتصفد فيه الشياطين، وتكثر دواعي الخير وأسباب المثوبة، رحمة ومغفرة، وعتق من النار.

    فأقبلوا على الطاعة، وتزودوا من التقى، واستروحوا روائح الجنة، وتعرضوا للنفحات.

    الصائمون المتقون: لا يزالون في صلاة وصيام وتلاوة وذكر وصلة وإحسان وجد وعمل، فاطلبوا الخير دهركم، وتعرضوا لنفحات ربكم؛ فخيركم من طال عمره وحسن عمله، وشر الناس من طال عمره وساء عمله.

    أيها المتقون الصائمون: فتشوا عن المحتاجين من أقربائكم، والمساكين من جيرانكم، والغرباء من إخوانكم، لا تنسوا برهم وإسعادهم، أشركوهم معكم في رزق ربكم، اذكروا جوع الجائعين، ولوعة الملتاعين، وعبرات البائسين، وغربة المشردين، ووحشة المهاجرين.

    اسألوا في شهر التقوى والمحاسبة: هل قام بحق التقوى من بات شبعان وحوله جائع يستطيع إشباعه فلم يفعل؟ اسألوا: هل قام بحق الشهر من رأى نفساً مؤمنة بائسة يستطيع إسعادها فلم يفعل؟

    أيها المسلمون! صوموا حق الصيام لعلكم تتقون، ومن يتق الله يكن الله معه، ومن كان الله معه فمعه الفئة التي لا تغلب، والحارس الذي لا ينام، والهادي الذي لا يضل، وإذا كان الله معك -يا عبد الله- فمن تخاف؟ وإذا كان عليك فمن ترجو، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) * شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [البقرة:183-185].

    نفعني الله وإياكم بهدي كتابه، وبسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم.

    وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

    ضرورة اغتنام الأوقات في رمضان

    الحمد لله جعل الصيام جنة، وسبباً موصلاً إلى الجنة، أحمده سبحانه وأشكره، هدى إلى خير طريق وأقوم سنة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، بعثه إلينا فضلاً منه ومنة، اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فاتقوا الله أيها الناس! فالشهور والأعوام والليالي والأيام مواقيت الأعمال ومقادير الآجال، تمر سريعاً وتنقضي جميعاً، إنها أيام الله خلقها وأوجدها، وخص بعضها بمزيد من الفضل، ما من يوم إلا ولله فيه على عباده وظيفة من وظائف طاعاته، ولطيفة من لطائف نفحاته، يصيب بفضله رحمته من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم.

    وإن بين أيديكم شهراً عظيماً، وأياماً فاضلة، وليالي شريفة؛ فأحسنوا فيها الوفادة، وجدوا فيها بالعمل، وأروا الله من أنفسكم خيراً، فلم يكن سلفكم يستعدون لها بمزيد من الأكل والشرب، ولكن بالطاعة والعبادة والجود والسخاء، فهم مع ربهم عباد طائعون، ومع إخوانهم بررة محسنون، والأسوة في ذلك والإمام نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، فهو أجود ما يكون في رمضان، ويجتهد فيه ما لا يجتهد في غيره، يحيي ليله ويوقظ أهله ويشد المئزر، ذلكم هو مسلك التقوى، وهذه هي مراسم الاستقبال فاعملوا وأحسنوا وأبشروا.

    ثم صلوا وسلموا على سيد رسله، وخاتم أنبيائه، والشافع المشفع عند الله يوم لقائه، نبيكم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم .

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3003755965

    عدد مرات الحفظ

    718725519