إسلام ويب

تفسير سورة الحجرات [1-3]للشيخ : المنتصر الكتاني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من عظيم فضل الله على المؤمنين أنه أنزل إليهم كتاباً مبيناً يعلمهم الأحكام ويبين لهم الآداب، ومن ذلك الأدب مع الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فلا يجوز للمؤمن أن يتقدم بين يدي الله ورسوله، ولا أن يرفع صوته على صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله...)

    معنى قوله تعالى: (لا تقدموا بين يدي الله ورسوله)

    قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الحجرات:1].

    هذه سورة الحجرات، والحجرات: جمع حجرة، ويراد بها حجرات نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ذكرت في السورة، وسميت بها من باب تسمية الكل باسم البعض، كسائر سور القرآن الكريم.

    والسورة مدنية حيث نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة، وهي تشتمل على ثماني عشرة آية، وهي في الآداب والأخلاق، ومنها الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوقيره وتعظيمه واحترامه، وتعليم المسلمين كيف يكلمونه، وكيف يجالسونه، وكيف ينادونه، وألا يرفعوا أصواتهم بحضرته، وألا يرفعوا أصواتهم على صوته، وأن يغضوا أصواتهم بمحضره، وألا ينادوه وهو في داخل بيته، وإذا نادوه لا ينادونه كما ينادي الناس بعضهم بعضاً، ففعل ذلك جرائم وكبائر قد توصل إلى إحباط الأعمال.

    قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [الحجرات:1].

    وإذا سمعت: (يا أيها الذين آمنوا) فأعرها أذنك، واستعد لسماع الحكمة والحلال والحرام والآداب من الله جل جلاله.

    ونجد أنه إذا خاطب الله المؤمنين بفروع الشريعة قال: (يا أيها الذين آمنوا)، وإذا خاطب بأصول الشريعة، وبالدعوة إلى التوحيد، وإلى ترك الأوثان والأصنام والأوثان والشركاء قال: يا أيها الناس .

    والخطاب في هذه السورة هو للمؤمنين في بيان كيف يتأدبون، وكيف يكون سلوكهم وعشرتهم ومجالستهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

    قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [الحجرات:1]، وقرئ في السبع: (لا تَقَدَّموا بين يدي الله ورسوله) بحذف إحدى التائين، أي: لا تتقدموا بين يدي الله ورسوله، والمؤدى واحد.

    قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [الحجرات:1]، أي: لا تسبقوا ربكم ولا تسبقوا نبيكم في الحكم بالحلال والحرام، فلا يليق لكم أن تجمعوا وتشرعوا من أنفسكم أحكاماً ما أنزل الله بها من سلطان، فلا تسبقوا كتاب ربكم، ولا تلغوا أحكامه وتجعلونه وراء ظهوركم معرضين عنه، فلا تخرجوا عن أمر الله، ولا تتقدموا أمر الله، ولا تقدموا شيئاً بين يدي كتاب ربكم وسنة نبيكم، ففاعل ذلك فاعل حراماً، ومرتكب كبيرة قد تصل به إلى الكفر والردة.

    ذكر سبب نزول الآية

    وقد ذكر في سبب نزول الآية أسباباً، وجمعيها يمكن أن تكون صحيحة وتفسر الآية بها، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

    فذكر من الأسباب: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان بحضرته أبو بكر وعمر ، فأراد أن يؤمر أميراً على فئة أو على قرية، فقال له أبو بكر : أمر - يا رسول الله - ابن معبد ، فقال له عمر : لا، بل أمر ابن حابس ، فقال أبو بكر : إنما تريد مخالفتي، فقال عمر : لا أريد مخالفتك، وارتفعت أصواتهما حتى كاد الخيران أبو بكر وعمر يهلكان؛ لأنهما رفعا أصواتهما بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسبقا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاقتراح في تعيين الأمير قبل أن يُسألا أو يُستشارا أو يُطلب ذلك منهما.

    وقيل: إن السبب هو أن قوماً ذبحوا مناحرهم ومناسكهم قبل أن ينحر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنهوا عن ذلك، وأُكِّد هذا القول بأن النبي عليه الصلاة والسلام قال في يوم النحر: (أول ما نبدأ به يومنا أن نصلي ثم نذبح بعد ذلك نسيكتنا) ، فمن ذبح قبل ذلك لم يقدم إلا لحماً، ولم يضح، ما لم تصل صلاة العيد ويخطب لها الخطبتان.

    وقيل: كان السبب في ذلك: أن جماعة من الأصحاب أخذوا يقولون: لو نزلت آية في كذا، لو نزلت سورة في كذا، وأخذوا يقترحون على ربهم بأن ينزل في هذا آية، وفي هذه سورة فمنعوا من ذلك.

    العموم في الأدب الوارد في الآية الكريمة

    وأياً كان السبب فالله جل جلاله أدب المؤمنين بألاَّ يتقدموا بين يدي ربهم، وبين يدي نبيهم، أي: أن يتقدموا أمام كتاب الله بالقول بما لم ينزل الله به من سلطان، وبين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما لم ينطق ولم يتكلم به، فذلك ما لا يجوز.

    فالمعنى: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول صلى الله عليه وسلم، والتزموا الطاعة في كل أمر وفي كل نهي، وفي كل حلال وحرام، وفي كل أدب، و(لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّه) قولاً، ولا عملاً، ولا اقتراحاً، ولا رأياً.

    فالله جل جلاله هو خالق الخلق وأعلم بما يصلحهم في الدنيا والآخرة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم المتكلم عن الله، والآمر بأمر الله، والناهي بنهي الله، فطاعته طاعة الله، فمن خرج عنها خرج عن الله وطاعته، ومن يطع الرسول فقد أطاع الله.

    ولا تقدموا بين يدي رسول الله، فلا تسبقوه بالقول، ولا تسبقوه بالعمل في حكم من الأحكام، وفي أي قسم من الشرائع، بل خذوا ذلك من كتاب الله وكونوا له ممتثلين، وخذوا ذلك من كلام رسول الله وكونوا له مطيعين.

    معنى قوله تعالى: (واتقوا الله إن الله سميع عليم)

    قوله تعالى: (واتقوا الله) أي: اتقوا الله في المخالفة، فلا تخالفوا ربكم، ولا تخالفوا نبيكم، واتقوا الله في أن تفتاتوا على شريعتكم فتزيدوا فيها أو تنقصوا منها، أو تتركوها إلى شريعة الشيطان وإلى دين الشيطان، كما يفعل اليوم دول المسلمين قاطبة، إلا ما رحم ربك، وقليل ما هم.

    تركوا كتاب الله وراءهم ظهرياً، وتركوا سنة رسول الله وراءهم ظهرياً، والتزموا بقوانين اليهود والنصارى وآدابهم، وأعرضوا عن الله وكتاب الله، وأعرض الله عنهم وسلط عليهم أعداءهم من كل ملة وكل دين.

    قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الحجرات:1]، سميع لأقوالكم، عليم بأفعالكم، فيحاسب كلاً على قوله أو على عمله بحسبه، إن خيراً فخيراً، وإن شراً فشراً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ...)

    معنى قوله تعالى: (لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي)

    قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ [الحجرات:2].

    هذا الأدب الثاني مع رسول الله، في بيان كيف يكلمه المسلم حياً، وكيف يتكلم عند ضريحه، وتلاوة سنته، ومدارسة الكتاب المنزل عليه.

    فقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [الحجرات:2] الخطاب للمؤمنين؛ لأنهم الملتزمون - بعد الشهادتين - بكل شعيرة من الشعائر، وكل حكم من أحكام الإسلام.

    يقول تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ [الحجرات:2]، أي: إذا تكلمتم معه وتحدثتم فإياكم أن ترفعوا أصواتكم حتى تعلو على صوته، ويحتاج لسماع كلامكم إلى انتهاء ضجيجكم وانتهاء لغطكم، بل إذا جلستم في مجلسه وتحدثتم إليه فغضوا أصواتكم، وتكلموا وأنتم غاضون أصواتكم بحيث يعلو صوت النبي أصواتكم.

    معنى قوله تعالى: (ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض)

    يقول تعالى: وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ [الحجرات:2].

    أي: إذا تكلمتم معه فلا يكن قولكم وكلامكم معه جهراً مرتفعاً بلغط وصياح، كشأن غير المؤدبين من أجلاف البدو والأعراب، فرسول الله رسول الله صلى الله عليه وسلم يجب أن يوقر، ويجب أن يعزر، ويجب أن يحترم، ومن ذلك غض أصواتكم بمحضره وعند مكالمته وعند الحديث معه.

    قال تعالى: كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ [الحجرات:2]، أي: لا تحدثوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنتم تكلمونه كما يكلم بعضكم بعضاً بأصوات مرتفعة، فإنه إن جاز هذا فيما بينكم فلا يجوز بحال أن يكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا [النور:63]، فلا ترفعوا أصواتكم فوق صوته، ولا تنادوه: (يا محمد)، ولا تنادوه: (يا أبا القاسم)، بل نادوه: (يا رسول الله)، (يا نبي الله)، وإذا ذكر فصلوا عليه، فقد قال عليه الصلاة والسلام: (البخيل من ذكرت عنده ولم يصل علي).

    وقال ربنا جل جلاله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56].

    فإن كان الله يصلي على عبده، وملائكته تصلي على عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم؛ فمن باب أولى أن يصلي عليه المسلمون وأن يسلموا تسليماً، أي: صلاةً كثيرة متتابعة متوالية دائمة عندما يذكر، ويستحب ذلك بالتأكيد في يوم الجمعة منذ طلوع الفجر إلى غروب الشمس، والاستحباب قائم في جميع الأوقات، وفي تحياتنا عندما نجلس للتحيات في الجلسة الأولى والجلسة الثانية وجميع جلسات الصلوات يكون من جملة التحية السلام على رسول الله بقولنا: (السلام عليك - أيها النبي - ورحمة الله تعالى وبركاته).

    فقوله تعالى: وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ [الحجرات:2]، أي: لا يكن قولكم بمحضره بصوت مرتفع، فهذا من أخلاق المنافقين، والكافرين، والأجلاف من الأعراب الذين هم جديرون بأن لا تمتلئ قلوبهم بالإيمان، وأركانهم بالأعمال.

    معنى قوله تعالى: (أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون)

    وقوله تعالى: أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [الحجرات:2]، أي: خشية أن تحبط الأعمال، فهي كبيرة من الكبائر يوشك مرتكبها أن يرتد ويكفر، فلا يبقى له شيءٌ من الأعمال، بل تذهب هباء منثوراً كأنه لم يعبد الله يوماً ولم يصل ولم يحج ولم يزك؛ لقلة أدبه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فقوله: أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [الحجرات:2]، أي: قد يكون ذلك بحيث لا تشعرون ولا تحسون ولا تدركون، فذلك عند الله عظيم، فهذا أبو بكر وعمر سيدا الناس بعد الأنبياء عندما رفعا أصواتهما بمحضر رسول الله أنبِّا وأنذرا بهذه الآيات الكريمة.

    ولذلك يروى أن عمر يوماً سمع شخصين يتكلمان بأصوات مرتفعة عند قبر النبي عليه الصلاة والسلام، فأتى بهما، فقال لهما: من أين أنتما؟ قالا: من الطائف، فقال لهما: لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضرباً، ألم تعلما أن الأدب مع رسول الله حياً كالأدب معه ميتاً؟!

    فالمسلم بصفة عامة قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حرمة المسلم ميتاً كحرمته حياً) ، فكيف بحرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! وهذا أمر أجمعوا عليه، وهو أنه لا يجوز رفع الأصوات في مسجد رسول الله وعند مرقد رسول الله، وعند قراءة حديث رسول الله، وعند تفسير كتاب الله المنزل عليه، وإن رفع المعلم صوته فليس ذلك ليرفع صوته على رسول الله، ولكن ليسمع الحاضرين، وليسمع المنصتين، وليسمع المتعلمين حيث لا طريقة لسماعه إلا أن يرفع صوته، وهو بذلك نائب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (العلماء ورثة الأنبياء).

    وقد نص علماؤنا على عدم رفع الأصوات بمحضر رسول الله حياً وميتاً، وعدم رفعها بمحضر خلفائه العادلين، وخلفائه الوارثين العلماء، فرفع الأصوات على أصواتهم وبمحضرهم يعد رفع صوت على صوت رسول الله، وقلة أدب مع رسول الله؛ لأن الخليفة له حرمة ومقام من حرمة من خلفه وقام مقامه وورثه في علمه وفي دعوته.

    قوله تعالى: أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [الحجرات:2]، وفي الحديث النبوي: (إن أحدكم ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً فيدخل بها الجنة، وإن أحدكم ليتكلم الكلمة لا يلقي لها بالاً فيهوي بها في قعر جهنم سبعين خريفاً) إلى أن يصل إلى قعر جهنم نتيجة القالة التي قالها وفيها كفر أو قلة أدب مع الله ومع رسول الله ومع المقدسات المحترمات من دين الله وشريعة الله وكتاب الله وحكمة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله ...)

    قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ [الحجرات:3].

    قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ [الحجرات:3]، غض الصوت هو خفضه، يقال: غض من صوته، أي: لم يرفعه، وتكلم بأدب، وتكلم بصوت منخفض.

    فبعد نزول هذه الآية أخذ الصحابة لا يتكلمون بمحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا إذا ابتدأهم، فإذا أجابوه كان كلامهم في غاية ما يكون من خفض الصوت مع غض البصر والأدب التام، كما وصفوا بأنه كان جلوسهم بين يدي رسول الله كالميت بين يدي الغاسل، وكمن على رأسه طير يخاف أن يطير، فهو على غاية ما يكون من الأدب والسكون.

    معنى قوله تعالى: (أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى)

    وقوله تعالى: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى [الحجرات:3] أي: أولئك الغاضون أصواتهم عند النبي صلى الله عليه وسلم حياً وميتاً، وعند تلاوة الكتاب المنزل عليه والسنة التي فسر بها كتاب الله، وعند خلفائه العادلين وورثته من العلماء العاملين، أولئك امتحن الله قلوبهم للتقوى، أي: أخلصها للتقوى.

    يقال: امتحن الذهب والحديد ليعلم الزائف من الأصيل، فهؤلاء الذين تأدبوا مع رسول الله أخلص الله قلوبهم للتقوى، فأصبحوا من المؤمنين المتقين، والمؤمنين الصالحين، والمؤمنين المتأدبين، والمؤمنين العاملين.

    وذكر القلوب كما قال النبي عليه الصلاة والسلام ثلاث مرات: (التقوى هاهنا) وأشار إلى صدره، أي: الإيمان التصديق، بأن يصدق القلب اللسان، وتطبق ذلك الأركان، فإذا طابق الإيمان القلبي الإسلام اللساني والعمل الأركاني فذلك الإسلام، ولذلك يكثر الله في كتابه من قوله: (الذين آمنوا وعملوا الصالحات) فالإيمان بالقلب، وعمل الصالحات بالأركان هو الإسلام علانية.

    قوله تعالى: لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ [الحجرات:3]، فالله تعالى غفر ذنوبهم وأعظم أجورهم، ورفع درجاتهم، وكفر سيئاتهم، وجعلهم في عليين مع الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين.

    ذكر خبر ثابت بن قيس رضي الله عنه

    وقد كان ثابت بن قيس بن شماس جهوري الصوت، وهو من الصحابة الأنصار، فعندما نزلت هذه الآية قعد في بيته يبكي، وأغلق عليه بابه، وقال: لن أخرج حتى يستغفر لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما أظن هذه الآية نزلت إلا في، فإني كنت إذا تحدثت بمحضر رسول الله أرفع صوتي على صوته.

    ومضت أيام دون أن يراه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فافتقده فسأل عنه فقال: (هل ثابت يشتكي؟) ، أي: أمريض هو؟ قالوا: لا، وذكر جار له أنه ما سمعه يشتكي، فذهب إليه يقول له: إن رسول الله يسأل عنك، فجاء إلى رسول الله يبكي وقال: يا رسول الله! قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [الحجرات:2] ، فما أظن هذه الآية نزلت إلا في فأنا معك أرفع صوتي على صوتك، فقد حبط عملي! فأخبره رسول الله بأنه ليس الأمر بالنسبة له كذلك، وأنه سيعيش حميداً، ويموت شهيداً، ويدخل الجنة، ففرح ثابت ببشرى الله ورسوله.

    وانتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، وقام مسيلمة الكذاب بدعواه النبوة، وقد ادعاها في آخر حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتصدى له خليفته الأول أبو بكر ، وأرسل الجيوش من المدينة تحت قيادة سيف الله المسلول خالد بن الوليد ، وإذا بـثابت بن قيس يستشهد في المعركة، فكان كما قال عليه الصلاة والسلام: (وتموت شهيداً) ، فقد مات شهيداً لإعلاء كلمة الله ولمحاربة أعداء الله وللدفاع عن المستضعفين من الرجال والنساء والولدان.

    وقد حدث بعد موته حادثة غريبة لم يكن لها نظير في الأحكام، حيث رآه رجل في المنام فقال له ثابت : يا فلان! إن فلاناً في آخر المعسكر أخذ درعي، وهي في مكان كذا عند فرس ربطها بحبل طويل وهي تدور مع هذا الحبل، فقل لـخالد يأخذ تلك الدرع ويبيعها ويتصدق بها، وقل لـأبي بكر : إن غلماني أحرار وعتقاء لله جل جلاله، فجاء هذا الرجل وبلغ خالداً ، فبحث عن الرجل الذي وصفه ثابت فوجده كما وصفه، ووجد الدرع تحت البرمة، فأخذها، ثم انتهت المعركة بنصر المسلمين واستشهاد كثير منهم، وعادوا إلى المدينة منتصرين فقال خالد لـأبي بكر : إن ثابتاً استشهد، وقد أوصى بعد موته بأن يعتق عبيده وبأن تباع الدرع، وقد أخذها رجل ممن كان في المعركة، ووجدتها كذلك، فأمضى أبو بكر وصيته وأعتق العبيد عنه، وهذه أول حادثة في تاريخ الإسلام وأحكام الإسلام تنفذ فيها وصية ميت.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3015433851

    عدد مرات الحفظ

    723642440